التراث الأخلاقي.. مقاربة منهجية
قراءة نقدية للمقدمات التأسيسية ومناهج البحث
كتبه: الشيخ حسن البلوشي
العدد (45) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 5304

توطئة

يعتبر التراث الأخلاقي لأي ثقافة حصيلة الجهود المعرفية والفلسفية لتلك الثقافة؛ فما ترصين القواعد المنطقية وتحكيم البنى الفلسفية إلا للتنظير السديد للمسألة الأخلاقية؛ فمن هنا بات الاهتمام بالبحوث الأخلاقية مسألة أساسية لأي ثقافة من الثقافات.

ولأن التنظير الأخلاقي لا يأتي من فراغ، بل حصيلة مقدمات تأسيسية، ومناهج بحث؛ فإن التأمل في هذه المقدمات والمناهج، والتدقيق في سلامتها تعد مسألة مهمة للوصول إلى نتائج صحيحة معرفيًّا.

وهذا البحث يتناول جملة من المقدمات التأسيسية التي من خلالها أُسس لبعض التنظير الأخلاقي في تراثنا كتعريف الأخلاق وتفريقها عن الأدب، وتوضيح مصطلح الأخلاق النظرية والعملية، وفلسفة الأخلاق.

وكذلك تتناول الدراسة مناهج البحث الأخلاقي في تراثنا، حيث قُدمت العديد من المساهمات في تحديد مقاربةٍ منهجيةٍ معينةٍ لقراءة التراث الأخلاقي، وقد توقفت الدراسة عند مقاربتين أساسيتين الأولى للدكتور محمد أركون، والثانية للدكتور محمد عابد الجابري، توضيحاً ونقداً.

1. المقدمات التأسيسية

قبل الشروع في بيان بعض المصطلحات، لا بد لنا من وقفة لمناقشة مسألة ترتبط ببناء المصطلح، وعلاقة اللغة بالفكر من زاوية فلسفية، وتحديداً علاقة المفردات اللفظية اللغوية ودلالاتها بالفكر من زاوية فلسفية. ها هنا نحن نستبعد من اللغة استعمالات التراكيب اللفظية وأساليب التعبير، أيّ «النص»، وعلاقتها بالفكر فلسفيًّا، إذ إنها زاوية مختلفة عن الزاوية محل البحث، لها مناقشاتها ومظانّها وجدالاتها التي لسنا بصددها. وما نحن بصدده في هذه المقدمة هو: علاقة المفردة اللفظية الدالة على معنى معين بالفكر. فثمّة نظرية تدّعي كون اللغة مرآة المجتمع، العاكسة لهويته ومكوناته الفكرية والثقافية والفلسفية؛ إذ الإنسان -حسب هذه النظرية- يتصور الأشياء عبر دلالات الألفاظ، ويعبر عمّا في داخله من تصورات (ثقافة/ فكر/ تفلسف) عبر دلالات الألفاظ أيضاً، ومن خلال ذلك فإن تمايز اللغات في مستوياتها الدلالية يدخل -منطقيًّا- في مستوياتها الفكرية سلباً وإيجاباً. ولهذا المبرر سعى رواد هذه النظرية إلى دراسة المفردات اللغوية وكيفية استخدامها في التعبير عن فعّاليات المجتمع، ومن خلالها حاولوا الوصول إلى تقييمات معيارية لمنتجات هذا المجتمع أو ذاك في المجال الفلسفي - الفكري، فصار في نظرهم أن بعض اللغات بطبيعتها وعظية أسطورية «ما ورائية»، في حين أن بعضها الآخر وبفضلٍ من لغتها تتميز بالتفكير العقلي والعلمي الواقعي. ووفق هذه النظرية، فإن البحث اللغوي في المفردات لاستكشاف دلالتها عند شعب من الشعوب، يعتبر نقطة حاسمة في التعرف على المفاهيم والتصورات، وهكذا نمت آليات التحليل اللغوي، ووسائل التوصل إلى كيفية استخدام المفردات اللغوية اليومية عند شعب معين، للتوصل إلى القاعدة الفكرية اللاشعورية الثاوية في نظامه المعرفي، ومن ثم تقييمها وتقويمها.

لكن التحقيق: أن هذه النظرية أدركت جزءاً من الحقيقة، وكان لها الفضل الكبير في تنمية كم من أدوات التحليل اللغوي، لكن الأجزاء الأخرى من الحقيقة لم تصلها؛ وهي أن اللغة -وتحديداً المفردات اللغوية- ليست دائماً أداة فهم وتعبير، بل قد يتصور الإنسان ويبتكر أموراً لم يكن في تلك اللغة ما يساعد في التعبير عنها؛ فيحاول نحت مفردات جديدة في تلك اللغة لتستوعب الابتكارات الجديدة، وما ظاهرة الاصطلاح والنحت في اللغات عموماً واللغة العربية خصوصاً إلا شاهد على هذا البعد من السلوك الإنساني تجاه اللغة ووظيفتها. وهذه الحقيقة تحد من إطلاق تلك النظرية، لتجعل من التحليل اللغوي لمفردة ما مجرد دليل وإشارة، بحاجة إلى أدلة وإشارات أخرى لتكتمل الصورة المبحوثة، وهذا ما يقوم به العلماء عادة في بحوثهم الفلسفية والعقلية، من الانتقال في البحث من المستوى اللغوي إلى المستوى الاصطلاحي، أي من مستوى دلالة المفردة على شيء لغويًّا، إلى مستوى مناقشة المسألة على مستوى المفهوم والإشكالية.

وفيما نحن فيه من مقدمة لعرض بعض المصطلحات، لابد من الالتفات إلى أن مقاربة معنى أي لفظ من الألفاظ المدرجة أدناه لغويًّا، لن يكون الحاسم في تحديد معناه، بل حتى على المستوى الاصطلاحي تتفاوت المقاربات والمعالجات، وستكون وظيفتنا هي الاقتراب من هذه المعالجات، لتقريب القارئ إلى محيط موضوع البحث، حتى يتسنى لنا بعد ذلك تأطير البحث نسبيًّا.

1. 1. الأخلاق، الأدب

هنالك ثمة تداخل وعلاقة بين لفظي الأخلاق والأدب (أو الآداب) في المألوف الذهني القديم والحديث، على المستوى اللغوي والاصطلاحي بحاجة إلى توضيحه. نقول ذلك ونحن نلاحظ هذا الكم من الدراسات والبحوث والآراء في مجال هذين اللفظين، وكيف أن بعض التصورات نحت بالمسألة إلى مدى بعيد، خرج بها عن الموضع المفترض لها لغويًّا واصطلاحيًّا، ليمتد إلى تقييمات فكرية لثقافة بكاملها. نقول ذلك ونحن لا نريد لهذا التوضيح أن يتحول إلى دراسة خاصة بالموضوع، بقدر ما نريد إلقاء بعض الإشارات والتنويهات، التي تساعد -فيما نحسب- في وضع الأمور في مواضعها الطبيعية، دون المبالغة في التأمل أو القصور عن المطلوب.

وهذا يعني أن نتتبع كلمات اللغويين أولاً في هذين المفردتين (خلق، أدب)، ثم نعطف البحث في كلمات العلماء المهتمين بهما لنستطلع معنييهما الاصطلاحيين، كل ذلك للاقتراب أكثر فأكثر إلى موضوع بحثنا.

1. 1. 1. الأخلاق: لغة واصطلاحاً:

وردت لفظة «خُلُق» أو «خُلْق» والتي تجمع بـ«أخلاق» في المعاجم والقواميس في مادة «خ.ل.ق» والتي تأتي مفتوحة الأول أو مضمومة؛ فإذا كانت مفتوحة الأول دلّت على التقدير والإبداع؛ وإذا جاءت مضمومةً دلّت على السجية والطبع. وهنالك بعد ذلك كم من الاشتقاقات التي تستخرج من هاتين الصيغتين (الفتح أو الضّم) تصل إلى نيف وخمسين اشتقاقاً استعملها العرب في مجالات متعددة من حياتهم اليومية.

لكن السؤال المطروح: هل ثمة أصل جامع لهاتين الصيغتين واشتقاقاتهما النيف والخمسين؟

البحث عن أصل المواد في المفردات اللغوية كان دأب علماء اللغة، وعلى الأخص منهم صاحب «المقاييس»، والذي يراه صاحب «المقاييس» أن في هذه المادة أصلين، الأول: بمعنى تقدير الشيء، والثاني بمعنى مَلاسة الشيء.

وبهذا فهو يدرج صيغة الضم (خُلُق) ضمن المعنى الأول، لأن صاحب «السجية» كما يقول: «قد قدّر عليه. وفلان خَليق بكذا، وأخلِقْ به، أي ما أخلَقه، أي هو ممّن يقدّر فيه ذلك»[1]. لكن الذي يغلب عليه الظن أن في المادة أصلاً واحداً، وهو ما ذهب إليه صاحب «التحقيق في كلمات القرآن الكريم»، من أن الأصل الواحد في هذه المادة هو: «إيجاد الشيء على كيفيّة مخصوصة»[2]، وبهذا فإن «الملاسة» التي اعتبرها ابن فارس أصلاً مستقلاً، ما هي إلا إيجاد للحجر مثلاً أملساً في مقابل الحجر الخشن، أي بخصوصية الملاسة.

ثم هذه المادة تستعمل في كل مورد بحسب النسبة، فإذا كانت منسوبة إلى الله -عز وجل- عنت الإبداع والإيجاد بلا مثال سابق؛ وإذا نسبت إلى القول، أي خَلَقَ الرجلُ القولَ، عنت الكذب والافتراء؛ وإذا نسبت إلى السلوك البشري، أي التخلّق، عنت ما تطبع عليه الإنسان من ممارسات وسلوكات حتى صارت فيه سجية.

