المجال الرسالي في تفسير من هدى القرآن
المنطلقات والغايات والمسارات
كتبه: السيد محمود الموسوي
العدد (45) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 3054

على سبيل التمهيد

تنوعت مناهج التفسير القرآني وتوصيفاته وفقاً للأدوات المستخدمة في فهم النص، ووفقاً للمقاصد المرجوة من عملية التفسير، فتمخّضت عدة مناهج تفسيرية بمرور الزمان، فمنها التفسير بالمأثور الروائي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام)، ومنها ما كان تفسيراً لغويًّا وأدبيًّا، يُعمل دلالات اللغة واستعمالاتها، ومنها ما فسّر القرآن بآيات القرآن الأخرى، توضيحاً وإحكاماً، ومن المناهج التي صنّفت حسب مقاصدها، ما كان كلاميًّا ومنها ما يتوخى البيان والإعجاز البلاغي، ومنها ما يطلب البعد العلمي، وغيره من المقاصد.

وتفسير «من هدى القرآن» الذي طبع في بداية الثمانينات من القرن المنصرم في ثمانية عشر مجلداً، وطبع مجدداً في سنة 1430 للهجرة في اثني عشر مجلداً ضخماً[1]، لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، الذي نحن بصدد تناول البعد والمجال الرسالي فيه، يعدّ من التفاسير «الإصلاحية» و«التربوية» بحسب التعابير المختلفة التي وصفت مثل هذا النوع من التفسير وفقاً لمقاصده وأهدافه، لا وفقاً لأدواته المنهجية المستخدمة في فهم النص الديني، لأن توصيفه ضمن أداة فهم النص سيطلق عليه تسمية أخرى، وما يهمنا في هذه الدراسة والعرض، على سبيل التقديم لما نروم الوصول إليه واستظهاره، هو بعد المقصد والهدف من التفسير الذي عبر عنه الباحثون في الشأن القرآني بالإصلاحي حيناً وبالتربوي حيناً آخر، ويمكن أن نضيف تسمية أخرى لهذه التسميات، وهي «الاتجاه الرسالي» في التفسير، تعبيراً عن الأهداف التي جاء القرآن الكريم ليعززها في الفرد والأمة.

فالتفسير الإصلاحي بشكل عام «يمتاز.. عن الاتجاهات الأخرى في التفسير بكونه يهتم بالبعد الاجتماعي والتربوي في الآيات. إذ يسير التفسير في هذا الاتجاه مستهدفًا دراسة الآيات وتفسيرها من جوانبها الإصلاحية على الصعيدين الاجتماعي والأخلاقي، وإبراز ما تنطوي عليه من عناصر وأطر بنّاءة اجتماعيًّا وتربويًّا.

فيجري التركيز، في هذا الاتجاه، على جملة محاور اجتماعية منها: هوية المجتمع المسلم، الفضيلة في حياة الإنسان، القيم والمثل الإنسانية، وحدة الأمة وتلاحمها، الواجبات والمسؤوليات الاجتماعية، تشخيص عدو المسلم وأصدقائه، النظم السياسية والاقتصادية والأخلاقية، السنن الإلهية في حياة المجتمعات والحضارات واندثارها، مناهج التربية وأساليبها، استثمار العواطف والمشاعر في صنع القيم والمثل، تفعيل الإسلام باعتباره مذهبًا فكريًّا واجتماعيًّا، العدالة الاجتماعية، نظام الأسرة، وأمثال ذلك.

واتفق المفسِّرون الذين ينتمون لهذا الاتجاه على مبدأ أساسي مفاده أن القرآن كتاب هداية وأنّ على التفسير أن يؤدي دوره في تفعيل حركة القرآن في هداية المجتمع من خلال تقريبه من الواقع وتجسيد مفاهيمه الإصلاحية تجسيداً حيًّا. وقد مثّل هذا الهمّ هاجساً مشتركاً بين جميع التفاسير ذات المنحى الإصلاحي»[2].

ولقد عدّ الكثير من المتخصصين في الشأن القرآني، تفسيرَ (من هدى القرآن) من التفاسير ذات المنحى الإصلاحي[3]، وقد قال عنه المحقق الشيخ محمد هادي معرفة في كتابه التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب: «تفسير تربوي تحليلي شامل، يبحث فيه المؤلف عن الربط الموضوعي بين الواقع المعاش؛ وبين الحقائق الراهنة والدلائل البينة التي أبانها القرآن الكريم منذ خمسة عشر قرناً، كمنهج تربوي وأخلاقي، يستهدف وضع الحلول الناجعة لكل مشكلات العصور المختلفة حتى قيام الساعة»[4].

وقال عنه الباحث حسين فعّال عراقي: «إن أحد مميزات هذا التفسير هو اهتمامه بالجوانب الاجتماعية والتربوية للآيات، وقد تم تأليفه بأسلوب تحليلي تربوي مع التأكيد على القضايا الاجتماعية، كما يلاحظ المفسِّر الحاجات والتساؤلات العصرية ويطرحها بشكل يتناسب وتفسير الآيات»[5].

فالبعد الرسالي لتفسير من هدى القرآن من أجلى الأبعاد التي استهدفها، والتي ينطلق فيها أساساً من ربط الواقع المعاصر بكل مستوياته وبتنوع مسمياته وتحولاته، بآيات القرآن الكريم، ويذكر السيد المدرسي ذلك في مقدمة الطبعة الأولى للتفسير، يقول: «وإني أحاول ربط الواقع الراهن بآيات الذكر. حيث إن ذلك هو الهدف من تفسير القرآن.

أوليس مثل القرآن مثل الشمس تطلع كل نهار بإشراقة جديدة على عالم جديد»[6].

ولقد كان ذلك جليًّا في ثنايا التفسير، حيث عمد إلى الحديث عن أسباب التخلف والفشل، في حياة الفرد ومسار الأمة، ومنهج الطواغيت في الحكم، وسبل مقاومة الإعلام المزيف، وكيفية التعامل مع الإعلام المعاصر، ومقومات الحضارة والرقي، وأسس البناء الاجتماعي والشخصي، والنظم الاقتصادية العالمية والسياسات الدولية، ويتصل بذلك حول بناء الشخصية الرسالية، من جهة الإيمان والثقافة والفاعلية، والتحولات التي تطرأ عليه في خضم الحياة المتجددة بأبعادها المختلفة.

بين يدي المنهج

لقد جاء توصيف تفسير من هدى القرآن بالإصلاحي والتربوي والرسالي، من منطلق منهجي قام على أساس فهم النص ومدلولاته ليأخذ أبعاده الواسعة التي جاء القرآن الرسالة الخالدة لدين خاتم لكي يحققها في الواقع، تأسيساً على الإيمان بالقرآن رسالةً فاعلةً وكتابَ حياةٍ دائماً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى اتَّبع منهجاً في فهم النص القرآني، معتمداً على توجيه الروايات الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام)، ومعتمداً على معطيات الآيات القرآنية الموضحة والمُحكِمة للآيات الأُخر، وأصول اللغة العربية الخالية من الشوائب، فالمنهجية التي اتَّبعها السيد المدرّسي في تفسيره في بُعدها الإصلاحي والتربوي والرسالي، قائمة على أساسين مهمين، مؤسسين على أسس منهجية راسخة، وهما على النحو التالي:

1- أساس النظر لهدف إنزال القرآن الكريم، وهذا يتصل بـ(نوع المادة التفسيرية).

2- أساس شمولية المسؤولية والتوجيه القرآني وشموله لكافة الأجيال، وهذا يتصل بـ(سعة المادة التفسيرية).

وسوف نتناول هذين الأساسين بشيء من التفصيل والاستدلال وفقاً لمنهجية سماحة السيد المدرّسي، ثم نستعرض المجال الرسالي بوصفه مادة تفسيرية تضمنها وتناولها التفسير بكثير من التفصيل والتركيز.

الأساس الأول: القرآن كتاب حياة:

من الضروري التعرف على ماهية القرآن الكريم وما هي أهدافه في الحياة، لكي نحدد الموقف منه وما يترتب على تلك الأهداف ومعرفة سبل تحقيقها، فإننا لو بحثنا ما بحثنا دون معرفة الماهية والهدف لما استطعنا أن نقف على أرض ثابتة، ولن نلامس الغايات الحقيقية التي يرومها القرآن الكريم، وهذا حال كل شيء، فإن التعامل مع أي شيء سيكون بحسب ماهيته ورسالته ودوره، وهذا الجانب يتصل بنوع المادة التفسيرية التي ستصدر عن عملية التفسير، لذلك يسوق السيد المدرسي في مقدمات التفسير في البحوث التمهيدية التي ترسم المعالم الأساسية لمنهج التفسير، مجموعة من الآيات التي تبيّن ما يصف به القرآن نفسه، ويسوق مجموعة من الروايات الشريفة التي تبيّن صفة القرآن الكريم وماهيته، ليعتمد بعد ذلك عليها في تأسيس الرؤية التي تسوق المفسّر إلى استهداف مضامين حيوية واستنباط رؤى معاصرة تتناسب وتوصيفات القرآن الكريم.

فالقرآن الكريم يصف نفسه بأنه نور وكتاب مبين، وكتاب هداية، وصراط مستقيم، حيث يقول تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[7]. وهو هدى وموعظة وشفاء ورحمة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ[8].

أما الروايات، فقد جاء عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن لله عز وجل حرمات ثلاثاً ليس مثلهن شيء، كتابه وهو حكمته ونوره، وبيته الذي جعله قبلة للناس لا يقبل من أحد توجهاً إلى غيره، وعترة نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم)» [9].

وجاء في رواية أخرى عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيها الناس إنكم في دار هدنة وأنتم على ظهر سفر، والسير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد ويقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود، فأعدوا الجهاز لبعد المجاز.

قال: فقام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله! وما دار الهدنة؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): دار بلاغ وانقطاع، فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفّع وماحل مصدق. ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له تخوم وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة»[10].

وحقيقة الكتاب متمثلة في أنه كتاب حق، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ[11]، ولأنه أنزل بالحق فهو يورث الهدى وينفي الشك ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ[12]، وهو كتاب مبارك، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ[13]، والكتاب المبارك لأنه ينمي مواهب البشر العقلية ويزكي الإنسان ويفتح له آفاق الحياة، ويزيده هدى، وهو كتاب نور، ﴿الَر. كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ[14]، يخرج الله به الإنسان من ظلمات الغفلة والجهل[15].

فتأسيساً على هذه التوصيفات للكتاب الحكيم، فإن ما يعطيه وما يصدر عنه سيكون من جنس هذه التوصيفات، فكافة الرؤى والأحكام والبصائر المستنبطة من القرآن لابد أن تتصف بالنورانية والهدى والحكمة، فتنير الدرب أمام الناس وتهديهم إلى أفضل سبل العيش، وأقوم مناهج للحياة، بخلاف ما إذا نظر للقرآن على أنه كتاب موت أو كتاب بركة وحسب، أو كتاب مكتشفات علمية، أو كتاب طب بديل أو ما شابه ذلك، فإن المفسّر سيتوجه للبحث عن تلك الماهيات ومبتغياً تلك الغايات، فالنظرة التي ينطلق منها المفسّر سوف تتأثر بنوع نظرته لماهية القرآن الكريم، فكانت رؤية سماحة السيد المدرسي هي أن هذا القرآن هو كتاب حياة يحيي به الله تعالى عبر بصائره الناس، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الظلالة إلى الهدى، ويأتيهم بأحسن الأمثال والمناهج في كل أمر يحتاجونه في حياتهم، لذلك تتصف الرؤى المستنبطة من القرآن في تفسير (من هدى القرآن) بأنها رؤى حيوية تعالج مشكلات العصر، لتنقذ الإنسان، وترتقي به.

الأساس الثاني: شمولية المسؤولية في الخطاب القرآني:

لكي تتحقق الحالة الإصلاحية والتربوية والرسالية في التفسير، لابد أن يعتمد على أساس أن القرآن الكريم ذو خطاب يتسع إلى كافة العصور، ويشمل الإنسان الذي يؤمن به في كل الأزمان، حتى يتفاعل مع هداه وبصائره ويسعى إلى الالتزام بها وتمثلها في واقعه، فلا يكفي أن ننظر إلى طبيعة المادة بأنها مادة حيوية، وأن القرآن كتاب حياة، كما هو الأساس الأول، بل لابد من الأساس الثاني الذي يكمل الفكرة ويحكم الصفة ويحقق الغاية، لهذا نجد أن سماحة السيد المدرسي في تفسيره ينطلق من هذه الفكرة الاستيعابية، حيث يقول: «إن القرآن لم ينزل لجيل واحد أو لقرن معيَّن، بل هو كلام الله العظيم الذي يمتد مع الزمن من يوم أنشأه الله إلى يوم يرث الأرض ومن عليها، ويمتد مع البشرية من يوم نزل من السماء مكملاً لرسالات الله وحتى يوم البعث، لذلك فإنه كتاب يسع الجميع ولا يسعه أحد»[16].

