تأملات في مصطلح التدبر في القرآن
مقاربة أولية في المنهج
كتبه: السيد جعفر العلوي
العدد (45) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 7396

في الرواية.. عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ألا أخبركم بالفقيه حقا؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يرخص في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه»[1].

إن مقاربة تفسير السيد محمد تقي المدرسي دام ظله «من هدى القرآن» تتطلب بنظري ثلاثة مداخل أساسية؛ الأولى تتجلى في غرضه من التفسير. والثانية في مقاربة النهج السياقي ( السورة كوحدة موضوعية). والثالثة مقاربة مفردة «التدبر». ويتداخل الأول والثالث أي «الغرض» و»التدبر» بصورة وثيقة كما سيتضح، وغالب الظن أنه وثيق الصلة أيضا بالثاني (التفسير السياقي).

وبناء الحديث عن مفردة «التدبر». وباعتبار الصلة التي نفترضها سيكون الحديث متصلا بقدر ما بالمفردتين الأخيرتين دون أن يكونا مستهدفتين.

والحديث عن «التدبر» كإجابة عن تساؤل؛ اعتبارها كبديل عن مفردة «التفسير». ومع أن ورود «التدبر» في الاستعمال القرآني[2] يصح جوابا إلا أنه ثمة ظلال وأبعاد منهجية ربما تبين حكمة الاستعمال القرآني أيضا.. وسنجد من هذا المعنى الأمر القرآني بالتدبر والرؤية الطموحة للسيد المدرسي في أن التدبر هو تكليف المسلم بوصفه مسلما وليس منوطا بالخاصة من العلماء.

وسأنطلق من تفسير «من هدى القرآن» للسيد المدرسي دام ظله بصورة أساسية[3]. واستهدف تحديدا التعرف على المنهج التفسيري (التدبر) وغاياته التأسيسية من خلال مقاربات لمفهوم التدبر وعلاقاته مع نظائره.

توطئة في الحديث عن التفاسير

ثمة تساؤلات عدة تتعلق بتيسير القرآن الحكيم للفهم بوصفه بيانا وبلاغا للناس، ومن جهة أخرى احتياجه للتفسير بوصفه إلهيا لم ينبثق من الثقافة البشرية. ومن بين اليسر والاحتياج توالدت إجابات تنتصر لأحد الاتجاهين أو تجمع بينهما كما هو النهج العام عند غالب المدارس، ولنا أن نتحدث بقدر ما يتصل بموضوعنا من جهة وظيفة «التفسير والمفسرون» بوصفها مبررا للولادة، ومدى وفائه بهذه المهمة الجليلة..

فمن خلال التعليم النبوي العام ومن خلال الثقافة اللغوية ومن خلال معرفة العرب بعوائدهم التي دأب القرآن في نقضها أو إصلاحها ومن خلال معايشتهم لظروف تنزيل القرآن أصبح الفهم العام والعرفي للقرآن متاحا. ومن خلال تفرغ بعض الصحابة واستقطاع جزءا من أوقاتهم للتعلم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالتالي أصبحوا مرجعا تفسيريا للأعراب وللمستجدين. ومن الواضح إن الإمام علي (عليه السلام) كان العَلَم وباب مدينة العلم؛ فقد تفرغ لذلك وقد اصطنعه رسول الله لنفسه مع ما حباه الله من «الأذن الواعية»، وهكذا أشار إليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهكذا صرّح الإمام بتقدمه، وهكذا نقل التاريخ مرجعيته المعرفية الواقعية للمسلمين وتسالمهم على ذلك.

وينقل التاريخ تميز بعض الصحابة؛ كأُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبدالله بن عباس..

وقد أولى المسلمون القرآن الكريم من العناية ما لم تفعله أمة من الأمم، وعلى مائدة القرآن سنرى الاهتمام العلمي يأخذ مسارات:

1- نمو الدراسات اللغوية؛ فالغاية القصوى من القيام بتأسيسها وتدوينها، هو فهم القرآن وإفهامه.

2- نشأة العلوم المعروفة بعلوم القرآن.

3- ظهور التفسير والمفسرون.

4- وأخذ القرآن مدار الاختلاف في الاستشهاد به كمرجعية في الكلام والفقه.

وهنا سنحاول إلقاء إضاءة على التجربة التفسيرية[4] لدى المسلمين على نحو من الإيجاز في حقبتين عقيب وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والعصر الحديث.. كتوطئة نلاحظ بها تداخل الاشتغال العلمي والتوظيفي للقرآن. وعبارة «توظيف» التفسير أسوقها محايدة هنا لتشمل السجالات المذهبية والسياسية كما تشمل النهج الإصلاحي المعاصر الذي يؤمن بضرورة تكريس المعارف القرآنية كمدخل لإصلاح الثقافة ونمط التفكير.

بدايات التفسير؛ جدليات المعرفة والسياسة:

التحرر الثقافي من الثقافة الجاهلية بنزعاتها الحسية والنفعية والقبلية وغلظتها.. لا يتأتى أن يكون شموليا وعميقا عند جميع المسلمين. وبمطالعة التصنيفات القرآنية «الأعراب، المنافقون، خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، الإيمان قبل الفتح وبعد الفتح.», وظروف نزولها سنجد إن النظرة التقديسية للجيل المسلم الأول مفرطة في التفكير العاطفي بعيدة عن الواقعية. وواضح إن وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن عصا سحرية تُخفي تلك التصنيفات من حيث الانتماء الإيماني عن أرض الواقع.

ألف: التفسير كامتياز:

مع ولادة الإسلام انبثقت معايير تفاضل اجتماعية جديدة، ربما لم تستأصل الجاهلية لكن أصبحت مزاحمة لها.. وربما التجاور أصبح منفذا لإحداث الخلل. لذا سنرى هنا بواكير مدرسة الرأي والإسرائيليات، فالأول نتفهمه حين يواجه الإنسان مشكلة معرفية فإن العقلانية تسوقه لمراجعة العالم، بيد إن الأنفة ستكون مدخلا للاجتهاد «الرأي الاعتباطي غالبا».. بينما سيكون الامتياز المعرفي مدخلا لمسلمة أهل الكتاب أن يروجوا أقاصيصهم، وأن يتلقفها البعض ليصبح بها مثقفا متميزا بمعرفة غير عامة.

ويمكن أن نرصد أكثر من ظاهرة ولدها ضحالة المعرفة والاعتداد بالذات والتكلف:

1- تعدد القراءات. وقد يفسر البعض ظاهرة تعدد القراءات بأنها الأحرف السبعة، وتضفي تكاملا وتنوعا، و..،. لكن هذا يصطدم بحقيقة أن هذه القراءات تُفضي لاختلاف الفهم المتباين وخصوصا في الأحكام، وهو مما لا يُعقل[5].

2- الإسرائيليات.

المغيبات التاريخية (قصص الأنبياء السابقين) والمعرفية (كأحوال المعاد) لا تكفي اللغة في تجاوز الجهل بها، ومن هنا تكمن الحاجة لأهل الكتاب المبني على أحد أمرين؛ الأول إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبين ذلك ولو عبر خاصة الصحابة، والثاني عدم الرجوع للعالم من الصحابة.

وقد تعرضت المعرفة التفسيرية إلى منزلق التحريف المعنوي. وكتب التفسير والحديث ملأى بذلك.

باء: التفسير الموجه وظاهرة التزوير:

ومن ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب، فروى الترمذي: حدثنا أبو السائب سلم بن جنادة بن سلم الكوفي أخبرنا أحمد بن بشير عن عمر بن حمزة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد « اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية، قال فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فتاب عليهم فأسلموا فحسن إسلامهم»[6].

ومن الواضح أنّ هذا الحديث وضع لصالح الأمويين على لسان الخليفة عمر بن الخطاب، إذ لا يتفق هذا الحديث مع الواقع التاريخي المعروف عن هؤلاء الأشخاص بعد إسلامهم في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعدها. ويبـدو أنّ التزوير غيـر متقن، لأنه يفـرض صـدور التوبـة من الله قبـل إسلامهم!.

في التفسير المعاصر:

ظاهرة التفسير أصبحت أكثر رواجا من الناحية الكمية[7]؛ أي مع الغض عن تعداد المسلمين ويُسر التأليف قياسا لما سبق من العصور الغابرة. واتسام هذا العصر بالشعور الحاد بالتخلف وتحديات الغرب ومتطلبات المعاصرة..قد ألقى بظلاله على الاشتغال المعرفي. ويبدو إن التفسير والكلام هما الأسرع والأليق بالتجاوب من بين العلوم التقليدية للتحديات.

ويمكن في عجالة أن نشير لبعض الملاحظات المتعلقة بالمناهج والاهتمامات بحسب الإطلاع القاصر والمحدود.

1- تجاوز الإسرائيليات:

تسربت الإسرائيليات في تفاسير المسلمين. ومع وجود تفاوت بين التفاسير في درجة التأثر والاختراق، إلا أنه تشكل ظاهرة مشتركة في أغلب التفاسير.

بينما نلحظ بوضوح أن التفاسير الحديثة كانت حذرة، واستعان المفسرون في العصر الحديث بمختلف الأدوات العلمية الرجالية ومعيارية الظهور القرآني وقابليته للمروي وعدمها، وتباين مضمونها مع حقائق الدين الثابتة.. ويبدو إن الشيخ محمد رشيد رضا تبعا لأستاذه الشيخ عبدة الذي يعد أحد رواد الإصلاح في مجال التفسير، كان رائدا في التفاسير السنية في التنقيح.. ويعتبر المرويات: «إن أكثر ما روي في التفسير المأثور أو كثيره حجاب على القرآن وشاغل لتاليه عن مقاصده»[8].

ويبدو إن الشيخ البلاغي (قدس سره) [9] كان مبشرا بنمط جديد في التفسير في التفاسير الشيعية.. ويمكن مراجعة التفاسير «الميزان، الكاشف، الأمثل، من هدى القرآن، الفرقان..».

2- الإيجاز في البحوث اللغوية والفقهية:

لصالح وفرة الأبحاث التخصصية الفقهية المشتملة على دراسة لأحكام كان من المنطقي تقليص التركيز على الأبعاد الفقهية غالبا. ومن جهة أخرى بينما كنا نرى التحليل اللغوي المعمق في مثل تفسير مجمع البيان للطبرسي والكشاف للزمخشري، وهذا الإيجاز لوفرة لأبحاث اللغوية، والأكثر أهمية ارتباط غرض المفسرين واهتماماتهم بالأبعاد التربوية والإصلاحية وما شابه نتيجة سوق التفسير في حاجات الأمة.

3- الاتجاهات الجديدة:

يقترح الذهبي[10] تصنيف الاتجاهات الجديدة في تفاسير القرن الرابع عشر إلى أربعة اتجاهات: الاتجاه العلمي، الاتجاه الاجتماعي، الاتجاه المذهبي، الاتجاه الإلحادي.

والمنحى المذهبي متعارف قديما، وما أسماه «الإلحادي» يشير به إلى النزعات الحسية والمادية في الموقف السلبي أمام الغيب والغيبيات، وهو في جوهره ليس خاصة عصرنا إلا في الشكل والمثال.

ألف: التفسير العلمي:

تطور المعرفة سمح بالتقاط الإشارات القرآنية العلمية (الطبيعيات)، وكان أن اهتم جملة من المفسرين بهذا في سياق التمجيد بالقرآن[11].. ويمكن مراجعة تفسيري: الجواهر والأمثل[12] كنماذج لهذا الاتجاه في التفسير.

ومن هنا سنرى مراجعة نقدية لتفاسير الأقدمين للآيات المتضمنة للإشارات العلمية، حيث لم يسمح لهم أفقهم المعرفي بالتقاط الإشارات.. وبالتالي هذا إشارة لتفاعل المفُسِّر مع معارف عصره وتأثيرها.

باء: الاتجاه الإصلاحي (الاجتماعي):

ظهر هذا الاتجاه التفسيري كما يبدو في التفسير السنني عند السيد جمال الدين، ويبدو أن ثمة توافق على أن السيد جمال الدين الأفغاني كان رائد إعادة النظر في مناهج التفسير لكن ليس من بوابة علم التفسير، فقد مهَّدَ للاتجاهات الحديثة في تفسير القرآن لاستناد مشروعه الإصلاحي إلى القرآن كمرجعية يصدر عنها في دراسة واقع المسلمين، والتبصر بمشكلاته، وتحديد مقومات تقويمه ونهوضه، وبالتالي سياق الإصلاح فرض نمطا مخالف لما هو مألوف في الأجيال السابقة.

وتأثر به تلميذه الشيخ محمد عبده[13]، وأصبح الاهتمام الإصلاحي الاجتماعي عاما في غالب التفاسير، ويمكن اعتبار تفسير السيد المدرسي «من هدى القرآن» متميزا في هذه النزعة.

ويهتم هذا الاتجاه بالبعد الاجتماعي والتربوي في الآيات والأخلاقي. ويركز على السنن الإلهية في حياة واندثار المجتمعات والحضارات، مناهج وأساليب التربية...، كل ذلك في سياق الإصلاح والتغيير والنهضة، وانطلاقاً من مركزية «الهداية». وبالتالي وظيفة التفسير متصلة بأهداف القرآنية الأساسية «الهداية، الفلاح».

والرؤية العامة لرواد الإصلاح من العلماء أن إيقاظ الأمة واستنهاضها مدخله العودة إلى القرآن الحكيم والتمسك به، حيث أن وعي القرآن هو التحرر من ترسبات القرون وتراكمات التحريف وآفاق السابقين التي حجبت النص القرآني عن وعي المسلم.

تاء: الإضافات المنهجية:

واستخدام «الإضافة» هو نوع تسامح، لكنه أفضل بكثير من التعبير (المناهج الجديدة) إشارة لمثل»التفسير الموضوعي» غافلين عن معروفيته منذ عصر النبوة وما يليه..ويروى عن الإمام علي (عليه السلام) هذا النهج في تبيان المعارف الإسلامية الكثير[14]، وقد راج في الأبحاث الكلامية وأيضا الفقهية (آيات الأحكام). فنقصد من الإضافة مسألتين؛ الأولى التوسع الكمي، والإضافات المنهجية الجزئية في تفاصيل المنهج.

وتذكر النماذج الآتية: التفسير السياقي (اعتبار السورة كوحدة موضوعية)، التفسير الموضوعي، تفسير القرآن بالقرآن.. ويبدو أن الإضافة التي تعتبر جدية من حيث التوسع الكمي والمنهجي فهي في (تفسير القرآن بالقرآن)، أي خصوص التفسير الدلالي.

والمحصلة؛ سوى التفسير الدلالي فالعناوين الآنفة معروفة قديما، ونعني بالدلالي ما يشمل «البياني» و»المفاهيم كنسق وشبكة علاقات».. وإلا اعتبار القرآن معجم مفرداته، وإن سبر الاستعمال القرآني يكشف أبعادا دلالية فهو معهود منذ بواكير التفسير وورد في الروايات حيث أطلقته.