وبهذا تفسر العديد من استعمالات المشتقات من هذه المادة حقيقة أو مجازاً التي وردت في كتب اللغة: التقدير، الدين، السجية، الطبع، المروءة، الشيء الأملس، الآبار الحديثات الحفر، الطيب، السحاب على هيئة مخصوصة، الناس والمخلوقات، السليقة، القِدَح.. إلخ.

وبهذه المناسبة، وردت في كلمات اللغويين توضيحات للمفردة موضوعة البحث «الخُلُق» تتناسب والأصل اللغوي الجامع إما حقيقة أو مجازاً، فقد ذكر صاحب «اللسان»: « والخُلْق والخُلُق: السَّجِيّة. يقال: خالِصِ المُؤْمنَ وخالِقِ الفاجر.

وفي الحديث: ليس شيء في الميزان أَثْقلَ من حُسن الخُلُق؛ الخُلُقُ، بضم اللام وسكونها: وهو الدِّين والطبْع والسجية، وحقيقته أَنه لِصورة الإِنسان الباطنة وهي نفْسه وأَوصافها ومعانيها المختصةُ بِها بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأَوصافها ومعانيها، ولهما أَوصاف حسَنة وقبيحة، والثوابُ والعقاب يتعلّقان بأَوصاف الصورة الباطنة أَكثر مما يتعلقان بأَوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكرّرت الأَحاديث في مَدح حُسن الخلق في غير موضع، كقوله: مِن أَكثر ما يُدخل الناسَ الجنَّةَ تقوى الله وحُسْنُ الخلق، وقولِه: أَكملُ المؤْمنين إِيماناً أَحْسنُهم خلُقاً، وقوله: إِنَّ العبد ليُدرك بحُسن خُلقه درجةَ الصائم القائم، وقوله: بُعِثت لأُتَمِّم مَكارِم الأَخلاق؛ وكذلك جاءت في ذمّ سوء الخلق أَيضاً أَحاديث كثيرة.

وفي حديث عائشة: كان خُلُقه القرآنَ، أَي كان متمسكاً به وبآدابه وأَوامره ونواهيه، وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن والأَلطاف. (...) وتَخلَّق بخلُق كذا: استعمله من غير أَن يكون مخلوقاً في فِطْرته، وقوله تخلَّق مثل تَجمَّل أَي أَظهر جَمالًا وتصنّع وتَحسَّن، إِنَّما تأْوِيلُه الإِظْهار. وفلان يَتخلَّق بغير خُلقه أَي يَتكلَّفه؛ قال سالم بن وابِصةَ:

يا أَيُّها المُتحلِّي غيرَ شِيمَتِه

إِن التَّخَلُّق يأْتي دُونه الخُلُقُ

أَراد بغير شِيمته فحذف وأَوصَل.

وخالَقَ الناسَ: عاشَرهم على أَخلاقِهم؛ قال:

خالِقِ الناسَ بخُلْقٍ حَسَنٍ

لا تَكُنْ كلْباً على الناسِ يَهِر»[3]

وقال صاحب «الصحاح»: «الخلق: التقدير. يقال: خلقت الأديم، إذا قدرته قبل القطع. والخليقة: الطبيعة، والجمع الخلائق. والخلقة بالكسر: الفطرة ورجل خليق ومختلق، أي تام الخلق معتدل. وفلان خليق بكذا، أي جدير به. وقد خلق لذلك بالضم، كأنه ممن يقدر فيه ذلك وترى فيه مخائله. وهذا مخلقة لذلك، أي مجدرة له. ونشأت لهم سحابة خلقة وخليقة، أي فيها أثر المطر. ومضغة مخلقة، أي تامة الخلق. والمخلق: القدح إذا لين. وخلق الإفك واختلقه وتخلقه: أي افتراه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا. ويقال: هذه قصيدة مخلوقة، أي منحولة إلى غير قائلها. والخُلُقُ والخُلْقُ: السجية. وفلان يتخلق بغير خلقه، أي يتكلفه. والأخلق: الأملس المصمت. وصخرة خلقاء بينة الخلق، أي ليس فيها وصم ولا كسر. ومنه: قيل للمرأة الرتقاء: خلقاء. وملحفة خلق وثوب خلق، أي بال، يستوي فيه المذكر والمؤنث، لأنه في أصل مصدر الأخلق وهو الأملس. والجمع خلقان. وقد خَلُق الثواب بالضم خلوقة، أي بلى. وثوب أخلاق، إذا كانت الخلوقة فيه كله، كما قالوا برمة أعشار، وثوب أسمال، وأرض سباسب. والخُلوق: ضرب من الطيب. وقد خلَّقته، أي طليته بالخُلوق، فتخلّق به»[4].

وهكذا بقية كتب اللغة التي تعرضت لهذه المادة؛ فهي تدور في هذا المجال التداولي وفي الأمثلة والاستعمالات نفسها.

فخلاصة المسألة من الناحية اللغوية: أن لفظة «الخُلُق» تعني السجية والطبع. وهي فرعٌ عن أصل الكلمة التي تعني «الإيجاد على خصوصية معينة». والخصوصية الملحوظة هنا: تكرر السلوك من الإنسان، بحيث يكون ذا خاصية معينة تندرج تحت عنوان عام يقع محلاً للتوصيف والتقييم مدحاً أو ذماً، كتكرر سلوك البذل والإنفاق الذي يندرج تحت عنوان « الكرم».

إلى ها هنا -فيما أعتقد- ينتهي الحديث في المسألة لغويًّا، حيث أعطتنا اللغة -كما هو الغالب- الإطار العام للمفردة محل البحث، وأطلقت المعنى وأجملته، ثم ذكرت لنا عدة موارد لاستعمالها. ومن بعد هذه النقطة ننتقل إلى الكلام في المسألة اصطلاحيًّا؛ أي سينتقل الحديث في المسألة إلى مستوىً آخر يرتبط بالمفهوم والإشكالية، ويحاوَل في هذا المستوى أن يُستفاد من الإطار اللغوي - بنسبة معينة- استفادة ذوقية أو دلالية؛ تبحث عن التناسب الذوقي بين المعنى الاصطلاحي المختار للمفردة، وبين المعنى اللغوي، أو عن التناسب الدلالي بين المعنيين، إذ إن هذا يرجع إلى البنى الفكرية التي ينتمي إليها المُصْطَلِح، والتي تملي عليه إتجاهات معينة في تفسير المفردة من حيث الشرعية والخاصية والمصاديق.. إلخ. لننتقل إذن إلى المعنى الاصطلاحي لمفردة «الخُلُق» ( الأخلاق).

لنبدأ بتعريف مسكويه للأخلاق؛ لأنه التعريف الأكثر شهرة وتداولاً بين العلماء في هذا الحقل، يقول مسكويه: «الخلق حالة للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية»[5].

ويعرّف الراغب الأصفهاني الأخلاق بتعريف قريب من السابق بقوله: وأما الخُلُق في الأصل فهو كالخَلْق كقولهم الشَّرب والشُّرُب، والصَّرْم والصُّرُم، لكن الخُلُق يقال للقوى المدرَكة بالبصيرة، والخَلق في الهيئات والأشكال والصور المدرَكة بالبصر، وجُعل الخُلُق تارة للقوة الغريزية، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فرغ الله من الخَلق والخُلق والرزق والأجل»، وتارة يُجعل اسماً للحالة المكتسبة التي يصير بها الإنسان خليقاً أن يفعل شيئاً دون شيء، كمن هو خليق بالغضب لحدة مزاجه، ولهذا خص كل حيوان بخلق في أصل خلقته، الشجاعة للأسد، والجبن للأرنب، والمكر للثعلب.

ويجعل الخُلق تارة من الخلاقة وهي الملابسة، وكأنه اسم لما مرن عليه الإنسان من قواه بالعادة (...) فجُعل الخُلُق مرة للهيئة الموجودة في النفس التي يصدر عنها بلا فكر، وجُعل مرة اسماً للفعل الصادر عنه باسمه، وعلى ذلك أسماء أنواعها نحو العفة والعدالة والشجاعة، فإن ذلك يقال للهيئة والفعل جميعاً، وربما تسمى الهيئة باسم، والفعل الصادر عنها باسم، كالسخاء والجود»[6].

وللفخر الرازي تعريف للأخلاق يقول فيه: «الخُلُق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة»[7].

وخلاصة المسألة في التعريف الاصطلاحي: أن ثمة اتفاق إجمالي على كون الخُلُق هو ما يصدر عن الإنسان تلقائيًّا وبلا تكلف، وبهذا يصح نسبته إليه، فيقال فلان كريم أو شجاع أو حليم، دون النظر إلى بعض الحالات النادرة، التي تصدر من الشخص وتكون مخالفة لتلك الصفات، كغضب الحليم، وجبن الشجاع، وبخل الكريم.

أما ما بعد هذا الاتفاق الإجمالي، من الحديث عن أنواع الأخلاق (أو الفضائل)، ومناشئها، وهل أنها قابلة للتغيير أم لا؟ فهي أمور وإن وردت الإلماحة إليها في بعض التعاريف، أو استطرد البعض أثناء تعريفهم ببيان رأيه فيها، فهي أمور خارجة عن أصل الاصطلاح، الذي يراد منه تعريف تقريبي للمقصود من الأخلاق، بل هي داخلة في مرحلة أخرى من البحث تتناول مسائل الأخلاق.