والتدليل على هذا الأساس من أجلى مواطن الاستدلال، سواء بآيات القرآن الكريم نفسه أو بالروايات الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) أو حتى من خلال معطيات العقل، الذي يرى أن حصر بصائر القرآن الكريم على جيل واحد يعطل القرآن عن فعاليته، ويناقض غايات القرآن وإعجازه، ويتنافى وخاتمية الدين الإسلامي.

أما من القرآن الكريم، فقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[17]، فهذا يدل على أن القرآن فيه تبيان لكل شيء، أي شمول أحكامه ومناهجه واستيعابها لاحتياجات المسلمين في أي زمان ومكان.

ومهمة القرآن أنه يخرج الناس كافة من الظلمات إلى النور، قال عز وجل: ﴿الَر. كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ[18]، فلم تكن خاصية الاهتداء بالقرآن الكريم محصورة على الجيل الأول للإسلام، بل هو لكافة الناس إلى يوم القيامة.

ومن الحديث فقد جاءت الروايات الكثيرة التي تشير إلى حقيقة استيعابية الخطاب القرآني وشمول المسؤولية لكافة العصور، نذكر منها:

«عن الرضا عن أبيه (عليهما السلام): أن رجلاً سأل أبا عبد الله (عليه السلام): ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة؟ فقال: «إن الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة»[19].

وعن الحارث الأعور قال: «دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقلت: يا أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّا إذا كنّا عندك سمعنا الذي نسدّ به ديننا، وإذا خرجنا من عندك سمعنا أشياء مختلفة مغموسة لا ندري ما هي. قال (عليه السلام): أوَقد فعلوها. قلتُ: نعم. قال (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أتاني جبريل فقال: يا محمد سيكون في أمتك فتنة. قلت: فما المخرج منها؟ فقال: كتاب الله فيه تبيان ما قبلكم من خبر، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من وليه من جبار فعمل بغيره قصمه الله، ومن التمس الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم لا تزيّفه الأهواء ولا تلبسه الألسنة، ولا يخلق عن الردّ ولا تنقضي عجائبه..»[20].

التذكر عبر القصص القرآني:

بعد أن بيّنا أن ماهية المادة القرآنية ماهية محيية وهادية ومربية للإنسان، وأن خطاب القرآن وتوجيهه يشمل كافة الناس ويلزمهم المسؤولية في كافة العصور، وهما البعدان اللذان اعتمد عليهما تفسير من هدى القرآن في تأسيس مجاله الإصلاحي والتربوي والرسالي، يستدعي منا الحديث عن أن للقرآن أساليب عديدة في توجيه خطابه الحي لكافة الناس، ومن تلك الأساليب هو الأسلوب المباشر في التوجيه عند قوله (يا أيها الناس) و (يا أيها اللذين آمنوا) وكل خطاب يحتوي على ألفاظ أو صيغ الأمر والنهي والتوجيه، وتارة يكون بطرق غير مباشرة، أي بالحديث عن أشخاص آخرين لنستلهم منه البصائر للحياة المعاصرة، وأبرز مثال هو القصص القرآني، وهذا المنهج الذي اتبعه سماحة السيد المدرسي في التفسير من أجل استنباط الأفكار والبصائر من القرآن الكريم بشكل واسع، أي أن الآيات الواردة في الأنبياء والأولياء والتي تحكي معاناتهم وتعاملهم وتعامل أعدائهم وغيرها، هي بصائر يستفاد منها في كل عصر، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[21].

وحول هذه الخاصية يقول السيد المدرّسي: «لأن الله أراد لهذا الكتاب الصغير في حجمه الكبير في محتواه أن يكون تبياناً لكل شيء يهم الإنسان في حاضره ومستقبله، وفي دنياه وآخرته، ويرسم له مناهج الحياة في أبعادها المختلفة، في الشؤون الشخصية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية..

ولقد يسّر ربنا القرآن إذ جعله عربيًّا مبيناً، وأنزله في أرفع الأساليب البلاغية والنفسية والعقلية فإذا به الحكمة البالغة، والقصص القرآني التي تبلغ (40%) من عموم آياته تقريباً هي من أبرز معالم منهجه في تيسير التذكرة، لذلك تجد الآية الكريمة ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ[22] تتكرر في هذه السورة -القمر- بعد كل قصة مباشرة، وهي قصص واقعية بتفاصيلها التي تعرَّض لها القرآن»[23].

ومن ناحية تطبيقية نجد أن تفسير من هدى القرآن الكريم استفاد في مجاله الرسالي من القصص القرآني بشكل كبير، فالآيات التي تتكلم عن الأنبياء كموسى وعيسى وإبراهيم ونوح وصالح وغيرهم، يجريها على أمر القيادة الربانية التي تأتي بعد الأنبياء من ناحية تسلسلية كالأئمة وكالعلماء بالكتاب القائمين به والشاهدين عليه، وهكذا في سائر الأحداث التي جرت على الأنبياء والرسل، وسوف نعرض ذلك بشيء من التفصيل في هذا البحث.

ويتبع ذلك المنهج أسلوب القرآن الكريم أسلوب الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلاً ولكنه لا يقصد النبي خاصّة، وإنما يعني المتلقي على مر الزمن، خصوصاً ما يأتي في مورد العتاب، فهو منفي عن مقام النبوة، فقد جاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة»[24].

مثال تطبيقي من المعصوم

نسوق هنا دعماً لجملة الأفكار المنهجية التي عرضناها سابقاً، مثالاً تطبيقيًّا من إمام معصوم، يحتوي على الجانب الشمولي والحيوي للقرآن الكريم بشيء من التفصيل، ولأن الرواية طويلة ومفصلة، فإننا نأتي بالمقاطع التي تخدم سياق البحث منها، وسوف نعلق على موضع الحاجة في آخرها.

هل المسؤولية لقوم دون آخرين؟

«علي بن إبراهيم[25]، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: أخبرني عن الدعاء إلى الله والجهاد في سبيله أهو لقوم لا يحل إلا لهم ولا يقوم به إلا من كان منهم أم هو مباح لكل من وحد الله عز وجل وآمن برسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن كان كذا فله أن يدعو إلى الله عز وجل وإلى طاعته وأن يجاهد في سبيله؟

فقال: ذلك لقوم لا يحل إلا لهم ولا يقوم بذلك إلا من كان منهم، قلت: من أولئك؟

قال: من قام بشرائط الله عز وجل في القتال والجهاد على المجاهدين فهو المأذون له في الدعاء إلى الله عز وجل، ومن لم يكن قائماً بشرائط الله عز وجل في الجهاد على المجاهدين فليس بمأذون له في الجهاد، ولا الدعاء إلى الله حتى يحكم في نفسه ما أخذ الله عليه من شرائط الجهاد. قلت: فبيِّن لي يرحمك الله،

شمولية الدعوة إلى الله:

1- قال: إن الله تبارك وتعالى أخبر -نبيه- في كتابه الدعاء إليه ووصف الدعاة إليه فجعل ذلك لهم درجات يعرف بعضها بعضاً ويستدل بعضها على بعض، فأخبر أنه تبارك وتعالى أول من دعا إلى نفسه ودعا إلى طاعته واتباع أمره فبدأ بنفسه فقال: ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[26]..

2- ثم ثنَّى برسوله فقال: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[27] يعني بالقرآن، ولم يكن داعياً إلى الله عز وجل من خالف أمر الله ويدعو إليه بغير ما أمر -به- في كتابه، والذي أمر ألَّا يُدعى إلا به، وقال: في نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿َإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[28] يقول: تدعو، ثم ثلَّث بالدعاء إليه بكتابه أيضاً تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ أي يدعو ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ[29]..

3- ثم ذكر من أذن له في الدعاء إليه بعده وبعد رسوله في كتابه فقال: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[30]، ثم أخبر عن هذه الأمة وممن هي، وأنها من ذرية إبراهيم ومن ذرية إسماعيل من سكان الحرم ممن لم يعبدوا غير الله قط الذين وجبت لهم الدعوة، دعوة إبراهيم وإسماعيل من أهل المسجد الذين أخبر عنهم في كتابه أنه أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً الذين وصفناهم قبل هذا في صفة أمة إبراهيم (عليه السلام) الذين عناهم الله تبارك وتعالى في قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي[31] يعني أول من اتبعه على الإيمان به والتصديق له بما جاء به من عند الله عز وجل من الأمة التي بعث فيها ومنها وإليها قبل الخلق ممن لم يشرك بالله قط ولم يُلبس أيمانه بظلم وهو الشرك،..

4- ثم ذكر أتباع نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتباع هذه الأمة التي وصفها في كتابه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلها داعية إليه وأذن لها في الدعاء إليه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[32]، ثم وصف أتباع نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) من المؤمنين فقال عز وجل: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ[33] وقال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ[34] يعني أولئك المؤمنين، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ[35]، ثم حلاهم ووصفهم كيلا يطمع في اللحاق بهم إلا من كان منهم، فقال فيما حلاهم به ووصفهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[36]، وقال في صفتهم وحليتهم أيضاً: ﴿الَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً[37]، ثم أخبر أنه اشترى من هؤلاء المؤمنين ومن كان على مثل صفتهم ﴿أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ[38]، ثم ذكر وفاءهم له بعهده ومبايعته فقال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، فلما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، فلما نزلت هذه الآية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا[39] في المهاجرين الذين أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم أحل لهم جهادهم بظلمهم إياهم وأذن لهم في القتال.

فقلت: فهذه نزلت في المهاجرين بظلم مشركي أهل مكة لهم فما بالهم في قتالهم كسرى وقيصر ومن دونهم من مشركي قبائل العرب؟

دفع توهم أن خطاب القرآن لأهل مكة وحسب:

فقال: لو كان إنما أذن لهم في قتال من ظلمهم من أهل مكة فقط لم يكن لهم إلى قتال جموع كسرى وقيصر وغير أهل مكة من قبائل العرب سبيل؛ لأن الذين ظلموهم غيرهم، وإنما أذن لهم في قتال من ظلمهم من أهل مكة لإخراجهم إياهم من ديارهم وأموالهم بغير حق، ولو كانت الآية إنما عنت المهاجرين الذين ظلمهم أهل مكة كانت الآية مرتفعة الفرض عمن بعدهم إذا لم يبق من الظالمين والمظلومين أحد وكان فرضها مرفوعاً عن الناس بعدهم [إذا لم يبق من الظالمين والمظلومين أحد]، وليس كما ظننت ولا كما ذكرت، ولكن المهاجرين ظلموا من جهتين: ظلمهم أهل مكة بإخراجهم من ديارهم وأموالهم فقاتلوهم بإذن الله لهم في ذلك، وظلمهم كسرى وقيصر ومن كان دونهم من قبائل العرب والعجم بما كان في أيديهم مما كان المؤمنون أحق به منهم، فقد قاتلوهم بإذن الله عز وجل لهم في ذلك، وبحجة هذه الآية يقاتل مؤمنو كل زمان. وإنما أذن الله عز وجل للمؤمنين الذين قاموا بما وصفها الله عز وجل من الشرائط التي شرطها الله على المؤمنين في الإيمان والجهاد ومن كان قائماً بتلك الشرائط فهو مؤمن وهو مظلوم ومأذون له في الجهاد بذلك المعنى...

... فمن كانت قد تمت فيه شرائط الله عز وجل التي وصف بها أهلها من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مظلوم فهو مأذون له في الجهاد» كما أذن لهم في الجهاد لأن حكم الله عز وجل في الأولين والآخرين وفرائضه عليهم سواء، إلا من علة أو حادث يكون. والأولون والآخرون أيضاً في منع الحوادث شركاء والفرائض عليهم واحدة، يُسأل الآخرون عن أداء الفرائض عما يسأل عنه الأولون ويحاسبون عما به يحاسبون...».