نعم مع تراكم التجارب تزداد الخبرة في الآليات المنهجية لاستكشاف السياق في السورة مثلا، وفي استثمار السياق لا لرفع الإجمال اللغوي في المفردات كما هو مألوف بل لاستكناه عناصر المعنى لمادة لغوية ما، أو في رسم العلاقة بين الرواية والآية.. وهكذا.

ثاء: الاتجاهات العلمانية:

وبملاحظة وصف «العلمانية، المادية، النزوع الحسي»، يمكن اعتبار هذا أنموذجا مستحدثا، لكن من المناسب التنويه بأمرين:

ألف: تفسير القرآن بما يخدم الاتجاهات الفلسفية ليس مستحدثا، فالاتجاهات الباطنية الصوفية، وتأويلات الفلاسفة واضحة تملأ تراث المسلمين، ومن هذا السياق فالاتجاهات المادية الحديثة هي نوع تفسير فلسفي تحميلي، والفارق بين العتاقة والحداثة هنا هو مجرد الفارق بين المألوف وغير المألوف.. ولا يخفى أن هذا لا يشكل فارقا علميا.

بـاء: التوصيف بالعلمانية هنا لا يساوق الإلحاد أو ما شابه وإنما هو إشارة لمنهجية تتسم بـ:

1- منهجيًّا «بهدم الظواهر العرفية أو خلخلة دلالاتها، والتعسف في التفسير».

2- من الناحية الفلسفية: يكون التعسف «لتجاوز الظواهر» انسياقا لموقف فلسفي يتمثل في «النزوع الحسي، المادية» في الموقف المعرفي أو ينطلق من موقف سلبي من حاكمية الدين،.. وهكذا. نعم قد تبلغ بعض التفسيرات حدا يكون أقل صفاتها «الإلحاد».

ويمثل (تفسير القرآن وهو الهدى والفرقان) الرائد والنموذج الفج. وكمثال[15]: تفسير الوحي بتجليات عبقرية النبي، وتصوير الجنة والنار تصويرا ماديا أرضيا، وإرجاع انفلاق البحر في قصة موسى إلى ظاهرة المد والجزر، وتفسير الملائكة بجذوة الحياة في المادة، وتفسير السجود بخضوع عناصر الكائنات بانسجامها مع مسيرة تكامل الموجودات...،.

استخلاصات أولية:

وكاستخلاص أولي؛ من الطبيعي أن يكون تطلع المفُسِّر لتبيان القرآن وتقريبه لأذهان المسلم بتجلية الغوامض.. بيد أننا نلاحظ مؤشرات تحدُّ من هذا الغرض الضبابي نوعا ما، حيث لا نجده هدفا مباشرا إلا في التفسير الموجز/ الميسر لعامة المسلمين.

فنلاحظ أن «التفسير» كان غالبا في سياق توظيفي تبعا لاهتمامات «المُفسِّر» وأغراضه.. نعم تتفاوت درجة وضوح التوظيف كما تتفاوت درجة الموضوعية والأمانة لعلمية. وواضح أن «التوظيف» الذي لا يطيح بالموضوعية هو امتياز بحيث يُعد الخلو منه نوع ترف. نعم؛ سياقات التوظيف تتنوع وتتكامل وتشكل في مجموعها (المُحافظ على الشروط العلمية منها) تراكماً وثراءً معرفيًّا..

لكن لنلاحظ أولا؛ أن التراكم المعرفي قد يُشكِّل فاصلا معرفيا بين الناس والقرآن الحكيم، حيث يُكتفى به عن الاتصال المباشر حتى في الواضحات.. ويُكرِّس الحجابَ التفاسيرُ -ذات النزعة التخصصية التي هي من حيث لغتها واهتماماتها تُخاطب النخب والباحثين المتخصصين والمجتمع العلمي- حين تكون المرجعية العامة[16].. إن مجموع عوامل تتداخل من الكسل وعدم الثقة والانبهار بأبحاث المفسرين.. تتضافر لوئد التفكير والتدبر وتجعل المسلم أسير ما يقرأ دون تمحيص.

وواضح أن أبحاث المفسرين التخصصية الأصولية أو الفقهية أو الكلامية.. ذات ثمرات علمية وتتصل بالمجتمع العلمي، وإنما تُخرج تلك اللغة تفاسيرهم من عموم النفع إلى خصوص النخبة.

وثانياً؛ أن تطور علم التفسير وتنوع بحوثه اتصلت بصورة أساسية فيما عدا المنحى الإصلاحي بهموم معرفية علمية محل اهتمام واشتغال المجتمع العلمي ولا تتصل بالمسلم العادي مباشرة.. وبالتالي أن يكون التفسير في خدمة تبيان القرآن لعامة المسلمين لن تكون ملحوظة.

وثالثاً؛ إن الامتياز المعرفي بالقرآن حين يكون احتكارا للمعرفة (لحرمة التفسير بالرأي واشتراط تبحرا في علوم مختلفة) حتى في مجالها العرفي هو عزل للقرآن عن الناس ويسمح للامتياز أن يصبح أداة تضليل.. حيث أن سلامة القرآن عن التحريف وإمكان فهمه العرفي المتاح هو أساس التقويم والنقد والمراجعة وهو أساس مسئولية الفرد عن هدايته أو ضلالته.

فمع تراكم التفسير الموجَّه، والأبحاث الفرعية وبعضها حقول علمية متخصصة على مائدة القرآن الكريم وتضمينها (الحقول المعرفية) التفاسير، ولـ»اللغة» الغير الميسرة.. ستكون هذه التفاسير خطابا نخبويا يتزين بها عامة المسلمين باقتنائها.. فلن تؤدي وظيفة التبيان للقرآن.

نعم؛ التفاسير ذات المنحى الإصلاحي ينبغي أن تتشارك مع التفاسير الموجزة/ الميسرة في عموميتها بشرط أن تكون لغتها ميسرة. أن التفاسير المتكاثرة لم تكن خطابا في كثير منها للمسلم العادي. ويمكن اعتبار «اليسر» إحدى امتيازات تفسير «من هدى القرآن» تبعا لغرض المؤلف.

والخلاصة؛ بالرغم من توافر قلة من التفاسير الميسرة لعامة المسلمين فإن السؤال عن وفاء التفسير أن يكون بديلا عن التدبر لما سبق، ولسبب آخر أكثر أهمية يتعلق باختلاف مجاليهما. ويستند السؤال بدءا لمفارقة الأمر بالتدبر في القرآن وإناطة البيان في ذات القرآن وبتبيين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

أولاً؛ في تحديد التدبر

وبعد؛ لا نستهدف هنا التعريف اللغوي الذي يوضح الكلمة في سياقها اللغوي بالرغم من أنه أساس التحديد بوصف اللغة هي لسان الوحي الناطق وبيانه..

وإنما يقترب الكلام من التعريف الاصطلاحي والمفهومي والمتكون من خصائص وأبعاد تتجاوز المعاني المعجمية الشائعة افتراضا بين الناطقين باللغة إلى رؤية خاصة بحقل معرفي ما حيث ينتظم المعنى في شبكة علاقات دلالية في ذلك الحقل.

المبحث الأول: دلالة مادة (التدبر) في اللغة:

المادة الأصلية لكلمة التدبر هي (د ب ر) تدل على معانٍ عدة:

1- الخلف والذهاب والتجاوز:

يقول الفراهيدي:»ويقال للقوم في الحر: وَلُّوهُم الدُّبُرَ والإِدبار، والإدبار التَّوْلِيةُ نفسُها... وإدبارَ النُّجومِ، عند الصُّبحِ في آخر الليل إذا أَدبَرَتْ مُوَلِّيةً نحو المغرب»[17].

لذا تذكر هذه المادة في مقابل القبل كثيرا، وقال الفراهيدي:» دُبُر كلِّ شيءٍ خلاف قُبُله ما خلا قولهم: جَعَلَ فلانٌ قَولي دَبْرَ أُذُنِه أي خَلْفَ أُذُنه ودُبُرَ أذنه»[18].

وأيضا؛ يقال دبر السهم الهدف: سقط خلفه، ودبر فلان القوم: صار خلفهم[19]. ويقال: أدبر القوم: مضى أمرهم إلى آخره[20].

وهكذا نجد: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ.. ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ.. ﴿وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ.. ﴿وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى..

2- عواقب الأمور والتفكر والقيام بالأمر:

يقول الفراهيدي: «والتدبير: نَظَرٌ في عَواقِبِ الأمور، وفلانٌ يَتَدَبَّرُ أعجازَ أمورٍ قد وَلَّتْ صدورُها»[21].

ويقال: دَبَّر الأمر وتَدَبَّره: أي: نظر وتفكر في عاقبته[22]. ويقال: اسْتَدْبَرَه: أي: رأى في عاقبته ما لم يره في صدره[23]. والتدبير في الأمر: أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته[24].

فهو (التدبير) بمعنى التفكير في دُبُر الأمور[25].. أي تصيير الشيء ذا دبر وجعله ذا عاقبة حسنة.

وهكذا نجد:

:: القيام بالأمر؛ ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ...،. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ 32/ 5-. ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ 10/ 31-. ﴿فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً 79/ 5-.

:: التفكير النافذ إلى العواقب؛ ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ.. ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ..﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا.

3- التقاطع والإعراض:

يقول الفراهيدي: «والتَّدابُر: المُصارَمة والهجْران، وهو أن يُوَلِّي الرجل صاحبَه دُبُرَه ويُعرضَ عنه بوَجهه»[26].

قال أبو عبيد: التدابر: المصارمة والهجران، مأخوذ من أن يولي الرجل صاحبه دُبُره وقفاه، ويعرض عنه بوجهه ويهجره[27].

وهكذا نجد؛ ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى..﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ.. ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى.. ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ.

4- التتبع والتعقب:

يقول الخليل: «والدابِرُ: التابع، ودَبَرَ يَدْبُرُ دَبْراً أي تَبِعَ الأَثَر، وقوله تعالى: « والليلِ إذا أَدْبَرَ « أي وَلَّى ليذهَبَ، ومن قَرَأَ: دَبَرَ أي تَبِعَ النَّهارَ،...واستَدْبَرَ فلان فلاناً من حِينه: أي حين تَوَلَّى تَبِعَ أمرَه»[28].

تعقيب واستنتاج:

وهنا نكتفي بما استخلصه ابن فارس في مادة [(دبر) الدال والباء والراء] اعتمادا على مجموع الحديث ـ..،فيقول أصل هذا الباب أنَّ جُلّه في قياسٍ واحد، وهو آخِر الشَّيء وخَلْفُه خلافُ قُبُلِه. وتشذّ عنه كلماتٌ يسيرة نذكرُها، فمعظم الباب أنَّ الدُّبُرَ خلافُ القُبُل»[29]، ووّجه ابن فارس كثيرا من الأقوال وفقا للمعنى الذي ذكر فقال:»...من ذلك ودبَّرْتُ الحديثَ عن فُلانٍ، إذا حدَّثتَ به عنه، وهو من الباب؛ لأنَّ الآخِر المحدِّثَ يَدْبُر الأوّلَ يجيءُ خَلْفَه...وقد دَبَرَ يَدْبُرُ دُبُوراً، والدَّبَرانُ: نجمٌ، سمِّي بذلك لأنَّه يَدْبُر الثّريّا. ودابَرْتُ فُلاناً: عاديتُه. وفي الحديث: «لا تَدَابَرُوا»، وهو من الباب، وذلك أنْ يترُكَ كلُّ واحدٍ منهما الإقبالَ على صاحبه بوجْهه، والتدبير: أنْ يُدبِّر الإنسانُ أمرَه، وذلك أنَّه يَنظُر إلى ما تصير عاقبتُه وآخرُه...والدّابر من القِداح: الذي لم يَخْرُج؛ وهو خلاف الفائز، وهو من الباب؛ لأنَّه ولّى صاحبَه دُبُرَه. والدَّابر: التابع؛ يقال: دَبَرَ دُبُوراً. وعلى ذلك يفسَّر قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿والليلِ إِذا دَبَرَ[30]، يقول: تَبِع النَّهارَ...وأما الكلمات الأُخَرُ فأُراها شاذّةً عن الأصل الذي ذكرناه، وبعضُها صحيح»[31]..

وكاستخلاص أولي لوصل الحديث ببعضه نجد أن عنصر (الخلف) هو أساس المعنى، ومن جهة أخرى نجد (التدبير) وهو قيام بأمر يتطلب علاجا ورعاية واجتراح حلول لعقده، ونجد ( التدبر) هو تفكر. والتفكر هو عنصر مشترك بين (التدبر) و(التدبير)، كما أن العاقبة هي العنصر الآخر لكن من حيثية مختلفة. فالعاقبة في التدبر هي غاية التفكر استكشافا، وهي غاية التدبير بمعنى الإدارة والقيام أن تكون حسنة.

وبالتالي التدبر في الأمر: التفكير فيه، ومائز التدبر عن التفكر هو إضافة عنصر استهداف العواقب.. وغالب المفسرين على هذا، والقليل من يكتفي بمعاني التفكر والتأمل دون ملاحظة العاقبة وربما هذا إغفال في الألفاظ.

وإلى هذا المعنى يشير السيد المدرسي في مطلع تفسير سورة الكهف[32]:»بينما التدبّر شيء آخر، وهو ما دعا القرآن إلى أن يكون وسيلة لمعرفة التأويل أو النهايات والنتائج الواقعة لآياته، والكلمة مشتقة من (الدبر) وهو مؤخرة الشيء، وهذا يوحي بأن التدبّر هو عدم الوقوف عند ظواهر المعاني والحوادث، بل محاولة معرفة ما ورائها». ويضيف في البحوث التمهيدية من الطبعة الثانية[33]:» ما هو التدبر؟، في جواب موجز نشير إلى الآتي.

البعد الأول: نصفه بأنه التفكير العميق المنظم الذي يستهدف التعرف على عمق الشيء.

البعد الثاني: غايته ومحـوره البحث عن القوانين العلمية التي انطوت عليها آيات القرآن أو المناهج التربوية التي صيغت بها هذه الآيات.

ومناهج التدبر هي آليات للتفكير، وجوهرها صناعة الأسئلة الجيدة (الدقيقة) التي تستحث الفكر في الآيات لينفذ عبرها إلى حقائقها التي يتكئ ظاهرها عليها». والبعد الثاني ( القوانين/السنن) يتضح الحال فيها لاحقا.

المبحث الثاني: علاقة (التدبر) بمصطلحات أخرى:

أولاً: التدبر والتعقل.

وبعيدا عن تداعيات موقع العقل في الفهم وتأثير المعارف إذ الحديث في تحديد (التدبر) - فإن الحديث لمقاربة بُعد التفكر في التدبر وتداعياته.. ونسوق الحديث كالآتي:

1- التدبر وشقائق التعقل:

التفكر: في القاموس: «الفِكْرُ، بالكسر ويُفْتَحُ إِعمالُ النَّظَرِ في الشيءِ»[34]، وذكر ابن فارس: «(فكر) الفاء والكاف والراء تردُّدُ القَلْب في الشَّيء، يقال تفكّرَ إذا ردَّدَ قلبه معتبِرا»[35]. ويكفينا الإحالة على الوجدان، وإنما الكلام في الفارق بين المفردتين. وذكر أبو هلال العسكري الفرق بين اللفظين يرجع إلى مقصد كل منهما (العواقب، والدلائل): «الفرق بين التدبر والتفكر: أن التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب، والتفكر تصرف القلب بالنظر في الدلائل»[36]. وربما يجدر القول أن التفكير عنصر موجود في التدبر لكن غايته معرفة العواقب.

