البحث في الخلاص من الأزمة
كتبه: الشيخ ناجي زواد
العدد (45) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 1590

في خضم الأزمات المريرة التي تشهدها ساحتنا العربية والمسلمة، وما منيت به من انتكاسات متعاقبة طيلة العهود المنصرمة، إضافة إلى ما سُلب من خصائصها ومزاياها الراقية، أفضت نتائجها ورواسبها إلى إيداع تركة حبلى بالهموم المستعصية، ومع تصاعد وتيرة ذلك الظرف المأزوم تستحوذ على الأجواء مشكلة الطائفية بما تتبنى من مسارات وممارسات متشنجة، ليست لأنها وليدة الظرف الراهن المسكون بهواجس التبعية والانحطاط، لكنها باتت المشكل القلق الذي برز كتهديد مؤرّق للنسيج الاجتماعي والوطني وزعزعة شبكة علاقاته ومنظومته المعرفية، لا سيما في ظل المعطيات الحرجة التي تواكبها مجتمعات الأمة.

فمنذ حقب عديدة سادت في أوساط أمتنا أفكار وتوجّهات متشعبة، تحمل ألواناً متغايرة بين سياسية وعقدية وفكرية، وكانت كل مرحلة تستدعي التعبئة والانسياق خلف أيديولوجيات خاصة يتجانس وفق تصوراتها ومرئياتها قسراً، إلى أن تمخض الصراع المرير بولادة البرعم الطائفي في أوساط صفوف الأمة، ولعله لم يكن الأسوأ في تصعيد دوافع الأزمة والمحنة التي مُنيت بها المجتمعات المسلمة، غير أنه تصدّر هرم شبح الأزمة التي أغرقت الواقع بثقافة التشنج والقطيعة، وزعزعة وسائل الحوار والتعايش المشترك.

ورغم أنه بذلت مساعي حثيثة لإغلاق هذا المحور وتقريب وجهات النظر لبناء علاقة مشتركة بين الأطياف المتنوعة، وإعادة وسائط الحوار لتأهيل الواقع واستعداده للتعايش والتجانس ضمن نظم وقوانين تعيد رابطته ولحمته وتضامنه، ولقد تكررت المساعي الطيبة طيلة العهود التاريخية لتنشيط هذا البعد لبناء جسور روابط الأمة وتوحيد صفوفها، إلا أن كل ذلك أفضت محصلته في نهاية المطاف إلى الخيبة والفشل.

ثم إنه لم تكن الشرائح الاجتماعية هي الوقود المدخر لهذا المسلك التعصبي فحسب، إنما كان للنخب أيضاً الدور البارز في التصعيد والتعبئة على هذا الأمر، وكان من الممكن التسالم والتصالح من خلال فرص تاريخية توفرت لديها القابلية والاستعداد لتجاوز بؤر الخلاف والاحتراب السجالي والدموي للتوافق على محاور وخطط مشتركة، غير أن النخب لم تكن استجابتها متوافقة ومنسجمة لصد الخطر الطائفي واستشرائه في ثقافة الأمة وفكرها، وليس يعني عدم استخدام لغة الشجب والاستنكار أو الامتعاض، وإنما عدم تحمل المسؤولية لصد الأخطار المحدقة الداخلية والخارجية، سياسية أو عقدية، ولا غرو أن الأمور المعقدة لا تفكك رموزها بنصائح سطحية أو جمل عابرة، إنما هي بحاجة إلى مساعي وجهود حقيقية تلامس موضع الخلل ليتحقق مشروع التقريب.

ولا ريب في أن المؤتمرات التي تنعقد في هذا الشأن في بعض الأقطار العربية والمسلمة هي حالة صحية وخطوة متقدمة نحو تقريب الأفكار وقبول الآخر للتجانس والتعايش التعددي، ومن المهم جدًّا أن يتحول المسعى إلى نمط سائد تتأصل روافده لتتكرر في سائر الأقطار لتداول الرؤى والأفكار بشفافية ووضوح، غير أن ذلك لا يكون للقاء والنقاش فحسب، دون أن تعقبها خطوات عملية ملموسة لبناء علاقة التواصل والترابط بين الأطياف المتنوعة، كي لا تتحول الحوارات إلى ترف فكري لا يتماس مع الوضع الراهن ورهاناته الملحة.