هذا التقرير للمسألة، يوقفنا عند من حاول استنباط ما هو أكثرُ وأبعدُ مدى من تقريب إجمالي لكلمة «أخلاق»، ليصل إلى أن في اختيار هذه المفردة أو تلك نوعاً من «الاستلاب» شعوري أو لا شعوري لثقافة الذات على حساب ثقافة الغير. وهذا ما نخالفه فيه، ونعتبره نوع من الاستنباط بلا مبرر. وسنقف مع هذا الرأي بشكل عام في غضون البحث، وبشكل خاص مع مفردتي «الأخلاق» و«الأدب» بعد التعرض لمعنى الأدب (الآداب) في هذا المكان نفسه.

2. 1. 1. الأدب: لغة واصطلاحاً:

وردت لفظة «أدَب» في المعاجم والقواميس العربية في مادة (أ.د.ب) بقراءتين، إحداهما بفتح الدال والثانية بضمها، ونُقل هنالك خلاف بين علماء اللغة في أن أيهما الأصح، وهل يجوز كلاهما أم لا؟ واشتق من هذه المادة العديد من الصيغ كـ: مأدُبة، وآدِب، أديب، الأُدْبَة، المأدوبة، التأديب.. إلخ.

والسؤال المكرر في هذا المجال: ماذا تعني لفظة أدب؟ وهل ثمة أصل جامع لكل مواد اشتقاقاتها؟

ذكر صاحب المقاييس أن للمادة أصلاً واحداً موجود في كل مواد اشتقاقاتها وهو: «أن تجمع الناس إلى طعامك»[8]. لكن ابن منظور في «اللسان» يرى أن الأصل في المادة هو « الدعاء»[9]، فيطلق على دعوة إلى طعام، أو دعوة إلى المحامد ونهي عن المقابح، ومنه قيل: الأدب أدب النفس، والدرس لدعوتها إلى التأدب بالخصال الحميدة أو السلوكات اللائقة؛ وذلك بالدرس والتعلم، واستعمل كذلك في «الظرف وحسن التناول» أي التمثل بآداب معينة في التناول؛ التعامل، حتى استعملت في ترويض الإبل وتذليلها. هذا؛ ناهيك عن استعمالاتها في الأمور المادية اليومية، كوليمة الغداء والعرس.

وهكذا يتكرر هذا المعنى في كلمات اللغويين، ويوردون لذلك الكثير من الشواهد الشعرية والأحاديث النبوية والاستعمالات المتعددة للمفردة.

إلى هاهنا تقف حدود المسألة لغويًّا، لننتقل إلى الجانب الاصطلاحي، وبالرجوع إلى المجالات الاصطلاحية نجد أن للمفردة عدة اصطلاحات تختلف باختلاف الحقل العلمي المستعمل لها، والزمن الذي تُدولت فيه، فهي عند الفقهاء شيء، وعند الأدباء شيء آخر، كما أنها عند الأدباء أنفسهم في العصر الأموي شيء، وفي القرن الرابع الهجري (العصر الذهبي كما يقولون) شيء آخر، وفي عصرنا الراهن شيء غيرهما.

أما الفقهاء فإنهم يرونها مكمّلة السنن (المستحبات الشرعية)، فدارج عندهم عنوان «الآداب والسنن»، ويعرفها صاحب معجم ألفاظ الفقه الجعفري بـ: «أمور يفضل مراعاتها أو الإتيان بها عند الشروع أو القيام بأعمال معينة، كآداب تشييع الميت، وآداب السفر، وآداب الصلاة، وآداب عيادة المريض»[10]، ويذكر صاحب القاموس الفقهي[11] عدة استعمالات اصطلاحية عن المذاهب الإسلامية كالحنفية والشافعية والحنابلة؛ إذ إنها عند كل مذهب تعني شيئاً خاصًّا.

كما أنها في الحرف والصنائع والمهن تعني ما يلزم على صاحب تلك المهنة من آداب مهنية عليه التحلي بها، وقد اشتهر في التداول العربي - الإسلامي «أدب الكاتب»، ولعلها تعني ما يسمى اليوم بـ«البروتوكول» أو «الإتكيكت» اللذين يختصان بمجالات معينة من الحياة الاجتماعية.

أما على المستوى الأدبي فالاصطلاحات متعددة هنا أيضاً، لكن الذي يبدو أن الجامع لها هو: تحصيل عدة علوم يكون بها المرء أديباً ذا شأن، أما ما هي تلك العلوم؟ فهو ما يختلف سعة وضيقاً حسب زمان التداول والمجال التداولي، فهي في العصر الأموي تشمل علوم العربية، وتسمى بـ«أدب اللسان»، ومعارف أخلاقية، وتسمى بـ«أدب النفس»، واختصاصها بالثاني آكد من الأول -كما يقرر ذلك الدكتور الجابري[12]-، ويُستشهد لذلك بما ورد عن عبدالحميد، كاتب مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، وبما كَتب ابن المقفع من «الأدب الكبير» و«الأدب الصغير»، اللذين يختصان بمجال الأخلاق مباشرة.

أما في العصر الرابع الهجري فهي تعني «كل الثقافة اللغوية والتاريخية والعلمية والفلسفية»، أو بتعبير آخر: «الأخذ من كل شيء بطرف، وليس فقط بالمعنى الفني الجمالي كالشعر والنثر مثلاً» -كما يقرر ذلك الدكتور أركون[13]-.

أما في عصرنا الراهن، فهو «الذي اتسع معناه ليشمل مختلف فنون «المنثور» من قصة ورواية الخ»[14] -كما يقرر ذلك الدكتور الجابري-.

المهم فيما نقلناه سابقاً ليس الإحاطة بدلالة المفردة اصطلاحاً في مختلف مجالاتها التداولي وأزمنتها، بل التنويه على اختلاف معناها الاصطلاحي، ليتسنى لنا بعد ذلك التحدث عن علاقتها بمفردة «الأخلاق».

3. 1. 1. العلاقة بين مفردتي الأخلاق والأدب

من خلال العرض السابق لمعنى كلا المفردتين لغة واصطلاحاً، نجد أن العلاقة بينهما تُتصور بعدة صور، وهي:

- الترادف: إذ إنه يمكن على المستوى الاصطلاحي في العديد من الحالات أن تنوب إحداهما عن الأخرى، بل قد جرى ذلك على المستوى التداولي في العصر الأموي كما ذكر سابقاً، فقد تعني مفردة الأدب أو الآداب الخُلق أو الأخلاق، وكذا العكس.

- جزء مكمل: إذ على المستوى الاصطلاحي قد تكون الآداب جزءاً مكملاً للأخلاق، سابقاً أو لاحقاً، كآداب التعلم التي تكون سابقة لفضيلة الحكمة مثلاً، وبعض آداب الصلاة التي تكون لاحقة بالصلاة لأدائها بصورتها الأكمل.

- وسيلة: إذ إنه يمكن على المستوى الاصطلاحي أن تكون الآداب أو الأدب وسيلة للتحلي بالفضائل ومكارم الأخلاق.

والمسألة في كل ذلك مبنائية أولاً، وخاضعة لمجالات تداولية زمانيّة وحقليّة ثانياً.

بهذا المستوى نرى أن الجانب الاصطلاحي قد أعطانا وِسْعَهُ، لكن البعض[15] نحا بالمسألة إلى مدى أبعد من ذلك، عندما اعتبر أن مفردة «الأدب» في دلالتها على الأخلاق، اختصت بحقل دلالي خاص، هو ما أسماه بالموروث الفارسي والصوفي والعربي الخالص في الحضارة الإسلامية، وكان لهذا التداول دلالته الفكرية والحضارية والتي منها «استلاب» ثقافي حضاري من الموروث الفارسي لنظام القيم في الحضارة الإسلامية.

وفي المقابل، كان لتداول مفردة «الأخلاق» للدلالة على الأخلاق في الموروث اليوناني وبعض الموروث الإسلامي الخالص يعني هو الآخر نوعاً آخر من «الاستلاب».

لكن الذي يلاحظ على هذا الكلام هو ابتناؤه على العديد من المقدمات الفاسدة، وهي:

أولاً: في أصل تقسيم التراث الأخلاقي في الحضارة الإسلامية إلى خمسة موروثات متداخلة ومتصارعة، دون الاستناد في ذلك إلى مبرر متين.

ثانياً: كيف تسنى للدكتور الجابري استقراء كل أقسام هذا التراث في استعماله للمفردتين، ثم فصله التام هذا بين دلالة كل مفردة عن كل موروث، إذ إن ذلك من الصعب عمليًّا، وغير الصحيح واقعاً، إذ التداخل في تداول هاتين المفردين كمترادفتين حاصل وبكثرة، والجابري نفسه يعترف بذلك لكنه يعزوه إلى القلة التي لا نراه واقعاً.

ثالثاً: أصل مسألة «الاستلاب» الذي يتحقق بنظر الجابري من خلال استعمال مفردة تنتمي إلى نظام قيم مختلف. إذ ما الدليل على أن أصل هذه العملية تدل على «استلاب»؟ أين اللزوم في المسألة؟ وهل إن كل حالات الاستعمال تعني «استلاباً»؟ والعجب أن الجابري يجيبنا بالنفي، فثمة حالات لا تعني إلا التداخل الثقافي بين الثقافات -وهي في تصورنا الأكثر-، إذا كان الأمر كذلك فلماذا يفسر التداخل الفارسي - العربي بأنه من نوع «الغزو الثقافي»؟ هنا لا يجد الدكتور الجابري مبرراً إلا بابتداع فكرة «تقليد الغالب للمغلوب» لا «تقليد المغلوب للغالب»، أي أن الجابري لا يجد تبريراً للمسألة إلا بالفرد النادر، إذ النادر في التاريخ أن يقلد الغالب المغلوب، وذلك لمبررات نفسية واجتماعية وحضارية يتمتع بها الغالب في كثير من الأحيان تفرض على المغلوب تقليده، وهنالك حالات قليلة تصل إلى الندرة يقلد فيها الغالب المغلوب.

