الأمم المتحدة وضرورة الخروج من شرنقة الأقوياء
كتبه: آية الله السيد هادي المدرسي
العدد (45) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 1811

ليس أدل على وجود فوضى على مستوى الكرة الأرضية من الوضع القائم في الأمم المتحدة، فهذه المنظمة التي تتمثل فيها كافة الدول المستقلة -حيث لا يعترف باستقلالية دولة إلا إذا كان لها علمها الخاص في مبناها في نيويورك-، هذه المؤسسة هي مجرد أداة لتنفيذ مآرب الدول العظمى، وليست لديها القدرة على الالتزام بمبادئها، بل الحقيقة أن الأمم المتحدة ولدت عام 1945م، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهي مشوهة التركيب، نتيجة إصرار الدول الغربية الثلاث، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، على مجموعة مواد ثانوية جعلت من ميثاق المنظمة أداة تكبيل لها، وكأنها محاولة لوقف الزمان.

ولأن التاريخ شأن متحرك، فقد وقع الصدام بين متغيرات المجتمع الدولي، وبين جمود ميثاق الأمم المتحدة، فالمادة الثانية من الميثاق تنص في فقرتها الأولى على مبدأ «المساواة بين جميع أعضائها» وهذا ما تؤكده ديباجة الميثاق التي تنص قائلة: «إننا شعوب الأمم المتحدة نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء والأمم -كبيرها وصغيرها- من حقوق متساوية..

وأن نبين الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي، وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قُدماً، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح».

كما ورد في مقدمة الشرعة الدولية للحقوق المدنية والسياسية: «أن الدول الأطراف في الشرعة الحالية تعتبر، استناداً للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة، أن الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة الدولية، وبحقوقهم المتساوية التي لا يمكن التصرف بها بأي شكل، هو أساس الحرية والعدالة والسلام في العالم، وإقرار منها بانبثاق هذه الحقوق من الكرامة المتأصلة في الإنسان، وإقرار منها بأن مثال الكائنات الإنسانية الحرة المتمتعة بالتحرر من الخوف والحاجة إنما يتحقق فقط، استناداً إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إذا قامت أوضاع يمكن معها لكل فرد أن يتمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك بحقوقه المدنية والسياسية، ونظراً لالتزام الدول بموجب ميثاق الأمم المتحدة بتعزيز الاحترام العالمي لحقوق الإنسان وحرياته ومراعاتها، وتقديراً منها لمسؤولية الفرد، بما عليه من واجبات تجاه الأفراد الآخرين والمجتمع الذي ينتمي إليه، في الكفاح لتعزيز الحقوق المقررة في الشرعة الحالية ومراعاتها».

وقد نصت الفقرة الثانية من المادة الأولى من الشرعة الدولية للحقوق المدنية والسياسية قائلة: «ولجميع الشعوب تحقيقاً لغايتها الخاصة، أن تتصرف بحرية في ثروتها ومواردها الطبيعية من دون إخلال بأي من الالتزامات الناشئة من التعاون الاقتصادي الدولي، ولا يجوز بحال من الأحوال حرمان شعب ما من وسائله المعيشية الخاصة».

ولكن مواد الميثاق بعد ذلك أخذت ما أعطاه هذا المبدأ، حيث إنها تتناقض معه تناقضاً كاملاً، وهو ما جعل المنظمة تفتقد أهم عناصرها، وهو عنصر الديمقراطية واحترام رأي الأكثرية، فالمادة 23 أعطت لخمس دول أعضاء في مجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وفرنسا والصين، أعطت لها وحدها حق النقض.. الفيتو.

وقد جعلت المادة رقم 24 مجلس الأمن صاحب القرار في المنظمة، بينما همّشت الجمعية العامة التي تضم كل دول العالم، وأصبحت هذه لا تملك إلا مجرد إصدار توصيات لا تسمن ولا تغني من جوع.

ولقد وصل الأمر إلى حد أن المادة رقم 12 أعطت مجلس الأمن سلطة منع الجمعية العامة من مناقشة أي قضية لا يريد مجلس الأمن مناقشتها، فلو افترضنا أن مائة وتسعين دولة من دول الأرض التي تضم مليارات من البشر وافقت على أن تناقش قضية معينة فيما بينها، ورأى مجلس الأمن، الذي يمثل خمس دول فقط، أن مناقشة هذه القضية يجب ألَّا تحدث، فإن تلك الدول لا تملك حتى مجرد حق مناقشتها.