ثم إن التجارب المريرة التي خاضتها مجتمعات الأمة أثبتت أن التطرف الطائفي المتجذر لم يحقق لها إلا تركة الخسائر التي أعانت على التشرذم والضياع، وأفقدها الكثير من مكوناتها وقدراتها الرائعة، وكلما تصاعدت وتيرة المذهبية الطائفية ازدادت الانتكاسات والهزائم عليها، ولو أحصى كل طرف ما أصابه نتيجة اتخاذ هذا المنحى لوجدها هائلة جدًّا، بل ربما لا تحتمل، ليس لأنها احتدمت لصد معارك عدوانية شرسة تستهدف أمن الأمة واستقرارها، لكنها بين النسيج المشترك واللحمة الواحدة.

ونحن اليوم أمام هذا الواقع القائم الذي لن يتغير بالسجال والاحتراب وإذكاء نار الفتنة بين فئاته المتنوعة، فسائر المعارك التاريخية التي نشبت بين فينة وأخرى بين عقدية وسياسية وفكرية لم تزعزع مكانة طرف للتخلي عن قناعاته وأفكاره، بل على العكس من ذلك تماماً، ولو تحقق هذا الأمر لما بقي لبعض الطوائف التي جرى عليها التضييق ومحاربة أفكارها وعقائدها من وجود في النسيج الاجتماعي، بشهادة كافة المؤرخين والمتنورين. من هذا المنطلق ينبغي البحث عن التغيير نحو الأفضل لتحقيق علاقة وطيدة ومشاركة اجتماعية، قائم على المعايير المشروعة في تقاسم الأدوار والمهام الوطنية دون إقصاء لجهة ما، وإرساء أسس التقريب بين الأطياف المتنوعة مع مراعاة حفظ الحقوق والخصائص والهوية.

إضافة إلى أنه لا مبرر مشروع يسوغ لطرف احتكار منابع الحقيقة المتاح فضاؤها للاستنتاج والاستنباط وقراءة النص بما يتوفر من أدوات علمية ومعرفية، للوصول إلى قيمها وحقائقها، وهي من حق الجميع دون أن تنحاز لجماعة على حسابات مختلفة، كما أن الاستنتاج الفقهي والعقدي والفكري يبقى في الميزان، وخاضع للامتحان والفحص والغربلة، ذلك أنه ربما أصاب ووافق النص أو جانب الحقيقة، فالرأي ليس له حصانة مانعة عن نقضه والاعتراض عليه، نعم هو جهد مشكور أسهم في الكشف عن المعارف والعلوم، ورفد حراك الواقع بالبصائر والحقائق.

وإذا كان قد استفرغ كل صنوف الإشكال بين المختلفين طيلة القرون المنصرمة، ولم يترك مجالاً دون مناقشته والبحث في خصوصياته ومكوناته، فما الداعي لاجترار عناصر التشنج وتكرارها حتى حاضرنا الراهن المثقل بأعبائه وأزماته، فإذا كان كل صنف له أدلته وبراهينه التي يذعن إليها ولا يتنصل عنها قيد أنملة، فما هي المحصلة والاستزادة التي نستفيدها من إذكاء الإحن والفتن بعد كل هذه القرون الدامية، التي اتضح من خلالها هذه الحقيقة الناصعة، ثم ما الذي سنتحصل عليه من التعبئة والتحريض على تشويه صورة الآخر وانتقاص مكانته غير الخسائر ومزيد من الفشل والتراجع والتقهقر لمجتمعات الأمة.

ناهيك أنه رغم التوجيه الصريح ليكون النص رافداً معطاءً يطلق مساعي الأمة ويسدد منطلقاتها ومقاصدها في ميادين الدعوة والعمل، ليؤسس منظومتها المعرفية والفكرية التي تجنبها المخاطر والانزلاق، إلا أن السلوك السائد قلما تجانس وتعاطى ضمن هذا المعيار الخلاق مما نتج عن ذلك حالة من التصادم والاحتراب أعقبتها خسائر وخيمة، وظلت تلك الحملات التحريضية والتكفيرية التي لم تهدأ وتيرتها تنبش الماضي والحاضر لتحقيق مقاصدها ومآربها من إسقاط الآخر وتقويض مكانته.

غربة وسائل التقريب

قد يتسنى للكثير من النخب وأصحاب الأقلام والنفوذ الاجتماعي تناول الموضوعات الحساسة والملحة لاستنقاذ الواقع من أزماته وظواهره المستعصية، ومن الممكن جدًّا أن تتعدد الرؤى والمنطلقات في المناقشة وتداول الأفكار، لاستنتاج صياغة تكاملية في الأطر والمحتوى نحو تحقيق معايير جامعة للصيغ المختلفة، غير أن الذي يعيق من قدرة الحراك عن التناغم والتجانس مع بعضه البعض رغم تشابه الأفكار وتوافقها فيما يتداول من موضوعاتها ومفاهيمها، هي الترسبات المتكلسة التي تسيطر على التوجهات وتأسرها في بوتقتها الضيقة، ولعلها تأتي على رأس القائمة التي تحول دون تأسيس مشروع التواصل والانسجام بين كافة النخب والشرائح المتعددة، ولا يرمي هذا السياق إلى محصلة القطيعة وإعلان الفشل والممانعة لتحقيق التواصل والالتقاء، إنما هو كاشف عن العوائق والسدود التي ظلت ولا زالت تترك تأثيراً ملموساً في خضم الحراك الاجتماعي.

