من الإضافات المنهجية لتفسير من هدى القرآن
البيان المعصوم نموذجًا
كتبه: الشيخ علي هلال الصيود
العدد (45) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 4447

للحديث عن نموذج من هذه الإسهامات المنهجية لتفسير من هدى القرآن يجدر بنا التذكير ببعض المسائل التي تساهم في توضيح المقصود.

مقدمات البحث

(1)

ضرورة التفريق بين الإضافات التفسيرية والإضافات المنهجية، فالإضافات التفسيرية تمثل وتشكل خلاصة اجتهاد المفسر لكشفه عن دلالات ومضامين الآيات القرآنية وذلك من خلال تقديمه رؤية جديدة، أو كشفه عن مصداق غائب، أو تنبيهه على نكتة علمية أو أدبية، وكل ذلك -أي الإسهامات والإضافات التفسيرية- مرهون بقدرات المفسر واتجاهه التفسيري، من هنا قد نجد مجموعة من المفسرين يتفقون في المنهج إلا أن كل مفسر له إضافة ليس على صعيد الأدوات والمنهج، وإنما على صعيد الكشف عن دلالات الآيات القرآنية، فكلٌّ ينهل حسب قدراته وفهمه، هذا مع العلم أن المنهج المتبع عند الجميع واحد والأدوات المستخدمة في الكشف عن مضامين الآيات واحدة.

والحديث هنا عن الإضافات المنهجية، ونقصد بها تلك الأمور التي ترتبط بمنهج تفسير القرآن وفهمه، والأدوات التي تعين وتساعد على تفسير النص القرآني. والخلاصة الحديث هنا عن الإضافات المنهجية لا عن الإضافات التفسيرية.

(2)

سرعة الحوادث وحجم التحديات أوجب على الفكر الإسلامي المعاصر المراجعة الدائمة للنص الديني، وذلك من خلال التفكير الجدي في منهجية استنطاق النص الشرعي.

وبالرغم من المحاولات الجادة في أكثر من حقل من حقول العلم والمعرفة، إلاّ أن أكثر من هذه المحاولات المعاصرة اصطبغت بلون واحد وهو قراءة النص الديني بمنهجيات غريبة عن روحه ولغته، فجاءت النتيجة في كثير من الأحيان مجانبة للصواب والهدى.

وقليلة هي الدراسات المعاصرة التي اعتمدت التجديد والاجتهاد من الداخل، وذلك من خلال تفعيل النص الديني ذاته على مستوى المنهج، ذلك أن جلّ الاهتمام قد انصب على فهم دلالات ومضامين النصوص الشرعية.

أمّا تفعيل النصوص على مستوى المنهج والإفادة منها في هذا الحقل، فهذا ما لا نجده إلاّ عند القليل، ومن هؤلاء صاحب تفسير من هدى القرآن آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله)، كما سوف يتضح من خلال هذه الورقة.

(3)

المفروض أن تتشكل جهود السابقين من العلماء في جمع الروايات التفسيرية[1]، اللبنة التي يتم من خلالها الانطلاق لاستثمار النص الروائي (البيان المعصوم) إلاّ أن المفارقة الكبرى هي حالة القطيعة مع البيان المعصوم (الروايات) في حقل التفسير، والحال أن هذا البيان أخذ امتداداته الحقيقة في حقل الفقه والتشريع الإسلامي. وقد عللت هذه القطيعة بعلل واهية[2].

هذا مع العلم أن هذه الإشكالات التي أثاروها حول البيان المعصوم (الروايات) في حقل التفسير جارية على البيان المعصوم في حقل الفقه والتشريع، وإن كانت النسبة متفاوتة من باب آخر.

وخلاصة ما نروم التنبيه إليه هنا، أن هذه الإثارات والإشكالات، شكّلت سدًّا منيعًا وحالت دون استثمار وتفعيل البيان المعصوم في حقل تفسير القرآن الحكيم، فبقي هذا البيان حبيس الكتب التفسيرية الأولى.

وفي هذه الدراسة نقدم نموذج لعالم من العلماء الذين استثمروا البيان المعصوم ليس في حقل الكشف عن دلالات الآيات القرآنية فقط بل في حقل المنهج. فما هي معالم تفعيل النص الروائي عن هذا المفسر.

استثمار روايات فضائل السور للكشف عن مقاصدها

في الوقت الذي أهمل بعض المفسرين روايات فضائل السور وأحدث معها حالة من القطيعة، وذكرها بعض المفسرين في بداية تفسير كل سورة وآية من باب التبرك والتيمن، نلحظ تفسير (من هدى القرآن) يستثمر ويفعل روايات فضائل السور للكشف عن هوية السورة ومقصدها العام.