النظر: ويذكر ابن فارس: «(النون والظاء والراء) أصلٌ صحيح، يرجع فروعُه إلى معنىً واحد وهو تأمُّلُ الشّيءِ ومعاينتُه، ثم يُستعار ويُتَّسَع فيه، فيقال: نظرت إلى الشّيءِ أنظُر إليه، إذا عاينْتَه[37].

فالنظر من سنخ التفكير وفيه إشارة إلى تحديد متعلق التفكير والتركيز، وهما وسيلتا العبور للعواقب.

التأمل: جاء في القاموس المحيط:»تأمَّلَ تَلَبَّثَ في الأَمْرِ والنَّظَرِ»[38]، والتروي صفة النظر والتفكير غير المتسرع، وفيه إيحاء بعدم وضوح متعلق النظر مما يتطلب المزيد.

2- التدبر والتذكر:

ذكر الفراهيدي؛ الذكر: الحفظ للشيء تذكره، وهو مني على ذكر. والذكر: جري الشيء على لسانك، تقول جرى منه ذكر. وقال ابن فارس؛ أصلان،... والأصل الآخر: ذكرت الشيء: خلاف نسيته ثمّ حمل عليه الذكر باللسان. ويقولون: اجعله منك على ذكر، أي لا تنسه.

ومع غض النظر عن الأصل الآخر (الذكورة مقابل الأنوثة) وهل هما من باب واحد[39] أم لا، فإن الأصل الواحد في باب (مقابل النسيان) أعمّ من التذكّر بالقلب أو باللسان. ويطلق الذكر على ما يذكر به، ومنه وصف القرآن بـ»و ما هو الّا ذكر للعالمين».

واستخدم الأدب القرآني كلمة (التذكر)، انطلاقا من حقيقة إن اللـه قد أودع فطرة الإنسان وعقله، أصول العلم ومعدن المعرفة، فلا يحتاج الإنسان بالنسبة إلى تلك المعلومات إلى ما سوى التذكرة بها والتنبيه إليها.

فالتذكرة هي بلورة المعلومات التي أودعها اللـه في ضمير الإنسان، بتعبير أفضل بلورة واستثارة العقل الذي يهدي به اللـه من يشاء إلى صراط مستقيم.

وبينما يكون التعليم متكئا على التسليم حيث أن الوحي من العليم الحكيم فالتذكرة هي استثارة للعقل.

لذا التذكرة تعتمد استنطاق العقل واستثارته تنبيها له لحقائق يجدها في كيانه ويقر بها. ومن هنا فإن سبيل الاحتجاج والحوار والتعريف بهذا الدين في أصوله ومعارفه الاعتقادية والأخلاقية يعتمده، فيؤمن الإنسان من خلال انفتاح عقله على الحقائق وإذعانه بها.

وفي مجال فهم القرآن سنجد (التذكر) وسيلة عبور للعقل من خلال الآيات القرآنية إلى بصائره وحقائقه المبثوثة في باطنه وفي آيات الطبيعة المحيطة بالإنسان. وحين تكون الآيات جسرا للعقل للنفاذ للحقائق فلن يقف عند ظاهرها، ولن يجعل الآيات بديلا عن العقل.

وهكذا فأن القرآن لا يلغي دور العقل والتفكر، لكن العقل من المتعذر عليه أن يكشف الحقيقة بدون القرآن، كالعين التي يستحيل أن ترى الأشياء بدون الضوء، وهكذا التفكر لا يلغي دور القرآن، كما أن العين لا تلغي دور الضوء. إن وضوح الأشياء وإضاءتها يساعد على الرؤية، وليس هو الرؤية بذاتها.

إذن أمامنا حقيقتان؛ ينبغي أن نعيهما جيدا:

الحقيقة الأولى: حقيقة القرآن «النور والذكر والبصيرة والهدى».. وهذه الصفات لو تدبرنا فيها قليلا لرأينا أنها تعني الحقيقة التي تساعد العقل على التفكر، والقلب على التدبر، وليس هناك ما يلغيها ويحل محلها.

الحقيقة الثانية: إن القرآن ليس بديلا عن العقل، وإنما هو مستثير لدفائنه وميزان لئلا يشط بعيدا.

وسنجد هذه الحقيقة جلية لدى التأمل في فروق التدبر عن التفسير والتأويل والعلائق بينهم[40].

ثانيا: التدبر وشقائق الفهم:

1- التدبر والفقه:

يقول ابن فارس في مادة (فقه): أصل واحد صحيح يدلّ على إدراك الشي‏ء والعلم به، تقول فقهت الحديث أفقهه، وكلّ علم بشي‏ء فهو فقه، ثمّ اختصّ ذلك بعلم الشريعة. وأفقهتك الشيء: بيّنته لك.

وفي الفروق قال العسكري؛ الفرق بين العلم والفقه: أنّ الفقه هو العلم بمقتضى الكلام على تأمّله، ولهذا لا يقال إنّ الله يفقه، لأنّه لا يوصف بالتأمّل.

فالفقه فهم على دقّة وتأمّل، نتيجته العلم. والآية: ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ 9/ 122 هي مناسبة اختصاص الفقيه بمن يكون متفقّها في الدين.

ويمكن إيجاز الفرق بين مفردتي «التدبر» و»الفقه» في الآتي:

1- إذا كان التدبر نظره للعواقب فالفقه أساسه العمق والدقة.. وهذا ملاحظ من اللغة.

2- في الاستعمال القرآني نجد: من[41] خلال آية النفر التفقه وظيفة نفر (ثلة/طليعة) من كل طائفة والتعلم للدين من خلال منبع المعرفة (النبي)، والغاية إنذار أقوامهم. بينما في ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ[42]، نجد[43] أن إحدى غايات الكتاب التدبر وهي غاية لجميع الناس، نعم المنتفعون بالتدبر ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.. فالتدبر يسع عامة الناس الخاصة والعامة.

2- التدبر والاستنباط:

ترجع مادة (الاستنباط) إلى الاستخراج. وذكر الفراهيدي؛ نبط: كلمة تدلّ على استخراج شيء، واستنبطت الماء: استخرجته. والماء نفسه إذا استخرج نبط. ويقال إنّ النبط سمّوا به لاستنباطهم المياه. فأصل المعنى خروج شيء أو إخراجه من باطن شيء. ومنه مصاديقه: استخراج الماء واستخراج المعرفة من مصادرها. وهكذا هو المعنى في: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ 4/ 83.

وهكذا يكون الاستنباط وظيفة العلماء لا عامة الناس. فالآية[44] في سياق الطاعة للقيادة (النبي). ودائما ثمة من أوفى مقدرة لربط القضايا الجزئية بالقيم العامة، وبالقواعد الكلية التي تدل عليها النصوص.

فالحال في الاستنباط والتدبر شبيه بحال التدبر والفقه.

ثالثاً؛ التفسير والتأويل والتدبر:

1- في معنى التفسير:

أصل مادة (التفسير) تدل الكشف والبيان, قال ابن فارس:»الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدلُّ على بيانِ شيءٍ وإيضاحِه». يقال: فسَّر الكلام, أي: أبان معناه وأظهره, فهو إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التجلي[45]، فهو تفسير للكلام -قرآن أو غيره- أي الكشف عن مدلوله، وبيان المعنى الذي يشير إليه اللفظ.

وقال الراغب: الفَسْر، والسَفْر متقاربا المعنى كتقارب لفظيهما، والفرق بينهما إن الأوّل يستعمل في إظهار المعنى المعقول، كقوله سبحانه: ﴿وَلا يَأتُونَكَ بِمَثَل إلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرا أي أحسن تبييناً. والثاني يُستعمل في إبراز الأعيان للأبصار، يقال: أسفر الصبحُ، أو سفرتْ المرأة عن وجهها.

وقيل في تحديد علم التفسير الكثير منه الزرقاني: هو علم يبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية [46]. وعرّفه الزركشي بقوله: علم يعرف به فهم كتاب الله تعالى المنزل على نبيه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه[47].

والمهم فيها أنه: «علم لتبيان معاني القرآن الكريم». وتوصيف التفسير بـ»العلم» يشير أنه معارف منظمة ومترابطة تبلورت تدريجيا مع تجارب المسلمين في الغرض الأساس « الكشف/ التبيان»، وبالتالي هو علم يبحث في جهتين بصورة أساسية قواعد وأدوات الكشف والثانية شرعيتها (الحجة) وعلاقات الأدوات مع بعضها..،. ونتوقف قليلا لاستيضاح معالم التعريف الشائع بالرغم من اختلاف العبارات بين الباحثين في علم التفسير:

1- أساس المعنى هو الكشف عن معنى الآيات؛ وبه تخرج المعاني الظاهرة من موضوع التفسير لعدم حاجتها للكشف. ومن هنا لو صح النهي عن مطلق التفسير فإنه لا يشمل الظاهر القرآني.

والحق أن ثمة نوعان من الظهور؛ العرفي ومثاله في الضرورات واضح مثل الأمر بالصلاة، وعلمي لا يناله العرف بيسر ومن أمثلته آية الوضوء. والحق أن العرفي ليس من التفسير، إذ لا قناع يكشف عنه، بيد أن العلمي من أظهر ألوان التفسير بل هو أكثره صرامة في المنهج.

2- ومن المعاني ينصرف للمعاني السياقية (التركيبية) فهو الكلام وهو الكاشف عن المعنى المراد، نعم معرفة المفردات هو مقدمة إلى ذلك.

وتُذكر عبارة «تفسير المعنى»[48]؛ مقابل تفسير اللفظ والعبارة. وظاهرا هو غير تبيان المعنى (الكلي/ السياقي/ التركيبي) للجملة القرآنية، وإنما يتجه نحو معنى يحدد مصداقه الخارجي الذي ينطبق عليه ذلك المعنى. ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ غاية تفسير اللفظ أن نحدد معنى النزول لغةً. لكن تحديد المعنى اللغوي لهذه المفردة لا يعطينا الفهم الكامل للآية، فنحن نريد أن نفهم حقيقة هذا الإنزال ونوع تلك الجهة التي نزل منها الحديد، هل هي جهة مادية أو معنوية؟ ونحو ذلك.

وإيجازا فإن بيان المعاني ليس شرحا لمفردات الكلام وإنما المعنى الكلي للكلام لذا تفسير الألفاظ ليس تفسيرا للكلام وإنما مقدمة له، أما النظر للمصداق في التفسير فهو اقتراب من التأويل كما سيأتي. وبلا ريب فإن التأويل أحد المفسرات للكلام، ومنه معرفة سبب النزول كمصداق للمعنى أحد الموضحات للمعنى.

3- الكشف عن المراد والمقاصد للمعاني (العبرة) يذكرها البعض في التعريفات لكن متابعة ذلك في التفسير غير وافرة. وربما الأنسب تحديد المراد في «المعنى» والذي هو متضمن للمعارف أو الأوامر والزواجر..، ويبدو أن مقصود غالب من أشار لـ«المراد» لا يساوق «العبرة» وإنما «المعنى/ قصد المتكلم» المباشر..

نعم أهداف المفسرين واهتماماتهم نجدها بوضوح في: «المعارف الاعتقادية» و «المغازي والقصص والعبر منها عند البعض» و «استنباط الأحكام الشرعية».

والخلاصة؛ إن غرض المفسر من ممارسة التفسير هو الذي يصبغ التفسير ويصطنع مساره ويتركز فيها الحديث عن العِبَر.

و العِبَرة يمكن أن تتوضع في سياق الآيات وما تتضمنه من غايات، ويمكن أن يتوضع التفسير في سياق الغايات الكلية للقرآن. وفي الأول يُلاحظ أن «الهداية» المتكئة على «التزكية والتعليم» هو أساس العبرة القرآنية[49]. وفي الثاني النظر للهداية القرآنية في سياق بناء الحضارة الإلهية التي تتمثل القيم النبيلة وتحقق الرحمة الإلهية في الدنيا.

4- يلاحظ إن التفسير هو «كشف للقناع»، وبالتالي هو يحكي عملية تبيان المعنى، بينما المتعارف عليه بأنه العلم الذي يستهدف معرفة المعنى ورفع الغموض المكتنف له. وبعبارة لدينا ثلاثية «التفكير، الفهم، الكشف»، فالمرحلة الثالثة هي الأنسب باللغة، لكن الأوليتين ممهدتين له.

2- في التأويل:

اختلف اللغويون في الجذر الذي يعود إليه المصدر «تأويل»؛ فمنهم من رأى أنّ هذا المصدر جاء من الجذر (آلَ/ المآل)، بينما رأى آخرون أنّ الجذر هو (أوَلَ/ الموئل). قال ابن فارس:»الهمزة والواو واللام أصلان: ابتداء الأمر وانتهاؤه»[50]، وهو بهذا يشير إلى دلالة النهاية والغاية، ويظهر ذلك بوضوح من قوله:»ومن هذا الباب تأويل الكلام، وهو عاقبتُهُ وما يؤُولُ إليه، وذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ تَأْوِيلَهُ[51].

وهكذا جرى ابن منظور في لسان العرب هاتين الوجهتين، فنقل عن ابن الأثير قوله: «هو -أي التأويل- من آلَ الشيء يَؤُول إلى كذا أي رجع وصار إليه».. وينقل كذلك عن التهذيب اعتراضه على ذلك: «وأمّا التّأويل، فهو تفعيل من أَوَّلَ يُؤَوِّل تأويلا، وثلاثيه آلَ يؤُول أي رجع وعاد»[52].

وفي المفردات: «التأويل من الأَوَل، أي الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئِل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية المُرادة منه، عِلْما كان أو فعلا.. وتأويله: أي بيانه الذي غايته المقصودة منه.[53].

وهكذا نجد في الاستعمال القرآني:

:: بمعنى التفسير، ومن ذلك ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا[54]. وقوله: ﴿وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث[55].

:: بمعنى ما يصير إليه، ومن ذلك ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ...[56].

وجرى الباحثون في علوم القرآن والمفسرون غالبا على المنوال. فهو عند ابن الأثير: «نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما تُرِك ظاهر اللفظ». والتأويل عند أبي العباس أحمد بن يحيى: «التأويل والمعنى والتفسير واحد»[57]. وهو كذلك عند الطبري[58]. وقال أبو منصور: «يُقال أُلْتُ الشيءَ أؤَولُه إذا جمعتُه وأصلحتُه، فكان التأويل جمع معاني ألفاظ أَشكَلَت بلفظ واضح لا إشكال فيه»، «التّأول والتأويل تفسير الكلام الذي تختلف معانيه ولا يصح ببيان غير لفظه»[59].

