الدورة الرابعة عشرة لمجلس الفقه الإسلامي
كتبه: أسرة التحرير
العدد (28) السنة 14 - 1424هـ/ 2003م
التعليقات: 0
القراءات: 1292

الدورة الرابعة عشرة لمجلس الفقه الإسلامي

شهدت جلسات الدورة الرابعة عشرة لمجلس الفقه الإسلامي المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي مناقشات واسعة للموضوعات التي وردت في جدول الأعمال، إذ تم مناقشة 51 بحثاً في ثمانية محاور هي: بطاقات المسابقات، حقوق الإنسان والعنف الدولي، عقد المقاولة والتعمير وصوره، الشركات الحديثة وأحكامها الشرعية، مسؤولية سائق وسائل النقل الجماعية في القتل الخطأ والكفارة، عقود الإذعان، مشكلات المتأخرات في المؤسسات المالية الإسلامية، والنظام العالمي الجديد والعولمة والتكتلات الإقليمية وأثرها.

مسابقات المال حرام:

في محور المسابقات نوقشت أربعة بحوث منها بحث للدكتور قطب مصطفى سانو أستاذ الفقه وأصوله بالجامعة الإسلامية بماليزيا بيَّن فيه أن أنواعاً من المسابقات كالرهان على نتائج مباريات كرة القدم هى من الميسر، وكذلك إذا كانت على الهواء وتم رفع سعر مكالمات الهاتف وهو ما ينطبق على مسابقات الإذاعة والتلفاز.

وأكدت الدراسة مشروعية بطاقات المسابقة كتعبير عن الرغبة في المشاركة كالكوبونات والشيكات وغيرها، ومشروعية المسابقات الفكرية، والعلمية والرياضية إذا لم يكن فيها جُعل، كما توصلت إلى حرمة المراهنة لأنها من قبيل القمار والميسر.

الجوائز التشجيعية:

أما د.محمد عثمان شبير بكلية الشريعة والقانون بجامعة قطر فقد خلص إلى جواز تقديم الجوائز التشجيعية في الألعاب البدنية والرياضية كالكؤوس والدروع والميداليات حسب الضوابط الشرعية، مع الابتعاد عن الذهب والفضة، وأشارت الدراسة إلى عدم جواز المسابقة في المصارعة الحرة والملاكمة باعتبارهما يتضمنان الإيذاء الشديد للمتسابقين، إضافة إلى جواز التسابق العلمي والثقافي، والمسابقات التجارية للترويج للسلع والخدمات إذا روعيت الضوابط الشرعية، وجواز بطاقات التخفيض، وبطاقات الفنادق وخطوط الطيران التي تمنح نقاطاً للعميل.

المسابقات الثقافية:

أما البحث المشترك لكل من د.محمد عبدالرحيم سلطان العلماء رئيس قسم الدراسات الأساسية بجامعة الإمارات، ود.محمود أحمد أبو ليل أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بجامعة الإمارات، فقد انتهى إلى عدم صحة استمرار المسابقات الثقافية على شرط مضاعفة قيمة الجائزة إذا كانت الإجابة صحيحة، وخسرانها كلياً أو جزئياً إذا كانت الإجابة خاطئة لأنها مقامرة بالجائزة الأولى التي أصبحت مملوكة للفائز بحكم الالتزام بها، وأوصى بجواز المكافآت التجارية الترويجية المجانية، أخذاً وعطاءً لأنها من الهبة المشروعة، وعدم صحة المكافآت الترويجية المجهولة المشروطة بشراء سلعة معينة أو أكثر إلا إذا بقي السعر على حاله ولم يزد حتى لا يدخل فيه الغرر.