هذا ناهيك عن أصل صحة قراءة الجابري للفكر الأخلاقي الفارسي، ثم أصل صحة كون من اعتبرهم ينتمون إلى هذا الفكر هم فعلاً كذلك، وهذه الإثارات لنا معها وقفة في القسم الثاني من البحث.

4. 1. 1. الأخلاق النظرية، الأخلاق العملية، فلسفة الأخلاق:

سنحاول هنا التقرب من ثلاثة مصطلحات دارجة في الحقل الأخلاقي، وذلك بغية الوقوف على جملة من المفردات التي تندرج في إطار المقدمات التأسيسية التي كان الإرباك في تناولها وتحديد مداليلها جزءاً من الخلل في المقدمات التأسيسية للتعامل المنهجي مع عموم الحقل الأخلاقي، وهي: الأخلاق النظرية، والأخلاق العملية، وفلسفة الأخلاق.

1. 4. 1. 1. الأخلاق النظرية:

درج الفكر اليوناني القديم، وعموم الفكر الغربي القديم والحديث، وبعض المعاصر، وشعب كثيرة من الفكر الإسلامي، على تقسيم البحث الأخلاقي إلى قسمين، هما: البحث الأخلاقي النظري، والبحث الأخلاقي العملي. وكان للفكر اليوناني ومن تبعه ثمة خلفية فلسفية في هذا التقسيم، تأتي ضمن المنظور العام لهذا الفكر تجاه الفلسفة وأقسامها، ووظيفة الفلسفة بالنسبة للإنسان، حيث اعتبر هذين القسمين (الأخلاق النظرية والعملية) ضمن الحكمة العملية؛ التي تبحث في الأمور التي تكون محل إرادة الإنسان، فيستطاع الحكم عليها بالحسن والقبح، وبـ«ينبغي» و«لا ينبغي»، في مقابل الحكمة النظرية التي تبحث في الأمور التي لا تكون محل إرادة الإنسان، وكل ما يستطيع الإنسان فعله تجاهها هو الحكم عليها بـ«الكون» و«الوجود» أو عدمه؛ كبحوث «الوجود» و«الطبيعيات» و«الإلهيات».

أما الاتجاهات المغايرة للفكر اليوناني وتابعيه، فإنهم ينطلقون من خلفيات مغايرة في نظرهم لحقل الأخلاق، وكيف يجب أن يكون؟ وأين موضعه من العلوم الأخرى؟ وما هي المنهجية التي يفترض استخدامها في البحث في مسائل الأخلاق؟ وهذه الاتجاهات من التشعب بمكان، خصوصاً بعد الثورات العلمية في حقول المعرفة المختلفة؛ التي نتج عنها فلسفات جديدة أضفت لمساتها وصبغاتها على البحث العلمي ومناهجه؛ الذي من ضمنه حقل علم الأخلاق. وليس هدفنا هنا إحصاءها وتبيانها، بقدر ما نهدف إلى هذه الإلماحة الخافتة.

لكن الذي هو محل اتفاق بين جميع الاتجاهات اليونانية وتابعيها وغيرهم، هو أن حقل الأخلاق قابل للبحث فيه نظريًّا؛ أي البحث في مسائله بصورة غير توجيهيه أو تطبيقيه أو حثيّه، بل على غرار بقية العلوم النظرية التي تُحلل فيها المفاهيم، وتستنبط منها القواعد، وتستخدم فيها الأدوات والآليات المناهجية للتفكير فيها.. وعليه فإن الأخلاق النظرية تعني: وضع «المبادئ والنظريات التي يستند إليها السلوك الإنساني»[16]، وهذا التعريف هو الذي يتكرر في المعاجم والكتب التي تتناول علم الأخلاق، وبالخصوص قسمه النظري، وبعضهم من خلال تعريف علم الأخلاق، ولأنه يلاحظ القسمين، فإنه يدرجهما في تعريف واحد، يقول الطباطبائي: «علم الأخلاق: هو الفنّ الباحث عن الملكات الإنسانية بقواه النباتية والحيوانية والإنسانية، ليميّز الفضائل منها عن الرذائل، ليستكمل الإنسان -بالتحلي والاتّصاف بها- سعادته العلمية، فيصدر عنه من الأفعال ما يجلب الحمد العام والثناء الجميل من المجتمع الإنساني»[17]، إذ يلاحظ ضمّ الأخلاق النظرية والعملية في التعريف معاً، فضلاً عن تضمن التعريف لنظريات ومباني الطباطبائي في المسائل الأخلاقية، كقوى النفس، ومنشأ الأخلاق.

فخلاصة المسألة أن الأخلاق النظرية هي كما قال بدوي: «المبادئ والنظريات التي يستند إليها السلوك الإنساني» بهذا العموم الذي يسع كل اتجاهات الفكر الأخلاقي.

2. 4. 1. 1. فلسفة الأخلاق:

بعد هذا التعرف على اصطلاح الأخلاق النظرية يطرح السؤال التالي: ما الفرق بين الأخلاق النظرية وفلسفة الأخلاق؟ أليست الأخلاق كموضوع كانت ولا تزال عند الكثيرين جزءاً من البحث الفلسفي؟ فلماذا هذا التغاير في التسمية بين الأخلاق النظرية وفلسفة الأخلاق؟ هل ينطوي هذا التغاير على تغاير موضوعي أو مناهجي أو..؟ أم أن أسباب التغاير تستبطن أموراً أخرى؟.

لتحقيق الموضوع، أظننا بحاجة إلى الإطلالة وبشكل سريع على عموم «موجة» الفلسفات «المضافة» أو «الجزئية» -كما يحلو للبعض تسميتها- كفلسفة التاريخ، وفلسفة اللغة، وفلسفة العلم، وفلسفة المنطق، وفلسفة الرياضيات (حديثاً)، وفلسفة الفيزياء (حديثاً أيضاً).

وجملة الكلام في هذه المسألة، أن ثمة اتجاهاً بدأ في الفكر الغربي الفلسفي منه والعلمي، يرى ضرورة تناول كم من حقول العلوم، بشكل فلسفي لا يعتني بجزئيات العلوم ونتائجها بالدرجة الأولى، بل ينظر لجزئيات العلوم ونتائجها وطريقة سيرها، للتفكير فيها فلسفيًّا بحثاً عن المبادئ والقوانين العامة الحاكمة لعملية التفكير الخاص بهذا الحقل أو ذاك، وذلك سعياً لتطوير هذه العلوم في أدائها العلمي، ولاستنباط القواعد العامة التي لا تتغير في كل حقل منها. ولعل أول حقل بدأ التفكير فيه بهذه الصورة هو حقل التاريخ، وذلك مع نهضة الفلسفة الماركسية ونظرياتها في الحتميات والجدل، ثم نحا الاهتمام نحو حقل اللغة، ومرّ بعد تلك الفترة في مجال الأخلاق، وتنامى أكثر في حقل العلم، ليصل إلى ذروته اليوم في حقلي الرياضيات والفيزياء. كل هذا دون أن يكون الاهتمام بحقل حائلاً عن الاهتمام بالحقل الآخر، فالمسألة تسير في خطوط متوازية، نعم؛ ثمة تفوق في المسيرة من حقل لآخر، وهذا لا ينكر.

والسؤال عن مدى صحة تنامي هذه الاهتمامات، وصوابيتها المناهجية؟ ليس من اختصاصنا ولا من اهتمامنا في هذا البحث.

وإنما الذي يهمنا الإشارة إليه هو: أن هذه الفلسفات المضافة بدأت ونمت وترعرعت على يد فلسفات واتجاهات علمية، لها معايير خاصة في توصيف كيفية التعاطي مع حقول الحياة، وعلى أساس هذه المعايير، فإنها تعطي بدورها لنفسها الحق في الحكم على «كيفية» معينة بأنها علمية أم غير علمية. وبالتالي لم تعد هذه التسمية «فلسفة كذا» حيادية وموضوعية بل باتت قيميةً معيارية، فالمنهج الذي يتبعه الباحث في تأمله وبحثه في القضايا العامة في التاريخ، إذا كان منهجاً معتمداً عند ذلك الاتجاه الفلسفي/ العلمي، فإنه يوصف بأنه عمل ينتمي لـ«فلسفة التاريخ»، وإلا فهو عمل مجرد من وصف الفلسفة، فمثلاً من اعتقد بقانون انهيار الدول الكبرى والإمبراطوريات إذا أساءت توزيع الثروات، وكان اعتقاده بهذا الأمر من خلال إخبار نص مقدس كالقرآن الكريم، فإن هذا المعتقد لن يندرج تحت مسمى «فلسفة التاريخ» عند تلك الاتجاهات، لكن لو بني هذا الاعتقاد على أساس الاستقراء والتجربة لكان من صميم «فلسفة التاريخ».

وكذا الأمر -فيما نعتقد- في موضوع فلسفة الأخلاق، حيث باتت هذه التسمية معيارية وليست موضوعية، يوصف بها البحث الذي يستخدم أدوات ومناهج تلك الاتجاهات في التفكير في مسائل الأخلاق، وإلا من الناحية الموضوعية ليس هنالك ثمة فرق بين الأخلاق النظرية وفلسفة الأخلاق في نوعية الأسئلة واتجاهات البحث واقعاً، ويعزز هذا الأمر عدة أمور:

الأول: وحدة الموضوع بين الأخلاق النظرية وفلسفة الأخلاق، نعم الاختلاف سعة وضيقاً بين الماضي والحاضر، وذلك راجع لأمر خارج عن الاتفاق على وحدة الموضوع، وبعبارة موجزة: الاختلاف واقع في سعة المسائل لا في أصل الموضوع.