ومن خلال قراءة الموروث الديني والمخزون الثقافي والتجارب البشرية الحافلة بالتنوع والتمايز في مضامين المشهد التاريخي الخصب، تتجلى حقيقة البعد التعددي وما يعكسه من دواعي الاختلاف التي هي بمثابة جذور ضاربة في أرض الواقع، لم تأتِ لتقويض مكونات النسيج الاجتماعي وزعزعة منظومته المعرفية والفكرية، إنما لتكون نتيجة متكاملة في المناخ المتعدد فتغني الواقع وترفده بما يستخلص من رؤى وبصائر، فالدعوة للاعتصام بحبل الله والأخوة والانضواء في الصف الواحد المتماسك، لا يجافي بحال من الأحوال مشروعية تعدد الأفكار والاجتهاد، إنما يحتضن كل ذلك لتكون الكليات التي تجمع كافة المحاور والمسارات في بوتقة مشتركة تسهم في النتاج الذي يحقق التقدم والتطور على كافة الأصعدة.

إن الذي جعل وسائل التقريب تعيش الغربة والفشل والضياع رغم الإسهامات والتضحيات الجزيلة التي تعاقبت وتكررت على أيدي المصلحين والمتنورين، هو نتيجة تراكم العناصر التشنجية التي ظلت ولا زالت تمارس ضغوطها لقطع الطريق على تأسيس حركة التقريب والتأليف بين الأطياف المختلفة، ولعل التهافت الفاضح الذي يزعزع وحدة الشراكة الوطنية وتقويض لحمتها، عندما تجد أن الأجهزة الأمنية في بعض الأقطار المسلمة التي يستوجب عليها جمع الشمل وحفظ الخصائص والحقوق المشتركة، فإنها تغض الطرف عن الممارسات العدائية التي تتجاسر على القيم الوطنية وتتطاول على ركائزها دون أن تقابلها بإدانة تذكر، فضلاً عن وقف مهاتراتها التصعيدية، وفي المقابل تبادر بالقمع للتوجه الذي يرفض التعامل بمصطلحات التحريض والتكفير لمزاعم واهية، ولا ريب أن هذه المواقف ساعدت على التحريض واتساع الهوة بين الأطياف المتنوعة.

ولا ريب في أن ما فُوت من فرص ثمينة للتقريب بين المسلمين ضمن قنواتها المذهبية المتنوعة هو خسارة كبيرة لا تعوّض بأي حال من الأحوال، ونتيجةً لذلك تراكمت الكثير من الظواهر والعلل المستعصية التي امتد أثرها لتطوي تاريخاً طويلاً حتى حاضرنا الراهن، ولا غرو أن كل ذلك يستدعي التريث لإعادة الحسابات ومراجعة المواقف الارتجالية والعفوية لاستنباط صيغ ومفاهيم تتجاوز بؤر الخلاف، وتحقق لحمة توافقية بين كافة الأطياف والتوجهات، وإذا كانت الأمور مبهمة فيما مضى من الأزمنة فإنها أضحت أشد وضوحاً في حجم الأخطار والخطوب التي تهدد أمن الواقع واستقراره.

جسور العلاقة المتينة

في طور البحث عن الآليات والوسائل التي تقوم على توثيق العلاقة وتعزيز مكوناتها بالحوار الهادئ والبنّاء لتوفير مساحات التعايش والمشاركة الوطنية بين كافة النخب والشرائح الاجتماعية، ينبغي استحضار الوسائل الحسنة لتمهيد الأرضية الخصبة التي تحتضن كافة الأطياف المختلفة، بشتى توجهاتها وأعراقها، ذلك أن القواسم المشتركة قد تغيب عن الحضور حين نفقد المعاني والمفاهيم الأصيلة في خضم النزاعات المحمومة، ولعل جل ما ينسج من خلاف بين الأطياف الاجتماعية المتنوعة ناتج عن عدم تدارس الأصول الثابتة التي تحتضن الجميع في بوتقة واحدة بطريقة متقدمة، وهي من الضرورة بمكان حضورها وتجسيد مكوناتها ومضامينها على أرض الواقع، لتدشين حالة صحية من التجانس والانسجام للتعايش بأمن وسلام.