الإرهاب:

ملف الإرهاب وحقوق الإنسان كان ثاني محاور المؤتمر وأكبرها من حيث الأوراق المقدمة التي وصلت إلى ثمانية منها بحث د.عبد السلام داود العبادي عضو المجمع بعنوان: المبادئ والقواعد الإسلامية المنظمة للعلاقات الإنسانية في أوقات الحرب، واستعرض المبادئ الأساسية المنظمة للعلاقات الإنسانية في أوقات السلم والحرب، وكون الشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق الخير للناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة. فنظمت جميع العلاقات بين الإنسان وربه، وعلاقة الناس ببعضهم البعض. وأن التوازن والاعتدال من الصفات الأساسية للإسلام الذي تعامل بتوازن واعتدال مع الكينونة الإنسانية بكل مكوناتها جسماً وعقلاً وروحاً.

وأكد الإسلام وحدة الجنس البشري، مع تقرير الاختلاف بين الشعوب والقبائل للتعارف والتعاون، وأن الناس متساوون في الحقوق والواجبات. واعترف الإسلام بحق الإنسان في الحياة والكرامة والحرية دون النظر إلى جنس أو لونٍ أو دين.

كما ناقش البحث أسباب الجهاد ودوافعه في الإسلام، مشيراً إلى أن الإسلام نظَّم كل ما يتعلق بالحرب من حيث أسبابها وأهدافها وكيفية إعلانها، وأن الحرب شرعت للدفاع عن النفس والدين والبلاد والأموال والكرامة، ومنع الفتنة في الدين لتحقيق مبدأ حرية العقيدة. وأقر أنه لا معنى للمطالبة بالسلام مع وجود أي مظهر من مظاهر العدوان. ثم تناول البحث أهم الأحكام المقررة في الإسلام للعناية بالجوانب الإنسانية في أوقات الحرب.

القانون الدولي الإنساني: وفي الموضوع ذاته، تناول د.محمد الدسوقي أستاذ الفقه والأصول بكلية الشريعة والقانون بقطر، موضوع القانون الدولي الإنساني، وخلص إلى أن القانون الدولي الإنساني من منظور إسلامي يعد جهداً بشرياً يدعو إلى رعاية الإنسان في كل أحواله، وبخاصة في النزاعات المسلحة. ولكن هذا الجهد تنقصه المرجعية التي لا تفرق بين النظرية والتطبيق.

وقال: إن الإنسان في تفكيره ما لم يكن محكوماً بتشريع إلهي يسدد خطاه فإنه يزل ويضل، ولن يكون لما يصل إليه من آراء، وإن كانت صحيحة، جدوى في مجال التطبيق العملي.

وفي موضوع الإرهاب والعنف قدم محمد علي تسخيري الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية بإيران ورقة بعنوان: «الأحداث الإرهابية، تداعياتها والموقف الإنساني المطلوب منها»، وتحدث عن تعريف الإرهاب من وجهة نظرٍ إسلامية وإنسانية. واقترح تعريفاً للإرهاب، بأنه كل عمل يتنافى من حيث الوسيلة والهدف مع القيم الدينية والإنسانية، ويتضمن تهديداً للأمن بأي نوع من أنواعه. ثم تطرق لأحداث 11سبتمبر 2001 وما أعقبها من هجمة ضد الأمة الإسلامية، ودعا إلى اتخاذ الموقف الصحيح على المستوى الدولي، والحل على مستوى الأمة.

المقاولة:

وفي محور المقاولة تقدم د.محمد جبر الألفي بالمعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض بورقة خلص فيها إلى أن عقد المقاولة من العقود الحديثة نسبياً وأن التزام المقاول بتقديم العمل والمواد يجعله عقد استصناع، وأن عقد الاستصناع الموازي مشروع إذا ضبط بالضوابط التي وضعها الفقه وطورها الاجتهاد الحديث، وأن تحديد الدُّفعات مع مراحل الإنجاز، بدلاً من تواريخ محددة جائز إذا انتفت الجهالة التي تؤدي إلى النزاع، وأن تحديد ضمان العيوب لمدة معينة، والبراءة بعدها، جائز، لأن المدة المعينة تكفي لإظهار ما خفي من عيوب، ولأن التحديد القانوني لا يمنع من الاتفاق على مدة طويلة.

