تفسير من هدى القرآن والفهم العرفي
كتبه: الشيخ عبدالغني عباس
العدد (45) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 2816

تتفاوت المناهج التفسيرية في زوايا النظر إلى الآيات القرآنية، ولا شك ولا ريب في أن القبلية الثقافية التي يتقولب بها المفسرون لها كبير الأثر في اختيار الزاوية التي يتخصصون فيها مما يجعلها قاعدة سيالة نراها جلية في النظر التفسيري.

وسوف نسعى في هذه الدراسة إلى القيام بعملية رصد للاتجاهات العامة في تفسير من هدى القرآن.

توطئة من الخارج

مع أن التفسير القرآني منظور فيه الكلام الإلهي والمضامين التي تستبطنه، إلا أن الروايات التي تحدثنا عن أن القرآن غضّ طريّ يُقرأ بلسان كل زمان له خصوصية في تبيان المفهوم النظري ومن ثم إيجاد نوع من الربط بينه وبين الحدث العملي، وكلما غاص المفسر في الجهتين تمكن من المواءمة بينهما، بحيث لا يجعل الغلبة لأحدهما على الآخر، الغلبة التي تجعل الحكومة لأحدهما على الآخر، إلى الحد الذي تُبنى السدود بينهما، نعم بالنسبة للنص القرآني هو الناظر والحاكم، وما دون ذلك ليس إلا محكوم لهذا النص المقدس.

إذا عرفنا هذه المقدمة الدقيقة لا بد إذن من النظر إلى السياق الزمني لأي تفسير قرآني وملاحظة التوأمة بين المفهوم والواقع، حيث يذكر آية الله العظمى المدرسي في بداية تفسيره: «إني أحاول ربط الواقع الراهن بآيات الذكر، إذ إن ذلك هو الهدف المنشود من تفسير القرآن. أوَليس مثل القرآن مثل الشمس تطلع كل نهار بإشراقة جديدة على عالم جديد؟!»[1].

هذا هو الطابع الذي انطبع به هذا التفسير، وكدليل على ذلك فإن السياق الزمني الذي حوى ما بين دفتيه من عام 1978م إلى عام 1985م كان بداية لإرهاصات الصحوة الإسلامية بسائر ملحقاتها وتطوراتها، وهذا الحدث الكبير الذي أحدث في العالم كله انعطافة كبرى باتجاه الإسلام وقيمه ومعارفه وتطلعاته، كان لا بد في من قراءة القرآن الكريم بحيث يكون ناظراً ومهيمناً على هذا التطور الجديد؛ إذ إنه عبارة عن حركة الثقافة التأصيلية لهذا المشهد الجديد.

ومن هنا كان التركيز على القضايا المفصلية المأخوذة من البصائر القرآنية للأنشطة السياسية والثقافية والحركة الاجتماعية، بل وحتى النظر إلى الحركية الإسلامية من ناحية الصفات والخصائص، وعلى ضوء ذلك دأب هذا التفسير على معالجة القضايا الإشكالية من قبيل العمل السياسي أو القيادة الإسلامية أو مفهوم الجهاد أو العلاقة مع الحقوق المختلفة للحالة الإسلامية، بل ورأينا الكثير من منتجاته تتناول البصيرة القرآنية التي ربما تتناسب حتى مع الأحداث الموضعية فضلاً عن الأنظار القرآنية الكلية.

الخصائص الذاتية

يمكن تلمّس وتصيّد جملة من المرتكزات التي جعلها هذا التفسير من المبتنيات، ولو أن الرجوع إلى كتاب (بحوث في القرآن) يعتبر بمثابة الأساس النظري لكل هذا التفسير على نحو الإجمال لا على نحو التفصيل، ولكن بصماتها وظلالها جلية إلى أبعد الحدود.

ولكن بعيداً عن هذا التأسيس النظري أردت أن أستظهر جملة من هذه المبتنيات من مقاطع مختلفة من هذا التفسير. لأني لم أرد أن أتكلم بلساني، وإنما من التفسير ذاته.