استخلاص منهجي من الرواية:

نستخلص من الرواية الآنفة الذكر أمراً بالغ الأهمية، وهو يتصل بالمنحى المنهجي في فهم النص القرآني ومدى شمولية دعوة القرآن الكريم للأولين وللآخرين، فلم يأت لزمان دون زمان ولا لقوم دون قوم، وإنما هي شروط قد انطبقت على الأولين وكانوا هم أول مصداق لها وأول موضوع خارجي انطبقت عليه الآية، فإذا استحكمت الشروط في الآخرين في أي زمان قادم، فإن التوجيه يلحقهم، والمسؤولية تلزمهم.

فالذي نستجليه من الرواية، يصب في المنحى المنهجي الذي نحن بصدده، فإن الإمام استفاد من الآيات واستدل بها على الوقائع والمستحدثات في كل زمان وجعل إيحاءات الآيات مستوعبة للوقائع المستحدثة، وقد قال: «وبحجة هذه الآية يقاتل مؤمنو كل زمان»، برغم أن الآيات التي استدل بها الإمام كانت مختلفة الوقائع..

ومن الجدير بالذكر هنا أن نشير إلى التفاتة مهمة في مسألة (أسباب النزول)، تلك المفردة التي تداول تسميتها وقُصد بها الواقعة التي نزلت فيها الآية، فشاعت عند علماء التفسير وتداولوها في مباحث علوم القرآن باسم سبب النزول، وهنا يختلف السيد المدرسي في فهمه للواقعة الأولى التي كانت وعاء للآيات النازلة، فلا يسميها (سبباً) كما هو السائد، وذلك لأن السبب إنما يسمى سبب، لأنه هو الداعي لنزول الآية، فالواقعة هنا ستصبح سبباً، فسيكون لولاها لما نزلت الآية، وهذا خلاف الواقع، وإنما يسمي سماحته الواقعة مصداقاً من مصاديق الآية وتأويلاً تأولت فيها[40].

فعن حمران بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ظهر القرآن الذين نزل فيهم وبطنه الذين عملوا بمثل أعمالهم»[41]، فقول الإمام: «نزل فيهم» وليس بسببهم.

المجال الرسالي في تفسير من هدى القرآن

إن أجلى فكرة تعبّر عن الصفة الإصلاحية والتربوية لتفسير من هدى القرآن، هي الرسالية كمجال أخذ بُعده الواسع في كافة السور القرآنية، لذلك ذكرنا أنه يمكننا أن نصنّف التفسير بالرسالي، توصيفاً بحسب نوع المادة التفسيرية والأهداف المتوخاة من عملية التفسير. والمجال الرسالي الذي نعنيه هو الذي يعتمد على إسباغ الإنسان صفة المسؤولية في أعماله، وأن يكون ذا رسالة يتحمل مسؤولية تبليغها وتمكينها في المجتمع، ويتحمل الأذى في سبيل تحقيقيها، ويتبع بصائر القرآن الكريم في حركته في الواقع.

ويمكننا أن نستجلي التصور في المجال الرسالي في تفسير من هدى القرآن من خلال تتبع الرؤى المبثوثة بشكل مكثّف في ثنايا التفسير، وتجميعها موضوعيًّا، إلا أن التجميع لكل ما ورد في المجال الرسالي سوف يؤدّي بنا إلى تكوين عدة مجلدات، وذلك لكثرة موضوعاتها من جهة، ولترابط المجال الرسالي بالمجالات الأخرى، كالعقدي والفقهي والأخلاقي وغيرها، إلا أننا سوف نستعرض في المجال الرسالي مفردات ثلاث صاغت الهيكلية العامة للتحرك الرسالي على نطاق الفرد والحركة والمجتمع، وهذه المفردات هي (المنطلقات، والغايات، والمسارات)، سنقوم بنقل نصوص من التفسير بترتيب موضوعي، وتعليق توضيحي، لنرى مدى تعزيز المجال الرسالي وعمق تناوله في تفسير (من هدى القرآن).

1- المنطلقات في المجال الرسالي:

من أجل ضمان صحة المسار الرسالي لابد من التأكيد على المنطلقات كأساس وقاعدة يبنى عليها التصور والحركة الرسالية، وقد أكد سماحة السيد المدرسي في التفسير على عدة أمور تتصل بالمنطلقات أهمها:

أ- الإيمان بالله والتسليم له:

تحت عنوان «ميزان العاملين» يؤكد دور الجانب العقدي والتسليم للإيمان في المجال الرسالي، يقول:

«﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ[42] طلب -عيسى- من الناس أن يحددوا مواقفهم، فاختارت طائفة منهم (الرسالة) سماهم القرآن بالحواريين.. فقرروا اتباع عيسى وإخلاص العبودية لله والاستعداد للتضحية.

﴿آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ إنهم آمنوا بالله إيماناً صادقاً وسلّموا لله أنفسهم.

إن إيمان هذه الطائفة بالله كان عميقاً وخالصاً من المصالح والأهواء، ومن الريب والشك، وكان بهدف واحد هو مرضاة الله سبحانه، وإنه كان إيمان العارفين، وكل دعوة تنتصر إذا امتلكت عناصر مخلصة، مثالية في إيمانها، وتقدّم ذاتها ببساطة تامة إلى الله ودون تعقيد، أو فلسفة، أو تردد..

من هنا نجد هذه الطائفة تعبر عن إيمانها بهذا الدعاء الدافئ الصادق ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ[43].

«إن أصحاب الرسالة السابقين يتمتعون بميزات لا توجد في مجتمعاتهم، فهم مؤمنون، ومضحون، ونشطون، ومتّحدون، ويمتلكون القدرة على المباردة والحسم، وليس كذلك مجتمعاتهم المترهّلة»[44].

ويؤكد سماحة السيد المدرسي هذه الحقيقة في الجزء السابع ضمن تفسير سورة السجدة في صفات المؤمنين تحت عنوان (التسليم والخضوع للحق) استفادة من كلمة ﴿خرّوا سجداً أي يسلمون للحق مهما كان مخالفاً لأهوائهم متى ما ذكّروا به.

ب- القيادة:

من الأسس المهمة في المنطلقات السليمة للفرد والتحرك الرسالي، بعد الإيمان بالله والتسليم له، هو أساس اتخاذ الإنسان قيادة حكيمة وراشدة، في حياته، لأنها هي صلة الوصل الأمينة بين الفرد وبين قيم السماء ومحتوى الكتاب الحكيم.

القيادة شرط الانتصار وأمان من الفتن:

«إن شرط الانتصار أن يكون القتال صفًّا واحداً، وشرط الصف أن يكون القتال تحت راية القيادة الرسالية، وإنما يكون للقيادة اعتبارها العملي حينما يسلم لها المجتمع، لذلك فإن أعظم ما يمكن أن يلحق القيادة من الأذى هو عدم الطاعة لها، وهذا ما لقيه نبي الله موسى من قومه، وهم يعلمون أن نبيهم هو صاحب الولاية الشرعية من عند الله سبحانه وأن طاعته مفروضة عليهم، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ»[45].

«حقًّا إن المجتمع الذي يعي أهمية القيادة الشرعية يتحصَّن ضد عواصف الفتنة الداخلية بالصلابة ذاتها التي يقاوم بها قواصف التحديات الخارجية. لذلك يأمر القرآن بأن نعلم دور الرسول فينا (ثم من يخلفه ويرث مقامه بدرجة ما).

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ فهو إذن مبعوث من عند الله يحمل رسالة الحكمة والمعرفة والبصيرة، ومادام كذلك فلا بد من الرجوع إليه عند الفتن والشبهات، ولا يجوز الضغط عليه بقبول آرائكم وشهوات أنفسكم، لأن ذلك ليس من مصلحتكم. ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ»[46].

من أهم شروط القيادة

وفي الآية 248 من سورة آل عمران، يوضح سماحة السيد المدرسي، أهم صفتين ينبغي أن تتوافران في القيادة، وهما:

1- الثقة بها، وإشاعة الاطمئنان فيمن حولها، وذلك عن طريق التجرد للحق، وعدم الاستسلام للقوى الضاغطة، وعدم تفضيل طائفة من الناس على طائفة.

2- الصالة والارتباط بتراث الأمة الحضاري والقدرة على التعامل مع هذا التراث تعاملاً إيجابيًّا مستمراً، إن تجارب الأمة النضالية عبر القرون أفضل ينبوع يلهم الناس الصبر واليقين والتضحية من أجل القيم الرسالية»[47].

من مواصفات القائد:

«من أبرز صفات القائد، أي قائد سعة الصدر، والقدرة على تحمل الناس، بما فيهم مِن سوء خلق، وتناقض، وجهل، وانحراف. وسعة الصدر بدورها لا تأتي للقائد إلا إذا كان هادفاً، يحمل في قلبه رسالة عظيمة يستهين من أجلها بالصعوبات التي يلاقيها من قبل الناس، ولذلك ربط القرآن بين لين الرسول، وبين رحمة الله (المتمثلة في رسالته). ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ[48].

وكذالك «يجب أن تتعود القيادة على العفو، ولكن لا يعني العفو السكوت إلى الأبد عن الانحراف، بل يجب العمل من أجل إصلاحه. وذلك بالاستغفار (طلب الغفران من الله)، والدعاء بالمغفرة -كأي دعاء آخر- يجب أن يقرن بعمل مناسب، وهو محاولة الإصلاح.

ثم إن القيادة يجب أن تقوم برفع مستوى الناس، وذلك عن طريق التشاور. ذلك أن التشاور يجعل الناس يتحسسون بمسؤولياتهم، فيفكرون في شؤونهم بجدية أكثر، ويحاولون إصلاح أنفسهم بأنفسهم، كما أن القائد يضطر من خلال التشاور إلى بيان مختلف وجوه الأمر للناس، مما يعمق فيهم معرفتهم بالحياة، ويجعلهم أكثر إحساساً بواجباتهم تجاهها.

بيد أن هذه الصفات يجب ألاَّ تنزل القائد إلى مستوى منسق بين الآراء، أو الإرادات فقط، بل عليه أن يحتفظ بحقه في اتخاذ القرار الحازم. ذلك لأن الأمة التي تفقد (القرار) تفقد كل شيء، لأن القرار هو الذي يتجاوز الاختلافات، ويعطي دفوعات هائلة للأمة باتجاه تجاوز العقبات، التي تضخمها عادة الخلافات في الرأي»[49].

الأئمة (عليهم السلام) والعلماء:

ويبيّن امتداد الأئمة في العلماء في تفسيره قول الله عز وجل: «﴿يحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ والربانيون -حسبما يبدو لي- هم أولياء الله الذين ينسبون إلى الرب، لأنهم كانوا في منتهى الإخلاص والتضحية، وكانوا يجسدون روح الرسالة كأمثال الأئمة (عليهم السلام)، والحواريين في التاريخ، والصفة الظاهرة لهؤلاء هي قيامهم لله، وتمحضهم في ذات الله، بالرغم من أنهم كانوا علماء بالدين أيضاً، وقد جاء في حديث مأثور عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية الكريمة: «أن مما استُحِقَت به الإمامة التطهير والطهارة من الذنوب والمعاصي الموبقة التي تُوجب النار، ثم العلم المنور بجميع ما يحتاج إليه الأمة من حلالها وحرامها، والعلم بكتابها خاصهِ وعامّهِ، والمحكم والمتشابه، ودقائق علمه، وغرائب تأويله، وناسخه ومنسوخه».

أما الأحبار فهم الفقهاء العدول الذين كانوا دون الربانيين درجة لكن وجب على الناس اتباعهم في غياب من الربانيين.

صفات العلماء:

وقد كانت قيادة هذه الفئة للناس على أساس وجود صفات الفقه والعدالة والتصدي فيهم، أما الفقه والعدلة فتدل عليهما كلمة ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ أي بسبب أنهم كانوا أمناء على كتاب الله، وأيضاً بقدر حفظهم لكتاب الله، دراسة وتطبيقاً، فكلما كان الشخص أوسع فقهاً وأشد تقوى كانت قيادته أكبر وأوسع مدى، وأما التصدي للقيادة فيدل عليها قوله سبحانه: ﴿وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء أي شهداء على تطبيقه ورقباء على الناس في مدى تنفيذهم له، ولكن لا يمكن أن يبلغ العلماء هذا المستوى الأرفع إلا إذا تجاوزوا عقبتين:

الأولى: خشية الناس.

الثانية: إغراءات الدنيا.

﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً[50]».