وثمة حقيقة ينبغي ألَّا تغيب معانيها عن الأذهان مهما اتسعت الهوة وازدادت وتيرة الاختلاف، أن جسور العلاقة الرابطة بين الشرائح والنخب الاجتماعية المتنوعة في شتى الأقطار العربية والمسلمة ليست راسخة فحسب، وإنما هي منبعثة من صميم رسالة الدين ونهضته المباركة، وهي ضاربة بجذورها في كل مفردة من مفرداته الخلّاقة، غير مكترثة للفواصل العرقية والقبلية واللغوية التي تدشن لحالة من الضياع والشتات، بل إن من جملة ما تميزت به رسالة الدعوة أنها كرّست ثقافة التعايش والتآلف بين شرائح المجتمع لتتجاوز المحاور والأطر الضيقة التي تشلّ حراكها ونهضتها، وما حققته من إنجازات ضخمة على مدى الزمان والمكان نتيجة مراعاة الاشتراك الاجتماعي بكافة أعراقه وأطيافه لبعث مسيرة البناء والنماء، وهو الذي جسد حقيقة الانسجام والتعاطي للنسيج الرسالي، وذلل الكثير من العراقيل التي تحول دون تحقيق النتائج الخيّرة التي يعود نفعها على الجميع.

ولا مناص من أن تلك المآثر السامقة ينبغي استحضارها لتحتل موقعيتها ومكانتها على أرض الواقع أكثر من أي وقت مضى، لتعزيز مكونات العلاقة المشتركة بين الأطياف المتنوعة، والتعايش على أسس ومعايير تطلق حراك الواقع وتصحح إسهاماته وعطائه، ولسنا بحاجة ماسة لاستيراد موارد تشفع لنا الخروج من مآزقنا وأسقامنا الحرجة، فما تحتضنه منظومتنا الإسلامية من المعارف والأفكار قادرة على إثراء الواقع واستزادته بالمبادئ والقيم التي ترفد مسيرته، وتحقق له المكانة الأرقى بين الأمم المتقدمة.

حراسة الوحدة الوطنية

إذا كانت الضرورة الدينية تستدعي الحفاظ على منظومة العقيدة والمعرفة من المخاطر التي تهدد مكانتها ومنطلقاتها فتحشد في هذا الصعيد الإمكانات والقدرات لمواجهة الأفكار والثقافات المغشوشة التي تفد من الأقطار المختلفة، لتجنبها ما يرمي إلى زعزعة مبادئها وقيمها الراسخة، فإننا في أشد الحاجة إلى استنفار موازي لحراسة الوحدة الوطنية مما يعترضها من خطوب، وإذ كان يترتب على المنتمين لمنظومة العقيدة تضافر المسؤولية للصيانة والحفظ والتصحيح، فإن ما يرتبط بلحمة المجتمع ووحدته لا يقل أهمية في المنظار الديني من حيث الواجبات والحقوق الملقاة على عاتق شرائح المجتمع ونخبه، ورغم أن هذا الصعيد لم يخلُ من المصلحين الذين يتحملون الأعباء الجسام طوال الحقب التاريخية، ولقد تركوا البصمات الرائعة التي خلّدت جهودهم ومساعيهم، غير أن ذلك بحاجة ماسة إلى تضافر أكبر وأكثر مما مضى، لا سيما أن الصعوبات التي تمر بها مجتمعات الأمة في تصاعد مستمر، فضلاً عن الظواهر والعلل التي تكاد أن تغرق الواقع بما تختزل من رواسب فتاكة، وهي لا تزعزع مفردة دون أخرى، بل تعترض كافة الركائز التي تستند إليها.

وإذا سلّمنا بأن العقيدة لها من الحصانة الممانعة الذي مكّنها من الصمود إزاء الهجمات الاستكبارية طوال مسيرتها، فإن الأمة لم تتلقَ ضربات موجعة أكثر مما جرى على وحدتها ولحمتها، ولم يكن ذلك إبان الحروب الصليبية والتترية التي عاثت بمقدرات الأمة وثرواتها الخصبة فحسب، إنما استمرت تلك الحملات العدوانية حتى حاضرنا الراهن وما يشهد من مؤامرات ومكائد لتشتيته أكثر وتقطيعه إلى دويلات عرقية ومذهبية، إن كل ذلك يستدعي المبادرة لحراسة الوحدة الوطنية للتعايش بأمن واستقرار وتقاسم الأدوار والمهام التي تخدم المصالح المشتركة بعيداً عن العصبيات والتشنجات القبلية والعرقية والمذهبية.