الفهم العرفي:

لأن القرآن كلام الله، وهو يختلف اختلافاً جذريًّا عن كلام البشر، كان لزاماً عدم الخلط بين منهجين جذورهما مختلفة اختلافاً كليًّا، وبضميمة أن هذا القرآن إنما جاء لهداية البشر جميعاً وتذكيرهم بمضامينه، كان لا بد من منهج خاص يمكن بواسطته فهم المرادات الإلهية.

وهذا الذي نقصده تحديداً هو فهم عرفي للنص القرآني، والذي هو بدوره عبارة عن منهج خاص تتم المزاوجة فيه بين تفاعل المصطلح القرآني وفهم البشر باعتباره كلاماً مبيّناً ومذكراً.

وعلى أساس هذه المقدمة أيضاً دأب آية الله العظمى السيد المدرسي منذ بدء هذا التفسير على تعميد نظرية التدبر ليس في هذا التفسير فحسب، بل وحتى في مجمل الخطاب العام، ولكن يتبادر هذا التساؤل مباشرة عن شرعية هذا التدبر البشري في النص الإلهي، أَوَلا يعتبر هذا استغناءً واستقلالاً عن البيان القرآني؟.

يحدثنا هذا التفسير عن التدبر بقوله: «و التدبر في القرآن، لا يعني تحميل آياته الكريمة، آراء وأفكاراً إضافيةً. كلّا، بل التسليم لعلوم القرآن، والتأمل في معاني آياته وتبصّر الحياة عبرها، والسعي نحو فهم حقائق الطبيعة، وآفاق النفس بها.

وهنا يكمن الفرق بين تفسير القرآن بالرأي الذي نهى عنه الدين أشد النهي.

وبين التدبر في القرآن الذي أكّد عليه الدين أشد تأكيد.

وقد اختلط على البعض هذان الأمران. فحجب عن نفسه نور الفرقان زاعماً أنه فوق مستواه.

بلى، إن البشر لا يرقى إلى مستوى القرآن، ولكن شعاعه كما الشمس لا تزال تشرق على العيون البصيرة. فمن احتجب عنه باتِّباع هوى، أو تفسير برأي، فقد ضلّ عنه. ومن سلم له، وفرّغ قلبه من كل فكرة سابقة حين يقرؤه، فان الله يهديه سواء السبيل.

يقول العلامة الطبرسي وهو يشرح الفرق بين التفسير بالرأي والتدبر في الذكر:

واعلم أن الخبر قد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الأئمة (عليهم السلام) القائمين مقامه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح، والنص الصريح، وروت العامة أيضاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ. قالوا وكره جماعة من التابعين القول في القرآن بالرأي كسعيد بن المسيّب وعبيدة السلماني ونافع وسالم بن عبدالله وغيرهم. والقول في ذلك أن الله سبحانه ندب إلى الاستنباط وأوضح السبيل إليه ومدح أقواماً عليه فقال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، وذم آخرين على ترك تدبره والإضراب عن التفكر فيه فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها، وذكر أن القرآن منزل بلسان العرب فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا، وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فاقبلوه وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط، فبيّن أن الكتاب حجة ومعروض عليه وكيف يمكن العرض عليه وهو غير مفهوم المعنى. فهذا وأمثاله يدل على أن الخبر متروك الظاهر فيكون معناه إن صحّ: أن من حمل القرآن على رأيه ولم يعمل بشواهد ألفاظه فأصاب الحق فقد أخطأ الدليل»[2].

ولأن هذا التفسير يعتمد اعتماداً على التدبر والتأمل، رأيت من المناسب ذكر هذا الموجز لهذه النظرية من دون تصرف «المنهج الموجز للتدبر فهو التالي:

1- الهدف من التدبر إنما هو تكوين شخصية القارئ والوصول إلى أهدافها المشروعة، ومعرفة الحق والقوة الكافية لتنفيذه.

2- ويعني التدبر التفكر المنطقي في المعنى الحقيقي للآية. بينما يعني التفسير بالرأي الاستغناء عن هذا التفكر باختلاق معنى الآية، والتدبر واجب والتفسير بالرأي حرام.

3- ومحور التدبر البحث عن القوانين العلمية التي انطوت عليها آيات القرآن أو المناهج التربوية التي صيغت بها هذه الآيات، وبكلمة واحدة معرفة ظاهر التربية وباطن العلم من القرآن.