وقال الثعلبي مفرقا بين التفسير والتأويل: التفسير بيان وضع اللفظ إما حقيقة وإما مجازا، والتأويل تفسير باطن اللفظ، مأخوذ من الأول، وهو الرجوع لعاقبة الأمر، فالتأويل إخبار عن دليل المراد، لأن اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف دليل[60].

ويقول ابن رشد في كتابه فصل المقال: «ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يُخِل في ذلك، بعادة لسان العرب في التّجوز من تسمية الشيء بشبيهه، أو بسببه، أو لاحقه، أو مقارنه، أو غير ذلك من الأشياء التي عُددت في تعريف أصناف الكلام المجازي»[61]. «ويسمي ابن رشد هذه القاعدة التي وضعها في التأويل بقانون التأويل العربي»[62].

وهكذا نجد مذاهب المفسرين:

1- الغالب هو وضع التأويل في إطار التفسير، فبعض يرى الترادف بين (التفسير، التأويل)، وبعضا يرى تفاوتا بينهما -وإن كان أصل المعنى واحد-، وبعبارة هو تفسير لكن بخلاف الظاهر حيث يتعذر قبوله.

فوظيفة التأويل عند المفسرين هي فهم النص. لكنه فهم مختلف بنسب متفاوتة للتفسير. فالتأويل هاهنا «آلية» منهجية لمعالجة بعض المشكلات في فهم النص، مثل «رفع التناقض الظاهر»، ومن أجلى أمثلته آيات التشبيه والتنزيه.. ومنه « ترجيح» رأي محتمل على آخر محتمل أيضا.. وتارة عند البعض هو مطلق الترجيح وتارة هو خصوص ترجيح المرجوح.. وأيضا منه «صرف الظهور» لقرينة خارجية عقلية أو لفظية.

ومن المناسب رفع التباس بسب التداخل بين أمرين مختلفين: بين [الحقيقة والمجاز] و[الظهور]، وفي الثاني ثمة لبس بالخلط بين [الظهور البدوي المتزلزل] و[الظهور العلمي المستقر]. فالمجاز لا ينافي الظهور لأنه في نطاق آخر، فالظاهر أعم من الحقيقة والمجاز. فالمجاز ليس صرفا للظهور. نعم بين الظهور المستقر والمتزلزل مجال للتوهم، حيث أن القرائن المنفصلة تعطي للظهور البدوي نوع استقرار مما يسمح بتوهم التنافي وحصول الاشتباه.

2- وثمة آراء تصنف التأويل خارج التفسير بلحاظ (المآل) والعاقبة والخارج.

ويرى السيد المدرسي صوابية هذا الرأي[63]؛ حيث إن الروايات جعلت التنزيل مقابل التأويل، فالقرآن حجة في كلّ عصر وجيل والرجوع إليه أساس التسليم في الحوادث والطوارق، و«له ظهر وبطن» و«ظهره تنزيله، وبطنه تأويله، منه ما مضى، منه ما لم يجئ بعد، يجري كما تجري الشمس والقمر».

ومن جهة أخرى؛ يرى[64] السيد المدرسي أن التأويل يلتقي بالتفسير من جهة بلحاظ (الأول) ويفارقه بلحاظ (المآل)، أي أن التفسير يستهدف المعنى العميق الذي يتأتى به النظر للخارج والتطبيق أو تشخيص المصاديق[65].

ونتوقف قليلا لتبيان هذا المعنى من خلال الاستعمال القرآني:

وقد جاءت كلمة التأويل في سبع سور من القرآن الكريم:

1- ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ[66].

2- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[67].

3- ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ[68].

4- ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ[69].

5- ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[70].

6- ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ[71].

7- ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[72].

8- ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ[73].

9- ﴿قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ[74].

10- ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ[75].

11- ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ[76].

12- ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ[77].

13- ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[78].

14- ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً[79].

15- ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً[80].

ويمكن ملاحظة الآتي:

1- بمعنى التفسير:

بدراسة هذه الآيات نعرف أنّ كلمة التأويل وردت آية آل عمران وهي عمدة النظر في التأويل عادة؛ وتحتمل المعنيان. أي بمعنى التفسير ولو بالإرجاع للمحكم، والتطبيق. ومعنى التفسير لانّ التأويل في الآية الأولى أضيف إلى الآيات المتشابهة، ولهذا ذهب كثير من مفسري الآية إلى القول بأنّ تأويل الآية المتشابهة هو تفسيرها وبيان مدلولها. نعم آيتي الكهف الأقرب أنها بمعنى التفسير.

2- بمعنى التطبيق مقابل التنزيل:

كما تدل عليه مادة الكلمة نفسها لغويا؛ هو واضح في سورة يونس، والأعراف، ويمكن حمل النساء والإسراء عليه. وهذا الرأي قد اختاره السيد الشريف الرضي في «حقائق التأويل»[81]. وهو معنى أنسب مع آية آل عمران.

3- بمعنى (الأول، والمآل).

تأويل الرؤيا، وهو تفسير (جسر) لكي يتحدد مصداقه الخارجي. ولكن قوله (يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا)، أن المرجع هو العاقبة والتطبيق، وإنما التفسير هو جسر يتيح ذلك أو يكشف عنه. ويتضح هذا مع ملاحظة التأويل مقابل التنزيل والباطن.

أن مآل المعنى لا يتضح إلا مع وضوح المعنى، والذي يتطلب بدوره وضوحا في اللغة وتقاربا في الأفق العلمي المتصل بالمضمون. والمستوى اللغوي كان أيسر المسائل مع عقده، ومشاكل المعنى هي محط النظر دائما. فمشكلة المعنى مرتبطة بدرجاته وتخومه وبطونه كما تقرر الآيات.

والملاحظة الأساسية إن مراجعة الروايات تجعل العقدة يسيرة الحل، كما تكشف أن هذا الرأي موجود مسبقا والذي نجده فيما يعرف «التأويل مقابل التنزيل». كما أن الروايات كانت لتسمح بخطوة متقدمة لهذا الرأي، أي استثمار التأويل في الفهم المتجدد للقرآن. ومع أن السبر القرآني خطوة منهجية ضرورية إلا أن الروايات تعين بشكل لا يستغنى عنها كثير من الالتباسات، بل أن التوقف عند قصة الكليم (عليه السلام) والعبد الصالح وتأويل الرؤيا يفتحان الباب على مدخلية التفسير بالتأويل في إطار «الأول».

إذن؛ تقرير كون التأويل يساوق المآل خطوةٌ أولى تنقصها آلية التوظيف، والتي امتنعت عند الحاصرين له في»المآل». فتوظيف التأويل يتطلب بعديه [الأول، المآل]، فالأولى للفهم العميق والثانية للخارج.

ويلخص السيد المدرسي[82] الفروق بينهما مع ما سبق.

أ: إن التفسير بيان على الناس من حقائق الوحي، بينما التأويل، تطبيق حقائق الوحي العامة على القضايا الجزئية.

ب: التأويل وسيلة من وسائل تفسير الوحي، لان الرسول كان يطبق حقائق الوحي عمليا على الظروف المتغيرة، مما كان يعلم الناس منهج تطبيق سائر الحقائق على الظروف المختلفة.

ت: يجب إتباع التفسير، بينما التأويل لا يتبع حرفيا، وإنما هو وسيلة للنفاذ للتفسير.

3- بين التفسير والتدبر:

ومن خلال ما سبق يقرر السيد المدرسي[83] الأبعاد المتباينة بين التفسير والتدبر:

1- التدبر ممارسة آلية للفهم، بيد أن التفسير هو تبيان للفهم الذي يحصل عند المفسر. فإذن لدينا ثلاثة عناصر هاهنا: التفكير الفهم التفسير. نعم الدارج في طبيعة عمل المفسرين يشمل العناصر الثلاثة. لكن من الناحية اللفظية فالتدبر تفكر، والتفسير كشف، أي رفع الغطاء عن الآخرين.

2- غاية (منهج) التدبر أو التفسير -نظريا- مختلفة. فغاية التدبر العاقبة والبحث عن النظائر في الخارج ليقترب من التأويل. وغاية التفسير فهم القرآن (تبديد الغموض) المرتبط بالآيات نفسها، بغض النظر عن الخارج. فالتفسير يستهدف تبيان الصورة العامة للآية. بيد أن دراسة هذا الظاهر للنفاذ للباطن [السنن العلمية] هو من التدبر.

3- كلمة (التدبر) هي من الصيغ التي تنطوي على الإشارة إلى بذل المجهود في الأمر، والذي يستخدم الإنسان فيه طاقاته، فكلمة تَصَّرُف غير كلمة صرف إذ الأولى تعني السيطرة على الشيء، ومحاولة صرفه بقوة أو بجهد، كذلك التحدث يعني استخدام الجهد في الحديث، وهكذا فإن التدبر يعني بذل الجهد في التفكير للوصول إلى نهايات الأمور، وهنا نصل مرة أخرى إلى ذات الحقيقة وهي أن القرآن ليس بديلا عن جهد الإنسان.

نعم هذه المفارقات دلالية، بينما الخارج فإن درجة العمق في ممارسة المفسر تحدد إمكانية توصيف التفسير بالتدبر وعدمها، وفي أعمال كثير من المفسرين هو تدبر معمق. إن تركيز مفردة «التفسير» على الكشف ولا تشير إلى الجهد ولا إلى العمق، بينما في التدبر تركيز على الغوص للعمق وإشارة إلى الجهد البشري.

4- بين التدبر والتأويل:

مما سبق يصبح الاستنتاج الآتي واضحا؛ وهو التقارب بين مفردتي التدبر والتأويل، حيث يكون التأويل غاية التدبر. يقول السيد المدرسي:

غاية التدبر العواقب، فالكلمة مشتقة من (الدبر) وهو مؤخرة الشيء، وهذا يوحي بأن التدبر هو عدم الوقوف عند ظواهر المعاني والحوادث، بل محاولة معرفة ما ورائها. قال الطبرسي L التدبر: النظر في عواقب الأمور. وعاقبة الأمر: هي ما يؤول إليه الأمر، وهو تأويله.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبّنَا بِالْحَقّ. وقال في قصة يوسف: ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاّ نَبّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ.

فتأويل الإنذار ما تحقق ما انذر به واقعا وتأويل الرؤيا تحولها إلى حقيقة واقعة، ويبدو أن التدبر هو البحث عن التأويل.

ومن جهة أخرى؛ التقارب بين التدبر والتأويل لا يجعلهما شيئا واحدا. فالتأويل ليس مجرد استنساخ للآية انطلاقا من المقابلة بين (التنزيل والتأويل)، بل إن التطبيق المتجدد للقرآن يتطلب تجاوز ظاهره (التنزيل) والنفاذ إلى باطنه (التأويل)، فالظاهر متشابه لا يستنسخ عادة (إلا مع تشابه الظروف مئة بالمائة وهو بعيد)، وإنما القابل لذلك المحكم وهو الباطن.

ومع أن استكمال أبعاد التدبر يتطلب توقفا عند «الباطن» إلا أنه نكتفي بالإشارة.. فالقرآن حجة في كلّ عصر وجيل والرجوع إليه أساس التسليم في الحوادث والطوارق، و«وله ظهر وبطن» يرشدنا إلى أن نقف على ظهره وبطنه، والمراد من البطن ليس هو التفسير بالرأي، بل تحرّي المصداق المماثل للمصداق الموجود في عصر الوحي وبه فسّره أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ «مَا مِنَ الْقُرْآنِ آيَةٌ إِلَّا وَلَهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ» قَالَ: «ظَهْرُهُ [تَنْزِيلُهُ‏] وَبَطْنُهُ تَأْوِيلُهُ وَمِنْهُ مَا قَدْ مَضَى وَمِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَجْرِي كَمَا تَجْرِي الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ كُلَّ مَا جَاءَ تَأْوِيلُ شَيْ‏ءٍ يَكُونُ عَلَى الْأَمْوَاتِ كَمَا يَكُونُ عَلَى الْأَحْيَاءِ..» [84].

فالتأويل آلية تجعل القرآن قابل للتنزيل المتجدد، فالمصداق الموجود في عصر الوحي تنزيله، والمصاديق المتحقّقة في الأجيال الآتية تأويله، ولذلك يقول الإمام الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِ قَوْمٍ هادٍ: فَقَالَ: «.. لَوْ كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ آيَةٌ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَاتَتِ الْآيَةُ مَاتَ الْكِتَابُ وَلَكِنَّهُ حَيٌّ يَجْرِي فِيمَنْ بَقِيَ كَمَا جَرَى فِيمَنْ مَضَى»[85].

لكن التأويل ليس مجرد استنساخ، وإلا جاز ذلك في المتشابه. ولنلاحظ: سورة الإيلاف لا يمكن تأويل ظاهرها على غير ما نزلت فيه، لكن مع النفاذ للباطن (السنة العلمية) الذي يفسر العلاقة بين (الألفة ورحلة الشتاء والصيف) بحيث تكون مثاله يمكن تطبيق السنة في أزمان وأقوام وأماكن مختلفة.

فالقرآن منطو على مادة حيوية قادرة على علاج الحوادث الطارئة عبر الزمان إلى يوم القيامة، وذلك عن طريق معرفة تأويله في مقابل تنزيله.

من هنا التدبر (التفكير المعمق) محاولة عبور ونفاذ من الظاهر إلى السنن المختبئة في النص لتحقيق إمكانية التأويل. وهكذا يمكن أن نوجز التدبر بما سبق؛ أي بتوصيفه بـ(التفكير المعمق) وهدف (استكشاف السنن المختبئة)، وذلك بغية تقييم وتقويم الواقع على أساس تلك المعارف.

ثانياً؛ التدبر وآفاق التفسير

أولاً: التدبر والتفسير السياقي:

في إطار الحديث عن السياق الموضوعي للسورة يذكر السيد المدرسي[86] إن: مسالك المفسرين من حيث نطاق التفسير ثلاثة «التجزيئي، السياقي[87]، الموضوعي». والغالب في نهج المفسرين هو التفسير التجزيئي الذي محوره الآية القرآنية.

نعم يدرس المفسر الآية مع الآيات المجاورة لها المرتبطة معها في سياق لغوي متين الذي يغير المعنى، فمثلا المفسر لا يفصل بين ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ وبين ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ. وربما استفاد المفسر من الدلالة والاستعمال القرآنيين معنىً يشرح به غموض في آية ما. مثل:﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ، يفسر الظلم بـ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. لكن هذا التوسع إنما هو بغرض تفسير الآية.

ويلاحظ؛ أنه مع تعدد هذه المسالك إلا إن عمل المفسرين ليس خالصا من الألوان الثلاثة تماما، وإنما الكلام عن الصبغة العامة للمفسر، ونجد عند كل مفسر تداخل بنسبة ما. نعم التفسير التجزيئي هو مبدأ التفسير للمسلكين الآخرين الموضوعي والسياقي.

ويبدو أن عمدة البناء للسياقي هو «التوقيفية في السورة» المتسالم عليها، مما يؤسس لشرعية التساؤل عن «الحكمة في بناء السورة»، حيث أن التنجيم لا ينفي الوحدة الموضوعية للسورة. للنزول الدفعي، ولجمع الآيات في سور بالرغم من تنجيم نزولها. فالعبرة ليست بزمن النزول وإنما لتناسب هذه الآيات ووحدة موضوعها حيث وضعت مع بعضها وشكلت جميعها السورة القرآنية. أوليس القرآن من (الحكيم العليم).