ومن الجدير التنبيه إلى أن الأمانة الدينية والاجتماعية الوطنية تقتضي مراجعة المكونات والمعالم لتأسيس محاور التعايش التي تعضد لحمة المجتمع لتفضي إلى التجانس والتعاطي على أسس حاضنة وجامعة للأطياف المتنوعة، وهو ليس بالأمر الممتنع والمحال مهما كانت الفجوة والهوة الفاصلة بين الأطر المختلفة، فكما أن الجليد ينساق إلى الذوبان والتلاشي حين ينصهر بأشعة الشمس، فكذلك هي العوائق والحواجز الممانعة للالتقاء والتعايش من الممكن أن تزول حين تكتشف الشعوب مؤهلاتها وقدراتها المخزونة، وقد تتسنى بعض المواقف التي تعزز من دواعي التقريب والمشاركة الوطنية، التي لا يعدم المجتمع بحال من شواهدها وتجلياتها على المدى التاريخي والوضع الراهن، وهي لا تحصى ومن الممكن تكرارها وتجسيدها لتتحول إلى حقيقة تتعايش عليها الطوائف المتنوعة.

ومن المنطلق ذاته فإن تقدم المشهد الثقافي بكافة مستلزماته وأدواته ليكون بمستوى الرهانات المعاصرة وليستجيب للقضايا والرهانات الملحة، وما ينبغي تأهيله لاستنهاض واقع الأمة من الأزمات والمحن، بحاجة إلى تكثيف الجهود وتكاتف الشرائح والنخب الاجتماعية، من مرجعيات فكرية ورموز دينية لإرساء خارطة الطريق الواضحة لاستنقاذ مستقبل الأمة وتراثها مما تكبدته من انتكاسات وهزائم ظلت ولا زالت تعيق حراكها وانبعاثها، وهي مسؤولية ملقاة على عاتق الجميع دون استثناء لفصيل أو توجه، وإذا كان هذا الأمر باعث للأرق لكافة التيارات المعنية بهذا الشأن، فينبغي بلورة التصورات والرؤى للوصول إلى محاور تأتلف حولها سائر التوجهات لمواجهة التحديات والضغوطات التي تعترض خصوصيتها وهويتها.

ثم إننا أمام الأخطار المحدقة التي تهدد الخصائص والهوية وما نواكب من أحداث ومجريات قاسية للغاية تكاد تعصف بالواقع لضراوتها وشراستها، بحاجة ماسة إلى تجاوز بؤر الخلاف والانعتاق من شرنقة التشنجات وبؤر العصبيات المشينة، ليتسنى الالتفات والتوجه بوعي ومسؤولية إلى القضايا المصيرية التي تهم الواقع بما يواكب من رهانات ومستجدات عصرية.

وإذا كانت الممارسات العفوية الساذجة تنسج من بعض أفراد المجتمع لتساعد على التشنج وخلخلة أرضية البناء الاجتماعي فإنه لمن المؤسف جدًّا أن تتخذ شريحة من النخب الاجتماعية الدور السلبي منهجاً رائداً لمعالجة أوضاع الأمة وما يعترضها من أزمات، فتبدي استعداداً تحريضيًّا مضاعفاً لتغذية ترسبات المذهبية والطائفية، بما تتراكم عليها من تكلسات وموروثات تشنجية، لتأجيج الأوضاع وعرقلة مساعي الإصلاح والتقريب بين الأطياف المتنوعة، ولطالما أطلقت مدافع الفتنة التصعيدية لتقطيع أواصر اللحمة بين الأنسجة الاجتماعية المشتركة.

تحجيم قنوات التحريض

إزاء المكونات التراكمية ومقتضيات التجارب الحافلة بالمجريات والأحداث المريرة وما يواكبها من أزمات مستعصية، وما ينشب من نزاعات ومشاحنات وتشنجات ظلت ولازالت تفرض سيطرتها على أجندة المسلم الفكرية والمعرفية، لتسلب منه جلّ ما يمتلك من إمكانات ومقدرات، لتكون المحصلة النهائية خسائر جمة لا حصر لها، تتصدع على عتبتها الأسس والمرتكزات، لتطوى قروناً متعاقبة دون خلاص وانعتاق من رواسب الماضي وتراكماته المضنية، من هذا المنطلق فإن الضرورة تفضي إلى الإنصات إلى نتاج الآخر، وقراءة مرئياته ومنطلقاته بروية وتمعن للوصول إلى مقاصد مشتركة، أما القسر والقهر فإنه لا يحل المشكل ولا يبتكر فكراً خلّاقاً للتآلف والتعاضد، بل يضاعف من دواعي النزاع ويعمق قطع جسر العلاقة بين سائر الأطياف المختلفة، ليكون السبيل أقرب إلى التعسفية المسوغة لممارسة الحملات التكفيرية المكثفة ضد الطوائف المتنوعة، ولتسوقه إلى سدنة الصدام والاحتراب العرقي التطهيري.