4- ويقتصر محور التدبر في الحقائق التي يصل إلى فهمها فكر المتدبر (ويسمى بالمحكم) أما ما لا يفقهه المتدبر فيدعه إلى حين يفقهه (ويسمى بالمتشابه).

5- لمعرفة ظاهر لفظ القرآن يجب الرجوع إلى اللغة بشرطين: الأول: تصفيتها من رواسب المناخ الضيقة، والتركيز على معناها العربي الصافي، الثاني: التفكر في المادة الأساسية التي ينبثق منها سائر المعاني الخاصة، وهكذا يمكن جمع موارد استعمال اللفظ لنبحث عن معنى واحد مشترك بينها فنتمسك به.

6- اجمع موارد استعمال اللفظ في القرآن وقارن بينها لتعرف ما هو المعنى الجامع المشترك بينها حسب ما يهدي إليها سياق كل واحد منها.

7- اطرح على نفسك هذا السؤال كلما تدبرت في آية: لماذا استخدم القرآن هذه الكلمة ما هي ميزتها عن كلمات مترادفة معها؟ وابحث عن الجواب في إطار المادة الخامسة والسادسة.

8- ابحث في التفسير الصحيح واحذر من تحديد عموم القرآن بخصوص مورد نزوله، أو بتطبيق تاريخي واحد، كلَّا، اهتدِ بالمورد والتطبيق إلى أمثالهما، و تعرّف من خلالهما على الصفات التي أوجبت نزول الآية أو تطبيقها عليهما.

9- قسّم ظاهر القرآن إلى سبعة أقسام: إلى أمر وترغيب وزجر وترهيب وقصص تاريخية ومثل بيانية، وجدل مع الأعداء، فكّر هذه الآية تنطوي على كم قسم منها؟

10- وتدبر في باطن الآية عن علاقة جملة بأخرى وآية بثانية، ومجموعة آيات بأخرى. فتش عن نوعين من العلاقة بينهما:

(أ) علاقة علمية بحيث يعتبر الواحد سبباً للثاني أو مسببين لسبب ثالث.

(ب) علاقة تربوية بحيث يكون الواحد مستوجباً للثاني، حتى يكون المجموع منهجاً متكاملاً لتربية الفرد وتزكية نفسه.

11- عليك أن تتحلى بصفات نفسية وعقلية حتى تتمكن من اكتشاف حقائق القرآن. وهي:

(أ) الإيمان بالوحي، وأنه وثيقة بينك وبين ربك وخطاب مباشر إليك من خالقك.

(ب) والاستعداد لتطبيق تعاليمه، والتسليم لأفكاره حتى ولو خالفت مصالحك أو تناقضت مع تقاليدك السابقة وأفكار مجتمعك.

(ج) التركيز في بؤرة واحدة بحثاً عن الحقيقة، ويدعى بالتروّي. و هو -أي التركيز- عمق التدبر البعيد وبغيره تصبح المواد الأخرى في هذا المنهج قشوراً بغير لب.

(د) الشجاعة في التمسك بالحق والثقة بعقلك أو بما يهدي إليه من الواقع.

12- ابحث عن تطبيق خارجي حيّ لمواضيع القرآن الحكيم، ابحث عن أشخاص يصفهم القرآن، وابحث عن أوضاع يبينها القرآن، وابحث عن نتائج يقول عنها القرآن.

13- طبق آيات القرآن على نفسك، لتجد فيها كل ما شرحه الكتاب، ولتخشَ مما قد يصيبك مما بينه»[3].

ولأن التدبر في النص القرآني بهذه المكونات لا يعد مذموماً كما تأسس، إلا أنه ليس منفصلاً عن الإيمان، فالمعرفة والإيمان متداخلان في فهم النص القرآني، ولا يمكن الدعوة إلى المعرفة من ذات النص من دون التحلي بالإيمان، وهذا ما أكّد عليه المفسر المدرسي حين تناوله للآية الشريفة ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ[4]، «ولا يوجد التأويل الصحيح أي: التطبيق الصحيح لقيم الوحي، أو العقل على الموضوعات الخارجية، إلا عند الله وعند الراسخين في العلم. فمن هم هؤلاء الراسخون في العلم؟

إنهم أولئك الذين لم يكتفوا بالعلم بالأشياء فقط، إنما يركزون أيضاً في العلم، ويكثرون النظر فيه حتى تترسخ أقدامهم في أرض العلم، وهناك يعرفون كيف يطبقون العلم على الواقع.