وخلص بحث د.وهبة الزحيلي أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله بكلية الشريعة بجامعة دمشق إلى أن عقد المقاولة في القوانين المدنية الوضعية والإسلامية، قد نُظم على نحو جيد يتناسب مع أهمية هذا العقد، وأنه يتعهد فيه، أحد طرفيه بأن يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً لقاء بدل يتعهد به الطرف الآخر، مشيراً إلى أن أحكام المقاولة استمدت في الغالب من المذهب الحنفي في شأن حكم الاستصناع والإجارة على العمل، وعدد صور المقاولة، ورأى أن الإضافات التي يطلبها صاحب العمل من المقاول تخضع لاتفاق جديد تجعل المقاول يستحق البدل الجديد المتفق عليه.

أما د.عجيل النشمي الأمين العام للهيئة العالمية للزكاة بالكويت فقد عرف في بحثه أنواع المقاولات الإنشائية الأكثر استعمالاً. كما بحث عقد المقاولة من الباطن، وقال: إنه في حالة اشتراط رب العمل على المقاول أن يقوم بالعمل بنفسه، فلا يجوز له أن يتفق مع مقاول آخر يقوم بالعمل نيابة عنه. وتوصل البحث إلى عدة نتائج منها: جواز أن يتضمن عقد المقاولة شرطاً جزائياً بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة، وإذا أجرى المقاول تعديلات أو إضافات بإذن رب العمل دون الاتفاق على أجرة، فالعقد الجديد باطل وللمقاول أجر المثل. ويضمن المقاول إذا تعدَّى أو فرَّط أو قعد أو خالف شروط العقد، وكذلك يضمن العيوب والأخطاء التي يتسبب فيها ولا يضمن ما كان بسبب رب العمل أو بالقوة القاهرة. ولا يقبل في عقد المقاولة اشتراط نفي الضمان عن المقاول.

الشركات القابضة:

وأجاز الشيخان محمد تسخيري ومرتضى الترابي أن تباشر الشركة القابضة بعض الأنشطة كإقراض الشركات التي تملك فيها أسهماً وكفالتها لدى الغير، وتملك حقوق الملكية الصناعية من براءات اختراع وعلامات تجارية وأي حقوق تتعلق بذلك، وأن تملك المنقولات والعقارات اللازمة لمباشرة نشاطها في الحدود المسموح بها وفقاً للقانون.

الشركات الحديثة:

وفي محور الشركات، تناول د.عبدالستار أبو غدة في ورقة له الشركات الحديثة، حيث قام بتعريفها لغة واصطلاحاً، وقسَّمها إلى شركة ملك، وشركة عقد، وعرف الشركات في المدونات الفقهية: تسميتها ومشروعيتها وحكمها ومجالها. ثم تحدث عن شركات المساهمة وخصائصها، وحكم بجواز شركات المساهمة الحديثة شرعاً، ملخصاً أهم الأحكام الشرعية المستنبطة لشركة المساهمة، والأحكام الشرعية للشركة ذات المسؤولية المحدودة، وشركة التوصية بالأسهم، وشركة التضامن والشركات القابضة، والأحكام المتعلقة بها وحكم زكاتها. ثم تطرق إلى الشركات متعددة الجنسيات وما يتعلق بها من أحكام وحكم زكاتها.

حوادث وسائل النقل:

وفي محور مسؤولية سائق وسائل النقل الجماعية في قتل الخطأ وتقديم الكفارة المؤجل أصلاً من الدورة السادسة، قُدمت ثلاثة بحوث: الأول للدكتور وهبة الزحيلي، الذي قسم القتل الخطأ من حيث كونه خطأً في القصد وخطأً في الفعل وحكمهما في المذاهب الأربعة، ووجوب الدية والكفارة، وعدد دية القتل الخطأ بمائة من الإبل يمكن أن تقسط على ثلاث سنوات عملاً بفعل عمر رضي الله عنه على أن تتحملها العاقلة.