القيادة والعائلة:

«يركز القرآن على مسألة بالغة الحساسية وذات أهمية مركزية بالنسبة للمجتمع المسلم، في أبعاد حياته المتعددة، حيث يبين بأن القانون الرسالي يقتضي أن تكون القيادة الرسالية مقدمة على كل شيء، أما الأسرة فهي تأتي في المرتبة الثانية، فإذا ما تعارض قرار القيادة مع قرار الأسرة فالواجب اتباع القيادة، لأنها أقرب إلى كل فرد من أبناء المجتمع والتجمع، بل هي أقرب للفرد من نفسه، وفي مجمع البيان أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لما أراد غزوة تبوك وأمر الناس بالخروج، قال «قوم نستأذن آباءنا وأمهاتنا ـ فنزلت»..

﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وفي المرتبة الثانية تكون العلاقة الأسرية هي الأسمى ﴿َأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ، أما الرحم الذي لا يتصل معك بعلاقة الدين فهو مقطوع في الإسلام، كالأرحام التي لم تكن تهاجر أو الرحم الكافرة، ولا يعني هذا أن يؤذي المسلم والديه أو عموم رحمه لكفرهم، بل إن القرآن يحث على الإحسان إليهم، فهم إن انقطعت معه علاقتهم الدينية فإنه تجمعه بهم العلاقة الإنسانية التي يقرها الإسلام»[51].

ج- الانتماء للتجمّع الرسالي

الأساس الثالث من أجل ضمان صحة المنطلقات الرسالية، هو ألَّا يكون الإنسان في تحركه فرديًّا، بل لابد أن ينتمي للتجمع الرسالي، فتحت عنوان «واجبات وأولويات المؤمن» يقول السيد المدرسي:

«ثلاث واجبات متكاملة ينبغي أن يعقد المسلم عزمه على تحقيقها:

أولاً: الإيمان المستقر في قلبه.

ثانياً: التقوى وتنفيذ سائر الواجبات الإسلامية.

ثالثاً: أن يكون مع الصادقين وهم التجمع الرسالي.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ[52].

وأي واحد من هذه الواجبات الثلاث لا يكتمل من دون سائر الواجبات، وبالذات الانتماء إلى تجمع الصادقين، والتفاعل معهم ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً ومشاركتهم الهموم والآمال، ذلك لأن هذا التجمع حصن الإيمان ولأن ضغط الحياة وتحدياتها كبيرة ولا يستطيع المؤمن أن يواجهها وحده»[53].

ويؤكد السيد المدرسي هذا البعد في أكثر من جانب، منها في تفسير سورة الكهف في الآية الكريمة: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً[54]، تأكيداً على فكرة الانتماء للجماعة الإيمانية والالتزام بها ودفع ضريبة ذلك الالتزام.

من هم الذين ننتمي إليهم؟

إجابة عن هذا التساؤل، يقول السيد المدرسي: «إنهم العابدون لله ليلاً ونهاراً، ولكن الانتماء إلى خطهم صعب وبحاجة إلى صبر ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، ابحث عن هؤلاء وانتمِِ إليهم، وتجاوز العقبات، وضحّ من أجل انتمائك إليهم، ولا تبحث حينها عن فوائد ومصالح خاصة، بل وطّن نفسك على العطاء، لذلك أكّد القرآن هنا على كلمة الصبر»[55].

همّ الجماعة والأمة لا الهم الفردي:

«فمن أهم صفات الرساليين (أنهم لا يفكرون في أنفسهم كأفراد، إنما كقيم وكجماعة وكأمة، فلا يفكر أحدهم في ذاته، إنه ربما يقتل في المعركة، إنما يقول: إذا قتلت فسوف يأتي الآخرون ويتابعون مسيرتي (فالمهم عنده أن تنتصر القيم، لا أن ينتصر هو نفسه)، وإذا بقيت فسوف أرث الشهداء الذين أريقت دماؤهم في هذا الطريق، وأتابع دربهم، وأفي بحقوقهم، فأنا مسؤول أمام الله عما أرثه من دماء الشهداء. فشعور المؤمن إذن شعور اجتماعي لا فردي.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَه وصار شهيداً في سبيل الله ﴿مِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ لقاء الله ويستعد له، فالمؤمنون متماسكون كالبنيان المرصوص، بعضهم يمضي ويبقى البعض الآخر ليكمل مسيرته، دون أن يفكر أحدهم في نفسه وشهواته، ويقول: لماذا أنا الذي أقتل وليس فلان؟ ولماذا أنا الذي أقتل ويبقى فلان يتنعم بالنصر والمكاسب؟ كلا.. فالقضية قضية صراع مستمر كل واحد يؤدي دوراً معيناً فيه، والمجموع الكلي هو المهم عندهم جميعاً. وهذا نابع من اعتقاد المؤمنين بأنهم باعوا أنفسهم لله، فهم لا يملكونها، ولا يحق لهم أن يفكروا في مصالحها، إنما يتصرف فيها ربهم وقائدهم حسبما تقتضيه القيم الإلهية، فهم مسلمون الأمر لله ولقيادتهم، وهذا الإيمان هو الذي يبعث فيهم الاستقامة والصمود في الطريق ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً»[56].

صفات المجتمع الرسالي:

«المجتمع المستقر الراكد ليس مجتمعاً رساليًّا ولا مسلماً، لأن الإسلام الحقيقي هو الاهتمام بشؤون الآخرين، والدفاع عن حقوق المستضعفين إلى درجة الجهاد من أجلهم، والمجتمع الإسلامي لا يجمد في حدود إقليمية ضيّقة، ولا يقول بناء الوطن أولاً، ثم الانطلاق لإصلاح الآخرين؛ لأنه لا وطن للفضيلة والخير، ولا حدود للعدالة والرفاه.

وهكذا كان الرسول نذيراً للعالمين، وهكذا كان يجب على أهل المدينة وهم أبناء المجتمع الإسلامي الأول أن يتبعوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حمل رسالته بلاغاً وتنفيذاً، قولاً وعملاً، ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ فيقعدوا في بلدهم ويطبقوا الإسلام ويقولوا علينا بإصلاح بلدنا وحده. كلا.. كان عليهم أن يسيروا في الأرض كما كان يسير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحملوا على أكتافهم مشعل الرسالة إلى كل مكان، أو كانت نفوسهم أعز من نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من يدعوا نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تتعرض للمصاعب والأخطار بينما نفوسهم آمنة في المدينة»[57].

رفض الخطأ الاجتماعي:

«والنبي إبراهيم (عليه السلام) مثل للثائر الرافض للخطأ الاجتماعي، ولخطأ الآباء، والله يأتي به حجة على الذين أشركوا بهما فحكى عنهم القرآن (أنهم ألفوا.... فهم على آثارهم يهرعون)، فإبراهيم -على خلاف هؤلاء- تحمل مسؤوليته وأعمل عقله ولم يقدّس الأشخاص ولا التراث على حساب القيم»[58].

«وهذا ما يجب على الإنسان تجاه أبيه ومجتمعه، فليس من السليم أن يتقبل منهما كل شيء، ويفقد استقلاله أمامهما، إنما يتقبل الجيد ويعترض على ما هو سلبي بالأسلوب المناسب»[59].

الانتماء مناطه العقيدة:

«الولاء في المجتمع المسلم يجب أن يكون للعقيدة قبل أي شيء آخر، فحتى الولاء العائلي الذي يحبه الإسلام ويعتبر الأسرة الوحدة الاجتماعية الضرورية، يجب أن يكون في إطار الولاء الإيماني لا منافساً له ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ، وقد كان هذا الانتماء الرسالي الخالص سبباً في انتصار الرسالة في عصر الرسول..»[60].

الانتماء المصلحي:

«الفرق بين تركيبة المجتمع المسلم الرسالي وبين المجتمعات الأخرى، أن الحبل الرابط بين أبناء المجتمع الرسالي هو المبدأ، فالإيمان بالإسلام هو الذي يجعل مجموعة من البشر المختلفين (ثقافيًّا، طبقيًّا، عنصريًّا، لوناً، ولغة، وقوميًّا) يذوبون في بوتقة الأمة الواحدة القيادة القويمة القوية.

وكل فرد يسلم عمليًّا ونفسيًّا لهذه القيادة، ويجعل انتماءه إليها مشروطاً بمدى تجسيد القيادة للقيم الرسالية وتنفيذها للواجبات الدينية.

لذلك ترى القيادة هنا متحررة من الضغط والأغلال فلا تخشى انهيار صرح قيادتها لو خالفتها طبقة أو سحقت امتيازاً أو ألغت عشائرية شاذة.

الانتماء إلى القيادة ليس على أساس المصالح المادية حتى إذا فقدت القيادة الثروة ضعفت أو انهارت، ولا هي قائمة على أساس عشائري أو قومي حتى تكون قائمة على ظلم سائر العشائر والقوميات، وإعطاء المزيد من الامتيازات لهذا أو ذاك، كلما شعرت بالضعف.

أما المنافقون فإنهم يريدون القيادة بقرة حلوب يحبونها مادامت تعطيهم لبناً سائغاً، وإلا فهم ينقلبون عليها ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ أي يتصرف بطريقة توحي باستعطائك من الصدقات»[61].

وفي المقابل يشير سماحته إلى أن أساس الانتماء هو الحق، وأن علاقة المنتمين ببعضهم هي علاقة انسجام وتآلف فيما بينهم، حيث تربطهم الوشائج المتينة (إنسانية وإيمانية)، كما هي دلالة كلمة (حزب) في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ[62] «فإنك لا تجد في أنفسهم حقداً ولا غلًّا ولا إصراً على بعضهم وعلى إخوانهم المؤمنين، ولا مظهراً لروح الفردية، وعلى أساس هذا التعريف الواسع لحزب الله فإنه لا يمكن أن نحصر مصاديقه في جماعة معينة، إنما هو جبهة كل المؤمنين الصادقين»[63].

د- الرؤية السليمة:

من أهم المنطلقات التي تؤسس عليها الحركة الرسالية، هي سلامة الفكرة والرؤية السليمة المتمثلة في الحق، ففي الإطار العام لسورة الحديد يحدّد السيد المدرّسي أهم السمات في الحركة الصادقة، اعتماداً على معطيات السياق القرآني للسورة، ويقول:

«إن أهم السمات في الحركة الصادقة والتي تعدُّ بيِّنَات على سلامتها هي الآتية:

الأول:الانبعاث باسم الله رب العالمين، أما الانطلاقة الضالة التي تبدأ من ثقافة الشرك والجحود فإنها آية واضحة على خطأ الحركات التي ترتكز عليها، والرسل وحدهم انطلقوا باسم الله وبأمره الذي تلقوه عبر الوحي بعد اختيارهم من قبله تعالى، وحيث ختم الله عهد هذا النوع من الحركات بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن الحركة الصادقة هي التي تكون امتداداً لهم (عليهم السلام) وبزعامة الأوصياء والربانيين والعلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه والأولياء والقادة الرساليين.

الثانية: المنهج الرباني الأصيل، والمتمثل في الرسالات التي أكملها وختمها ربنا بالقرآن الذي حفظه من التحريف، وجعله مهيمناً على الكتب، فإنه المنهج الأصيل والوحيد الذي يجب اتِّباعه، واتِّباع هداه وبصائره، أما المناهج القائمة على الجهالة والإفراط واتِّباع الأهواء فهي لا تصلح وسيلة مناسبة للنجاح، لأنها إن أخرجت الناس من ظلمات فلكي تدخلهم في مثلها، أو أنقذتهم من عبودية فإلى عبودية مثلها أو أسوأ منها.

الثالثة: الأهداف السامية، والتي يلخصها القرآن في العدل (قيام الناس بالقسط)، وهذا المفهوم واسع يشمل ردم الهوة بين الطبقات الاجتماعية ولا يتجسس عليه، إذ هو الالتزام الحق والإنصاف من قبل الإنسان في كل أبعاد حياته وعلاقاته، في علاقته بربه وقيادته، وفي علاقته بنفسه ومجتمعه وفي علاقته بالخليقة والطبيعة من حوله. وإنما يعرف مدى قيامه بالقسط من خلال الميزان (الفطرة، والعقل، والكتاب، والقيادة الرسالية).

والحركة الرسالية هي التي تسعى إلى ذلك بالكلمة الصادقة أو بالقوة الضاربة وكل ذلك بالعدل. التي يجب على الناس تبنِّيها، وإعانتها، والانتماء إلى صفوفها، لأنها تجاهد للحق ومن أجل سعادتهم، ولأنها المحك في نصرتهم لله ولمسيرة الأنبياء والمرسلين»[64].