إن تطبيق القيم الرسالية على الواقع الموضوعي، لا يتم سليماً إلّا إذا توافرت شروط ثلاثة تشير إليها الآية الكريمة وهي:

1- سلامة النية.

2- العلم بالقيم علماً راسخاً.

3- العلم بالواقع علماً راسخاً.

وكلمة أخيرة: إن هذه الآية لتدل على أن أهم مسؤوليات رجل العلم تطبيق القيم على الواقع تطبيقاً نزيهاً.

ثم تتحدث الآية عن علاقة الإيمان بالمعرفة، وتؤكد أن المعرفة هي وليدة الإيمان، وليس العكس.. والسبب أن الشرط المسبق للمعرفة هو الاستعداد النفسي لتقبلها والتسليم لها متى ما ظهرت له.

إن الفرد الذي يتكبر -سلفاً- على الحق، ويستبطن في نفسه رفض الحق إن جاءه فسوف لن يصل إلى المعرفة وإنما يعرف الراسخون في العلم التأويل الصحيح للقرآن، لأنهم يؤمنون به سلفاً ولا يريدون تكييف القرآن حسب أهوائهم، إنما يبتغون الاتِّباع والتسليم.

﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ. هناك قضايا واضحة كالقضايا التي تحدثت الآيات الماضية عنها، ولكنها تحتاج إلى التنبه إليها، فمن يتنبه إنما الذي يمتلك اللب يتذكر، ومن لا يمتلك كيف يتذكر وبماذا يتذكر، إنما باللب فما هو اللب؟

هل هو العقل باعتباره جوهر الإنسان ولبه، أم أن أولي الألباب هم الذين لا يهتمون بالقشور والظواهر، وإنما بالحقائق التي تكشف الظواهر عنها.

من الذي يكشف انحراف النفس (زيغ القلب) غير الإنسان ذاته.

وبالرغم من أن الآخرين قد يساعدونه في التنبيه إلى زيغه وانحرافه، إلا أنهم لا يقدرون على إصلاحه إلا إذا أراد هو. الوعي الذاتي لا يصلح القلب بعد الزيغ فحسب، إنما يمنع عنه الزيغ في المستقبل أيضاً. لذلك تجد الراسخين في العلم يتوسلون إلى الله من أجل ألا تزيغ قلوبهم.

وبهذا الدعاء يخلق الله في أنفسهم مناعة عن الزيغ ووعي ذاتي لاكتشافه متى تسرب إلى قلوبهم، فهم يكررون أبداً: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.

إن الرحمة الهابطة من الله أقسام. ولكن أهمها هي المعرفة التي يمن بها الله على البشر سواء وحياً بالقرآن، أم إلهاماً.

وينمّي الدعاء تطلع المؤمنين الراسخين في العلم إلى المعرفة ولذلك فهم يرددون هذا الدعاء ويطلبون الرحمة (المعرفة) من الله.

وأساساً الروح العلمية بحاجة إلى تربية وتنمية، وبهذا الدعاء ينمّي المؤمنون هذه الروح»[5].

الفطرة والوصول إلى الحقيقة:

كلما ازدادت القوالب والحواجز والأكنّة صعب على العقل البشري اختراقها ليتوصل تالياً إلى المضامين والبصائر القرآنية، ومن هنا كان تركيز الخطاب القرآني على جهد الفطرة، وهذا أيضاً ما ركز عليه هذا التفسير في تناول جملة من الآيات القرآنية، وكدليل على ذلك نذكر تفسيره لهذه الآية الشريفة ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[6]، يقول: «أسلوب القرآن الحكيم يعتمد على إبلاغ الحقيقة إلى غور الفكر، وعمق القلب، بأن يرفع الحجب التي بينه وبينها حتى يشاهد بذاته الحقائق. فهذا هو العلم الحق؛ إنه كشف وشهود واتصال مباشر بين القلب والحقيقة (عبر جسر المعرفة). وهنا يذكرنا الرب سبحانه بذاته عبر منهاج وجداني يعتمد على رفع الحجب وشهود الواقع. ولعل الحديث التالي يبلور في نظرنا هذا الأسلوب.