وأشار الباحث إلى أنه إذا كانت حادثة السير بالسيارة ونحوها عمداً، فيجب القصاص على السائق عند الفقهاء اتفاقاً، أما إذا كان الدهس خطأ وهو الغالب فتجب الدية لكل واحد من القتلى، كما تجب الكفارة. ثم أشار البحث إلى تحميل المسؤولية لمالك الوسيلة أو سائقها أو متبوعه (الحكومة أو الشركة المالكة)، لأن حوادث وسائل النقل الجماعية من سيارات وطائرات وقطارات وغيرها قد يتحمل المسؤولية عنها من دية أو تعويض مالك الوسيلة أو سائقها أو متبوعه. ثم تحدث عن الأسباب الخارجية في الحوادث المؤدية لموت ركاب وسيلة النقل، كالاصطدام بوسيلة أخرى، أو بسبب عوائق الطريق، أو مخالفة أنظمة المرور كالمرور باتجاه ممنوع، وأخطاء المرشدين للسفن والطائرات والقاطرات.

وفي ورقته أوضح الشيخ محمد المختار السلامي مفتي تونس السابق أن القتل بوسائل النقل ينقسم إلى قسمين قتل العمد وغير العمد، وأن حكم القتل العمد القصاص إلا إذا عفا عنه أولياء القتيل أو القتلى، فيؤدب حينئذ ويدفع الدية عن كل قتيل من ماله ولا يرث من المقتولين ولو كان غير مكلف. وإذا لم يكن عامداً فيدخل تحت أي نوع من أنواع القتل غير العمد كما بينه الفقهاء. وتجب عليه الكفارة عند الشافعية، وليس عليه كفارة بحسب الحنفية وغيرهم. أما الدية فهي واجبة في الأصل، وتسقط إذا كان القاتل مستعملاً لحقه غير معتدٍ أو متعسف، فإذا وجبت الدية فإن العاقلة تتحملها.

عقود الإذعان:

وفي محور عقود الإذعان، جرت نقاشات وجدال بين العلماء، وقد عرض د.نزيه كمال حماد ملخصاً لفحوى البحوث الثمانية التي تناولت الموضوع. وأشار إلى أن عقود الإذعان ظهرت في الفكر الغربي الحديث، وأنها لم تكن معروفة من قبل، وقد أخذت منها التشريعات في الدول العربية والإسلامية، وأن عقد الإذعان له أربعة شروط تتعلق بتقديم أو توفير خدمة مهمة للأفراد والمجتمع لا غنى عنها مثل الماء والكهرباء والهاتف والبريد وغيرها، وأن تكون هذه الخدمات على سبيل الاحتكار للجهات المنتجة، وأن تضع هذه الجهة منفردة شروط العقد، وأن تكون صور الإيجاب موجهة إلى الجمهور بصورة موحدة.

وفي ورقته عرف د.علي أحمد الندوي المستشار الشرعي بأمانة الهيئة الشرعية لشركة الراجحي عرف عقود الإذعان في النظم التجارية، مشيراً إلى أن العلامة القانوني عبدالرزاق السنهوري هو أول من أطلقها، مبيناً خلاف القانونيين في تحديد طبيعة عقد الإذعان كونه عقداً حقيقياً أم عبارة عن لائحة تنظيمية أو مجرد قانون. وتحدث عن علاقة عقود الإذعان بالبيع الجبري من حيث فقدان الاختيار، والرقابة الحكومية على عقود الإذعان في القطاع الخاص بالتسعير، وذكر أمثلة لعقود الإذعان كعقود الكهرباء، والمياه، والنقل وغيرها، وخلص البحث إلى أن هذه العقود تمثل عقداً حقيقياً عند أكثر القانونيين، وأن ذلك ينسجم مع اتجاه الفقه الإسلامي، لأن مبناه التراضي.