ولقد أظهرت مسيرة منظمة الأمم المتحدة أنها تصطدم بمتغيرات جوهرية، من دون أن تكون قادرة على مواجهتها أو معالجتها، حتى أصبحت المنظمة مجرد منبر إعلامي لبعض الدول، تكتفي فيها بأن يكون لها خطيب يصعد المنصة، ويتكلم، ومن ثم يسمع كلامه هنا وهناك، من دون أن يؤخذ به في أي مجال، في حين أصبح مجلس الأمن بسبب وجود الأقوياء فيه هو الذي يتحكم في مصير البشرية، ولذلك فإن المتغيرات لم تهضم في داخل المنظمة، وبقيت الأمم المتحدة خارجة عن المتغيرات في الأرض.

ومن تلك المتغيرات الأمور التالية:

أولاً: بدأت الأمم المتحدة عملها وليس لها من الأعضاء إلا 51 دولة، معظمها من الغرب، وهي اليوم قرابة المائتين دولة، معظمها من الدول النامية، وهو تغيير درامي في العضوية، ولا تمثيل لكل هذه الدول في مجلس الأمن.

ثانياً: يوم مولد المنظمة لم يكن العصر النووي قد بدأ، فقد ألقيت أول قنبلة ذرية على (هيروشيما) في الشهر الثامن، في حين ولدت المنظمة في الشهر السابع من العام الذي سبقه وهو ما فتح الباب على عصر يختلف تماماً عن سوابقه.

ثالثاً: حينما تأسست الأمم المتحدة كانت ثلاث دول تصنف أعداءً في نظر المؤسسين وهي اليابان وألمانيا وإيطاليا، حسب المادة رقم 53 من الميثاق، والتي تقول: «إن الدول المعادية هي: أي دولة كانت في الحرب العالمية الثانية من أعداء أي دولة موقعة على هذا الميثاق»، والأمر اليوم يختلف كما هو معلوم عن ذلك العصر، ولم يجر أي تغيير لاستيعاب هذه الحقيقة.

رابعاً: إن المشكلة في الأمم المتحدة هي مشكلة الغاية والهدف، أكثر مما هي مشكلة النصوص، فالهدف الذي من أجله تأسست منظمة الأمم المتحدة، وفق مقدمة الميثاق، هو منع الحرب، حيث تقول المقدمة:

«نحن شعوب الأمم المتحدة قد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال القادمة من ويلات الحروب التي، من خلال جيل واحد، جلبت على الإنسان مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف».

وحول مقاصد الأمم المتحدة أوردت المادة الأولى: «مقاصد الأمم المتحدة، حفظ السلم والأمن الدولي، وتحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدّد السلم ولإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرع بالوسائل السلمية، وفقاً لمبادئ العمل والقانون الدولي، لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها».

وتقول الديباجة: «وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا: أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معاً في سلام وحسن جوار، وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولي، وأن نكفل بقبولنا مبادئ معينة ورسم الخطط اللازمة لها ألا تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة، وأن نستخدم الأداة الدولية في ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها».

لكن المنظمة ليس فقط لم تستطع أن تمنع الحروب، وإنما في بعض الأحيان كانت أداة لها، كما أن مجلس الأمن كان أحياناً وسيلة لشن الحروب.

صحيح أن الأمم المتحدة أوقفت الحرب في أوروبا، إلا أن ذلك اقتصر على تلك القارة، وحتى إيقاف الحرب هناك لم يكن بسبب وجود الأمم المتحدة، وإنما بسبب متغيرات أخرى، وتحالفات داخل أوروبا حول المصلحة العامة والاقتصاد وما شابه ذلك.

وعلى كل حال، فإن من أهم عيوب الأمم المتحدة هو هيكله التنظيمي الذي يشبه الهرم مقلوباً، حيث إن القاعدة وهي مجلس الأمن تتشكل من خمسة دول، في حين تقف بقية الدول، وهي قرابة 190 دولة، على رأس هذه القاعدة.

وهنالك كلام كثير حول تصحيح الوضع، وبعض هذا الكلام يصطدم بمجلس الأمن، فلا يستطيع أن يغيّر ميثاق الأمم المتحدة إلا مجلس الأمن، وهو بالطبع لا يوافق على أي تغيير، لأن أصحابه لا يرغبون في أن يغيروه، وذلك للامتيازات التي يملكونها.

ولقد جرت محاولة لتصحيح الوضع القائم، بحيث تصبح الجمعية العامة هي مركز الثقل دون تعديل الميثاق، وتجمع في عام 1960م زعماء العالم في دورة الجمعية العامة، وكادت المحاولة أن تنجح لولا أن أصحاب المصالح هم الذين عطلوا دور الجمعية العامة وأدى الأمر إلى اغتيال (داج همرشولد)، سكرتير عام الأمم المتحدة، وهو الدبلوماسي الذي وقف بقوة لتحقيق ذلك الحلم في أن تكون الأمم المتحدة منظمة الضعيف في مقابل القوي، والدرع الذي يمنع الأقوياء من التعدي على الضعفاء، على عكس ما هو عليه الآن. وقد دفع هذا الرجل حياته ثمناً لمحاولته الفاشلة تلك.