مسؤوليات الرسالة (بين التحريف والزيف) للمنطلقات:

رسالة الله مسؤولية كبيرة يحملها الإنسان في الحياة، وتتركز عند الأنبياء والصديقين، وعند الذين ينصبون أنفسهم دعاة إلى الدين. وهي -في الوقت ذاته- مسؤولية ثقيلة وذات قيمة كبيرة، لأنها أداة لتوجيه الناس إلى الحياة السعيدة وإلى مقاومة الجبت والطاغوت، ولنا أن نتصور أن قدرة الإنسان في ضبط نفسه عن شهواته متصلة بفهمه الصحيح لرسالة الدين في الحياة. إذ إنها هي التي تحذره من مغبة الاسترسال مع الشهوات وتبيّن له أن لقمة واحدة يمضغها الإنسان بشهواته، قد تمنعه من الأكل الهنيء طول حياته. وأن ساعة واحدة من الغفلة واللاإرادة، قد تجعل حياته وإلى الأبد جحيماً لا يطاق، وأن أية شهوة طائشة، أو جريمة، أو ذنب، أو هفوة، توجب عليه الحساب والعقاب الأليم في الآخرة. وبالتالي رسالة الدين تجعل إرادة الإنسان قوية وقادرة على ضبط الشهوات وتوجيه طاقاته نحو الجد.

نتائج التحريف (العلماء المنحرفون):

أما لو جاء رجل دين منحرف، ومن أجل المماشاة مع أصحاب الشهوات والربح عليهم. وجمع أكبر عدد منهم حوله، برَّر لهم سيئاتهم وهوَّن عليهم أمر العقاب وأخذ ينشر فيهم أفكاراً من قبيل أن الله غفور رحيم، أو أن الأنبياء والأولياء يشفعون لك ذنوبك، وأنك سوف توفَّق للتوبة وهكذا. فإن النتيجة ستكون خطيرة، إذ إن أداة الضبط تتراخى في النفس وتندفع الشهوات في كل اتجاه. وقد يقدم صاحبها على أكبر الجرائم اعتماداً على تلك التبريرات السخيفة.

إن مجازر الحروب الصليبية ارتكبت بفعل تحريف رسالة الدين، وتحويلها من أداة لضبط الشهوات إلى أداة لتبريرها.. بل وتكريسها وإعطائها الشرعية.

كما أن العديد من طغاة التأريخ كانوا يستغلون في مجازرهم الرهيبة بعض رجال الدين التحريفيين، الذين يزورون الدين ويسوغون لهم اقتراف الجرائم.

وأولاد اليهود اليوم وفي إطار دولتهم غير الشرعية يقترفون الجرائم باسم الدين، ولكن أي دين ذلك الدين الذي يبرر الجرائم بدل أن يُدينها.

هذا عن الجبت. أما الطاغوت المتمثل في السلطات المستبدة والمستغلة والمستعبدة للبشرية فإن القوة الوحيدة التي تستطيع أن تتحرك ضدها هي قوة الشعب، الذي يجب أن يحافظ على حريته وثرواته ويجاهد ضد مستغليه. ولكن الشعب بحاجة إلى سلاح فكري يساعده في تجميع قواه، وتوحيد طاقاته، وتبرير تضحياته.. وذلك السلاح هو الدين. ولكن يشترط ألَّا يسرق رجال الدين سلاح الشعب منه، ويبيعوه إلى الطواغيت، بثمن بخس دراهم معدودة.

ولنا أن نتصور كم ألف ألف جريمة ترتكب في كل يوم بسبب خيانة رجال الدين لرسالة الدين.

وكم يُستعبد ملايين الناس لهذا السبب، وهل لها قيمة تلك الدراهم التي يقبضها هؤلاء الخونة لقاء تلك الجرائم الكبيرة التي يتحملون وزرها.

من هنا نجد القرآن شديد مع هؤلاء ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً فمهما يكون الثمن الذي يقبضه الإنسان لقاء جريمته بحق الشعوب، فهو قليل. والعهد والإيمان سيتحدث عنهما القرآن في الآية (81) من هذه السورة[65].

﴿أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إنهم في الآخرة بلا رصيد، بالرغم من بعض مظاهر الطاعة التي عندهم من صلاة وصيام.

إذ إنهم يبيعون دينهم في الدنيا، فلا يبقى منه شيء للآخرة، وأولئك هم الأذلون في يوم القيامة، إذ إنهم طلبوا من وراء بيعهم للدين الحصول على بعض الجاه، فجزاهم ربهم بعقاب مناسب حين أذلهم في القيامة ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وهؤلاء دائماً يزكون أنفسهم، ويجعلونها مقدسة، ومتعالية عن النقد، أي نقد يوجه إليهم يعتبرونه نقداً موجهاً إلى الدين، ويكفّرون صاحبه؛ لذلك قال عنهم: ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ جزاء للذّات البسيطة التي استفادوها ببيعهم الدين»[66].

الرؤية الرسالية (اكتشاف المنافقين من عملهم):

يقول السيد المدرسي في تفسيره لهذه الآية: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ[67].

«وهذه الآية تدل على أن المؤمنين الصادقين يتسلحون برؤية رسالية تمكنهم من كشف طبيعة المنافقين، ومن مظاهر هذه الرؤية النظر إلى الفرد من خلال تاريخه الماضي، وأعماله الحالية، وقراراته المستبقلية، دون الاكتفاء فقط بأقواله وتبريراته.

وبما أن المنافق مجتث الجذور، متلون حسب المتغيرات، وأنه لا يريد الاستمرار في خطه مستقبلاً لذلك فهو يتستر تحت ستار كثيف من الكلمات الفارغة والأقوال الكاذبة المؤكدة بالأيمان ليعوض عن عمله بقوله، وعن تصرفاته المتغيرة بتبريراته الواحدة المؤكدة، لذلك فإن كثيراً من البسطاء ينخدعون بأقواله وتبريراته. إنما المؤمن الصادق ينظر إلى عمل المنافق لا إلى قوله، فيتخلص من خطر عظيم هو الانخداع بالمنافق، ذلك الخطر الذي وقعت فيه -ومع الأسف- شعوبنا اليوم بالنسبة إلى الطغاة، وإلى جيش المنافقين من خدمهم وحشمهم الذين يبررون أبداً تصرفاتهم بشعارات عامة وأنيقة.

ولو تسلحت شعوبنا برؤية الإسلام وأخذت تقيم الأشخاص والحكومات بأعمالهم وتاريخ حياتهم وانتظرت حتى ترى إنجازاتهم الحقيقية إذن لرفضت الاستماع للوسائل الإعلامية المنافقة التي تطبل لكل طاغية وتخدع الناس بترديد شعارات فارغة لا أول لها ولا آخر.

وهكذا تجد المنافقين يتقنون صناعة الكلام لأنهم لا يحسنون عملاً، وكلامهم أبداً مؤكد بالأيمان لأنهم لا يريدون تأكيد كلامهم بالأعمال الواقعية»[68] ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ[69].

2- الغايات الرسالية:

بعد تحديد وضمان المنطلقات لابد أن تكون هنالك غايات وأهداف من ذلك التحرك الرسالي، نجد في تفسير من هدى القرآن، تأكيداً على أساس فكرة الهدفية في حياة الإنسان، وأهمية تحديد أهدافه وسبل العمل معها.

استنباط أساس الهدفية الإنسانية من الهدفية الكونية:

تحت عنوان (الرسالي بين التأمل الهادف وواجبات الرسالة) يطرح السيد المدرسي منهج القرآن في غايات التأمل في الكون وحركة الليل والنهار، وأثرها في فاعلية الشخصية الرسالية وتحريكها نحو أهدافها وغاياتها، ويخلص إلى الارتباط الوثيق بين حركة الإنسان في الحياة وحركة الكون نحو مستقره، حيث الارتباط في الهدفية.. ويقول:

«من هو المجاهد الرسالي؟ وما هي العوامل الدينية التي تدفعه إلى الشهادة؟.

إن القرآن لا يقف في أمره للجهاد عند بعض العوامل الاجتماعية، بل يضرب في العمق، حيث يصلح النفوس، ويهيئها لتقبل الشهادة، بل لطلبها بإصرار، وذلك لتحقيق أهداف الإنسان الرئيسية في الحياة ويقول: «إنك حين تنظر إلى السماء والأرض، فإن أول ما يملأ عينك هو: الاختلاف الواسع فيها». وأبرز اختلاف هو: «تناوب الليل والنهار»، وهذا يدعوك إلى التفكر لماذا الاختلاف؟ وتجد الجواب ببساطة: لأن لكل شيء هدفاً محدداً يحققه، الليل يأتي ليحقق أهدافاً معينة، ثم يعقبه النهار لأهداف أخرى، إذن لكل شيء قدر وهدف محدد.

ترى أي هدف للحياة؟ وإذا انحرفنا عن مسيرة هذا الهدف فما هو مصيرنا؟ أليس النار والخزي؟! دعنا إذاً نتوجه إلى الله، وهنا يهبط الوحي، ليوجه فطرتنا الصادقة ويبيّن لنا: كيف نسير حتى نحقق هدف حياتنا. والمؤمنون الصادقون يهرعون إلى الاستجابة للوحي، ويحاولون تحقيق مهامهم بدقة ابتغاء مرضاة الله.

ولكن الله يشترط عليهم شروطاً، تبدو متعبة لنا، أما للذي وضع هدفه الأساسي خلاص نفسه من نار جهنم، فإنه عمل بسيط وهو الإيمان والتحدي، وتحمل الأذى في الله والهجرة والقتال والاستشهاد في الله.

كيف خُلقت السماوات والأرض، وهي لا تزال تُخلق وتتطور حسب خطة حكيمة، وإرادة مطلقة، ويد قوية؟. ما هذا الليل الذي يلف الكون بظلامه وسكونه؟ وما هذا النهار الرائع الصاخب؟ ومن يسلخ النهار من الليل، فيغرق الكون في بحر من الهدوء والظلام؟.

إنها حقائق تثير عقول الذين ينفذون إلى لب الحياة، وما وراء قشورها من أنظمة وأهداف ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ[70].

إن هؤلاء أصحاب العقول النيرة، يعرفون ربهم في أول نظرة إلى الحياة، ولا يرون ظاهرة في الحياة، إلا ويذكرون ربهم، لأنهم يعبرون فوق جسر الظاهرة بسرعة، ويصلون إلى الحقيقة، التي تقول: إن الله هو خالق هذه الظاهرة، ومدبرها الآن، والذي يطورها من حال لحال ومن لحظة لأخرى.

فهم يذكرون الله قياماً وقعوداً، وذكرهم آتٍ من تفكّرهم العميق في ظواهر الحياة، وتفكرهم سليم لأنه سوف يؤدي إلى معرفة الحقائق، وأبرزها معرفة أن الحياة ليست باطلاً وبلا هدف، وليست فوضى وبلا سنن، وهدف حياة الإنسان وسنتها التي تتحرك ضمنها هو: التقوى والالتزام بمنهج الله الذي يلتزم به ما في السماوات والأرض، وإلا فإن نهاية الإنسان، هي النار.

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[71].

إن تفكُّر هؤلاء تفكُّر واعظ، حيث ينقل الدروس والعبر من واقع الحياة إلى واقعهم، ويجعلهم يتعرضون للحياة بما فيها من سنن ومناهج.

إن هدف الإنسان في الحياة هو اختبار إيمانه ووعيه، ومدى فاعلية إرادته في مقاومة ضغط الشهوات، فإن نجح في الامتحان فإن الجنة مأواه، أما إذا فشل فإن مصيره إلى النار، وهي خزي يلاحق الذين ظلموا أنفسهم ولم يظلمهم الله شيئاً، وسوف لا ينفع الظالمين شيء مما استفادوه في الدنيا بظلمهم ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ[72].

هذه هي العبرة التي يستلهمها أولو الألباب من تفكرهم في الحياة. وسوف تستوضح هذه العبر، عن طريق الوحي الذي يسارع هؤلاء إلى التصديق به بسبب خلفيتهم الفكرية السليمة.

﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا واكتشفوا بعد الإيمان أن بعضاً من أعمالهم كانت مخالفة للمنهج الإلهي، فاستغفروا منها، وطلبوا من الله أن يصلح حياتهم، بعد أن أفسدتها ذنوبهم بالتوبة إليه منها وطلب الاستقامة من الله، على أن يجعلهم مستمرين في هذا الخط حتى الموت ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ.