وإليك بعض النماذج التطبيقية:

1- سورة النحل:

فضل السورة:

عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قرأها لم يحاسبه الله تعالى بالنعم التي أنعهما عليه في دار الدنيا، وإن مات في يوم تلاها أو ليلته أُعطي من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية».

الإطار العام للسورة:

يقول المرجع المدرسي: «لأن سورة النحل تذكرنا بنعم الله سميت بسورة النعم عند البعض. وسورة النحل (والعسل واحد من أفضل أنواع الشراب) عند الآخرين. فإن الإطار العام للسورة كما يبدو لي هو كيف نتعامل مع نعم الخالق.

وجملة القول في ذلك:

1- ضرورة توحيد الله ونفي الشركاء عمن أنعم علينا.

2- تكميل نعمه التي لا تُحصى بأعظم نعمه وهي الوحي والرسالة.

3- الالتزام بحدود الله في الاستفادة من هذه النعم (التقوى).

كل ذلك يجعلنا من أتباع إبراهيم الخليل الذي كان شاكرًا لأنعم الله.

2- سورة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):

فضل السورة:

عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من أراد أن يعرف حالنا وحال أعدائنا فليقرأ سورة محمد فإنه يراها آية فينا».

الإطار العام:

يقول المصنف: «الاسم الآخر لهذه السورة هو القتال، وبين الطاعة لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي ذكر اسمه المبارك في فاتحة السورة وللقيادة الشرعية عموماً وبين القتال ضد الكفار الذي يحتاج إلى الطاعة التامة للرسول تدور محاور هذه السورة التي تميز ببيان الأمثال للناس...».

3- سورة الإسراء (بني إسرائيل):

فضل السورة:

عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قرأ سورة بني إسرائيل فرقّ قلبه عند ذكر الوالدين أعطي في الجنة قنطارين من الأجر».

الإطار العام:

يقول المصنف: «لعل أهم الموضوعات التي تناولتها سورة الإسراء هي مسؤولية الإنسان عن أعماله في إطار الرسالة الإلهية، وتتحدث السورة عن طائفة من المسؤوليات تجاه المجتمع ابتداء من الوالدين وانتهاء بسائر الناس».

هذه بعض النماذج التي يُلحظ منها بوضوح مدى استحضار النص الروائي (روايات الفضائل) وتفعيله لاستجلاء الإطار العام والمقصد الأساس للسور القرآنية (بيان المعصوم).

النص الروائي والواقع

تتشكل الروايات التأويلية للقرآن الحكيم الحجم الأكبر في حقل القرآن.

وهذا الكم الهائل من النصوص الروائية التأويلية دفع بالكثير من المفسرين للإعراض عنها باعتبارها نماذج تطبيقية قد انتهى أمدها.

من هنا يأتي السؤال: هل بالإمكان استثمار هذا البيان المعصوم للحوادث المتجددة مع العلم أنها صدرت في حق أناس وأحداث قد مضت.

هذا ما يجيب عنه صاحب تفسير (من هدى القرآن) في مقدمة تفسيره قائلاً: «إن معرفة الإطار التاريخي الذي شاهد نزول الوحي، ومعرفة المورد الخاص الذي نزلت فيه الآية، والموقف الاجتماعي الذي وجهته الآية، ذات أثر كبير في تفهم المعنى الدقيق للآية.

ومعرفة تفاسير أئمة الوحي (عليهم السلام) للآية قاطعة في معانيها، بيد أن تفاسير الأئمة قد تختلف فيما بينها، أو تبيّن تطبيقاً واحداً للآية، وهنا لا بد أن نتخذ منها سبيلاً لفهم المعنى العام الذي يحل مشكلة الاختلاف من جهة ويُعطي الآية تطبيقات أشمل من جهة ثانية، ولذلك يجب ألَّا نجمد في النصوص الواردة في تفسير الآيات على أنها المعاني الوحيدة التي تحملها، بل نتخذ منها تفهم المعنى الأشمل للآية، وندرس كيف ولماذا انطبقت الآية على المورد الذي يعنيه التفسير لنعرف أنه هل تطبق الآية أيضاً على مورد متشابه أم لا؟.

فمثلاً جاء في بعض النصوص التفسيرية أن الآية الكريمة ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[3]، نزلت في حق عمار بن ياسر، حسناً.. فهل من الممكن تجميد الآية في عمار؟.