ولا مناص من أن جملة من التناقضات المتشعبة تعترض حركة الدعوة لبناء جسور متينة تقوم عليها العلاقة المشتركة بين الأطياف المتنوعة، وثمة حواجز ممانعة تحشد بين فينة وأخرى لإعاقة كل صيغة توفيقية تنتهي إلى تحقيق صحوة بين التعددات المذهبية والعرقية، فمعشار ما ينجز من مشاريع بنّاءة لتلبية رهانات مشتركة، ينسف بأضعاف مضاعفة من مشاريع تحريضية هدامة، ترفع ألويتها على كل منصة إعلامية، وإذا كانت دعوة الانتفاضة والنهضة ضد التراكمات والرواسب العالقة تشق طريقاً للتغيير والإصلاح وتجاوز الموروث المتشنج، فسرعان ما تتحقق الاستجابة للمغاير والانفعال لأدواته ووسائله، وهي حقيقة لا يمكن تجاهلها وليست بحاجة إلى دراسات مسهبة لتأكيد صحتها، وبمجرد لمحة خاطفة للمناخ السائد وما يؤسس من منابر إعلامية تحريضية يكشف عن حقيقة الانطباع ومدى الانسجام، وما ينبغي ليس إخراس تلك الأقلام وسائر الأدوات، إنما تصحيح مساراتها وتجديد عطائها للانتصار لقضايا الأمة ومستلزماتها الحضارية.

ولقد ظلت أمور كثيرة عالقة وشائكة تتصاعد وتيرتها وتتسع فجوتها بين فينة وأخرى مع تقدم العنصر التاريخي، ليس لأنها تحتضن مصداقية مشروعة في منظومة الأفكار والمعارف، أو تنبعث عن موازين ومعايير خلّاقة ترفد الواقع وتعضد مسيرته، غير أنها قد تجد مناخاً ملائماً تستوطن من خلاله الظواهر والعلل، وربما كانت قابلة للنمو والانتشار أكثر من غيرها بما تحمل من تراكمات ورواسب، لتجلب الضرر للحمة الأمة ووحدتها، فتزج بالنسيج الاجتماعي نحو دوامة الاحتراب القائم على التشويه والتحريض بوسائل غير مشروعة وخلّاقة.

وإذا أعدنا النظر لدراسة المجريات والأحداث المحمومة التي نشبت بين التوجهات المتنوعة طوال الحقب الزمنية المنصرمة، وما أنفقته من طاقة وقدرة في الانشغال بتلك البؤر الخلافية والجانبية التي هدرت على منصتها الكثير من الإمكانات والقدرات، فيما لا يعود عليها بعوض ينفعها ويقدمها، سنجد أن جلّ تلك الوسائل المتبعة -إن لم تكن أجمعها تصب- في تلك الخانات المناخية الشاغرة التي تحتضن تلك الطفيليات التي تتعاطاها دون حساب لعواقبها ونتائجها.

ولا ريب في أن تلك الأساليب المشبوهة القائمة على التحريض والتشويه لشخصية المختلف، والارتهان للغة القذف والاتهام دون مسوغ مشروع، وزرع العبوات المفخخة هنا وهناك لتفجير الأوضاع، ليست بدائية ومتبلدة فحسب، إنما لا تتماشى مع ما يتجلى من حقائق وبصائر راقية، لا سيما ونحن نعيش العصر الراهن الذي تتدفق عبر فضائه الأفكار والثقافات المتنوعة، وهي متاحة للتداول والرصد لكافة التوجهات دون أن تؤثر فيها وسائل الحجب، ومن المتيسر قراءة الرؤى والتوجهات والأفكار بروية وتمعن دون العبث بنتائجها، وهو الأمر الذي يكشف عن وعي المجتمع ومدى تقدمه.