ولأن هؤلاء اكتشفوا بتفكرهم النافذ والبصير في الحياة، أن الهدف الأسمى للإنسان، هو الجنة التي وعد بها الله عباده المؤمنين بواسطة الأنبياء، فهم سألوا الله ذلك وتطلعوا إليه وقالوا: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ[73].

واستجاب الله لهم، ولكنه فرض عليهم شروطاً، وطالبهم بامتلاك عدة مواصفات، أبرزها الهجرة. وهي الانفصال الفكري والعملي من الجاهلية.

ويستلزم هذا الانفصال التحدي، والصراع، وبالتالي الخروج من بلاد الجاهلية، وتحمل الاغتراب، والفقر والذل. بيد أن كل ذلك يدفعهم لتنظيم أنفسهم، والاستعداد للعودة إلى بلادهم بالقتال.

وهدف الجيش من القتال هو الانتصار، بيد أن هدف الجنود هو الشهادة، لذلك فهم مستبسلون في ذات الله.

إن هذا هو شرط الله على المؤمنين الذي إذا وفوا به آتاهم أجرهم بالكامل، وبالتساوي بين الذكر والأنثى، أدخلهم الجنة جزاءً حسناً من عند الله ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم، وليس الدعاء وحده كافٍ للحصول على الثواب، بل العمل الصالح هو الذي يُعطى الجزاء عليه بقدره بالذات ﴿من ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ أي كلكم في الثواب سواء، لأن بعضكم من بعض، وقد انحدرتم من أب واحد فلا فرق بينكم.

﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ الهجرة هي الخروج تلقائيًّا. وهو يخالف الإخراج لأنه بإكراه، وربما الهجرة هنا هي الهجرة المعنوية، والإخراج هي الهجرة الجغرافية.

﴿وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ إن الشهيد يغتسل بدمه فإذا به طاهر من الذنوب ويدخل الجنة بغير حساب»[74].

﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ وتهدينا خاتمة الآية إلى حقيقتين في منهجية الدعوة السليمة إلى الله:

الأولى: أن على الفرد الرسالي التحرك وفق ما ترسمه له رسالته وتوحي به أهدافه في الحياة، دون أن يلتفت كثيراُ إلى ما يثيره الآخرون -أعداء ومنافسين وجاهلين- من إشكالات وأسئلة وملاحظات تافهة، لأنه لو التفت إلى ذلك فلن يصل إلى أهدافه»[75].

الثانية: أن التواضع مسألة مهمة في الدعوة، فإذا سُئل عما لا يعلم يجب أن يقول: لا أعلم.. وإلا أصيبت مقاتله كما يقول الإمام علي (عليه السلام)، فليس العيب أن يعترف الإنسان بالجهل إنما العيب الكبير أن يقول ما لا يعلم، فهذا سيد البشر (صلى الله عليه وآله وسلم) على عظمته يجيب وقد سئل عن الساعة التي لا يعلم ميعادها ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللهِ»[76].

التغيير الجذري:

قال السيد المدرسي في حديثه عن أصحاب الكهف: «لقد أعلنوا حركة تغييرية جذرية، وهذه من سمات الحركة الرسالية، فمنذ البداية قالوا:

لن ندعو من دونه إلهاً أي لن نخضع لهذا الطاغوت ولا لطاغوت آخر يأتي مكانه، ولن نقبل أن يطاح بفئة حاكمة ظالمة لتستولي على الحكم فئة أظلم منها ولكن باسم آخر وشعارات أخر، أو يذهب ملك فينصبوا ابنه مكانه ويظل النظام الفاسد كما هو.

فكلمة (إلهاً) تشير إلى عدم التخصيص بالملك الذي كان يحكم في زمانهم، بل إلى كل من يتصف بادعاء الندية لله سبحانه وهكذا كانت رؤيتهم صافية. لأنَّ الله سبحانه أيدهم وربط على قلوبهم.

ولذلك جاء في الحديث المأثور عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «أما علمت أن أصحاب الكهف كانوا صيارفة»، يعني صيارفة الكلام ولم يعنِ صيارفة الدراهم.

لقد قطعوا أية علاقة لهم بالماضي وسفَّهوه، ولم يكتفوا بذلك وإنما أخذوا يسفهون الآخرين ﴿هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً فاستنكروا موقف قومهم الذين اتخذوا السلاطين والرؤساء آلهة من دون الله.

﴿لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ إذا أراد الإنسان أن يسلك طريقاً ما أو يتخذ رجلاً قائداً فليفعل، ولكن عليه أن يأتي بحجة قاطعة ودليل قوي، وهكذا سفّه أصحاب الكهف منهج الكفار في اختيار الإله بطريقة غير عقلانية، ولم يخطئوا النتيجة فقط، وإنما بدؤوا بالسبب الجذر للانحراف، وهذه من أقوى وأعمق الحركات التغييرية الثقافية والسياسية في العالم، فهي لا تنظر إلى النتائج الظاهرة والفساد القائم فقط، وإنما تبحث عن السبيل الذي سلكه الناس حتى وصلوا إلى ذلك الفساد، أو طريقة التفكير التي أدّت بهم إلى هذه النتيجة.

تشخيص أسس الواقع المنحرف وطرح البدائل الصالحة:

من خلال قول الله عز وجل: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ[77]، في سياقها العام، يستنبط السيد المدرسي أن نوح (عليه السلام) حدّد معالم النظام القائم والنظام البديل معاً (ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا)، وقد ذكر في معرض حديثه: «ونستطيع القول: إن عبادة الله بديل للأصول المنحرفة، والتقوى بديل للفروع الخاطئة والطاعة للقيادة الرسالية من أجل إصلاح الممارسات اليومية والسلبية، وبالتعبير القانوني الحديث تمثل عبادة الله الدستور (الخطط الأصولية العامة) وتمثل التقوى القانون (مجموعة القوانين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية و...)، وتمثل الطاعة للقيادة اللوائح (مفردات الأمور والتطورات)»[78].

سياسة الطاغوت:

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً هذه الآية وآيات أخرى شبيهة تشير إلى أن الطغاة يؤطرون عملهم بإطار القدسية، ويحاولون تضليل الناس وإيهامهم بأن ذلك هو من قبل الله سبحانه وتعالى، ويربطون أنفسهم بطريقة ما بالله وبالمبادئ السامية. في هذه الآية يقول أصحاب الكهف: إن قومهم افتروا على الله الكذب، فقالوا: إن الله هو الذي أمرنا بأن نعبد تلك الآلهة وهو بريء مما يدعون»[79].

الغايات بين المكاسب الآنية والمكاسب القيمية:

«إن النظرة المادية الضيقة التي يرى بها الكفار الأمور تجعلهم محدودين جدًّا، لا يفهمون حقائق الحياة، وهؤلاء يرمون الناس بالسفه وبالجنون، ويزعمون أن الذي لا يعمل للربح المادي العاجل خاسر لحياته، لذلك تجد الملأ من أهل مدين يعتبرون اتِّباع شعيب خسارة كبيرة لهم ﴿وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ[80]، ومنتهى ما يستطيع الملأ المستكبرون أن يلحقوه من الأذى بالمؤمنين هو: منع بعض النعم المادية عنهم، وهذا ما كان ولا يزال الطغاة يهددون المعارضين والمجاهدين به، ولكن من الذي تكون له عاقبة الدار؟!.»[81].

وتحت عنوان (معيار الخسارة) يقول:

«وهنالك تبيّن ذلك الواقع الذي حذر منه شعيب، وآمن به القوم المؤمنون وهو أن الخسارة والربح إنما هما بالقيم لا بالمصالح العاجلة ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا انتهت فرصتهم، وتداعى كيانهم، وزالت مكاسبهم، حتى يخيّل للإنسان أنه لم يكن شيئاً موجوداً ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ»[82].

3- المسارات في المجال الرسالي:

البعد الثالث في الهيكلية العامة للمجال الرسالي، هو المسارات التي تعبّر عن مجموع الاسترتيجيات والتكتيك والتحديات التي تقع في طريق التحرك الرسالي، وبُعد (المسارات) في التطبيق والممارسة هو في الحقيقة يكون بين (المنطلقات) و (الغايات)، لأن الإنسان يحدد في البدء منطلقه فيسير في سبيله نحو غايته، ولكن من ناحية موضوعية، فإن المنطلقات وتحديدها تأتي أولاً لأنها الأساس، والخطوة التي تليها هي تحديد الغايات وليس الوصول إليها، فعند تحديد الغايات والأهداف الواضحة، يسعى الإنسان إلى اختيار السبل والمسارات التي تؤدي به إلى ذلك الهدف.

اختلاف الطرائق يدل على اختلاف النية:

«﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً[83].

الشاكلة مشتقة من كلمة (الشكل)، ويبدو أن المعنى المناسب لهذه الكلمة بالنظر إلى أصل معناها اللغوي وسياق ذكرها هنا هو الطريقة والمذهب، أو الطبيعة أو السجية، وبتعبير آخر الملامح والصفات الباطنة للإنسان التي تتحكم في سلوكه وما ينتج عنه من أفعال ومواقف وأقوال، فيكون معنى الآية كل شخص يعمل حسب طريقته وطبيعته، وبالتالي فإن مظهر عمله ينبئ عن مخبر ضميره ونيته، وهكذا تكون أعمال الناس تعبيراً عن طرائقهم، ومذاهبهم، وطبائعهم، وعاداتهم، وعلينا أن نكتشف من خلالها نياتهم، ونصبغ أعمالهم بها.

من هنا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق (عليه السلام): «والنية أفضل من العمل، ألا وإن النية هي العمل، ثم تلا قوله عز وجل: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ يعني على نيته»[84].

وقد تكون الأعمال متشابهة إلا أن اختلاف النيات، وشخصيات العاملين، وأهداف العمل يجعلها متناقضة، فالصلاة والصيام والحج قد يقوم بها المخلص فتكون معراجاً وجنة وجهاداً أكبر، وقد يقوم بها المرائي فتكون وبالاً على صاحبها.

والله سبحانه وتعالى هو الحكم الذي يقضي بسلامة النية أو الغل فيها.

﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً وإذا كنت تحب عملاً، أو تهوى طريقة أو تعودت على سلوك ومذهب فلا يعني أن كل ذلك حق، بل مقياس الحق والباطل هو الله الذي أوحى بالكتاب ليكون فرقاناً، ويهدينا إلى سبل السلام، فلا تزكِّ نفسك، ولا تجعلها مقياس الحق والباطل»[85].

الضروريات الرسالية:

«هذه هي طلبات موسى وفي نفس الوقت هي خطط موسى:

﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي اجعل صدري واسعاً شرحاً لا أتهيّب الصعاب التي قد تواجهني في الطريق، إني أعلم بأن حمل الرسالة عملية صعبة لذلك فأنا أحتاج إلى صدر يسع كل مشاكل التبليغ ويزيد.

﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، لعل موسى (عليه السلام) كان يرى أن فرعون يُصعّد الموقف مما يدفع بموسى، إلى التصعيد أيضاً -خصوصاً - وأن موسى كان مشهوراً بالغضب في الله، فكان يريد أن تمشي المسائل بهدوء بدون حاجة إلى العنف.

هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فإنَّ موسى كان يدرك خطورة وصعوبة المسؤولية على عاتقه، فكان يريد التيسير في أموره، ورفع الثقل جراء حمله الرسالة.

هذا إذا علمنا أن الإنسان الذي يحمل هموماً كثيرة بسبب عمله لن يفلح أثناء عمله، لأنَّ الهم والإحساس بثقل العمل يثبط الإنسان عن العمل، فلذلك أراد موسى أن يزيل هموم عمله بدعائه لربّه لتيسير عمله.. الذي يعني الاستعداد للقيام بدور أكبر.

﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي كلمة اللسان هنا ربما تعبر عن الإعلام، فموسى كان يطمح إلى إعلام قوي يدخل في الأعماق، وربما هذه الفكرة مأخوذة من قوله ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي وبمعنى آخر إن موسى يطمح إلى أمرين:

الأول: قوة الإعلام الذاتية، وهذا لا يتم إلا بمعرفة منطق الناس، كما قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم». وهذه الفكرة يدل عليها قوله ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي...