واستوعب من جاء بعده هذا الدرس، فكان سكرتير الأمم المتحدة دائماً أداة بيد الأقوياء، حيث جرى العرف على أن يكون من نوعية خاصة، ومن طراز خاص بحيث يوافق عليه أصحاب الامتيازات.

فتعيين سكرتير الأمم المتحدة إما أن يأتي من قبل الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ومن ثم فهو يمثل مصالح تلك الدول، وأما من قبل الدول الفقيرة حيث لا ينتخب شخص إلا إذا كان يحاول إثبات ذاته للشمال، أكثر مما يحاول إثبات ذاته للجنوب الذي ينتمي إليه، وهكذا كانت التجربة مع السكرتير العام للأمم المتحدة منذ اغتيال (همرشولد)، وحتى الآن.

ومع ازدياد التذمر من الوضع القائم، حاول بعض رؤساء الدول -مثل الرئيس الأمريكي، والرئيس الفرنسي، والرئيس البريطاني -في الاحتفال الخمسين بالعيد الوطني للأمم المتحدة- حاول كل واحد منهم أن يتحدث بما يرضي الناس حديثاً هامشيًّا حول توسيع عضوية مجلس الأمن وزيادة عدد أعضاء الدول الدائمة فيه، بحيث يدخل فيها أعداء الأمس مثل ألمانيا واليابان، لكن المشكلة ليست في عدد الدول التي تكون دائمة العضوية ولها حق النقض الفيتو، بحيث يناقش زيادتها أو تخفيضها.

إنما المشكلة الأساسية في وجود (حق النقض) وفي استمرار استخدام دولة واحدة هذا الحق، كلما كانت مصالحها تتناقض أو كان مزاجها يختلف عن أمزجة الآخرين، ولذلك نجد أن الحكومة الأمريكية وحدها استخدمت حق النقض (الفيتو) بنسبة 91% من عدد المرات، في حين نجد الدول الأربع الأخرى استخدمت النسبة الباقية وهي 9%، ولذلك فإن توسيع عدد الدول صاحبة (الفيتو) لن يضيف شيئاً بصلب القضية، وإن كان بحدّ ذاته أفضل من الوضع الحالي.

إن الأمم المتحدة تحولت بمرور الزمن لتصبح إحدى أدوات السياسة للدول العظمى، ولذلك فإنها أصبحت تصدر قرارات مخالفة لميثاقها، فإذا كانت الأمم المتحدة عاجزة عن حماية ميثاقها فكيف تستطيع أن تكون حامية للمواثيق ما بين الدول، وهي الشرعية الدولية كما يسمونها؟

وهكذا فقد شلّت القوانين التي وضعت لحماية مصالح الدول دائمة العضوية ميثاق الأمم المتحدة.. والمشكلة أن تغيير هذه القوانين أمر يبدو صعباً أو مستحيلاً لأن تعديل هذه القوانين دون موافقة الدول الخمس أمر مستحيل. بل وإمكان ضغط هذه الدول لمنع توفير نسبة الثلثين في الجمعية العامة أمر ممكن ووارد في ظل الوضع الدولي الحالي، فالمادة رقم 108 تنص على عدة صعوبات أو عقبات لتعديل الميثاق وهي حسب نص المادة على النحو التالي:

1- موافقة ثلث أعضاء الأمم المتحدة على التعديل.

2- تصديق ثلثي الدول الأعضاء الموافقين.

3- لابد أن يكون الأعضاء الدائمون الخمسة بين الثلثين.

وأكثر من هذا فإن المادة 109 تنص على أنه «لعقد مؤتمر دولي لتعديل الميثاق لابد من موافقة ثلث أعضاء الأمم المتحدة على مجرد عقد المؤتمر، وأن تكون الدول الخمسة الدائمة ضمن هذه الدول». وهكذا يبدو الأمر وكأنه مستحيل على الأمم المتحدة القيام بتعديل ميثاقه مما قد يجعل الأمم المتحدة في صورة أفضل.

إلا أن الحقيقة أيضاً تقول: إن التغيير لابد أن يشمل الأمم المتحدة، كما يشمل الكرة الأرضية، وأن من المستحيل أن تكون الأداة الدولية متخلفة عن الوضع الدولي.

وإذا كانت القوة تفرض مساراً معيناً، فإن هنالك شك في أن تكون قادرة على فعل ذلك إلى الأبد، لأن القوة هي بحدّ ذاتها تنتقل من مكان لمكان، كما تنتقل الحضارة التابعة لها، ولو تعقلت الدول العظمى ووضعت مقترحات جديدة وميثاق أكثر إنسانية وديمقراطية، لقلصت من مشاكل التغيير بالقوة، أو التغيير نتيجة القوة .


ارسل لصديق