الثاني: شهادة الذين بحثوا موضوع الأخلاق النظرية أو فلسفة الأخلاق، دون أن يكونوا متأثرين -نسبيًّا- بأحكام هذه الاتجاهات، فإنهم لم يفرقوا بين الحقلين، بل اعتبروهما حقلاً واحداً، مثال ذلك: قول الدكتور الجابري عند حديثه عن تقييمات المفكرين العرب لواقع البحث الأخلاقي في الحضارة الإسلامية، والذي هو بدوره يرفض هذه التقييمات على عمومها: «أما عن الدراسات التي تعرّضت لموضوع الأخلاق في الفكر العربي الإسلامي، فيمكن القول: إنها تجمع -أو تكاد- على خلوه من «الفلسفة الأخلاقية»، أعني البحث النظري في الأخلاق»[18]، وشاهدنا الثاني هو الشيخ محمد جواد مغنية، حيث يقول عند حديثه عن تقسيم البحث الأخلاقي إلى نظري وعملي: «وأيضاً يسمى العلم النظري للأخلاق بفلسفة الأخلاق»[19]، وشاهدنا الثالث هو الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه «الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي»[20] إذ إن جوهر إشكاليته التي ابتدأ بها بحثه هو الرأي الرائج القائل بعدم وجود فلسفة أخلاقية إسلامية إلا بمقوم فلسفي يوناني، وذلك بحجة أن التفكير النظري في الأخلاق قليل، وفي هذا تصريح على وحدة حقلي الأخلاق النظرية وفلسفة الأخلاق، وهنالك شواهد أكثر من ذلك، تبدو واضحة لمن طالع كتب الأخلاق المتداولة.

والخطورة في المسألة، هي عندما تتحول هذه التعاريف المعيارية (لا الموضوعية)، إلى أدوات معيارية لتقييم «تراث ثقافات» فكرية، فيوضع كل التراث الأخلاقي الإسلامي، الذي أصل المسائل الأخلاقية على أساس القرآن الكريم أو السنة النبوية، بل الذين استشهدوا بهذه النصوص يوضعون في خانة التفكير الوعظي في الأخلاق، أو لا أقل يستبعدون من حقل فلسفة الأخلاق أو التفكير النظري في الأخلاق.

فخلاصة المسألة أنه لا تغاير حقيقيًّا بين حقلي الأخلاق النظرية وفلسفة الأخلاق، بل كلاهما حقل واحد، موضوعه تناول المسائل الأخلاقية على مستوى النظريات والمبادئ والمفاهيم تناولاً نظريًّا لا يروم البحث عن المصاديق الفعلية وكيفية التطبيق العملي.

3. 4. 1. 1. الأخلاق العملية:

بعد التعرف على اصطلاح الأخلاق النظرية/ فلسفة الأخلاق، تتضح الجهة المقابلة لها أو التالية وهي الأخلاق العملية، من هنا عرفها الدكتور بدوي بـأنها البحث «في التطبيقات العملية لهذا السلوك [الإنساني] داخل كيان عينيّ محدَّد»[21]، وكذلك عرفها الشيخ مغنية: بـ: «أما علم الأخلاق العملي فلا يبحث في الخير المطلق والفضيلة كفكرة ومبدأ، بل يبحث عن مصاديق الخير التي تقع تحت الحواس، والفضائل الخارجية كالوفاء والأمانة والإحسان إلى المعوزين»[22] أي «العلم النظري للأخلاق مجرد معرفة، والعلم العملي سلوك»[23].

فالأخلاق العملية هي التي تبحث في تحديد المصاديق أو كيفية تطبيق الفضائل ووسائلها في الواقع الخارجي.

2. مناهج البحث الأخلاقي.. إشكالية المنهجية

سؤال المنهجية في أيّ بحث مسألة أساسية فيه إن لم تكن المسألة الأساس، وذلك لما لها من دخل كبير في تحديد مسار وهوية البحث. ولم يعد هذا الكلام حول المنهجية اليوم إلا فضلة ونافلة، لما آل إليه النضج العلمي اليوم وفي مختلف الميادين من وعي بهذه الحقيقة.

لكن المسألة التي لا تزال محل أخذ وردّ، وقبول ورفض، ولا يزال البحث العلمي فيها يتقدم خطوات، هي مسألة: أيُّ المناهج أفضل للمواضيع المختلفة؟ فما المنهج الأفضل لعلم البيولوجيا؟ وما المنهج الأفضل للفيزياء؟ وما المنهج الأفضل للتاريخ؟... إلخ.

وإذا كانت المسألة أكثر نضجاً وتقدماً في العلوم الطبيعية، فإنها أشكل وأكثر تأخراً في العلوم الإنسانية، وذلك يرجع لأسباب كثيرة على رأسها كون الإنسان مخلوقاً ذا إرادة، تتركب أفعاله من مجموعة هائلة من الدوافع والطموحات؛ مما يجعل عملية درس فعاليّاته ليست بالأمر السهل، ولا بالرتابة المعتادة في الأمور المادية. ولا نجانب الصواب إذا قلنا: إنّ المسألة أكثر إشكالاً في حقل الثقافة؛ أيّ عموم الفعالية العقلية والشعورية للإنسان. ويشهد لذلك هذا الحوار الصاخب والمتصارع وبحدة، بين أقطاب المفكرين والعلماء في العالم بصورة عامة، وفي عالمنا العربي الإسلامي بصورة خاصة.

والأمر يزداد تعقيداً وتركّباً في خصوص البحوث والدراسات التي تتناول التراث، تراثنا العربي والإسلامي، لما يطاله البحث آنئذ من تناول لقضايا الدين، ولما تحمله هذه المسألة؛ أي الدين، من تداعيات حضارية سياسية للشعوب الإسلامية، تتداخل فيها الصراعات والوجود والهوية، لتصل إلى درجة أصل الحياة الكريمة على الأرض. وحوارات نهايات النصف الأول من القرن المنصرم الممتدة إلى يومنا هذا، خير دليل وبرهان للمتابع لها.

وقد اخترنا من بين الدراسات التي تناولت موضوع البحث دراستين تتمايزان بمنهجيتين مختلفتين في القراءة، وهما: دراسة الدكتور الجابري في «العقل الأخلاقي العربي»، ودراسة الدكتور محمد أركون في «نزعة الأنسنة في الفكر العربي».

1. 2. أركــون:

يبدأ الدكتور أركون حديثه في موضوع المنهجية في قراءة التراث، كغيره من الباحثين، بتوصيف المشكلة في القراءات السائدة، وأنها قراءات ناقصة، ومبتعدة بهذه النسبة أو تلك عن الواقع والحقيقة. ويطمح بدوره إلى إيجاد قراءة تكون أقرب إلى الصواب والحقيقة، ويقول في هذ الإطار: «سوف ننطلق أولاً للبحث عن منهج ملائم لموضوع دراستنا، وذلك عن طريق تبياننا كيف أن طرائق البحث المتبعة حتى الآن في دراسة الفكر الإسلامي، يمكن أن يُصدَّق عليها وعلى صلاحيتها بواسطة موقف منهجي جديد منفتح على كل الإشكاليات والتأويلات الممكنة»[24].

وبدءاً يؤكد أركون على أهمية المنهجية في الموضوع، وأنها عنصر أساس في المسألة، حيث يقول: «إذ نتصدى لمعالجة مشكلة الأصول والمصادر، فإننا نكون قد وصلنا إلى اللحظة الأساسية في بحثنا كله. وذلك أن نمط القراءة الذي سنطبقه على النصوص المذكورة سابقاً، هو الذي سيتحكم بفهمنا لأعمال مسكويه، ثم لكل الفعالية الفلسفية في القرن الرابع الهجري من خلالها»[25].

ولكن قبل أن يبدأ أركون في عرض منهجه الذي يراه مناسباً للموضوع، وقبل عرض الإشكاليات والعقبات التي تقف في طريقه، فإنه يلمح سريعاً إلى قصور منهج جمهور الباحثين الإسلاميين في قراءاتهم لتراثهم، ثم يبدأ بنقد المنهج الاستشراقي في مجال الدراسات الإسلامية، وكيف أن هذا المنهج أخفق أو وصل إلى منتصف الطريق فقط في دراسته للفكر الإسلامي.

يقول في خصوص الجمهور الإسلامي: إنه «بحاجة لتجاوز مرحلة التعلق العاطفي والطفولي بتراثه لكي يتوصل إلى مرحلة المسؤولية الفكرية والعقلية. (فنحن لا نزال في مرحلة البدايات بالنسبة للمشروع الكبير التالي: الدراسة العلمية للتراث الإسلامي)»[26].

أما بخصوص المنهج الاستشراقي، فقد وجه إليه ثلاثة انتقادات اعتبرها خلاصة نقده عليه. يقول بعد عرضه الإجمالي لعناوين الانتقادات: «وهنا يكمن نقدنا للاستشراق الكلاسيكي، ودعوتنا إلى تجديده عن طريق انفتاحه على منهجيات علوم الإنسان والمجتمع والإشكاليات المعرفية الجديدة»[27].

وخلاصة انتقاداته الثلاثة يستهلها بعرض كيف أن العلماء الأوروبيين طبقوا مناهج من تراثهم على تراث آخر لم يكن معروفاً عندهم، وكان هذا التطبيق في الوقت نفسه ضرورة، لكن القصور كان في قطع المسائل التي تناولوها عن سياقاتها التاريخية وبيئتها الاجتماعية، يقول في ذلك: «عندما أخذ العلماء الأوروبيون بدءاً من القرن التاسع عشر، يتحملون مسؤولية الدراسة العلمية لنصوص الفكر الإسلامي القديمة، لم يملكوا إلا أن طبقوا المناهج الفللوجية؟؟؟ والتاريخية على تراث آخر غير معروف من قبلهم حتى ذلك الوقت (...)، وكان مثل هذا الموقف محتوماً، لأن التحقيق الفللوجي الدقيق للنصوص يمثل حاجة ملحة (...)، ولكنهم راحوا يفصلونها عن سياقها التاريخي وبيئتها الاجتماعية التي ترعرعت فيها»[28].