الثاني: خلق التأثير أو بمعنى آخر أنه طلب من الله أن يُلهم عقولهم التفهم لرسالته، وكأن موسى يدعو لهم بالعقل: وهذا ما تدل عليه الجملة الثانية ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي».[86]

الصبر والاستقامة في طريق الحق:

«﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ وهذه الآية تكشف لنا طبيعة المسيرة الرسالية بأنها مليئة بالضغوط، والمشاكل، لأنها الطريق إلى الجنة التي حُفَّت بالمكاره، ويجب على كل داعية إلى الله وكل مجاهد أن يعي هذه الحقيقة حين اختار الانتماء إلى حزب الله والعمل في سبيله، ومن ثم يعدُّ نفسه لمواجهة كل التحديات والمكاره بسلاح الصبر والاستقامة.

إن الذي يتصور طريق الحق خالياً من الأشواك يخطئ فهم الحياة وسنن التغيير. أولست تريد بناء كيان الحق على أنقاض الباطل؟ بلى؛ فأنت إذن في صراع جذري مع الباطل بكل أثقاله وامتداداته.. مع النظام الفاسد، والطاغوت المتسلط، مع الثقافة التبريرية، مع الإعلام التخديري، مع التربية الفاسدة، مع العلاقات المتوترة بين الناس.. وبكلمة: مع تخلف المجتمع الفاسد الذي تسعى لعلاجه، فلا بد أن تتوقع ردات الفعل المضادة، والضغوط والتحديات المتوالية والمركزة في طريقك.

وحيث يحتدم الصراع ويصعد مرحلة بعد مرحلة تتضاعف التحديات والضغوط، الأمر الذي يضع الرسالي (فرداً وحركةً) أمام خيارين: الهزيمة أو الصمود، وخياره الأصيل هو الاستقامة، فيجب إذن أن يصبر لربه»[87].

كيف يواجه الرسالي الصعوبات وماذا تعني له؟

فمن صفات الرساليين «أنهم لا تكسرهم الأزمات، ولا ينهزمون أمام الصعوبات مهما كانت، فهم يعرفون بأن ذلك كله من طبيعة طريقهم (ذي الشوكة) فكلما رأوا المصاعب تتزاحم في طريقهم ازدادوا يقيناً بصحة طريقهم، وتسليماً لربهم وقيادتهم.

ولعل المؤمن يبحث عن ساعة حرجة يجرب فيها نفسه (إيمانه وإرادته) وبالتالي يظهر فيها كفاءاته الرسالية الحقيقية لوجه الله ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ لم ينهزموا كما فعل المنافقون، بل ازدادوا يقيناً بخطهم ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ.

ومن هذا نستفيد أن التربية الرسالية السليمة هي التي تصارح الإنسان بطبيعة المسيرة، وأنها محفوفة بالمخاطر على صعيد الدنيا، مما يساعد الفرد على الاستقامة حين الأزمات والمصاعب، لأنها حينذاك لن تكون مفاجئة له، بل سيعتبرها أمراً طبيعيًّا وقد استعد لها فهي مما تزيده تثبيتاً على طريقه، لهذا كان المؤمنون يزدادون إصراراً على مواصلة الدرب برغم الواقع الصعب حيث كان العدو قد جمع لهم، وجاء لحربهم بكل قوته، وبرغم الحرب النفسية التي كان يشنها المنافقون ضدهم. وحين يرى المؤمنون الصعوبات والأزمات وقد وعدهم الله ورسوله بها يتيقنون بالفرج لأنهم وعدوا به أيضاً، وتحقق الوعد الأول يدل على تحقق الآخر ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ ردًّا على المنافقين، وإخماداً لأهواء النفس.

ألم يعدهم الرب سبحانه بالمواجهة التي تنتهي بالنصر المؤزر، إن أعظم عامل للصمود في الظروف الصعبة التنبؤ بها، والاستعداد النفسي مسبقاً لمواجهتها، وها هم المؤمنون في هذا المستوى، وكما النار تفتتن الذهب، وكما المبرد يلمع زبر الحديد، كذلك مواجهة المشاكل، تستخرج معدن المؤمن الصافي، وتجلي نفسه من أدرانها، هكذا زادت الحرب مع الأحزاب إيمانهم وتسليمهم ﴿وَمَا زَادَهُمْ تجمع الأحزاب، وتخذيل المنافقين وتوهينهم ﴿إِلَّا إِيمَاناً بالله، ورسالاته، والصراط المستقيم الذي هم عليه ﴿وَتَسْلِيماً لربهم وقيادتهم، وحينما ندرس حياة الشعوب نجدها نوعين: فبعضها حينما يتعرض للضغوط والتحديات ينهار، والبعض الآخر -على العكس تماماً - يزداد قوة وثباتاً، وتحدياً، ويعود هذا الاختلاف لنوعية الثقافة التي يؤمن بها ويمارسها كلا النوعين. فبينما يمارس النوع الأول ثقافة التخاذل، يمارس النوع الثاني ثقافة التحدي، والمؤمنون الحقيقيون هم الذين يتمسكون بثقافة التحدي، فإذا بهم كلما تراكمت العقبات والمشاكل أمامهم فجروا طاقاتهم، وسدوا ثغراتهم، واستعدوا لمواجهتها، كما أنهم عند المصاعب يكتشفون أنفسهم، والطاقات التي أودعها الله فيهم، ويستثمرون كل ذلك في سبيل الانتصار على الأزمات والتحديات»[88].

لا للتأثر بالأزمات:

«وأهم درس يُستفاد من هذه الآيات (آيات 41 - 43 من سورة ص حول نبي الله أيوب وصبره)، هو ألَّا ننهزم أمام مشاكل الحياة وضغوطها، فإذا ما بقي الإنسان قويًّا في نفسه، مقاوماً للآثار النفسية والروحية للأزمات والمشاكل، فإنه لن يتأثر بها. وحتى يتمكن من ذلك يجب أن تكون علاقته بالحياة وما فيها قائمة على أساس أنها وسيلة، لا علاقة شيئية باعتبارها هدفاً بذاتها، وأنه إذا لم يصل إلى أهدافه وطموحاته من طريق ما، فسوف يحصل عليها عن طريق آخر. فإذا خسر وسيلته أو فشل فيها فليبقِ على أهدافه وإرادته، لأنه بجهده وتحركه واستقامته قد يحصل على ما هو أفضل مما فقده، أو فشل المرات الماضية في تحقيقه والوصول إليه، هذا إذا نظر للهزائم والنكسات التي تمر عليه في الحياة نظرة موضوعية، فهي حينئذ ستزيده قوة ومناعة ضد الهزائم، وإصراراً على تسخير الحياة بصورة أفضل، وعلى ضوء التجارب الماضية»[89].

طرح المشكلة للبحث عن حل:

في سورة القصص يستفيد من طرح النبي موسى لمشكلاته عن فصاحة اللسان وخوفه من تكذيب القوم له، أن طرح المشكلات ليس من أجل التبرير والهروب من المسؤولية، وإنما للبحث عن حلول، ولذلك فإنه «ينبغي للإنسان الرسالي حينما ينبعث إلى مهمة ما، في أي بلد، أن يستعرض العقبات والمشاكل بحثاً عن الحل لا التبرير»[90].

الحذر في العمل الرسالي:

«﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا والذي يحمل قضية رسالية حينما يدخل بلداً يسيطر عليه الطاغوت، إذا كان يريد القيام بعمل رسالي معين، يجب ألَّا يكون ساذجاً بل حذراً نبهاً، ويختار الوقت الأنسب الذي يعينه في إخفاء نفسه، وكتمان أمره، وربما كان دخول موسى للمدينة ليلاً أو في أول الصبح، وربما كان في مناسبة انشغل بها أزلام النظام عن الوضع.

﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ بسبب ما قامت به الحركة الرسالية من أعمال سياسية وثقافية، وربما ميدانية في عملية الصراع بينها وبين فرعون حينذاك، استطاعت أن توجد في المجتمع تياراً مناهضاً للسلطة، بل وأكثر من ذلك أن ترفع مستوى الصراع بين تيارها والتيار الآخر إلى حد المواجهة المباشرة، ومن أهم مسؤوليات وواجبات الحركة الرسالية حين ترقى بمستوى جماهيرها في الصراع أن تسيطر على الساحة حتى لا يكون للصراع مردود سلبي على خططها وتحركها»[91].

«وهكذا ينبغي للرسالي ألَّا يأخذ الأمور بسذاجة عندما يدخل بلاد الطغاة لأداء مهمة ما. إن موسى دخل المدينة، وخرج منها، وعاش فيها حذراً، وبالتالي مستعداً ومخططاً لتصرفاته في شتى الظروف والاحتمالات.

وبينما كان موسى يمشي في المدينة، وفي هذه الظروف الصعبة، فإذا بالذي استغاثه بالأمس يستصرخه اليوم، يريد منه أن يعينه على رجل قبطي آخر، لكنه هذه المرة تفجر غضباً على الاثنين، على الإسرائيلي باعتباره يورط الحركة الرسالية في صراعات غير مخطط لها، قد تنعكس سلبيًّا على خطط الحركة في التغيير، ويبدو أن الرجل كان ممن تثيره عداواته الشخصية، فتجره إلى مواقف مرتجلة هذا من جهة، ولكن ذلك لم يمنع موسى من نصرته فلقد همَّ بالبطش بالقبطي باعتباره ظالماً من جهة أخرى.

إن خطأ الإسرائيلي الذي استحق عليه اللوم لا يكمن في استراتيجيته، فهو مظلوم يتعرض للإهانة، وربما للقتل ومن حقه الدفاع عن نفسه وكرامته، إنما يكمن خطؤه في أسلوبه، إذ فجّر الصراع في ظرف ووقت غير مناسبين، وهنا لا بد أن نعرف أن من أسباب فشل أي حركة هو اللاانضباط الذي من صوره وشواهده دخول أفراد الحركة في صراعات غير مخططة وبعيدة عن قرار القيادة»[92].

ضمانات رسالية:

لقد وعد الله تعالى العاملين الرساليين بعدة ضمانات، برغم التحديات التي تواجههم، وهي بمثابة حصانة وقوة دافعة من أجل تعزيز الوثوقية من أجل مزيد من العمل، ففي قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ[93]، والآيتين اللتين سبقتاها، يستجلي السيد المدرسي عدة ضمانات من الله، هي «كالتالي:

1- كفايته -عز وجل- للرسول ومن يحمل رسالته من بعده من تخويف الكافرين له.

2- أنه سبحانه يضلل الكافرين ومن يدعون من دونه، ولن يهديهم سواء السبيل.

3- أن الله سوف يهدي الذين آمنوا حين يتمسكون بهداه، ولن يضلهم أعمالهم.

4- أن الله عزيز ذو انتقام، لا يرد بأسه عن الذين كفروا، فسوف يأخذهم أخذ عزيز منتقم.

5- أن الله حين يريد بالمؤمنين خيراً فلن تستطيع قوة أن تهزمهم، وأن حمايتهم وحسبهم وكفايتهم على الله، لأن الله أراد ذلك».[94]

من خطط الطواغيت:

في العديد من المواضع وعبر التدبر في آيات المواجهة بين الطواغيت وأزلامه من جهة، وبين الأنبياء وحواريهم من جهة ثانية، يستظهر السيد المدرسي العديد من الخطط التي يمارسها الطواغيت في تلك الأزمنة تجاه الحركة الرسالية، وهي مناهج متبعة إلى اليوم يقتفي أثرها الحكام، ويمكن أن نشير إلى عدة منها على سبيل الإلماع لا التنصيص، منها:

1- استعمال الإرهاب والقوة ضد الحركة الرسالية، لفصل الناس عن الحركة من أجل إضعافها.

2- استهداف القيادة الرسالية وتصفيتها، لأنها محور الحركة.

3- خلط القوة الظاهرية الآنية بالحق، وجعلها مقياساً لمعرفة الحق من الباطل[95].

ثلاث سبل لنصر الحركة الرسالية:

في تفسير قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ[96]، يذكر السيد المدرسي أن هناك ثلاثة سبل لنصر الحركة الرسالية:

الأول: القوة الغيبية المباشرة أو عبر الملائكة، كما نصر النبي نوح (عليه السلام) بإهلاك قومه، والنبي موسى (عليه السلام) بإغراق فرعون وجنده، وكذلك -نصر- النبي صالح والنبي شعيب (عليهما السلام).

الثاني: الحجة البالغة التي يسدِّد بها أولياءه، فيقتنع الناس بكلامهم ويعرفون أن رسالات ربهم هي الحق، كما أتم الحجة لنبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فدخل الناس في دينه أفواجاً.