ورغم إسهاب التجربة وخبرتنا المتميزة، وما يصاحبها من وعي ومعرفة خصبة، باللوازم والحيثيات التي ينبغي توفرها لاستنقاذ الواقع من أزماته وعلله المستعصية، إلا أننا لا نزال نلحظ خطاباً تشنجيًّا يدفع إلى تأسيس حالة من القطيعة والانفصال عن رابطته ولحمته، ويكرس جل جهده لإذكاء النعرات البغيضة وبث سموم الطائفيات والعصبيات التي أضحت تملأ أروقة عالمنا العربي والمسلم، وكأنه قدرٌ مُنزل لا يحق لنا الفرار منه وتجاوزه، رغم ما ننتهي إليه من استنباطات مجدية للخلاص والانعتاق من تلك الظواهر والعلل، وما بين أيدينا من مثل ومبادئ وقيم أصيلة تنفي افتقارنا لاستيراد وسائل وسبل تأخذ بأيدينا إلى تحقيق النسيج المشترك، مهما تصاعدت وتيرة الاختلاف والتنوع عبر وسائلنا وأدواتنا، يقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[1]. ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[2].

هواجس الغزو والاختراق

فيما مضى من الحقب المضنية كانت الهواجس المؤرقة تحوم حول الأخطار الخارجية المحدقة بعالمنا الإسلامي والعربي، وكان هم الشرائح والنخب الواعية والمثقفة التصدي بحزم لتلك الحملات المحمومة التي تبتغي زعزعة موقعية المنظومة المعرفية وما تحتضن من رؤى وأفكار وبصائر، ورغم الاختراقات المتعاقبة التي لم تهدأ وتيرتها منذ قرون مترادفة حتى حاضرنا الراهن، انصب اهتمام الحراك الثقافي والسياسي في التصدي لبؤر الاختراق التي كانت ولم تزل محط أنظار كافة الشرائح والنخب الاجتماعية، وكان الجميع يلمس هذا الاهتمام الذي ساد بما ينشر من أدبيات وأفكار تحاكي الظرف المأزوم، وللوهلة الأولى لم يساور أحد الشك في مدى الخطر الذي يهدد مكانة الأمة ليسلب منها إمكاناتها وثرواتها الحيوية، وليزعزع شبكة علاقتها المشتركة، ومع كل هذا الوضوح الذي لا يعتريه غبش أو تشوش في الرؤية والمنطلق وإذا بواقعنا الراهن تنقلب فيه المفاهيم والمنطلقات، فتكرس الجهود للمواجهات الداخلية خوفاً من استشراء التعددية والتنوع، كي لا تأخذ بعداً تنشط من خلاله الأفكار والرؤى الواعدة، التي قد تستأثر بالقبول والرضا عند قطاعات مختلفة، بل ربما أتت التشخيصات مروعة للغاية من حيث التصوير للحالة الطارئة، التي طُورت لتكون بمثابة الجاثوم أو الشبح المهيمن على أدمغة أجيالنا وشبابنا.

وليس من الغريب الوصول للاستنتاج بأن تلك الهواجس أضحت تفرض خشيتها من الامتدادات الداخلية لمحسوبيات ومسميات مختلقة، غير مكترثة للانتهاكات الحقيقية التي تتوالى على هوية الأمة وأصالتها، وكأن الأمر بات يعكس ملامح تأسيسية لولادة جديدة تتغاير من خلالها المعايير والمقاييس التي تدفع التهمة عن الجناة والمعتدين لتقلدها أصحاب القضية، لتحملهم ما نُمنا به من انتكاسات وهزائم، وهو لون من استحداث أوار الصدامات والتشنجات والتعصبيات الطائفية بلباس ونمط مختلف.

وثمة حقيقة ينبغي الالتفات لها تماس قضايانا ورهاناتنا، هي أن جل ما يطرأ علينا من خسائر وهزائم يتهيأ بتكوين داخلي، وأرضية معبدة للتوافق والاندماج في قوالبها، ورغم التشفع بحقيقة العدوان الخارجي وما يفد به من أفكار وثقافات ملوثة للتلاعب والتشويش ببُنى منظومة المعارف والأفكار الأصيلة، إلا أن المناخ السائد معبَّأ للتجانس والانسجام لتجسيد المرئيات الوافدة.

إن التصعيد الراهن هو حلقة افتعال لزيادة جرعة التوتر والاحتقان بين المجتمعات العربية والمسلمة قد لا تكون له هوية واضحة، غير أنها باتت تباشر امتدادها ونشر أفكارها لكافة القطاعات، ولأن الأمر يحمل موروث تراكمي متكلس منذ عهود قديمة فإن الاستجابة ستلقى الحفاوة والتكريم، ليس لأن الأرضية مهيأة لاستقبال هذا النمط والتعاطي معه فحسب، إنما ما يحاك من تهويل وإرجاف حول الموضوع هو أخطر بكثير ممَّا مضى، إذ لم يبق الحال مجرد سجال درامي بين الأطياف المتنوعة لينتصر كل طرف لأدلته ومرئياته، لكنه أضحى يتخذ مسارات خارجة عن السيطرة، ويوطد لرهانات قد تكون أشد ضراوة فيما يقع من خسائر لأجيالنا، ورغم أن الواقع لا ينقصه احتقان وتوتر أكثر مما يُلمس، إلا أن ما يُكرس من أنشطة تصعيدية تأبى المراعاة لما يحدث من إصابات متكررة تلحق الضرر بالجميع على حد سواء.