أما انتقادات الثلاثة فخلاصتها أنهم وقعوا تحت هيمنة تراثات ثلاثة كان لها الأثر السلبي في قراءة الفكر الإسلامي، هذه التراثات هي:

1- الفللوجيا الكلاسيكية أو فقه اللغة الكلاسيكي.

2- التراث المدرساني المسيحي (السكولاستيكية المسيحية).

3- الإسلام السني.

وتفصيل سلبية كل واحدة من هذه التراثات على النحو الآتي:

الفللوجيا الكلاسيكية أو فقه اللغة الكلاسيكي:

يمكن رصد ملاحظتين أساسيتين لأركون على هذا التراث (المنهجية)، وهما:

أ- عدم التزام هذه المنهجية بقواعدها الدقيقة في قراءة النصوص العربية، مما يشعر بالإحباط مقارنة بمستوى الطموحات المطروحة، يقول: «ولكن للأسف فإن تطبيق المنهجية الفللوجية على النصوص العربية كان متقطعاً، ولم يكن دائماً ملتزماً كل الالتزام بمبادئ هذه المنهجية»[29].

ب- تسليط هذه المنهجية على بعد واحد في تحقيق المسألة موضوعة البحث، مما يجعل أبعاداً أخرى مغيبة، ومع التفات بعض المستشرقين الذي طمحوا إلى تغيير هذه المسارات في المنهج، إلا أنهم وفي النهاية لم يصلوا إلى النتائج المرجوة. ويضرب أركون مثلاً لأحد المستشرقين الذي رسم طموحات عالية للوصول إلى فهم أعمق للنصوص العربية، لكنه عندما طبقها هو نفسه انتهى إلى نتائج -حسب أركون- ليست المثال المطلوب، هذا المستشرق هو فالزر، يقول أركون بعد عرض طموحات فالزر: «كما يلاحظ القارئ، فإن البرنامج الطموح الذي اختطّ فالزر خطوطه العريضة في بضعة أسطر فقط يشتمل على مهام عديدة وحرجة. ولا يمكن لأحد أن ينجزه كاملاً إلا إذا كان يتمتع بخبرات عديدة ومتنوعة (...)، ولهذا نشعر بالإحباط وعدم الإشباع عندما نطلع على الأبحاث التي أُنجزت حتى الآن عن الفكر الإسلامي»، ثم يقول عن أبحاثه: «فإذا كانت [أبحاث فالزر] تثير إعجابنا وتتمتع بمصداقية حقيقية بسبب الدقة التقنية العالية التي تتمتع بها، فإنها تثير اعتراضات مهمة حول بعض النقاط. فعلى الرغم من أن المؤلف يعرف جيداً المناخ الثقافي الخاص بالفلسفة العربية - الإسلامية، وعلى الرغم من أنه يجهد نفسه غالباً في تبيان كيف أن الفلاسفة يردون على «مشاكل زمانهم»، فإن تعلقه بالمنهجية الفللوجية يبقى هو المسيطر (...)، وهذا التعلق بالتفاصيل الفللوجية الدقيقة هو الذي يكسر الوثبة الحيوية للفكر العربي الإسلامي، الذي كان مشغولاً في الواقع بتهدئة القلق الميتافيزيقي الدائم لأناسه، وترسيخ نموذج أعلى للحياة، أكثر مما كان مهتماً بالتحقق من جودة مصادره أو صحة هذه المصادر»[30]، ثم يقول: «نحن لا نعترض على المنهجية الفللوجية في المطلق، ولكننا نعترض عليها إذا اكتفى بها الباحث ولم يتجاوزها إلى شيء آخر، أو منهجيات أخرى» وذلك لأن المعرفة الفللوجية غير كافية، بل «قد تصبح خطرة إذا ما اكتفينا بها: أقصد إذا لم تُدمَج داخل دراسة أكثر اتساعاً. أقصد دراسة الوضع انطلاقاً من اللغة العربية ذاتها والمجتمع الإسلامي ذاته. فهنا بيت القصيد»[31].

- التراث المدرساني المسيحي:

في هذا البند جوهر الملاحظة التي يقدمها أركون هو: أنه وبعد رجوع الاهتمام والإنصاف للتراث المسيحي الذي ساد في القرون الوسطى، ومحاولات الباحثين قراءة هذا التراث بعين موضوعية، ساعد على اهتمام الباحثين بقراءة النصوص الإسلامية وتأثيرها بفلسفة القرون الوسطى. هذه الزاوية من النظر إلى النصوص الإسلامية لن تجدي -في نظر أركون- في قراءة أعمق للتراث الإسلامي، لأنها زاوية محدودة وناظرة إلى إشكاليات في تراث آخر، تحاول فكها وتفسيرها من خلال أحد المؤثرات فيها، فهي خدمة وثراء لذلك التراث لا للتراث الإسلامي[32].

- تراث الإسلام السنّي:

جوهر الملاحظة التي يقدمها أركون في هذا البند هو: أن التراث والفكر الشيعي جزء من الحضارة الإسلامية، وأية محاولة لتغييبه ستنعكس سلباً على فهم عموم التراث الإسلامي، وذلك لتداخل هذا التراث بل وعضويته الفاعلة في تكوين الحضارة الإسلامية. وما وقع فيه المستشرقون لسبب أو آخر هو انغلاقهم على التراث السنّي فقط دون الانفتاح على التراث الشيعي، وهذا حال دون فهمٍ أعمق لواقع المجتمع والحضارة الإسلامية. يقول أركون: «لقد وقع العلم الاستشراقي تحت وطأة الهيمنة شبه الكلية للتراث السنّي. والسبب واضح: هو أن المستشرقين ولدوا أحياناً أو سافروا كثيراً أو أقاموا طويلاً في بلدان إسلامية سنّية. وكان من الطبيعي أن يتأثروا بذلك. أما الإسلام الشيعي الذي تعرض للاحتقار والاتهام بالهرطقة، وعانى من اضطهاد الإسلام الرسمي طيلة قرون عديدة، فلم يحظ بالمكانة التي يستحقها على خارطة الدراسات الإسلامية التي يقوم بها المستشرقون. ونلاحظ أنه لم يحتل المكانة التي يستحقها حتى في أعمال مستشرقين منفتحين جدًّا كماسينيون وغولهدزيهر»[33]، ويقول: «نقول ذلك ونحن نعلم أنه لا يمكن فهم الخلفية السياسية والاجتماعية - الثقافية للفكر الإسلامي ما لم نأخذ الأدبيات الشيعية بعين الاعتبار. فتغييبها يعني دراسة الفكر الإسلامي بشكل ملتوٍ مُجتَزأ ومتحيّز وناقص»[34].

ويبقى السؤال بعد ذلك، ما هي المنهجية التي يراها الدكتور أركون أفضل وأكثر صلاحية ومصداقية في قراءة الفكر الإسلامي؟

والحقيقة أن خلاصة المنهجية التي يتبعها أركون هي التعامل مع التراث كمنتج بشريّ يحمل كل خصائص البشر المركبة والمعقدة، وبالتالي فالمطلوب على المستوى المنهجي الانفتاح على كل منهجية تقترب من الواقع في دراسة الفعل الإنساني، والجانب الفلسفي منه تحديداً. وبناءً عليه فإن -وبالمجمل- كل المنهجيات المعنية بدراسة الإنسان والمجتمع، والتي تساهم في قراءة أقرب للواقع، تعتبر مقبولة بل ومطلوبة في دراسة الفكر الإسلامي.

وبالتأكيد، فإن المسألة لو بقيت على هذا المستوى من الإطلاق، لن تلقَ الكثير من النفي ولا القبول أيضاً، لأن مسائل القبول والنفي تتحدد أكثر ما تتحدد في الجزئيات، وهذا ما يدعونا للبحث أكثر في كلام أركون، عن بعض الآليات التفصيلية في المسألة، والحق أننا لن نرجع خائبين، فقد زخر كتابه «نزعة الأنسنة» بالكثير من الإشارات والتلميحات بل والتصرحات أيضاً لبعض الآليات المقترحة.

وهاهنا العديد من كلماته التي فيها الإشارة والتلميح والتصريح:

يقول أركون بعد نقده لمناهج الاسشتراق: إن الخلاصة التي انتهى إليها هي «ينبغي على المنهج أن يدرس الظواهر من خلال التداخل والتفاعل المستمر بين نسق الروح/ ونسق الأشياء المادية، الواقعية. فالتأملات الأكثر تجريداً والأكثر مجانية من حيث الظاهر، لها دائماً علاقة مع بواعث فردية وجماعية شديدة المحسوسية والواقعية. ولحمة التاريخ منسوجة من هذه العلاقات المادية والروحية. وإذا ما أراد المؤرخ أن يعيد كتابتها في كل واقعيتها النابضة بالحياة، فإن عليه ألا يعطي الأولوية لأي عنصر من العناصر الداخلة في التركيب. فكلها تستحق الاهتمام. ولكن ذلك لا يدفعه إلى إنكار وجود «لاهوت للتاريخ» بالطريقة التي بلوره عليها مارو. لكي نتحاشى القراءة الخطية المستقيمة، والتجريدية التي تكسر وحدة النصوص، من أجل أن تفرض استمرارية تواصلية مصطنعة في مجال تاريخ الأفكار، فسوف نلجأ إلى استخدام التحليل الموضوعاتي (من موضوع) والتأويل السوسيولوجي. (بمعنى أننا نستخدم المنهجية الأفقية بدلاً من المنهجية الشاقولية. سوف ننظر إلى العمل بحد ذاته ولذاته، قبل أن نهتم بتأثير النصوص السابقة عليه، أو نحاول استكشاف هذه التأثيرات العتيقة فيه)»[35].