جاء رجل إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وقال له: يا بن رسول الله دلني على الله ما هو؟

فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيروني.

فقال له: يا عبد الله هل ركبت سفينة قط؟ قال: نعم، قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم.

قال: هل تعلق قلبك هنالك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ قال: نعم قال: الصادق (عليه السلام): فذلك الشيء هو الله القادر على الإن[اء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث»[7].

ولهذا حاول هذا التفسير الابتعاد كل البعد عمَّا يسمى بالتفسير الفلسفي لفهم جملة من الآيات لما ذكرنا مسبقاً من أن هناك منهجاً خاصًّا يمكن بواسطته التوصل لفهم النص القرآني دون القيام بعملية إسقاط للمناهج اللغوية البشرية، مستعيضاً عنه بالفهم العرفي الخاص، مثلاً حين يتناول قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ[8]، «و من أظهر آيات ملك الله، وأظهر آيات قدرته: الموت والحياة، وقد اختلف في معناهما هنا إلى رأيين: أحدهما: أنّهما ظاهرتا الموت والحياة اللتان تطبعان آثارهما على كلّ شيء، سواء الماديتين كموت الإنسان وحياة الأرض بالزرع، أو المعنويتين كالهدى والصلاح في مقابل الضلال والفساد، والآخر: أنّهما إشارة إلى تقسيم الكائنات إلى أشياء جامدة وذات حياة. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ وقد أشار الإمام الباقر (عليه السلام) إلى المعنيين فقال: «الحياة والموت خلقان (من) خلق الله، فإذا جاء الموت فدخل في الإنسان لم يدخل في شيء إلّا وخرجت منه الحياة».

والذي يظهر لي أنّ الموت هنا بمعنى انفصال الحياة من كائن حي كما تفيد الرواية، وبما أنّ معرفة الحياة بصورة أجلى تتحقّق بمعرفة الموت فإنّه قدّم الموت على الحياة، ولا أعتقد أنّ ما قاله بعض المفسرين والفلاسفة من أنّ الموت سابق للحياة صحيحاً، لأنّ الإنسان قبل خلقه ووجوده لا يقال له ميت، وكيف يقال للعدم ميّت؟! من هنا جاء في الحديث المروي عن الإمام الباقر ( عليه السلام): «وإن الله عزّ وجلّ خلق الحياة قبل الموت».

وقد يكون تقديم الموت على الحياة في الآية لحكمة أخرى هي أنّ قدرة الله تتجلّى بالموت حيث لا يجد سبيلاً لتحدّيه ولا مفرًّا من سطوته.

كذلك جاء في الدعاء المأثور: «و قهر عباده بالموت والفناء».

ويضع الله الإنسان أمام سنّة الموت الحتمية، وفرصة الحياة، ويذكّره في الوقت نفسه بالهدف الذي خلق هو كما خلقا من أجله، ألا وهو الابتلاء لاستخراج معدن كلّ فرد واستظهار خبايا شخصيته، ومع أنّ الموت من مفردات الابتلاء إلا أنّ الابتلاء أكثر وأعظم تجلّياً بالحياة.. بل لا يكون إلّا أثناء الحياة، ولذلك تأخّر ذكر الحياة على الموت لتكون هذه الكلمة لصيقة بكلمة الابتلاء[9].

بهذه الكيفية يمكن الابتعاد عن المنظور الفلسفي وتعميده في النظرة القرآنية، بل وليس في هذا الأمر فحسب، وإنما حتى فيما يتصل بقواعد اللغة العربية والتأمل فيها، فعلى سبيل المثال ومن أجل التعرف على الطريقة اللغوية لفهم أو محاولة تلمس المعنى القرآني لا يمكن الجمود على القوالب التقليدية لهذه اللغة، لأنها لغة حركية في اللفظ وفي المعنى، ولهذا اتبع التفسير هذا المنهج في التعامل مع اللغة ضمن هذه الرؤية «يبقى السؤال عن كيفية الخروج؟

والجواب: على الفرد:

1- أن يتجرد أولاً عن موحيات المناخ الفكري الذي يصور له معنى جامداً للفظ.