وينبغي تمييز الحديث[88] عن الوحدة الموضوعية عن تناسب الآيات المتجاورة وسياقاتها بقدر ما.. وهو ما يسميه البعض (الوحدة العضوية) وهو موضوع السياق القريب وارتباط الفقرات/ المجموعات وترتيب الآيات وأجزاء الآية، بل وأساليب التعبير والبيان وموسيقى الألفاظ.. ومن هنا يبحثون في إشكالية بعض الآيات وعدم تناغمها مع سياقها وبالأصح صعوبة معرفة أسرار سياقها القريب، ومن ذلك الجدل حول ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّتُقْسِطُوا فِي اليَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِمَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَة[89].. من حيث أنه لا صلة بين الشرط والجزاء، وسياق آية التطهير ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً[90]..حيث وقعت بين قوله:﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِية الأُولى وَأَقِمْنَ الصلاةَ وَآتينَ الزَّكاةَ وأَطِعنَ اللهَ وَرَسُولَه... وقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالحِكْمَة. وهكذا الكلام في آية الإكمال.؛ قوله سبحانه: ﴿اَلْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً[91].

ومراجعة كتب التفسير تكشف عن ثراء في البحث في الآيات التي يكتنف مناسباتها مع سياقها غموض.

ومن المتسالم التسليم بالتناسب والانسجام في داخل السورة الواحدة تبعا لـ»توقيفية السورة»، أما المناسبات بين السور فمختلف فيه بين المدارس الإسلامية إلا مجموعة سور وردت الروايات بأنهما بحكم السورة الواحدة..

ويرسم الإطار النظري للحكمة في الغرض الأساس للكتاب هو الهداية، ومن خلال جدلية التزكية والتعليم. فقد يفترض الغرض العلمي البحت انسجام البحوث المتخصصة مع طبيعة الموضوع، لكن الغرض التربوي -حيث يكون الجامع والمائز- يحدد الموضوعات وإن اختلفت ظاهرا في طبيعتها تبعا للهدف التربوي، بل ويحدد الأساليب في العرض تبعا لهدفه التربوي لخلق التأثير في النفوس.

فالتجزيئي يعتني بالسياق القريب اللغوي دون السياق البعيد الفكري الذي هو محل اهتمام التفسير السياقي. وبعبارة إن لكل آية معنى يهتم المفسرون بإيضاحه، والسياق اللغوي يؤثر في الدلالة (ويل للمصلين ساهون) في سورة الماعون على نحو قد يكون من قبيل القيود والشرائط بحسب ما يقتضيه السياق اللغوي، بينما السياق الفكري مجاله توظيف مضامين الآيات واستثمارها في غرض الآيات الكلي، وبالتالي انتزاع الآية من سياقها الفكري لا يخل بمضمونها وتكون العلاقة بين الآيات التي لا يربطها سياق لغوي مجرد تآزر وانتظام في نسق معرفي ولا يكون على نحو الشرائط والقيود إطلاقا إلا بما يقتضيه عدم التهافت (الاختلاف) المعنوي، ومبرر عدم التهافت شامل لكل القرآن ولا ينحصر في آيات السورة الواحدة كما هو معلوم وإنما ينتزعها من أحد مجالات توظيفها وهو مما لا يمكن صنعه في السياق اللغوي، فالانتزاع عنه يُخِلُّ بدلالة الآية غالبا، وتحديدا إن الانتزاع مع ارتباط وتلاحم مكونات الكلام لغويا كالإسناد مما لا يسوغ إطلاقا إذ تكون الجملة بسيطة وتفكيكها هو تقويضها تماما، وإنما مع انقسامه إلى فقرات (جمل وأشباه الجمل) يتم ربطها بأدوات اللغة، وههنا يسوغ أحيانا الفصل والانتزاع إذا لم يكن الربط يفيد التقييد وما في حكمه.

فمن الناحية اللغوية ثمة ثلاث حالات للجمل المتجاورة: الارتباط والالتحام (فتستغني عن العاطف والرابط)، أو (الربط) بأداة لغوية، والثالثة الانفصال من كل الجهات اللغوية.. بيد أن سوق الجمل في كلام واحد من المتكلم الحكيم يبقي رابطا فكريا (موضوعيا) بين الجمل والفقرات. وهكذا يكون للآية وظيفة محددة في السورة.. السياق الموضوعي هو غرض السورة. وهو يتحكم في توظيف الآية لصالح الغرض الأساس، فنلاحظ في سورة الحجرات آيات [التعارف مشكلة الصراع الاجتماعي]، وهكذا شبكة العلاقات بين الأشياء كالمال بالألفة في سورة قريش، أو الطغيان في سورة العلق، وهكذا.

وبهذه المنهجية تتوفر لدينا آلية لفهم الحكمة من التشابه والتكرار، وتفهم أسلوب المعالجة القرآنية للموضوعات (المشكلات).

ويبدو أن «التدبر» وثيق الصلة بالسياق الذي يكشف عن وظيفة المضامين المعرفية الجزئية في إطار الموضوعات التي تتناولها الآيات.. حيث أن غاية التدبر هو استكشاف العمق ( السنن) حتى يُتاح تطبيقها.. وبوابة ذلك استكشاف شبكة العلاقات التي تحكيها الآيات. ومن جهة أخرى فإن دراسة السياق الفكري الوظيفي يوفر أمور:

1- إحدى التوظيفات الممكنة للحقائق القرآنية، وبالتالي هي سبر لعبرة يسوقها السياق تكون من باب المثال[92].

2- معرفة البصائر القرآنية لمعالجة إشكالية ما.. وهي أيضا إحدى غايات التدبر.

3- والتوظيف يكشف عن أفق دلالي قد لا يُلتفت إليه إلا بمعية التأمل في التوظيف.

ولنتأمل آية التعارف:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[93].

والآية خطاب للبشرية (الناس).. وتقرر سنة الاختلاف: الإنسان (منكم) ذكر وأنثى. وهو مختلف المسارب (شعوب وقبائل). وأن غاية الاختلاف والتنوع: (التعارف). وتؤسس العلاج بتكريس مقياس التقوى، وهو خفي لا يعتني بالاختلاف، لكن الرب عليم خبير بالنوايا.

وهذه الآية الشريفة جاءت كخاتمة في سياق استعراض إشكاليات (الصراع/ الخلاف) يتعرض لها الاجتماع البشري متفاوت درجات الحدة وبدأت الآيات من الدرجات الساخنة إلى الظواهر الأقل.. القتال مع آخرين (الآيات 6 - 8)، الصراع الحاد بين المسلمين (الآيات 9 - 10)، الصراع الاجتماعي السياسي والإعلامي بين الجماعات المسلمة (الآية 11)، ظواهر الصراع الفردي (الآية 12).

ويمكن؛ التأمل في أبعاد سنة الاختلاف وتجلياتها المذمومة من خلال الآيات التي سبقتها. وكذلك في أبعاد «التعارف» الذي جعل بمثابة غاية لسنة الاختلاف.. وبعبارة هذه (السنة/ الحقيقة) هي القاعدة العميقة لعلاج مشكلة الصراع. من خلال بعدين أساسين:

أ: بين التعارف والجهل في أطراف المشكلة؛ ﴿فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴿عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً 11، ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ 12.

ب: التعارف والاعتراف (الاحترام) بمعنى أن الاختلاف حيث جُعِل غايته التعارف؛ بأنه لا يستوجب هدر الحقوق بل أن تعترفوا ببعضكم وبالحقوق المترتبة على ذلك.

وهذه الصلة الوثيقة بين التدبر والسياق الفكري لا تعني بحال أن التدبر قوامه ذلك، وأنه متعذر في إطار السياق اللغوي، وإنما الأفق الرحب للتدبر يكون بذلك، وأيضا هو إحدى سمات التدبر في تفسير «من هدى القرآن».

ولمزيد من التوضيح نتوقف عند عمل المفسرين في نطاقين:

ألف: المجال المشترك؛ الكشف عن المعنى العام للآيات المبحوثة. ويعتمد آليات:

1- التحليل اللغوي: للمفردات بمختلف ألوانه، ودراسة «بنية الجملة» وشكلها الإعرابي والصرفي وتأثيرهما على المعنى، ودراسة «العلاقات» اللغوية بين مقاطع الآيات والآيات المتجاورة من تفريع أو ما أشبه.. لتبيان الصورة العامة للآية ورفع غموض المعنى.

والتحليل اللغوي المعمق كما هو سائد عند المفسرين[94] وكأنموذج للتحليل اللغوي هو تفسير التبيان للعلامة الطبرسي هو كشف القناع لا بمعنى تبيان الفهم للآخرين.

2- الاستعانة بـ«أسباب النزول» وما شابه من مرويات حديثية أو تاريخية.

باء: التدبر العميق؛ ويعتمد على دراسة «شبكة العلاقات» الأعم من اللغوية لتشمل الفكرية بهدف استكشاف السنن والوصايا للظفر بالعبرة.. و»شبكة العلاقات» في الموضوعات الفرعية في السور الكبيرة أو الموضوع الأساس للسورة. ومن هنا فالتدبر يتحقق حتى مع إغفال الوحدة الموضوعية للسورة الكبيرة لإمكانه مع دراسة «شبكة العلاقات» للموضوعات الفرعية.

وهذا المجال ليس واضحا في اشتغال كافة المفسرين، فالأغراض الكلامية والفقهية والعلمية لا تتصل به، وإنما يُفترض أن يكون اشتغال المستهدفين الإصلاح والتفسير السنني.

لذا التفسير يهتم بالتحليل اللغوي أكثر مما سواه مستهدفا توضيح المعنى ومعالجة عقده، وينطلق التدبر منه لدراسة شبكة العلاقات للنفاذ للسنن المختبئة وراء الظاهر.

ومن هنا نرى أن التدبر لا يستغني عن التفسير إلا في الآيات الواضحة عرفا.

ثانياً: فهم القرآن آفاق وتحديات:

1- التفسير؛ أدوات وشرائط:

إنّ الرأي السائد بين المسلمين إن القرآن يتطلب التفسير، لكن لنتساءل عن حقيقة ذلك!. والذي يكشف عن حاجة القرآن إلى التبيين أُمور، نذكر منها ما يلي:

1- الإشكالية اللغوية؛ التي تتأكد مع الفقر اللغوي الذي يعانيه المسلمون اليوم.

2- غياب القرائن المحيطة بالخطاب «سياق الموقف». وأجلى أمثلته أسباب النزول للآيات القرآنية، وتاريخ العرب وتاريخ الدعوة «حركة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)».

3- إنّ القرآن مشتمل على مجملات كالصلاة والصوم والحجّ لا يفهم منها إلاّ معاني مجملة، وتكفلت السنّة بشرحها، واحتواءه من جهة أخرى على إشارات لحقائق تتصل بالغيب البعيد عن الإحساس والمعرفة البشرية التقليدية.

4- احتواء القرآن على معارف عالية المضمون متنوعة المجالات، التي يعسُر على الإنسان غير المختص الإلمام بها.

5- الأدب القرآني الخاص به مثل المحكم والمتشابه، الظاهر والباطن، والتأويل، والخاص والعام..

ومن ثمّ أصبح من الواضحات الاحتياج للتفسير، ولكن ضمن ما يذكرونه من شرائط للمفسر يصبح التفسير خاصة بنوابغ البشر لا عامة العلماء فضلا عن عامة المسلمين.

فقد أفرد علماء التفسير موضوعا يتعلق بـ«معرفة شروط المفسِّر وآدابه» وخلاصة ما يذكرونه أوجزه الراغب الأصفهاني، في «مقدّمة جامع التفاسير»[95]، وذكر؛ إن جملة العلوم التي هي كالآلة للمفسر، ولا تتم صناعة إلاّ بها، هي هذه العشرة: علم اللغة، والاشتقاق، والنحو، والقراءات، والسير، والحديث، وأُصول الفقه، وعلم الأحكام، وعلم الكلام، وعلم الموهبة. فمن تكاملت فيه هذه العشرة واستعملها خرج عن كونه مفسراً للقرآن برأيه. نعم يذكر آخرون قائمة تتجاوز العشرون علما.. وهكذا فإن المهم الإشارة إلى التوافق على الاحتياج لجملة من العلوم.

وهنا يبدو مزج بين العلوم التي تكون أساسية في التفسير كعلوم اللغة، وبين تراكم المعرفة العلمية (الأصول والكلام) التي تُعمّق المعرفة بموضوعات يتناولها القرآن. وهنا يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

1- بلا ريب أن ثمة مصادر تفسيرية «معاجم اللغة، والروايات، «، وثمة علوم هي معين للمفسر.. وبعضها ضروري كعلوم اللغة المتصلة، وتاريخ العرب في ظرف النزول. وربما من الملائم التوقف عند مقدار الإحاطة بهذه العلوم.

فيذهب البعض إلى الإحاطة التخصصية العالية بالعلوم التي تدخل في التفسير، وبالتالي يفترضون عالما موسوعيا متعدد الاختصاصات، وكأن ذلك متاحٌ في العصر الحديث!. وبعبارة إن هذا اقتراح بحظر التفسير.

نعم يفصل آخرون:

:: بين العلوم الآلية كعلوم اللغة وآدابها وبعض مباحث الألفاظ الأصولية فيكفي الإلمام بقواعدها، ومن ثم يتأتى للمفسر مراجعة المصادر التخصصية إن دعت الحاجة.

:: العلوم المعيارية الباحثة عن سلامة النص وضبطه، وتوثيق الروايات.. وواضح إن المتعلق بالتفسير ضبط القراءة، وتوثيق الروايات، والأول مع اعتماد القراءة المشهورة (عاصم برواية حفص)، فيكون في غنى عن هذا، وبالنسبة لتوثيق الروايات، فمع حُسْن ذلك، إلا أن الكلام فيه كعلوم اللغة.

:: والعلوم الرديفة؛ كالكلام وبعض علوم القرآن، وفي عصرنا معرفة العلوم العصرية المتصلة بالإشارات العلمية.. والغريب أن البعض يطلب التبحر هاهنا ويهمله في علوم اللغة. نعم هي تزيد من مقدرة المفسر من تناول بعض الموضوعات لكنها أبدا ليست مقدمات في التفسير. بل لنا أن نلاحظ الآتي:

أ: التعمق في العلوم الرديفة يسمح بالتكلف في التفسير، وسيكون التفسير مسرحا لكافة العلوم إلا مقاصد آياته.

ب: نمت الكثير من العلوم وانفصلت وأصبحت قائمة بنفسها، فالتوسع فيها على مائدة القرآن ليس في محله، إذ لها مسرحها، ومن هذا القبيل آيات الأحكام، والمعارف العقائدية. ولا نعني إهمال تفسيرها وإنما أن لا يتحول التفسير إلى علوم أخرى وبمصطلحاتها وبمسائلها وكل ذلك غريب عن الآيات المبحوثة.