وعملية التحليل الموضوعاتي -كما يسميها أركون- تستعين بشيئين آخرين هما: علم المعاني، ودراسة الأساليب البلاغية الموجودة في كل نصوص الأدب.

كما وأن مسألة التأويل السوسيولوجي تستند هي الأخرى إلى مسلمة في علاقة البنى العقلية بالبنى الاجتماعية، أشار إليها أركون في كتابه، وحاول تطبيقها على المجتمع البويهي.

لكن هل يكتفي أركون بهاتين الآليتين في قراءة الفكر الإسلامي؟ بالطبع لا، وإن بدا منه حصر المسألة فيهما، لكن الواقع أن هذا الحصر إجرائي لمدخل الدراسة التي بين يديه وهي أعمال مسكويه، إلا أنه وفي خاتمة الدراسة يشير إلى ما هو أوسع مدىً من هاتين الآليتين، إذ إنه هنالك وبعد أن انتهى من الدراسة، صرّح بما كان مضمراً في الدراسة، ويمثل الخلفية الفعلية في نظام تفكير أركون وهو ينظر إلى نصوص التراث الإسلامي، حيث قال: «من المعروف أن تاريخ الأفكار التقليدي المعلَّم في المدارس والجامعات، يستعرض تاريخ الفكر كله عن طريق انتخاب بعض الأسماء المشهورة والتركيز عليها ويهمل ما عداها. وهكذا تُنتزَع العبقريات من سياقها التاريخي، ولا يُقدّم عنها صورة واقعية، حقيقية. وإنا قد نهضنا على مدار هذه الأطروحة كلها ضد منهجية تاريخ الأفكار التقليدي هذه، ونبَّهنا إلى محدوديتها بعد أن هضمنا إيجابياتها. وقلنا بأننا سوف نتبع المنهجية الحديثة في كتابة تاريخ الأفكار: أي المنهجية التي تربط حركة الأفكار من جهة، وحركة الواقع او المجتمع من جهة أخرى. فلا نفصل بينهما كما يفعل تاريخ الأفكار التقليدي، الذي يدرس تسلسل الأفكار أو النظريات لذاتها وبذاتها. وهكذا نقدم صورة تاريخية عن مسار الفكر على مدار القرون، لا صورة تجريدية أو مثالية تقبع فوق السحاب، (وهذه الثورة المنهجية أو الإبستمولوجية كانت قد طُبِّقت على تاريخ الفكر الأوروبي منذ الستينات) (انظر مدرسة «الحوليات» الفرنسية، أو أركيولوجيا المعرفة لميشيل فوكو، أو تفكيك الميتافيزيقا لجاك دريدا، أو المنهجية السوسيولوجية الحديثة، أو منهجية علم النفس التاريخي التي اتبعها جان بيير فيران لدراسة الفكر الإغريقي، وأدّى إلى نتائج حاسمة ومضيئة جدًّا). ونحن بدورنا، نريد أن نطبق هذه التوجهات المنهجية الجديدة على الفكر العربي ـ الإسلامي. فلعلها تستطيع أن تقدم إضاءة أكبر من مجرد الاكتفاء بالمنهجية الكلاسيكية للاستشراق: أي المنهجية الفللوجية - التاريخانية. وهذا هو المحور الإبستمولوجي الأساسي الذي يخترق دراستنا كلها»[36].

أما عن الإيجابيات التي يتوقعها أركون من مثل هذا الاستخدام لتلك الآليات فكثيرة، لكنه يشير مقدماً وقبل الوغول في أطروحته إلى عدة منها نذكر اثنتين، هما: الأولى: إعادة تفسير وظيفة الاستشهاد من النصوص القديمة، أو تكرارها في الأدب العربي، (والمقصود من الأدب هو غير المتبادر إليه اليوم، بل هو ما يشمل العمل الفلسفي)، وذلك من خلال مفهوم العقل الأسطوري؛ الذي سينتهي بتفسير إيجابيّ للظاهرة.

وثانيها: مراجعة التفاسير التعسفية -كما يعبّر أركون- للنصوص العربية - الإسلامية، على أساس مفهوم الابتكارية الفكرية، أو التقدم بالقياس إلى ما سبق، أو الإبداع الفلسفي المحض.. إلخ، من مفاهيم وظفت بشكل تعسفي في قراءة الفكر العربي الإسلامي -حسب أركون-، وذلك بتقديم تفسير أكثر إنصافاً، يعتمد على التركيز على النصوص بذاتها ولذاتها[37].

نقد وتقويم منهجية أركون:

بعد هذا التطواف السريع على أهمّ الأسس المنهجية للدكتور أركون، لابد لنا من وقفة نقد وتقويم، والحقيقة أن هنالك في هذه المنهحية المقترحة نقاط إيجابية وأخرى سلبية، وهي على النحو الآتي:

الإيجابيات:

1- الطموح: الواقع أن هذه المنهجية طموحة في فضولها المعرفي إلى سبر عمق أغوار التراث الإسلامي؛ إذ إنها تحاول الوصول إلى «تموضع» داخل السياق التاريخي لهذا التراث، وصولاً إلى فهم أقرب إلى الواقع لها.

2- الواقعية: إذ إن الحق مع الدكتور أركون، عندما ذهب إلى ضرورة تفهم المعطيات الجديدة التي كشف عنها العلم الحديث، كمكونات واقعية للإنسان كفرد، وله كجزء من المجتمع، وللتاريخ وسننه وقوانينه، ولا شك عندنا في أن ملاحظة هذه العناصر في الفعل الإنساني المركب والمعقد، ستساهم في تفسيره بصورة أفضل.

السلبيات:

1- محدودية الإمكانية العملية: ترى هل من الممكن تحقيق تلك الطموحات؟ وإلى أي مدى هذا الأمر ممكن؟ هذا ما نشكك فيه، بل وسمعنا من أركون نفسه تأوهات وإحباطات[38] من عدم مساعدة ما وصل إلينا وحُقق من نصوص التراث الإسلامي ما يساعد على تحقيق هذه الطموحات.

2- محدودية الإمكانية الذاتية: لا نختلف مع أركون على أهمية وطموح الوصول إلى فهم أقرب للواقع، كما أننا نتفق معه على ضرورة الاستفادة من معطيات العلم الحديث، لكن الإشكالية والاختلاف في التفاصيل والمصاديق، وآليات تلك المناهج من ناحية ذاتية، أي أن الإمكانية الذاتية للمناهج المطروحة أساساً، وهي على المستوى المعرفي والفلسفي العام محل نظر وإشكال، وهي على المستوى المعرفي والفلسفي الإسلامي محل نظر وإشكال أيضاً، فإلى أي مدى يعد مفهوم العقل الأسطوري، أو التاريخانية.. أو غيرهما من المفاهيم والأدوات، تعد فعلاً مفاهيم يمكن توظيفها إجرائيًّا أو تفسيريًّا على النصوص الإسلامية؟! وهذا ما أشار إليه أركون نفسه في أول كلامه عن قضية المنهج، واعتبرها نقطة ضعف أو عقبة، حيث قال: «تطبيق المناهج الجديدة، التي لم تحظ حتى الآن بإجماع كامل العلماء، على مجال معرفي غير مدروس بشكل جيد حتى الآن: أقصد مجال الدراسات الإسلامية والإسلاميات. هذا يعني أننا نعاني من نقطعة ضعف مزدوجة ونحن نتصدى لهذه المهمة»[39].

وخلاصة الكلام في المسألة: أن نحاول الاستفادة من النقاط الإيجابية في أطروحة أركون ولا نتقيد بسلبياتها في قراءة التراث العربي الإسلامي.

2. 2. الجابري:

تناول الدكتور الجابري المسألة الأخلاقية في التراث العربي - الإسلامي في سلسلته «نقد العقل العربي»، إذ إنه خصص لها الجزء الرابع الذي جاء تحت عنوان «العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية».

يبدأ الدكتور الجابري حديثه في الموضوع، موضحاً تمايز الحقل الأخلاقي عن بقية الحقول التي تناولها في سلسلته «نقد العقل العربي»، هذا التمايز الذي يفرض تمايزاً في التصنيف والنمذجة -حسبما يقول- لتحديد الموضوع بشكل أدق؛ لينتهي إلى تصنيفات مغايرة لما انتهى إليها في «تكوين العقل العربي» و«بنية العقل العربي»؛ البيان، والعرفان، والبرهان. وكذلك يغاير التصنيف الذي انتهى إليه في «العقل السياسي العربي»؛ القبيلة، الغنيمة، العقيدة، والخليفة، الخاصة، العامة.

بل إن هذا التصنيف فرض أيضاً أمراً آخر، وهو ضرورة اللجوء إلى جهاز مفاهيمي مغاير للأجهزة الأخرى، التي سبق وأن وظِّفت في قراءة العقل العربي بحقوله المختلفة.

أما على مستوى المنهج، فدعوى الجابري أنه لم يتغير إلا على مستوى الخطوات، حيث تم الدمج بين بعض الخطوات لضرورات شَرَحها في محلها.

وأما على مستوى الرؤية؛ قرينة المنهج وأختها المرافقة لها في كل حديث للجابري، فهي ترتكز على مبدأين هما: العقل الأخلاقي ليس فرداً بل جماعة في التاريخ الإسلامي، هذا العقل « الجماعتي» كان يسوس الجماعة في الواقع الخارجي ويخدم طموحاتها.