وفي المناقشات أشار د.على السالوس إلى أن في الشريعة ما يسمى بالإكراه الملجئ بغير حق، وقال: إن هذا هو الإذعان بعينه، مشيراً إلى أن عقود الإذعان ليس فيها رضا، ومن قال بذلك فقوله عجيب، مؤكداً أن المعاطاة دليل على الرضا والإذعان ليس فيه رضا. الشيخ محمد الجوهري خالف ذلك، وقال: إن الرضا متوافر في عقود الإذعان وأن الناس يتعاقدون مع شركات الكهرباء والهاتف والماء بطيب نفس ورضا ولا إكراه من قبل هذه الشركات.

المتأخرات على المصارف:

وفي جلسة مشكلة المتأخرات في المصارف الإسلامية، التي عرض فيها ثمانية بحوث تناولت الموضوع من كل جوانبه. منها بحث د.علي محي الدين القره داغي أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول بكلية الشريعة والقانون بقطر الذي قدَّم دراسة فقهية لغرامات التأخير والبدائل، وبدأ بتعريف الموضوع ووصف المشكلة، ثم تناول الآثار السلبية للمتأخرات على البنوك الإسلامية، كالحرمان من تلك المبالغ، ومن استثمارها والاستفادة من عوائدها، وتوجه البنوك الإسلامية نحو المبالغة في طلب الرهونات والضمانات، ورفع هوامش الربح خوفاً من المماطلة. ثم استعرض الأسباب المؤدية لتأخير السداد، كعدم الأخذ بالأسباب الفنية والوسائل العلمية، والمجاملات والوسائط، وعدم قوة إدارة الائتمان والتركيز على تمويل المرابحات، وعدم أخذ ضمانات كافية. ثم استعرض البحث القرارات والتوصيات الصادرة بهذا الخصوص، والحلول والبدائل الشرعية للمشكلة، ثم أصَّل البحث تأصيلاً فقهياً لغرامة التأخير على الديون المتأخرة منبهاً لعدم الخلط بين الغرامة والتعويض، والتكييف القانوني والفقهي للشرط الجزائي، وخلص إلى أن مطل الغني ظلم وحرام يستوجب عقوبات حددها الفقهاء، وأن غرامة التأخير عقوبة يكون ناتجها لخزينة الدولة، وأن الشرط الجزائي في الديون غير جائز ويؤدي إلى ربا النسيئة المحرم شرعاً. وأشار إلى عدد من البدائل المشروعة كحل مثل تشارك البنوك الإسلامية فيما بينها وتعاونها في تبادل المعلومات عن المستثمرين، وجعل المدين المماطل في القائمة السوداء، وإشهار اسم المماطل في وسائل الإعلام، والأخذ بالوسائل الفنية للجدوى الاقتصادية للمشروعات الممولة، والدخول مع المدين في شركة الملك، والاستفادة من بعض صور البيع الجائزة.

العولمة والتكتلات الإقليمية:

وكانت آخر مناقشات مجلس المجمع عن العولمة والتكتلات الإقليمية وآثارها على الأمة. وقُدمت تسعة بحوث حول الموضوع، وشهدت الجلسة حولها نقاشاً واسعاً، شارك فيه عدد كبير من الفقهاء والعلماء، وقد اتفقوا على ضرورة وجود إرادة سياسية بعيدة النظر للخروج بالعالم الإسلامي من أزماته، فهو يحتاج لحكومات قوية لمواجهة تحديات الأزمة، ودعوا إلى تبني المجلس لبيان اقتصادي إسلامي يوجه للحكام ورجال المال والاستثمار ويكون نبراساً وهادياً لهم في تعاملهم مع المؤسسات المالية.

وعرض د.شوقي دنيا أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر ملخصاً للبحوث، مستعرضاً كل بحث ومقارناً بين آراء الفقهاء ومن ثم ذكر أهم النتائج التي توصلوا إليها.