ت: إن هذا الدين قائم على التذكرة «الفطرة والعقل» في تشييد معارفه، وفي تبيانها اتخذ اللسان وسيلة لذلك، فتكثير المقدمات يتنافى مع هذه الحقيقة، ويتنافى مع الواقع التاريخي للمسلمين في العصر الأول.

ث: لا بد من التمييز بين غايات المفسرين، وبالتالي التعمق في علم ما يناسب الاهتمام المتصل به، لكن بما أن العلوم تمايزت وانفصلت عن بعضها، فالتعمق على مائدة القرآن يصبح نافلة، والجدير هو أن يكون للتفسير غاياته الخاصة به.

ويمكن افتراض إن الاهتمام بالغاية العامة الأساس للقرآن (الهداية)، أي الاتجاه الإصلاحي هو ما ينبغي أن يدور عليه التفسير، نعم يلاحق موضوعات الآيات بقدر ما هو في الذكر والذي هو متصل بالغرض.

2- إمكان الفهم العرفي وإشكالية الفهم العلمي:

انطلاقا من حقيقة اليسر في فهم القرآن في المجال العرفي والذي تشير إليه جملة من الروايات، ومنها المروي عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «... ثُمَّ إِنَّ اللهَ قَسَمَ كَلَامَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ فَجَعَلَ قِسْماً مِنْهُ يَعْرِفُهُ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ وَقِسْماً لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ صَفَا ذِهْنُهُ وَلَطُفَ حِسُّهُ وَصَحَّ تَمْيِيزُهُ مِمَّنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَقِسْماً لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ..[96] الْحَدِيثَ.. مع ملاحظة مبررات الاحتياج للتفسير فإن الصيرورة إلى الاتجاهين معا هو المتجه.. ولنا أن نفصل القول قليلا بالآتي.

القرآن الكريم كتاب دائم للجميع، يخاطب الكل ويرشدهم إلى مقاصده، ووصف نفسه بأنه النور والضياء والتبيان لكل شيء، لكنه يثبت حجية أقوال النبي وتفسيره، ويرشد إلى الحاجة إلى تبيانه، كما أن النبي يثبت حجية أقوال أهل بيته وتفسيرهم والحاجة إلى تبيانهم.

وذلك أن اللسان العربي يتيح قدرا من الفهم، خصوصا أن الخطاب مؤسس على العقل العرفي والفطرة. والدليل على الفهم هو ما يدل على يسره، وخطابه للمشركين وللناس كافة والاحتجاج عليهم. والضرورة تتضح أن يكون القرآن هو الخطاب المؤسس للمعارف الدينية، والذي يشكل صبغة الدين عبر تشكيل واضحات الدين وضروراته لتكون أساسا للحكم على الدين بحقانيته.

من جهة أخرى؛ إنّ وصفه باليسر، أو بأنّه نزل بلغة عربية واضحة يستهدف نفي التعقيد لمنع قابلية الفهم، ولتوفير فرصة للإنسان العادي على المعرفة العامة المحدودة ولا يعني الاستغناء عن العالم المختص. وكذلك الأمر بالنسبة للعلماء ليس لهم الاستغناء عن بيان المعصوم (عليه السلام).. وربما منشأ الشبهة عند بعض ممن أوتي حظا من المعرفة هو وجدانه قدرا من المعرفة بالقرآن غافلا إن هذا القدر أتيح للعلماء من خلال بيان النبي للصحابة ومن بعده أمير المؤمنين مما شكل أرضية معرفية واسعة عند التابعين في التفسير، وتفاعلت المعرفة ونمت واتصلت، حتى يظن الظان أنه تعرّف على ذلك بتأمله بعيدا عن التراكم المعرفي المتصل به.. ولنلاحظ:

1- القرآن كتاب لكافة العصور يشرق كل يوم على حوادثه المتجددة والمتسعة، وقد استوعب هذا التجدد والتوسع المفتوح من خلال السنن الثابتة والإحاطة الكاملة بطبيعة البشر والكون. فعليه إن استيعاب آفاق القرآن يتطلب معرفة بخفايا الكون والبشر وما يستجد في الحياة إلى يوم يبعثون، ومن ذا من البشر يدعي معرفة نفسه معرفة تامة فضلا عما حوله.

ويكفي للتدليل على هذا التفسير العلمي لبعض الآيات، فتلك الآيات الغامضة أصبح بعضها واضحا مع النمو العلمي.

2- إطلالة القرآن على الغيب المحجوب تماما على البشر فلا وسيلة للإنسان للغيب إلا من خلال الوحي وكانت إطلالة القرآن بلغة مجملة بالنسبة لمن لا يعلم بتلك العوالم، وهي أي الإطلالة القرآنية كافية لمن لديه علم بها بتعليم خاص.

3- إشكالية التفسير بالرأي:

عرف المسلمون نمطا مفاده؛ إن المفسِّر يتخذ رأياً خاصاً في موضوع بسبب من الأسباب ثمّ يعود فيرجع إلى القرآن حتى يجد له دليلاً من الذكر الحكيم يعضده، فهو في هذا المقام ليس بصدد فهم الآية وإنّما هو بصدد إخضاع الآية لرأيه وفكره، وبذلك يبتعد عن التفسير الصحيح للقرآن.

وقد حذّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كافة المسلمين من التفسير بالرأي أو التفسير بغير علم، وعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ مَا آمَنَ بِي مَنْ فَسَّرَ بِرَأْيِهِ كَلَامِي»[97].

وذكروا تحديدات عدة؛ منها:

أ. تفسير ما لا يدرك علمه إلاّ ببيان المعصوم (عليه السلام). ومن أظهر مصاديقه، الآيات الواردة حول الفرائض كالصلاة والزكاة والحجّ حيث إنّ الأجزاء والشرائط والموانع رهن بيان الرسول.

يقول السيد الخوئي L: ويحتمل إن معنى التفسير بالرأي، الاستقلال في الفتوى من غير مراجعة الأئمّة عليهم السَّلام مع أنّهم قرناء الكتاب في وجوب التمسك، ولزوم الانتهاء إليهم، فإذا عمل الإنسان بالعموم أو الإطلاق الوارد في الكتاب، ولم يأخذ التخصيص أو التقييد الوارد عن الأئمّة كان هذا من التفسير بالرأي[98].

ب. إخضاع القرآن للعقيدة

وتاريخ المذاهب وصراعه الفكري شاهد على هذا. والمقصود عدم التجرد من المسبقات وإسقاطها على القرآن وهي بعيدة عنه.

ج. تفسير القرآن بغير المنهج المشروع.

تفسير القرآن بغير الأُصول والقواعد التي يتوقف التفسير عليها، من مقولة التفسير بالرأي، فلتفسير كلّ كلام قواعد من خلالها يتحدد مراد المتكلم. ويبدو إن تفاسير الصوفية هي أنموذج جيد لمخالفة المنهج فهي تعسف بتحميل القرآن، ومخالفة للسان العربي.

ويتوالد من إشكالية «الرأي» إشكالية أخرى مفادها أن مفاد النهي عن «الرأي» هو النهي عن مطلق التفسير.. بمعنى أن مطلق التفسير غير المستند للمعصوم (عليه السلام)، أي الاقتصار على المأثور والسكوت عما لم يرد فيه شيء. ولنا أن نبين الرؤية منها في:

الأمر الأول: محورية العلم، وضرورة التثبت. وعدم النسبة بغير علم. والظاهر أن الروايات الناهية تفصيل للمحكم (التوثق في العلم). وهذا واضح لا ريب فيه.

الأمر الثاني: أن الجمع بين الروايات الناهية عن التفسير بالرأي وبين الروايات والآيات الآمرة بفهم القرآن والتدبر فيه يُرشد إلى أن المنهي عنه هو غير المأمور به.

ومن هنا التفسير بالرأي هو احد ثلاثة احتمالات أو مجموعها السابقة الذكر «بالمسبقات الثقافية، بمخالفة المنهج، بالاستقلال عن أهل البيت (عليهم السلام)».

والجامع لهذه المحتملات الثلاث مخالفة الحق بعدم الاستناد للحجة في المنهج أو الرجوع لبيان الحجة المعصومة.

ثالثاً؛ نحو مجتمع متعلم بالقرآن

من خلال الجدل في النهي عن التفسير، ومن خلال تضخم المقدمات تتعاظم أفكار تشكل مثبطات عن فهم القرآن في الناس. فمعظم القرآن متشابه، أو أن معانيه سامية لا ينالها الإنسان.. لكن بملاحظة الأمر بالتدبر لعامة الناس، وأن المشركين كانوا مخاطبين وكانوا يفهمون. وميزتهم علينا اللغة ليس إلا، ونمتاز عليهم بتراكم المعرفة.. يسوغ تقرير إمكانية الوعي والرشد والمتعلم لعامة الناس، ودليل ذلك الدعوة إلى ذلك.

إن الدعوة للاسترشاد بالقرآن فرع التعلم بالقرآن. والمعرفة العرفية تتجاوز المعرفة الساذَجة إلى معرفة جعلت المؤمنين الأوائل ذوي بصائر ورشد. فالمطلوب هو السعي نحو مجتمع متعلم بالقرآن ليتحرر من إتباع الناعقين التحريفيين، ويستطيع موازنة الأمور بعقلانية، فيهلك من هلك على بينة ويحيا من حيا على بينة، وللهِ الحجة البالغة.

يقولُ الإمامُ عليٌ (عليه السلام) لكميل بن زياد، «يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ النَّاسُ ثَلاثَةٌ فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ ومُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ وهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ». فالمتعلم قد وعى المعايير الصحيحة فيستطيع التمييز بين العالم الرباني وبين الناعق.

وطموح أن يكون عامة المسلمين من المتعلمين لهو طموح مشروع وممكن مما يبرر السعي ويوجب المساءلة على التقصير وحين يخوض مع الخائضين بإعراضه عن الوعي والمعرفة. فاستنكار واستعظام أن يكون الوعي متاحا للبشر كافة هو محل الاستنكار، وكأنه يتضمن قدرية عنصرية لا معنى لها في البصائر القرآنية.

نعم؛ الوعي سعي ومشقة وروح طموحة واحترام للذات بتعاليها عن السفاسف اليومية.. وهكذا يتفاوت البشر، وهو الابتلاء.

وهكذا لا يسوغ التقليد في المعارف العقائدية ولا واضحات الدين، وبالوعي يتأتى للمسلم أن يتحرر من تضليل أئمة الجور ووعاظ السلاطين.

غايات التدبر في آيات الذكر:

القول في الغايات واسع، بيد أن الاكتفاء بسياق الاستعمال القرآني يفي بإيضاح آفاق التدبر وحيوته في سلامة المجتمع المسلم من الضلالة..

الآية الأولى:

﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً[99].

والآية صريحة بأن التدبر خطاب عام (حضٌّ على التدبر بلسان الاستفهام الاستنكاري)... والكلام في الآية يُساق في الآتي:

1- عدم الاختلاف ومصدر القرآن:

وهو منحى المفسرين عموما.. لكن هذا المعنى أشار إليه السيد المدرسي في أماكن متفرقة غير موردها الخاص بتفسيرها تبعا لأسلوبه في التفسير السياقي والذي ينعكس على تركيزه على السياق الوظيفي خصوصا في الأجزاء الأولى... فيقول:

ومن يتدبر في القرآن يعرف انه من الله، لأنه لا اختلاف فيه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً[100]([101])، والاختلاف يعني التناقض[102].

وفي تفسير[103] آية ﴿وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً.. إن في ذلك بيانا لعظمة القرآن وانه من عند الله، فمع أنه نزل على امتداد (23) عاما وفي ظروف مختلفة.... وكلما تدبر البشر أكثر في القرآن الحكيم، كلما ازداد يقينا بأنه من عند الله، إذ يستحيل على الإنسان أن يجد ترابطا وثيقا بين كلام ينطقه الآن وكلام نطقه منذ عشرين عاما. من حيث المحتوى ومن حيث الأدب والصياغة، وقد قال ربنا تبارك وتعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.

ثم[104] لننظر إلى الرسالة التي جاء بها النبي هل تخالف العقل والحق؟ وهل فيها شي‏ء من التناقض؟ كلّا.. إذن فهي معصومة، ومن عند الله، ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.

وكخلاصة؛ فإن هذا التفسير وهو محل اتفاق يشير بوضوح إلى أمرين؛ الأول أنّ القرآن ممّا يناله الفهم العرفي، وبه يكون الاحتجاج واستفادة الأحكام الشرعيّة الضرورية. الثاني الآية في سياق لزوم النظر في الأدلة في أصول المعارف الإلهيّة، كما هو معروف في علم الكلام.

2- القرآن والتوجيه الثقافي:

في سياق تفسير الآيات من سورة النساء (80 - 83)[105] يقول السيد المدرسي: يكون الحديث عن التلاحم بين السياسي والثقافي في الأمة الإسلامية. فطاعة الله وطاعة رسول الله واحدة، إذ إن الرسول إنما يجسد تعاليم الله، وهذا التماسك في المبادئ الإسلامية، والتكامل والوحدة فيها لدليل على أنها من الله، إذ أن أي مبدأ بشري لا بد أن تجد فيه تناقضا بين الأيدلوجية والتشريع، وبين بنود الأيدلوجية ذاتها، وقوانين التشريع مع بعضها.

فالقيادة رمز الأمة؛ وهي خلاصة النظام السياسي، والنظام السياسي بدوره هو تجربة ثقافة الأمة، وحضارتها، ومدى سلامة رؤيتها، وصحة تشريعاتها، فإذا تناقضت تركيبة القيادة الواقعية مع شعارات النظام السياسي، أو مع أفكار الأمة وثقافتها وقيمها..، فان ذلك يدل على تناقض في التشريع، أو انحرافات في القيم والثقافة التي تدعي الأمة أنها تلتزم بها.

وهكذا تكون قيمة الحرية تنفي الاستبداد خصوصا في النظام السياسي، وقيمة التقوى تنفي أن يكون الفاسقين أئمة للمسلمين، وقيمة العلم تنفي أن يكون الجهلة راسمي سياسات العباد والبلاد.. وهكذا تكون تركيبة القيادة السياسية مثلا حيا لحقيقة الأمة، ونوع حضارتها، وطبيعة قيمها الحقيقية.

والسيد المدرسي هنا يضيف بعدا معرفيا (يتجاوز الكلامي) يتصل بالاجتماع السياسي.. ويؤكد على حضور الأمة من خلال الوعي المكتسب من القرآن.. وبعبارة تكون واضحات الدين وقيمه وأهدافه التي يتعلمها المسلم من القرآن هي العقل المعياري الموجه للسلوك والمواقف.

الآية الثانية:

﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ[106].

في سياق حديث سورة (المؤمنون)[107] عن محورية الحق في الحياة، يذكر القرآن الكفار الذين يعيشون في غمرات الشهوات والضلالة، بعيدين عن الحق، يمارسون أعمالا إجرامية.

إن سبب جحودهم له «القرآن» دعوته إلى الحق، والحق يكرهه أكثر الناس بجهالتهم وإتباعهم للشهوات.