2- ثم الرجوع إلى المادة الأساسية التي تجمع كل التصريفات للكلمة، والتفكير في المعنى المناسب لربط هذه المجموعة باللفظ، فمثلاً: يجمع معاني يعرشون، عرشاً، معروشات ونعود إلى تصريفات اللفظ الأخرى، عريش، وعرش وما أشبه لنستنبط منها جميعاً معنى البناء الفوقي لأنه يجمع معاني سرير الملك والبناء، والمرفوع، وسيباط الكرم، والخيمة من الخشب، هذه المعاني التي ذكرتها العرب لهذه الألفاظ.

3- قياس موارد استعمال اللفظ ببعضها -ليعرف المعنى المشترك- الذي يمكن أن يتصور معنى جامعاً بين هذه الموارد. ومن الطبيعي أن يعتبر في الاستعمال أن يكون على لسان أهل اللغة المعتنين بالبلاغة.

والأدباء اليوم يكتشفون ظلال الكلمات وإيحاءاتها من موارد الاستعمال في منطق البلغاء أكثر مما يكتشفونها في بطون الكتب اللغوية.

وذلك لأن ما في كتب اللغة لا يعدو أن يكون تسجيلاً ميتاً لموارد الاستعمال، أو استنباطاً لمعنى مشترك منها قد قام به مؤلفو الكتب، ومن هنا يكون تعرف الشخص ذاتيًّا بهذه الموارد و استنباطه بنفسه المعنى الجامع بينها، أفضل من تقليد كتب اللغة.

وبكثرة النظر في موارد الاستعمال يؤتى الفرد حسًّا أدبيًّا مرهفاً يجعله يميّز بين كلمتين مترادفتين بشكل دقيق، بالرغم من أنه قد لا يستطيع الإفصاح عما يعرفه بدقة وتحديد. وإذا كان قياس موارد الاستعمال ببعضها أفضل السبل لمعرفة المعنى الحقيقي للفظ ما، فان أفضل قياس من هذا النوع هو قياس موارد استعمال الكلمة في القرآن ذاته، إذ أنه -ولا ريب- ذروة البلاغة العربية، التي عجز عن تحديه أبلغ فصحاء العرب.

من هنا يجدر بالذي يريد التدبر في القرآن ذاته، أن يبحث عن المعنى المحدد للكلمة في آيات القرآن ذاته، ليجد -بقياس بعض المواقع المستعملة فيها الكلمة ببعضها- ليجد بذلك المعنى الدقيق الذي يقصده القرآن»[10]، وكمثال للخروج من هذه الرؤية نذكر هذا المثال ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً[11]، يقول في تفسيرها: «إذا عرف الإنسان ربه عرّفه الله بنفسه. كذلك إذا عرف نفسه عرف ربه، حيث إنّه حين يتفكّر فيها لا يجد فيها إلّا آيات الصنع وشواهد التدبير.

وأهم إثارة علمية يلقيها القرآن على الإنسان: حقيقة حدوثه بعد العدم، وأنّه أصبح شيئاً مذكوراً بعد أن كان خاملاً مجهولاً.

﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً وهذه الإثارة التي تنفذ في أغوار الإنسان، والتي تعبر عنها صيغة الاستفهام، إنّها تجعلنا عندما نتفكّر في أبعادها نعيش وعي الصيرورة الزمنية في نشأتنا، هذا الوعي الذي يزيد العقل، ويقضي على الغرور، ويرفع الإنسان إلى مستوى الحكمة.

وقد اختلفوا في حرف «هل»، فقال بعضهم: إنّه هنا بمعنى (قد)، و قال آخرون: بل هو استفهام تقريري، يعرف السائل الجواب سلفاً، وإنّما يطرح الكلام لأخذ الإقرار من الطرف الآخر.