الثالث: (وهو الذي يهمنا): «نصر الحق بالمؤمنين المتوكلين عليه عز وجل، الراغبين في الشهادة المعتصمين بحبل الوحدة والقيادة الرسالية، والذين لا يعرفون إلا السعي الحثيث من أجل إعلاء كلمة الحق، وهم حزبه بحق وصدق»[97].

قد لا تكون السلطة أفضل وسيلة لتحقيق الأهداف الرسالية:

«﴿اصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ[98]، بما أن الرسول ومن يتبع نهجه لا يبحث عن النصر لنفسه، بل لرسالته، فإن النتيجة عنده واحدة سواء انتصرت مبادئه في حياته أو بعد وفاته.

إن الرسول والمؤمنين قد شروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، ولا يبحثون عن تشفي نفوسهم بالانتقام من أعدائهم، بل يفوضون أمرهم إلى ربهم فسواء انتصروا أم توفوا، فإنهم قد أدوا واجبهم. حقًّا إنه أعلى درجات الإيثار، يؤدّب الله بها من اصطفاهم من عباده الأكرمين!

كم هي صعبة (وعظيمة في الوقت ذاته) أن يستخلص قلب الداعية من كل رغبة خاصة حتى ولو كانت رغبة الانتقام من أعداء الله. ولكن هذا هو المطلوب في حركة أتباع الأنبياء، ولولاه لكانت تزيغ عن الصراط المستقيم، ولانعدم الاطمئنان إليها وإلى حملتها، ولم تقم الحجة على عباد الله حيث إن طلاب المناصب كثيرون، ولو وضع هؤلاء أيضاً المنصب نصب أعينهم لاشتبه الأمر على عامة الناس، فلعل هؤلاء أيضاً اتخذوا الدين وسيلة للسلطة، كلا.. إن هؤلاء من نمط آخر، فحتى لو سعت إليهم السلطة سعياً ابتعدوا عن لذّاتها وبهارجها، فهذا قدوتهم المثلى سيد البشر محمد بن عبد الله وخاتم النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم) سعت إليه قريش يعرضون عليه أجمل نسائهم، وأصفى أموالهم، والملك عليهم، فرفض إلا تبليغ دعوته، ولو خالط حب الدنيا قلب الداعية لأثر من حيث يدري أو لا يدري على قراراته الاستراتيجية، ذلك أن عمل الإنسان إنما هو تجسيد لنياته، وقد قال ربنا: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ[99]، فشخصية الإنسان الداخلية تبرز من خلال أعماله شاء أم أبى، وهكذا تنحرف الرسالة عن مسيرها القويم، إذا لم يخلص حملتها نياتهم لله.

وإن فريقاً من المنتمين إلى الحركات الرسالية يزعمون أنها حركات سياسية ولكن بصبغة إلهية، فإذا زُويت عنها المكاسب العاجلة لمصلحة سائر السياسيين اتهموا قادة الحركة بالسذاجة والانطواء، وحين يطول انتظارهم للنصر تراهم يرتابون في القيم رأساً، وينسحبون عن الساحة؛ كلا.. إنها حركات دينية أولاً، وسياسية ثانياً، ذلك أنهم لا يصوغون استراتيجيتهم وفق المتغيرات السياسية، بل حسب الواجبات الدينية، وأعينهم مسمَّرة على أجر الله ورضوانه قبل أن ترمق ملامح نصره، ولذلك تراهم لا يداهنون أعداءهم، ولا يتنازلون عن قيمهم، لا يخادعون الناس، ولا يمالئون المترفين على حساب دينهم، ولا يخشون قوة كبرى ولا يظلمون، قوة صغرى، فهذا الإمام علي (عليه السلام) حين أشار عليه قومه ببعض الحيل السياسية نهرهم قائلاً: «أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟!».

والحكمة في ذلك أن الهدف الأول لأنصار الرسالة تكريس الحق وإنذار الناس به، وقد لا تكون السلطة أفضل وسيلة لذلك، إذ قد يكون أثر حركة معارضة في توجيه الحالة الاجتماعية أشد وأبقى من تأثير السلطة الحاكمة. وقد يكون المطلوب إيجاد قوة رسالية ضاغطة باتجاه القيم في مواجهة قوة كافرة تضغط باتجاه الضلال، وفي هذا الوقت تكون السلطة غير مناسبة لإيجاد تلك القوة. وقد يخشى أن يولد الانتصار في غير أوانه فيكون ناقصاً، ويجهض سريعاً، وبتعبير آخر قد يمنع النصر العاجل المحدد نصراً آجلاً أرسخ جذوراً وأوسع فروعاً. وقد تكون شهادة الرسالي أقوى حجة لسلامة خطه وصحة دعوته من انتصاره، فتكون هي الغاية السامية له..

لذلك نجد الإمام الحسين (عليه السلام) اندفع للشهادة قائلاً: «خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف»، ثم ناضل أعداء الرسالة، حتى قدّم كل أنصاره وأهل بيته وحتى طفله الرضيع، واحتمل جسده عشرات الجراحات وخرّ على الأرض صريعاً، قال: (إلهي صبراً على قضائك لا معبود سواك)»[100].

خاتمة

المفردات الثلاث في هيكلية المجال الرسالي، (المنطلقات الرسالية، والغايات الرسالية، والمسارات) ليست هي كل ما جاء في تفسير (من هدى القرآن) من أبعاد في المجال الرسالي، وإنما سقناها مثالاً بارزاً يحمل دلالاته العميقة في التصور المتكامل للرسالية بوصفها صفةً لازمت التفسير، وقد قدّم السيد المدرسي من خلال منهجيته في المعاصرة والشمولية في قراءة النص القرآني، وانعكاس بصائره على الواقع المعاصر، رؤيةً متكاملةً وناضجةً في هذا المجال، الذي يلامس حياة الإنسان في أهم أبعادها، ليكون كما أراده الله تعالى مستجيباً للرسالة ومحققاً للقيم العظمى، فاستحق التفسير بجدارة أن يأخذ صفة الرسالية وأن يكون تفسيراً رساليًّا له دلالاته العميقة، وأثره الواسع.

------------------------------------------------------------------------- -------

[1]* عالم دين، باحث من أسرة التحرير، مملكة البحرين. وترجم باللغة الفارسية، بعنوان: تفسير هدايت، نشر استان قدس، مشهد.

[2] تطورات مناهج التفسير القرآني في القرن الأخير..رصد تاريخي مقارن - موسى الصدر، أمان الله فريد. في كتاب المنهاج 13، القسم الأول، ص36، ط1، مركز الغدير للدراسات.

[3] انظر المصدر السابق.

[4] مقدمة تفسير من هدى القرآن، ج1، ص10.

[5] مقدمة تفسير من هدى القرآن، ج1، ص19، عن مجلة «كلستان قرآن» باللغة الفارسية، العدد 43، سنة 1421هـ.

[6] من هدى القرآن، المقدمة ج1، ص25.

[7] المائدة: 16.

[8] يونس: 57.

[9] من هدى القرآن، ج1، ص 39، عن بحار الأنوار، ج24، ص185.

[10] من هدى القرآن، ج1، ص39، عن تفسير العياشي.

[11] سورة الشورى 17.

[12] سورة البقرة 2.

[13] سورة الدخان 3.

[14] سورة إبراهيم 1.

[15] انظر بحوث تمهيدية، في مقدمة تفسير من هدى القرآن، ج1.

[16] المصدر، المقدمة ج1، ص36.

[17] النحل: 89.

[18] إبراهيم: 1.

[19] بحار الأنوار، ج2 ص281.

[20] بحار الأنوار، ج89، ص24.

[21] يوسف: 111.

[22] القمر: 17.

[23] من هدى القرآن، ج10، ص 93.

[24] تفسير العياشي، ج1، ص11.

[25] الكافي، الشيخ الكليني، ج 5، ص 13 - 18.

[26] سورة يونس 25.

[27] سورة النحل 125.

[28] سورة الشورى 52.

[29] سورة الإسراء 9.

[30] سورة آل عمران 104.

[31] سورة يوسف 108.

[32] سورة الأنفال 64.

[33] سورة الفتح 29.

[34] سورة التحريم 8.

[35] سورة المؤمنون 1.

[36] سورة المؤمنون من 2 - 11.

[37] سورة الفرقان 68 و 69.

[38] سورة التوبة 111.

[39] سورة الحج 39.

[40] انظر: تفسير من هدى القرآن، في بداية تفسير سورة عبس، ج12/ ص29.

[41] تفسير العيّاشي، محمد بن مسعود العياش، ج1، ص12.

[42] آل عمران: 52.

[43] من هدى القرآن، ج1، ص 411.

[44] نفسه، ج1، ص412.

[45] نفسه، ج10، ص441.

[46] نفسه، ج9، ص315.

[47] نفسه، ج1، ص331.

[48] نفسه، ج1، ص 478.

[49] نفسه، ج1، ص 479.

[50] نفسه، ج2، ص 233.

[51] نفسه، ج7، ص 167.

[52] التوبة: 119.

[53] نفسه، ج3 ، ص 340.

[54] الكهف: 28.

[55] نفسه، ج5، ص 47.

[56] نفسه، ج7 ـ ص 187

[57] نفسه، ج 3 ، ص 341

[58] نفسه، ج8، ص43.

[59] نفس المصدر.

[60] نفسه، ج3، ص 247.

[61] نفسه، ج3، ص 283.

[62] سورة المجادلة ، آية 22.

[63] من هدى القرآن، ج10، ص 354.

[64] نفسه، ج10، ص295.

[65] أي سورة آل عمران.

[66] من هدى القرآن، ج1، ص 426.

[67] التوبة: 94.

[68] نفسه، ج3، ص 315.

[69] التوبة: 95.

[70] آل عمران: 190.

[71] آل عمران: 191.

[72] آل عمران: 192.

[73] آل عمران: 194.

[74] نفسه، ج1، ص 497.

[75] نفسه، ج11، ص129.

[76] نفسه، ج11، ص129.

[77] نوح: 3.

[78] نفسه، ج11 ، ص 258.

[79] نفسه، ج5، ص 28.

[80] الأعراف: 90.

[81] نفسه، ج3، 76.

[82] نفسه، ج3، 77.

[83] الإسراء: 84.

[84] الكافي: ج2، ص 16.

[85] من هدى القرآن، ج4، ص 479.

[86] نفسه، ج5، ص 199.

[87] نفسه، ج11، ص 346.

[88] نفسه، ج7، ص186.

[89] نفسه، ج8، ص108.

[90] نفسه، ج6، ص343.

[91] نفسه، ج 6، ص 322.

[92] نفسه، ج6، ص 325.

[93] الزمر: 38.

[94] نفسه ج8، ص169.

[95] عرض هذه الأفكار في تفسيره لسورة غافر، الآية 25 و26، ج8، ص 225.

[96] المجادلة: 21.

[97] من هدى القرآن، ج10، ص350.

[98] غافر: 77.

[99] الإسراء: 84.

[100] من هدى القرآن، ج8 ـ ص 272

السيد محمود الموسوي

ــ عالم دين، باحث إسلامي.

ــ من مواليد عام ١٩٧٣م، بني جمرة. دولة البحرين.

ــ درس العلوم الدينية في البحرين (حوزة الإمام زين العابدين) وحضر دروس العلامة الشيخ عبدالأمير الجمري، والشيخ محمد الخرسي. ثم هاجر إلى سوريا والتحق بحوزة الإمام القائم العلمية في السيدة زينب (عليها السلام).

ــ عضو هيئة التحرير بمجلة البصائر، ومدير ممثلية سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي في البحرين، والمنسق العام لمؤتمر القرآن الكريم الذي تعقده الممثلية. والمشرف العام لمؤسسة أهل الكساء الثقافية والاجتماعية الخيرية.

ــ شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات، وله محاضرات في قضايا القرآن والمجتمع والثقافة. كما أن له مقالة اسبوعية في صحف البحرين، نشر العديد من المؤلفات نذكر منها: * علي منابر من نور. * لقاء ثقافي في ريف دمشق.. لقاء مع سماحة المرجع المدرسي. * معالم العظمة.. دراسة إحصائية في مؤلفات الإمام الشيرازي. * آفاق من حركة الرسول الأعظم. * العولمة والمجتمع.. التحديات الجديدة وبرنامج المهام. * دراسات في مسارات المجتمع والحضارة.. رؤى معاصرة على ضوء القرآن.



ارسل لصديق