إنّ الكون قد خلق وفق سنن وأنظمة، وعلى الإنسان أن يستجيب للحق الذي قامت به السموات والأرض. وأنت أيها الإنسان اعتبر بهذه الحقيقة، فإنك لو أعرضت عن الحق، واتبعت الباطل والهوى فإنّ حياتك ستفسد، وستفسد الآخرين.

﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ؛ في مقابل هؤلاء نرى المؤمنين الذين يتدبرون القرآن، والتدبر من كلمة الدبر، أي النهاية فمن القرآن يبدأ المؤمن فيسير بعقله، وعلى ضوء الآية، إلى الحقائق، فيرى ماذا تريد الآية وأين هو واقعها الخارجي، وتطبيقها الحي. إن القرآن لم يكن بدعة، فهو امتداد لرسالات الله لبني البشر. عبر الزّمان ولا حجّة لأولئك الذين يتنصلون عن تطبيقه أو يتكبرون عليه، ويفرغونه من معانيه.

والخلاصة؛ الآية فيها بعدان الأول (الكلامي) مذكور في الآية السابقة والثاني (أبعاد التدبر) هو موضوع المقالة.

الآية الثالثة:

﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ[108].

في سياق تفسير الآيات من سورة ص (27، 37)[109]:.. إن قصة داود تدل على إن الحق هو محور الخليقة،.. وهذا بالتالي يهدينا إلى إن المتقين ليسوا كالفجار لأن تساويهما يتنافى والحق الذي قامت به السموات والأرض. وهكذا لا بد من الجزاء الأوفى في الآخرة. هذا من جانب ومن جانب آخر يتنافى مبدأ الحق وخلافة الفجار في الأرض.

وفي هذا الإطار تأتي الآية الكريمة ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ وحدد الله لهذا الكتاب غايات سامية فقال:

1- لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ فالقرآن انزل لكي يعطي للإنسان المؤمن البصيرة والرؤية السليمة في الحياة. وهذا لا يمكن بالمطالعة السطحية، بل لا بد من تفكر عميق في الآيات.

2- والهدف الآخر بعد إدراك البصيرة أن تنعكس على حياة الإنسان فيتذكر بها ويصحح من خلالها في التفكير، وفي العمل منهجه ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.

وصلة هذه الآية بالسياق تتجلى في أنّ استنباط منهج الخلافة الإسلامية من القرآن صعب مستصعب لا يحتمله إلا من امتحن الله قلبه بالإيمان، ووعى أن القرآن لا يعترف بسلطة تجانب قيمة الحق، إذ السلطة السياسية تجسّد قيم المجتمع. فكيف تستطيع سلطة فاسدة تطبيق قيم القرآن الإصلاحية؟! وهكذا أشار السياق إلى ضرورة التدبر والتذكر لتبصر هذه الحقيقة التي تتراكم عليها حجب الشهوات والضغوط.

والخلاصة؛ الآية نص في الأمر بالتدبر؛ وأيضا تفصيل لبعض أبعاد آية (82) النساء.

الآية الرابعة:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[110].

في سياق تفسير الآيات (20، 31)[111]: كيف يتميز المؤمنون عن المنافقين!.

يضرب القرآن الأمثال لنعرف هذه المقاييس الحقة.. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ..

و السؤال العريض كيف نعالج أمراض القلب!.. الكبر؛ الذي جعل إبليس يرفض السجود لآدم، وجعل أبناء آدم يرفضون التسليم للقيادة الشرعية عبر التاريخ.

الحسد؛ الذي أوقد نار الحرب بين هابيل وقابيل، ولا يزال يجعلنا في صراع دائم. الجبن؛ الذي هدم حضارات عظيمة لم يدافع أهلها عنها أمام الغزاة البرابرة. وغيرها من أمراض القلب. والبصيرة القرآنية هي بالتدبر في القرآن.

﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؛ والتدبر أن نسير بأفكارنا إلى عاقبة الأمور أو دبرها. وحين نتدبر في القرآن فإننا نتفكر في تطبيقات الآيات الكريمة، وتجسدها في الواقع العملي، وحسب التعبير القرآني في تأويلها.

الذين يتدبرون في القرآن يطبقون آيات القرآن على واقعهم، فإذا قرءوا فيها آية تذكرهم بسنن الأولين، بقوم عاد وثمود. يتساءلوا ماذا لو فعلوا مثل فعلتهم.

ولأن مثل القرآن مثل الشمس فان يطبق كل يوم على أهل ذلك اليوم، فلا بد أن نفتش في الواقع الخارجي، وفي أنفسنا عمن يجري فيهم القرآن بأعينهم وصفاتهم. فمن هم المنافقون اليوم ومن هم المؤمنون؟. ومن هو الطاغوت الذي أمرنا لنكفر به؟. ومن هو الإمام الذي تجب طاعته؟. ومن هي الدول التي تنتظر عاقبة قوم عاد؟ وما هي الحضارات التي تمثل حضارة ذي القرنين أو داود وسليمان؟.

و هكذا.. وحينما تعصف بالأمة الفتن حتى تدع الحليم حيرانا، هنالك لا بد من التدبر في القرآن لمعرفة السبيل إلى الخروج منها. هكذا أمرنا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قال: ﴿فَإِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْفِتَنُ كَقِطَعِ الليْلِ الْمُظْلِمِ فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ[112].

و المتدبر في القرآن يطبق آياته على نفسه، ويتساءل عن آية عائبة فيها ليصلحها، أو عارفة ناقصة عنده ليكملها، أو طريقة رشد فيتبعها، أو منهج ضلال فيتركه.

و بكلمة: إن ما أفهمه من التدبر هو البحث عن تطبيقات الآيات سواء على أنفسهم أو على الخليقة.. ولكن للتدبر أيضا شرطه المتمثل في الانفتاح على القرآن بعيدا عن حجب القلب وأقفاله، عن تلك الأحكام المسبقة، والقوالب الفكرية الجاهزة، والتأويلات القائمة على أساس الهوى والشهوات.

﴿أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها؛ قالوا: القفل من القفيل الذي هو ما يبس من الشجر، فكان القلب يعشو فلا يستقبل نور القرآن ويكون كالشجرة اليابسة التي لا تستفيد من الماء والأشعة. وقال البعض: إنه من القفول بمعنى الرجوع، فكان القلب المنصوب عليه القفل لا ينفذ فيه الهوى، بل يرجع عنه كما يرجع من واجه بابا مقفلا.. ويبدو إن أقفال القلب هي الأهواء المطاعة، والرذائل الراسخة فيها، وما يسبب قسوتها أو الختم عليها. ومن أراد فهم القرآن زكى نفسه، وطهرها من الشكوك والريب وحب الشهوات.. ما أشبه، فآنئذ ينساب نور الهدى فيه بلا حجب ولا موانع.

والخلاصة؛ واضحة على الحض على التدبر، لكن في سياق الوقاية من الانحرافات (السياسية والفكرية)، بمعنى أن التدبر للتقويم والتوقي.. وهذه وظيفة أخرى حيوية للتدبر في القرآن أيضا تتصل بالاجتماع السياسي.

والملاحظ؛ أن الحض على التدبر ورد في سياقين الكلامي والاجتماع السياسي، وهما في إطار الهداية وتجنب عوامل الضلالة.. وبالتالي التدبر ليس ممارسة ترفية واشتغال ثقافي مخملي، وإنما يتصل بمصير الإنسان فلاحه أو شقائه.

على خطى التدبر:

اختلاف مجالي التدبر والتفسير والذي يلقي ضوءا على الأمر به وإناطة البيان بذات القرآن والنبي يجعل الاشتراطات التي تُساق كمقدمة للتفسير تنزاح بادئ الرأي، لكن اعتماد التدبر على التفسير يسوق للتفكيك بين مسارات التدبر المؤسس على المعرفة العرفية والمؤسس على المعرفة العلمية.

ويبدو أن الغالب في المجاهيل والغوامض في فهم القرآن كانت ثلاثة؛ قسم يتعلق باللغة؛ وقسم يتعلق بالمثالب والفضائل وأسباب النزول، وثالث يتعلق بالمغيبات التاريخية أو المعرفية. وتوفير المعرفة العامة وتجاوز هذه المجاهيل ممكن للمسلم العادي بمراجعة المعاجم والتفاسير الميسرة الموجزة.

وبما أن التدبر وهو بحث عن العواقب والعبرة فإنه لا يتطلب في مستوياته العامة تبحرا معرفيا بالقرآن وإنما يكفي المعرفة العامة بالآيات المتدبر فيها دون أن ننفي أن التعمق في التدبر مرهون بالمعرفة الدقيقة بالآيات وهو ما نراه في تدبرات المفسرين.. بل كما أن فهم القرآن درجات فالتدبر كذلك.

ولنلاحظ آية النبأ؛﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[113]. فارتباط الأنباء الكاذبة بالصراع واضح مما يتطلب التبين، وهو مجال للعبرة كما أن الآية خطاب للمؤمنين ليعوه ويتمثلوه في سلوكهم. بيد أن استفادة حجية خبر الثقة من هذه الآية اعتمادا على المفهوم، وأنه راجع للجملة الشرطية أو للوصف (لرجوعه للقيد) هو خروج عن موضوع التدبر كما هو بداية للنظر العلمي في الآية.

إذن؛ التدبر ممارسة ممكنة، والحاجز المنهجي مع الغض عن الحواجز النفسية هو اللغة والتي هي مائز العرب الأوائل. ومن نافلة القول أن تجاوز العائق اللغوي ميسور لمن يسعى.. حيث لا يتطلب اختصاصا وإنما اهتماما، وهكذا نجد غالب البشر تكون لهم اهتمامات معرفية فرعية في غير اختصاصهم.

وبعبارات موجزة:

1- أن التبحر اللغوي ليس ضرورة للتدبر وإنما للتفسير العلمي (المتعمق)، وتكفي الموجزات اللغوية الموثوقة التي توفرها كتب اللغة الموجزة الموثوقة (مختار الصحاح مثلا)، والتفاسير الميسرة الموجزة (تفسير شبر مثلا). أما المعلومات الإضافية عن الآيات فبعضها قد يكون ضروريا في إيضاح المعاني لذا وفرة التفسير الموجز هو مما لا بد منه.. إذ أن التدبر يبدأ بعد وضوح المعنى.

وكمثال؛ على أن ثمة معلومات قد لا تتصل بالعبرة مع أن لا ننكر فائدة معرفتها لنلاحظ:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ أرض مصر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً فرقا يشيعون ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ وهم بنو إسرائيل ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وذلك لأنّ كاهنا قال له: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده. ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ[114].

إن حذف العبارات الإيضاحية لا يضير بوضوح العبرة.. وأحيانا سنجد استغراقا في تفاصيل المجتمع القبطي ومع فائدة ذلك لكنه فتح اهتمامات بعيدة عن العبرة، وهي غاية التدبر، والتي هي هنا بيان لسلوك أئمة الجور، وهي معايير لتوصيفها بالفساد.. وما يليها من آيات من سورة القصص إشارة إلى مجابهة الفساد.

فالإشارة إلى التفسير الموجز لأن التفسير الموسع غالبا[115] يفتح كثيراـ اهتمامات للقارئ غير ذات صلة بالتدبر تشغل تفكيره عن العظة والعبرة.

2- ينبغي تجاوز إشكالية المسبقات باتهام المعارف السابقة حتى اللغوية وهو خطأ شائع، وترك التسرع، والمعرفة درجات وتراكمية.. فإذا ما صادف الإنسان غموضا ما فلا يسترسل. وإذا ما توصل إلى معرفة ما فتكن مائدة حوار مع آخرين ذوي اهتمام.. فالنقد أساس تقويم المعرفة الموضوعية.

3- إن أساس العبرة القرآنية هو تجلي الحقائق القرآنية على الواقع بمعنى قراءة الواقع على ضوء المعرفة القرآنية. فلآيات القرآن أهلاً تطبق عليهم في كل عصر، فآية المتقين لها تطبيق حي، كما لآية الفاسقين. فلابد أن يبحث الفرد عن هؤلاء كلما تدبر في القرآن، وهناك يتحول الكتاب المبين إلى منهاج عمل. ليس هذا فحسب، بل ويهدي الإنسان إلى حقائق كثيرة، لأنه يساعد الفرد على فهم الأحداث التي يشهدها.. كما أنه إحدى مفاتح مزيدا من الفهم للقرآن[116].

:: جاء في الحديث عن الإمام علي (عليه السلام) قال: «سمعت رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أتاني جبرائيل فقال: يا محمد ستكون في أمتك فتنة، قلت: فما المخرج منها؟ فقال: كتاب اللـه فيه بيان ما قبلكم من خبر وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل وليس بالهزل»[117].

:: يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «عليكم بالقرآن فما وجدتم آية نجا بها من كان قبلكم فخذوه وما وجدتموه مما هلك بها من كان قبلكم فاجتنبوه»[118].

4ـ ولدراسة استكشاف العبرة وسائل وأدوات ينبغي للمؤمن أن يتعلمها كمهارة بحثية في الحقل القرآني[119].. وأفضل عادة ليسره في الدخول لمجال العبرة عبر إطار جدلية التزكية والتعليم، بمعنى أن الآيات القرآنية تعرض لمشكلات ألإنسان والاجتماع البشري من حيث الهداية والضلالة وتعالجها.. وبما أن هذا الكلام ليس معقودا لذلك فأكتفي بنحو من الإشارة[120]:

:: استكشاف المشكلة، واستكشاف المعالجة، فالقرآن كتاب هداية يستهدف تقويم السلوك:

أ: تارة الآيات تعرض لمشكلة (حين تصف واقعاً سيئاً) فالمطلوب هو البحث عن المعالجة لها مثل: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ[121].

ب: وتارة نجد الوصايا: (أوامر أو زواجر) فنعتبرها علاجا لمشكلة ينبغي تشخيصها كما النهي عن (التجسس الغيبة السخرية) سورة الحجرات.

ت: وتارة نجد ذكرا لسنة وحقيقة كآية التعارف في سورة الحجرات، فهي في نطاق علاج مشكلة ينبغي تشخيصها.

:: مفاتح البحث:

التناسب بين المعالجة والمشكلة مفتاح التحديد والفهم في طرفي المعادلة (المشكلة، العلاج):

أ: فآية التعارف تكشف عن جذر الذي يقف خلف (التجسس، الغيبة، السخرية)، أي العصبية والعنصرية. كما أن الاستعاذة بالأسماء (الرب، الملك، الإله) هو يحدد طبيعة (شر الوسواس) في سورة الناس.

ب: سورة التكاثر نلاحظ: (مراتب العلم بالعاقبة) و(التكاثر) نفهم كيف ينشأ اللهو عبر (الانشغال الغفلة).

:: أسلوب المعالجة: ففي سورة التكاثر بدأت السورة بالردع، مما يكشف أن أسلوب المعالجة (التربوية، الإصلاحية) هو بالزجر بالعلم لا باللين والتخويف من المصير. وفي سورة الحجرات بدأت بعرض المشكلة في تجليها الأكبر (القتال)، ثم (الإعلامية الاجتماعية) ثم (الفردية) وذلك ردعا عن الاستهانة بالبدايات بإراءة العواقب.