ومن الحق الاعتراف بقضايا شائكة ظلت ولا زالت تعترض طريق الخلاص من الأزمات المريرة التي تتكبدها المجتمعات، وربما كان من الصعب تجاوزها ونسف رواسبها، غير أن الإصرار على تبنيها وتلبية مطالبها هو نوع من الإرجاف والهرطقة، والهروب من التوسل بوسائل العلاج وعدم الإذعان للحقائق الأصيلة، ولو أمضينا الدهر كله على هذا النحو فلن نحقق إلا مزيداً من الانتكاسات والهزائم، وربما أضحت مقولة الشاعر أبو الطيب المتنبي جاثمة على تصوراتنا ومنطلقاتنا إلى ما لا نهاية، إذ يقول:

من يهن يسهل الهوان عليه

ما لجرح بميت إيلام

وليس من التعقل القبول والتسليم بمنطق العجز والحجر على منافذ الانعتاق من المآزق الحرجة والتخلص من أعبائها دون التماس مخرج يطلق الواقع ويصحح مسيرته ويجدد منطلقاته، لا سيما أن ما ينتاب واقعنا من تأخر وتقهقر هو نتاج تفشي ظواهر وعلل وأسقام يتم التعبئة لها داخليًّا، ويتوفر لها مناخ ملائم للانتشار بين المجتمعات، فالخلل الحقيقي لا يكمن في الافتقار إلى وسائل الوعي والمعرفة، والتسلح بأدوات العلم والحكمة لمواكبة رهانات العصر الحديث فحسب، إنما فيما يبتكر من ممارسات تشنجية للمزيد من تصعيد الفرقة وتفكيك اللحمة للنسيج الاجتماعي، فضلاً عما يشحذ من عوامل تحريضية لتوتير العلاقة القائمة بين الأطياف بمختلف مذاهبها وأعراقها، ولن تنجلي سحبها الداكنة إلا بتصحيح المواقف وإعادة النظر لاستخلاص رؤى وبصائر تتوافق وتنسجم وفق مقتضيات الظروف السائدة.

إن الهواجس القادمة بما تحمل من تشكيك وتشويه لمنابع الحقيقة وبصائرها لا ينبغي أن تكون بمثابة العتاد لإذكاء الإحن والفتن بين التوجهات المختلفة، ولا أن تأخذ بُعداً أكبر من حجمها ومستواها لتكون أكثر من مناوشات ومطارحات فكرية أو عقدية، لتؤسس لقطيعة واحتراب، ومن هذا المنطلق فإن المسؤولية تتضاعف على النخب والشرائح الاجتماعية لتطويق وسائل التعبئة والتحريض التي تنشب هنا وهناك، فلا تجلب إلا الدمار والخراب، وإذا سلمنا بشرعية التنوع والتعدد لتتلاقى المعارف والأفكار في طور صناعة مشروع التكامل والتطور، فإن الهرولة خلف تجسيد تلك الشعارات وبث سمومها جناية عظيمة لا تغتفر بحق المواطنة المشتركة.

ختاماً ينبغي أن ندرك أن خطوط الرجعة مفتوحة على مصراعيها والفرصة قائمة ومتاحة للمراجعة واتخاذ القرارات المناسبة، وبرغم ما أهدر من إمكانات وقدرات طوال الحقب التاريخية المنصرمة، التي دارت خلالها النزاعات المحمومة بالتشنجات المذهبية الطائفية، وما وقع من خسائر فادحة بين الضفتين أودت بالضياع والغياب لواقع الأمة، مع كل ذلك فإن المجال متاح للتراجع عن المواقف المتشنجة وإعادة الصياغة من جديد لتتوافق مع مقتضيات الظروف الراهنة التي تواكبها الأمة، والمرحلة المعاصرة مهيأة للانفتاح والانسجام بما تحتضن من وسائل متقدمة تسعف الواقع وتعضده لتتبع موارد الحقيقة وكشف معالمها.

------------------------------------------------------------------------- -------

[1] الأنفال/ 46.

[2] الحجرات/ 10.


ارسل لصديق