حيث تناول: تحرير مفاهيم العولمة والعالمية، والفرق بين العالمية التي تؤمن بالمحلية وما لها من خصوصيات في النواحي المختلفة، خاصة الناحية الثقافية، أما العولمة فهي تعني زوال المحلي، وزوال الخصوصيات، واعتبار الخارجي محلياً، فليس هناك محلي وخارجي، وإنما أمر واحد وثقافة واحدة وحضارة واحدة. ثم تحدث عن العولمة بين الحياد والانحياز، وميَّز بين المظهر الفني الحيادي للعولمة والمظهر القيمي الأيديولوجي لأهميته في تجنب الخلط بين ما هو محايد مرغوب فيه كالنواحي العلمية والتكنولوجية وما هو محمل أيديولوجياً وهو ما يتعلق بالإصرار على فرض الهيمنة التي أصبحت ظاهرة استعمارية جديدة. ثم تناول العولمة بين الجبرية والاختيار وبين الآحادية وتعدد المظاهر، ودعا إلى التمييز الجوهري بين كون العولمة واقعاً والقبول المطلق بهذا الواقع؛ وأقر بأن الناس تواجه حالة غير عادية من التداخل والاختراق على كل الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وأن هناك إلحاحاً وإصراراً من الأطراف القوية وهي الأطراف الغربية على سيادة وهيمنة ما لديها من قيم وأنظمة وثقافات، وعلى الاستحواذ على نصيب الأسد مما قد يكون وراء ذلك من مغانم وعوائد. ودرس البحث منافع العولمة ومضارها، فمن منافعها توفير التمويل وتوسيع الاستثمار ورفع مستوى المعيشة وتعزيز الحريات الإنسانية، ونشر التكنولوجيا والديمقراطية، والتعاون الدولي؛ ومن أمثلة المضار الغزو الثقافي، واجتياح ثقافات العالم النامي، وزيادة الفقر، وتعميق ظاهرة سوء التوزيع على المستوى العالمي والمحلي، والمزيد من البطالة، وتهميش دور الدولة. ثم تحدث البحث عن كيفية وقاية العالم الإسلامي من مخاطر العولمة، مشيراً إلى أن مفتاح الموقف الإسلامي من العولمة هي الآية الكريمة: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى» وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) (الحجرات).

وأن الإسلام يقبل بل يرحب ويدعو إلى الجوانب الحيادية في العولمة فيدعو لمزيد من الاكتشافات التقنية والارتقاء العلمي، وتقوية الروابط والعلاقات الاقتصادية طالما كانت في مصلحة الجميع، ودعا لمنهج للوقاية من هذه الأخطار، مقدماً تصوراً مجملاً لعناصر هذا المنهج يقوم على الدعوة لتكتل اقتصادي إسلامي، وتفعيل وتدعيم وتطوير المؤسسات الاقتصادية والمالية الإسلامية، وقيام مشاركة شعبية حقيقية في كل شؤون الدولة، والتوجه الجاد نحو تطبيق الشريعة الإسلامية في كل مجالات الحياة، مع الثقة بالنفس وعدم استشعار اليأس أمام تحديات العولمة.

وقد قدم الدكتور يوسف القرضاوي مدير مركز بحوث السيرة والسنة بكلية الشريعة بجامعة قطر بحثاً بعنوان «خطابنا الإسلامي في عصر العولمة»، تناول مفهومي العولمة والعالمية، مؤكداً أن العولمة نوع من الاستعمار الجديد، ومتحدثاً عن الخطاب الإسلامي في عصر العولمة ومنهج الخطاب الديني كما رسمه القرآن بالحكمة والموعظة الحسنة، وحوار المخالفين بالتي هي أحسن، واستعرض البحث خصائص الخطاب الإسلامي في عصر العولمة، والذي يؤمن بالوحي ولا يغيِّب العقل، ويحرص على المعاصرة، ويتمسك بالأصالة، ويدعو إلى الروحانية، ولا يهمل المادية، ويتبنى العالمية، ولا يغفل المحلية، ويستشرف المستقبل، ولا يتنكر للماضي، وينصف المرأة، ولا يجور على الرجل، وينكر الإرهاب الممنوع، ويؤيد الجهاد المشروع.


ارسل لصديق