كلا، بل يجب أن نفكر كيف جاءت الآية بتطبيقها على حالة عمار؟.أليس لأنه كان قد أُكره على الشرك فأعطاهم بلسانه ما أحبوه؟.

أوليس ذات الموقف لو تكرر اليوم وصُنع ما صُنع عمار تنطبق عليه؟.

إنّ هذا الأسلوب من التفكير يجعل القرآن حيًّا أبدًا، وقد أمر به الدين فجاء في الحديث: «لو أن القرآن كان يذهب بموت من نزل فيهم لذهب القرآن كله، وإنما مثل الشمس...».

بهذا نعرف ضرورة الاستفادة من التفسير الصحيح بالفهم الواعي لحدود تطبيق التفسير لعموم الآية»[4].

فلاحظ هنا المصنف استثمر الروايات التأويلية في بعدين أساسيين:

الأول: الانطلاق من حالات التطبيق والتأويل التي يتناولها البيان المعصوم (الروايات) لفهم عموم الآية، باعتبار أن التطبيقات الخارجية تساهم في معرفة الآية وإدراك دلالتها.

الثاني: الدراسة الجدية للروايات التأويلية للانطلاق من خلالها لمعالجة حالات مشابه ومعاصرة.

فالروايات التأويلية عوض أن نهملها -كما صنع بعض المفسرين- تقدح شرارة الفكر والتأمل للانطلاق من خلالها لمعالجات معاصرة مشابه لها.

الروايات غير المباشرة وتفسير النص القرآني

في الوقت الذي يحتدم الجدال فيه عن جدوائية استثمار النصوص الروائية المباشرة -التي تفسر الآيات تفسيرًا مباشرًا- ينقلنا صاحب تفسير (من هدى القرآن) نقلة نوعية وذلك من خلال طرحه لمستوى أرقى لتفعيل النص الروائي في حقل تفسير القرآن.

وهو ما نصطلح عليه بالتفسير الروائي غير المباشر للآيات القرآنية.

وهذا النوع من الاستثمار والتفعيل للبيان المعصوم قلَّ من تنبه إليه[5]. إلاّ أن ما يميز المرجع المدرسي هو التنظير لهذه المنهجية.

يقول في تفسيره: «منذ بداية توجهي إلى التفسير لاحظت فراغاً فيه من بعدين هامين:

الأول:...

الثاني: وجود فجوه بين التفاسير والأحاديث المأثورة عن النبي وأهل بيته (عليهم السلام) -اللهم إلاّ تلك التي تهتم بصورة مباشرة بتفسير آية كريمة- علماً بأن كل أحاديث الرسول وأهل بيته في الواقع تفسير للقرآن، فليست سوى انعكاس نور الوحي على أفئدتهم، فلا بد إذاً أن نبحث عن منهج جديد لتوصيل التفسير بهذا الرافد العظيم من الروايات الشريفة، ولكن كيف؟.

إنما بإلغاء قيد اللفظ منها والتوجه إلى المعاني، فعندما نستوحي من آية كريمة حقيقة نبحث في النصوص عمَّا يتصل بها من بصائر توضيحية فنثبتها في تفسير تلك الآية ليتكامل المعنى، مثلاً عندما نبحث عن آية كريمة تبصّرنا بدور العلم والعلماء، نثبت في توضيحها وتفسيرها نصوصاً مأثورة حول العلم، بغض النظر عن دورها حول تلك الآية أم لا، لأنّها بالتالي تفسير للآية سواء ذكرت فيها الآية أم لا!.

وبالذات الأدعية المأثورة التي هي بحق كنوز المعارف الإسلامية، وهي بالتالي قبسات من نور الوحي، تجلّت على ألسنة سادة العرفاء الميامين وأهل بيته الهداة (عليهم السلام) أفلا ينبغي أن نستفيد منها في تفسير آيات العرفان التي هي نصف القرآن أو تزيد»[6].

وهذا لعمري كلام في غاية المتانة والدقة وهو يحتاج إلى مزيد شرح وبيان نوكله إلى دراسات أوسع .

------------------------------------------------------------------------- -------

[1] كتفسير فرات، والعياشي، والقمي، والعسكري.

[2] راجع مجلة [المنهاج] لتجد هذا الاتجاه واضحًا.

[3] النحل، آية: 106.

[4] من مقدمة تفسير من هدى القرآن.

[5] منهم العلامة المجلسي صاحب البحار.

[6] من هدى القرآن، ج12، ص439، الطبعة الثانية.


ارسل لصديق