خلاصة القول

مما سبق نجد أن لاختيار مفردة «التدبر» كعبارة بديلة عن التفسير له ما يبرره، فلها آفاقها.. وربما من أهمها هي العبرة المتصلة بالاجتماع السياسي (السنني/ الإصلاحي).. وهكذا نقرأ أحد الأغراض الأساسية للمؤلف.

ومن جهة أخرى؛ نلاحظ انعكاس المفردة على الاعتماد الموسع على السياق الأعم من اللغوي انطلاقا من بناء شبكة العلاقات في الآيات على أساس «تكاملية التزكية والتعليم» في إطار هدف الهداية.

ومع أن مجال التفسير الأساس (التحليل اللغوي والمأثور لاستيضاح المعنى)، ومجال التدبر (دراسة شبكة العلاقات ابتغاء العبرة) فإن قسما من المفسرين يمارسون التدبر بأعمق صوره، كما أن للتدبر مجالات عرفية يقوم بها الإنسان العادي واستنادا للمعاني الواضحة. وهذه هي أساس رؤية السيد المدرسي أن التدبر شأن الإنسان المسلم وليس خاصا بالعلماء .

------------------------------------------------------------------------- -------

[1]* رئيس التحرير، عالم دين، كاتب وباحث، أستاذ الدراسات العليا في حوزة القائم العلمية، السعودية. وسائل الشيعة، الحر العاملي. 6/173. مؤسسة أهل البيت لتحقيق التراث، قم 1409هـ، قرص مدمج، برامج النور؛ جامع الأحاديث، مركز البحوث الكمبيوترية للعلوم الإسلامية إيران.

[2] نعم ورد في القرآن الحكيم مادة التفسير في سياق أجنبي عن علم التفسير:﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراًالفرقان 33. أي أنّهم لا يأتون بمثل أو مقولة لإضعاف دعوتك ومقابلتها، إلّا آتيناك بكلام حقّ يقمع باطلهم بأحسن بيان وأفضل تفسير. وهو تفسير من الوحي بل هو الوحي ذاته. جاء في تفسير الآية في «من هدى القرآن» بتصرف:

ففي مقابل أمراض المجتمع البشري المتمثلة في الثقافات الجاهلية. فكلما طرحت فكرة جاهلية غامضة جاء الوحي بالحق المبين. ويبدو أن كل مجموعة فكرية يعبر عنها بمثل [أو حسب تعبيرنا اليوم بشعار] والأمثلة عند الناس تختزل حشدا متناسقا من الأفكار، وتعبر عن سلسلة فكرية متشابكة. فعلى سبيل المثال: العشائرية نهج اجتماعي، وقيمة فكرية كان شعارها «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» أو «أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وأخي وابن عمي ضد عدوي».

ولكن القرآن يقول: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلهِ وَلَوْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إن هذا هو الحق يواجه ذلك المثل الشائع.

وهكذا في سائر الحقول جاء الوحي منجما لكي يواجه الثقافات الجاهلية مثلا بمثل أحسن، وفكرة باطلة بحق واضح ذا تفسير حسن بليغ.

[3] الطبعة الأولى؛ إلا إذا تم تحديد الطبعة بالثانية.

[4] راجع؛ التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، الشيح محمد هادي معرفة (قدس سره)، الناشر:الجامعة الرضوية للعلوم الاسلامية ، إيران. 1418.

[5] راجع؛ البيان في تفسير القرآن؛ السيد الخوئي، 288. قرص مدمج، جامع التفاسير ، من هدى القرآن، البحوث التمهيدية 1/79،ط2.

[6] سنن الترمذي؛ 4 /295. تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان. ط2،983 م. دار الفكر لبنان.

[7] انظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، اقا بزرك الطهراني، بيروت، دار الأضواء، 4/231 ، 322.

[8] محمد رشيد رضا، تفسير المنار، بيروت، دار المعرفة ، 1/10.

[9] هو الشيح محمد جواد البلاغي [1282هـ - 1352هـ]، تفسيره بعنوان «آلاء الرحمن في تفسير القرآن».

[10] مناهج المفسرين، الشيخ محمد حسين الذهبي، 2/496. مكتبة وهبة 2000م مصر، ط7.

[11] نعم يتوسع طنطاوي أبرز المهتمين بالنمط العلمي في العصر الحديث في دوافعه: وها أنا ذا اليوم أوالي التفسير مستعينا باللطيف الخبير، مؤملاً بما وقر به النفس، أن يشرح الله به قلوباً، ويهدي به أمماً.... وليرفعن الله مدنيتهم إلى العلا، وليكونن هذا الكتاب داعياً حثيثا إلى درس العوالم العلوية والسفلية، وليقومن من هذه الأمة من يفوقون الفرنجة، في الزراعة والطب والمعادن والحساب والهندسة والفلك، وغيرها من العلوم والصناعات، كيف لا، وفي القرآن من آيات العلوم ما يربو على سبعمائة وخمسين آية، فأمّا علم الفقه، فلا تزيد آياته الصريحة عن مائة وخمسين آية. الجواهر في تفسير القرآن الكريم، 1/3..

[12] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل.. للشيح ناصر مكارم الشيرازي «دام ظله».

[13] . مناهج المفسرين، الذهبي، ج2، ص548.

[14] . مثل رواية «الكفر المذكور في القرآن على خمسة أوجه»، بحار الأنوار 69/100. قرص مدمج جامع الأحاديث.

[15] سيد احمد خان الهندي، 1/4، 26، 35، 50، 60، 71، 85، 128.

[16] إن محذور تقمص آراء المفسرين واستلاب الوعي والانسياق بغفلة بغض النظر عن صوابية كلام المفسرين كان أرضية توجيه منهجي للمتعلمين ابتداءً في الامتناع عن مراجعة كتب التفسير.

[17] العين ، الخليل بن أحمد الفراهيدي، مادة [دبر]. الناشر: انتشارات هجرت. قم 1410 ق‏. قرص مدمج، برامج النور؛ جامع التفاسير، مركز البحوث الكمبيوترية للعلوم الإسلامية إيران.

[18] العين، مادة [دبر].

[19] المفردات في غريب القرآن؛ الراغب الأصفهاني حسين بن محمد. الناشر: دار العلم الدار الشامية، دمشق بيروت1412ق‏. [مادة:دبر]. قرص مدمج، جامع التفاسير.

[20] القرطبي 5/950. الجامع لأحكام القرآن، الناشر: انتشارات ناصر خسرو، تهران 1364 ش‏. قرص مدمج؛ جامع التفاسير .

[21] العين، مادة [دبر]

[22] الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، محمود الزمخشري1/284, الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت 1407 ق، قرص مدمج جامع التفاسير.‏. القرطبي 5/290.

[23] تاج العروس، الزبيدي، دار الفكر، بيروت. 1/2813. [فصل الدال من باب الراء][مادة:دبر].

[24] لسان العرب: ابن منظور محمد بن مكرم، الناشر: دار صادر، بيروت، 1414 ق، قرص مدمج جامع التفاسير. 4/273، [مادة:دبر]. تاج العروس 1/2813[فصل الدال من باب الراء][مادة:دبر].

[25] المفردات [دبر].

[26] العين ، مادة [دبر].

[27] تاج العروس 1/ 2813. [فصل الدال من باب الراء][مادة:دبر].

[28] العين، مادة [دبر].

[29] مقاييس اللغة، ابن فارس، تحقيق: عبد السَّلام محمد هَارُون، [اتحاد الكتاب العرب، 1423 هـ = 2002م]، مادة [دبر]

[30] المدثر 33.

[31] مقاييس اللغة، مادة [دبر].

[32] من هدى القرآن، ‏6/ 339، 341.

[33] من هدى القرآن، 1/95 . ط2.

[34] القاموس المحيط ، الفيروز آبادي، مادة [فكر].

[35] مقاييس اللغة، مادة [فكر].

[36] الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص: 121. : 2000م، الناشر: دار الكتب العلمية،

[37] مقاييس اللغة، مادة [نظر].

[38] القاموس المحيط، مادة [أمل].

[39] كأن يقال أنّها مأخوذة من التذكّر بمناسبة كون الذكر مظهر التذكّر وما به يذكر الوالد وهو الخلف عند والوارث..،.

[40] من هدى القرآن، القرآن الحكيم والتذكرة؛ 1/65، ط2.

[41] من هدى القرآن، ‏4/302

[42] ص 29.

[43] من هدى القرآن، ‏11/352

[44] من هدى القرآن، ‏2/ 135.

[45] المقاييس [ كتاب الفاء, باب الفاء والسين وما يثلثهما ] 2/324. اللسان [مادة: فسر] 2/1095، المفردات [مادة: فسر].

[46] مناهل العرفان؛ محمد عبد العظيم الزرقاني. دار الفكر، بيروت 1996م. 1/423.

[47] البرهان في علوم القرآن؛ محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، دار المعرفة ، بيروت 1391هـ. 1/33.

[48] علوم القرآن، السيد محمد باقر الحكيم ص70. وهو رأي السيد محمد باقر الصدر L.

[49] راجع: من هدى القرآن الكريم؛ التزكية والتعليم، 1/71، ط2.

[50] مقاييس اللغة، مادة[ أول].

[51] الأعراف 53.

[52] لسان العرب، مادة [أول].

[53] المفردات ، مادة [آل] ص 99.

[54] الكهف 78.

[55] يوسف 6.

[56] الأعراف 53.

[57] لسان العرب [أول].

[58] انظر مقدمة التفسير: جامع البيان في تفسير القرآن؛ محمد بن جرير الطبري. دار المعرفة، بيروت 1412 ق. 1/26.

[59] انظر اللسان [أول]..

[60] الإتقان في علوم القرآن؛ جلال الدين السيوطي، دار الفكر لبنان 1996م. 2 /242.

[61] فصل المقال، ابن رشد. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية، 1999م، ص 97.

[62] فصل المقال، ص 89.

[63] من هدى القرآن، حقيقة التدبر، 1/95، ط2.

[64] يمكن اعتبار هذا رأيا ثالثا بخلاف ما أثبتناه في المتن، لولا الاعتقاد أن الذاهبين للثاني كأنما يشيرون لهذا المعنى وإن لم يتضح لديهم بحسب المطالعة. ومستند الإشارة إليه تعذر العاقبة غالبا بدون الغوص في المعنى العميق [السنن المختبئة] لكن الصيرورة لهذا المعنى يلزمه أيضا تفسير الباطن بما ذهب إليه السيد المدرسي.

[65] التشريع الإسلامي. ج1 الباب 3 الفصل3 بحوث في السنة [أقسام السنة، السنة محكم ومتشابه]. ج3، الباب الأول بحوث تمهيدية [التأويل منطلق الفكر]. www.almodarresi.com

[66] آل عمران 7.

[67] النساء 59.

[68] الأعراف 53.

[69] يونس 39.

[70] يوسف 6.

[71] يوسف 21.

[72] يوسف 36.

[73] يوسف 37.

[74] يوسف 44.

[75] يوسف 45.

[76] يوسف 100.

[77] يوسف 101.

[78] الإسراء 35.

[79] الكهف 78.

[80] الكهف 82.

[81] حقائق التنزيل في متشابه التنزيل؛ الشريف الرضي، دار الأضواء بيروت 1986م.ص128.

[82] التشريع الإسلامي، ج1، م س.

[83] من هدى القرآن، 1/95. ط2.

[84] وسائل الشيعة؛ الحر العاملي، 27/197. قرص مدمج؛ جامع الأحاديث.

[85] الكافي؛ ثقة الإسلام الكليني، 1/192. قرص مدمج، جامع الأحاديث.

[86] من هدى القرآن. 1/123، ط2.

[87] لم تستقر تسمية موحدة بين المشتغلين بعلم التفسير ولا المفسرين لهذا اللون التفسيري؛ فنلاحظ «السياقي، البنائي، الموضعي..»، والأخير هو الدارج في منهج حوزة الإمام القائم (عجل الله فرجه الشريف) إشارة إلى موضع [كنطاق] السورة، ويليه السياقي... والمهم في الأمر محددان؛ أولهما نطاق السورة، وثانيهما فرضية وجود وحدة موضوعية للسورة ينبغي اكتشافها. ونلاحظ؛ أن بعض الباحثين يجعله أحد أفراد الموضوعي، بيد اعتبار «النطاق» أساسا للتمييز يأبى ذلك.

[88] الفصل بقدر ما تبعا لما هو سائد من الإيمان بالتناسب وعدم الإيمان بالوحدة الموضوعية، لكن ثمة صعوبة في تقبل التفكيك بينهما لأن التناسب في الكلام يعني بنائه بحكمة.. ومن جهة دراسة الموضوع وأسلوب البيان القرآني لا ينفك عن دراسة المناسبات، بل هو أساسه.

[89] النساء 3.

[90] الأحزاب: 33 - 34.

[91] المائدة 3.

[92] وسياقات أخرى في سور أخرى بل والروايات التأويلية [الجري والانطباق] هي أيضا أمثلة أخرى.

[93] الحجرات 13.

[94] راجع: مقدمة الشيخ البلاغي في تفسيره «آلاء الرحمن في تفسير القرآن».

[95] مقدمة جامع التفاسير، الراغب الأصفهاني،93ـ97، نشر دار الدعوة.

[96] وسائل الشيعة ، 27/194.

[97] وسائل الشيعة 27/ 46.

[98] البيان في تفسير القرآن؛ السيد الخوئي، 288. قرص مدمج، جامع التفاسير.

[99] النساء 82.

[100] النساء 82.

[101] من هدى القرآن، ‏1/19، ط2.

[102] من هدى القرآن، ‏16/142.

[103] من هدى القرآن، ‏8/426.

[104] من هدى القرآن، ‏14/145.

[105] من هدى القرآن، ‏2/132، 134.

[106] المؤمنون 68.

[107] من هدى القرآن، ‏8/202، 208.

[108] ص 29.

[109] من هدى القرآن، ‏11/352.

[110] محمد 24.

[111] من هدى القرآن، ‏13/251.

[112] الكافي، 2/600.

[113] الحجرات 6.

[114] القصص 4.

[115] يمكن ملاحظة أن تفسير من هدى القرآن في الأجزاء الأخيرة أيضا يفتح اهتمامات فرعية أحيانا.. والاهتمامات الفرعية أمور متصلة بالتفسير، وبالتالي فإن سوق هذه الملاحظة لا يتصل بالقدح فهي بحوث علمية، وإنما الكلام في سياق الغاية وأولوية العبرة.

[116] راجع؛ «القرآن والواقع الخارجي»، «القرآن والتطبيق» في البحوث التمهيدية من التفسير.

[117] بحار الأنوار ، الشيخ محمد باقر المجلسي، 89 /25. قرص مدمج، جامع الأحاديث.

[118] بحار الأنوار ، 89/95.

[119] في البحوث التمهيدية ألقى السيد المدرسي أضواء على بعضها.

[120] كاستخلاص مما عنونه السيد المدرسي بـ«التزكية والتعليم»، و«الظاهر والباطن»، و«الأحرف السبعة».

[121] التكاثر 1.


ارسل لصديق