ويبدو لي أنّ الكلمات تبقى بمعناها اللغوي عند الاستعمالات الأدبية المختلفة، إلّا أنّ هدف الاستخدام يختلف حسب السياق، فهل هنا -مثلاً- جاء بمعنى الاستفهام، أمّا لماذا جاء الاستفهام؟ فهو ليس شأن الكلمات إنّما هو شأن الذي استخدمها. ويكون مثل ذلك في عالم الماديات: السيارة التي تقوم بحمل الإنسان. أمّا إلى أين ولماذا يتحرك الإنسان؟ فهذا ليس شأنها إنّما هو شأنه.

ولقد فسّر أئمة الهدى هذه الآية عدة تفاسير ممّا كشف عن أبعادها المتنوّعة،

فعن مالك الجهني قال: سألت أبا عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) عن قوله: «الآية» فقال: «كان مقدّراً غير مذكور»، وعن زرارة قال سألت أبا جعفر (الإمام الباقر) (عليه السلام) عن قوله: «الآية» فقال: «كان شيئاً ولم يكن مذكوراً»[12] .

------------------------------------------------------------------------- -------

[1] المدرسي، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي ج1 ص 6.

[2] المصدر ذاته، ج1 ص 31.

[3] المصدر ذاته، ج1 ص 70.

[4] سورة آل عمران: 7.

[5] المصدر ذاته، ج1 ص 514.

[6] سورة الإسراء: 70.

[7] المصدر ذاته، ج6 ص268.

[8] سورة الملك: 2.

[9] المصدر ذاته، ج16 ص 139.

[10] المصدر ذاته، ج1 ص 51.

[11] سورة الإنسان: 1.

[12] المصدر ذاته، ج17 ص 171.

الشيخ عبدالغني عباس

ــ عالم‭ ‬دين،‭ ‬باحث‭ ‬إسلامي‭.

ــ ولد‭ ‬عام‭ ‬1385‭ ‬هـ،‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬القطيف،‭ ‬شرق‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭.‬

ــ هاجر‭ ‬عام‭ ‬1403هـ‭ ‬إلى‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬والتحق‭ ‬بحوزة‭ ‬الإمام‭ ‬القائم‭ ‬العلمية،‭ ‬وحضر‭ ‬ابحاث‭ ‬ابرز‭ ‬اساتيذها‭ ‬أنذاك‭.‬

ــ سافر‭ ‬إلى‭ ‬الشام،‭ ‬السيدة‭ ‬زينب (عليها السلام).‭ ‬وحضر‭ ‬أبحاث‭ ‬ودروس: * آية‭ ‬الله‭ ‬الشيخ‭ ‬المحمدي‭ ‬البامياني‭.‬ كما‭ ‬حضر‭ ‬ابحاث‭ ‬خارج‭ ‬الفقه‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬من‭:‬ * سماحة‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬السيد‭ ‬عباس‭ ‬المدرسي. * سماحة‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬طاهر‭ ‬الخاقاني‭.‬ * سماحة‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬الشيخ‭ ‬فاضل‭ ‬سلطاني‭.‬ * سماحة‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬السيد‭ ‬حسين‭ ‬المدرسي‭.‬

ــ يعتبر‭ ‬من‭ ‬ابرز‭ ‬أساتذة‭ ‬حوزة‭ ‬القطيف‭ ‬العلمية. ويشرف‭ ‬على‭ ‬مؤسسة‭ ‬القرآن‭ ‬نور،‭ ‬ومستشارا‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬العلامة‭ ‬الشيخ‭ ‬الشبيب‭.‬ (مزن).

ــ له‭ ‬عدة‭ ‬مؤلفاته‭ ‬نذكر منها:‭* ‬تطلع‭ ‬أمة‭.. ‬دراسة‭ ‬فكرية‭ ‬لسيرة‭ ‬وفكر‭ ‬سماحة‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬العظمى‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬تقي‭ ‬المدرسي‭.‬* الإسلام‭ ‬مشروع‭ ‬الانتصار* المصلحة‭ ‬في‭ ‬التشريع‭ ‬الإسلامي. * النوافل‭ ‬المرتبة‭ ‬في‭ ‬لسان‭ ‬الشارع‭ ‬المقدس‭.



ارسل لصديق