إذاً؛ لا بد من توضيح هذه المسائل حتى نتمكن من الوقوف معها وقفة نقديةً تقييمية.

الموضوع:

يتأطر الموضوع عند الجابري في العقل الأخلاقي العربي في محددين اثنين، وهما:

الأول: أن للسياسة منظوران؛ أحدهما السياسة كما مورست، وثانيهما السياسة كما ينبغي أن تكون. والمنظور الثاني هو فرع الأخلاق أو تتويجه، وهو المُعني به، في حين أن المنظور الأول موضوع لدرس التاريخ.

الثاني: الحكم، مهما يكن، في المنظور الأول، كان للموضوع والواقع الخارجي بكل متغيراته، أما الحكم في المنظور الثاني فللقيمة. مما يعني أن الموضوع مؤطّر بالسياسة كما ينبغي أن تكون محكومة بحكم القيمة؛ وهذا يفرض البحث في القيم التي نظر إليها العقل العربي، وللكيفية التي ينبغي أن تكون عليها السياسة.

الجهاز المفاهيمي:

المقصود من الجهاز المفاهيمي في لغة الجابري، أنه جملة المفاهيم التي توظف لتحليل ظاهرة معينة، سواء على المستوى الفكري أو الاجتماعي، فمثلاً استخدم الجابري في تحليله للنظام المعرفي في الثقافة العربية مفاهيم من قبيل: الشعور واللا شعور، البيان، البرهان، العرفان... إلخ.

أما في العقل الأخلاقي، فإن الجابري يرى أن اختلاف الموضوع يستوجب استخدام مفاهيم أخرى. وبعد تتبع كلامه في المسألة، نخلص إلى أن هنالك مفهومين أساسيين يوظفهما الجابري في قراءته للعقل الأخلاقي، وهما: مفهوم النظام الأخلاقي، والقيمة المركزية.

هنا يوضح الجابري مقصوده من النظام الأخلاقي، حيث إنه يُفرّق بين النظام والمنظومة، إذ الأولى يشابهها في اللغات الأوروبية مفردة (order)، في حين أن الثانية يشابهها مفردة (system)، ولهذا التمايز اللفظي تمايز مفهومي، إذ المنظومة تعني: مجموعة من العناصر تقوم بينها علاقات معينة، يستمد منها كل عنصر هويته ووظيفته، كالمنظومة الشمسية مثلاً، أما النظام فهو: يعني الشيء نفسه تقريباً، ولكن مع وضوح فكرة الترتيب والتتابع فيها أكثر. والقيم في نظر الجابري ليست فقط منظومة، بل هي نظام أيضاً، أي فيها تراتب وتتابع هرمي، قد تكون العلاقة بينهما علاقة الأصل بالفرع، أو غيرها من العلاقات. وهذا النظام الأخلاقي هو معايير للسلوك الاجتماعي والتدبير السياسي، ومحددات لرؤية العالم واستشراف المطلق. وبهذه النقطة تتضح فكرة «القيمة المركزية».

فما دامت القيم نظاماً متراتباً ومتتابعاً يتضمن الأصل والفرع، كيف تنشأ القيم، وتتفاضل، وتقدّم إحداهما وتؤخّر الأخرى؟ هنا يساعدنا مفهوم «القيمة المركزية» في توضيح هذه النقاط، إذ إنه من خلال القيمة المركزية تنتظم جميع القيم حولها، وتتفاضل، وتقدم أو تؤخّر. فالقيمة المركزية هي تلك القيمة التي تحدد هوية نظام قيمي معين، وتنظم القيم حولها أو تحتها، فما نراه من قيم في نظام أخلاقي معين، لا تنكشف ولا تتوضح حقيقتها من دون تلك القيمة المركزية.

وفي تراثنا الأخلاقي، لا بد في كل صنف منه، مهما كان معيار التصنيف، من البحث عن قيمته المركزية التي تترتب عليها بقية القيم، لتتضح حقيقة ذلك النظام الأخلاقي، ومن ثمّ دوره كفكر لتيار اجتماعي في صنع الحياة الاجتماعية والسياسية في الحضارة الإسلامية.

المنهج والرؤية:

يؤكد الجابري أنّ مسألة المنهج بالنسبة له ثابتة هنا، إلا في جزئية إجرائية على مستوى الخطوات. فالمنهج هو نفسه الذي دشنه في كتابه القديم «نحن والتراث» وهو: التحليل التاريخي، المعالجة البنيوية، الطرح الأيديولوجي. وما هو الجديد هنا هو توحيد عمليتي التحليل التكويني والبنيوي، وذلك من خلال اصطياد القيمة المركزية لنظام أخلاقي ما، وهذا يمثل تحليلاً بنيويًّا. وعلى المستوى التكويني تُستقرأ خطوات النمو والنشأة في ذلك النظام الأخلاقي.

وهذه العملية (المعالجة التركيبية أو توحيد الخطوات) سببها هو إملاءات الرؤية، حيث إنها تتكئ على مبدأين:

الأول: «النظر إلى ما ندعوه هنا بـ«العقل الأخلاقي العربي» لا كـ«عقل» فردي، عقل هذا الفرد أو ذاك، بل كـ«عقل جماعي»، كـ«نظام للقيم»، يوجه سلوك الجماعة، سلوكها الفكري الروحي، وسلوكها العملي»[40].

الثاني: «وهو نتيجة للأول، فهو التعامل مع كل واحد من نظم القيم تلك، بوصفه موجهاً لسلوك الجماعة بالدرجة الأولى، أي بوصفه عبارة عن قيم أخلاقية من أجل «السياسة»، السياسة بمعنى تدبير الجماعة، سواء كانت هذه الجماعة دولة، أو كانت حركة معارضة للدولة، أو كانت جماعة دينية أو صوفية، أو نخبة من نخب المجتمع ككتّاب السلاطين وغيرهم»[41].

فالجماعة تنشأ من أصل على مستوى الممارسة والمفهوم، ثم تتدرج في التكوين، ليتضح بعد ذلك أن فيها بنية قيمية هي الأم والأصل والكل. وبملاحظة هذين المسارين يمكن قراءة تراث ثقافي أخلاقي معين.

نقد وتقويم منهجية الجابري:

بعد هذا العرض المركّز لأطروحة الجابري في قراءة التراث الأخلاقي العربي - الإسلامي، لنا أن نسجل عدة ملاحظات، وهي على النحو الآتي:

الإيجابيات:

1- على مستوى الموضوع، ثمة أفق رحب وناضج في استيعاب التراث الأخلاقي، تجاوز فيه العقلية الوعظية والتصنيفات الأكاديمية الإسقاطية؛ التي تحاول ومن خلال منظور أكاديمي حديث أن تبحث عن تراث أخلاقي في تراثنا فترجع خائبة، وما عمله الجابري هو أن استوعب لغة الحضارة الإسلامية في معالجتها للمسألة الأخلاقية، واسترشد بها إلى مظان البحث.

2- تأكيد الجابري على ضرورة تحديث النمذجة والتصنيف في قراءة العقل الأخلاقي العربي - الإسلامي أمر صحيح وواعٍ، وذلك لاختلاف الموضوع الذي يستوجب تصنيفاً ونمذجة جديدة. وبهذا يكون الجابري تجاوز بعض الإسقاطات الإيديولوجية في قراءة التراث.

السلبيات:

1- على مستوى الموضوع: إحدى مرتكزات الجابري هي تعدد الموروثات الثقافية، ونحن لم نتطرق لها هنا، لكن نود قبل تجاوز الموضع أن نسجل موقفاً متحفظاً على هذه المقولة، ندع تفصيلها لمكانها.

2- على مستوى الجهاز المفاهيمي: الذي نعتقده أن الجهاز المفاهيمي الذي ابتكره الجابري في قراءة العقل الأخلاقي العربي - الإسلامي هو الجديد الحقيقي على المستوى المنهجي في قراءته هذه، وما طرحه من دمج بعض الخطوات المنهجية ليس بالشيء الذي يذكر، لذا ستكون وقفتنا مع هذا الجهاز أكثر من غيرها.

3- مقولة النظام الأخلاقي: نلاحظ أن هذه المقولة في كلمات الجابري أطلقت إطلاقاً ومن دون مستندات يُطمأن لها على مستوى التأسيس، حتى تصلح كمفهوم تحليلي أو نقدي. إذ إننا لا نجد في كلمات الجابري إلا كلاماً عاماً، واستشهادات من علماء غربيين في توضيح هذا المفهوم، أو ما هو أعمّ منه، وكل ما قاله لا يعدو أن يكون في أحسن الأحوال فرضية تحليلية، لا كمسلمة في قراءة التراث الأخلاقي، إذ ما المرجح بين المنظومة الأخلاقية والنظام الأخلاقي؟! لماذا القبول بالثانية دون الأولى؟! لا أحد ينكر تفاوت القيم في الأهمية، لكن أن يكون هذا التفاوت تفاوتاً تراتبيًّا سُلّميًّا تكون فيه الأولى منتجة للثانية وحاكمة عليها، فهذه النتيجة أخص من دعواها، إذ لماذا لا نحتفظ بالأهمية والتفاوت المدعى إلا على شكل المنظومة لا النظام.

4- مقولة القيمة المركزية: هنا نواجه الإشكالات في النقطة السابقة نفسها. إذ مقولة القيمة المركزية لا تعدو أن تكون فرضية في تفسير بعض الموروثات الأخلاقية، هذا أولاً. وثانياً لماذا قيمة واحدة مركزية؟! أليس من الممكن عقلاً وعقلائيًّا أن يكون في تراث أخلاقي ما أكثر من قيمة مركزية؟ وثالثاً: هذا الدور الكبير الذي أنيط للقيمة أخص بكثير من مجرد التوافق على وجود قيمة مركزية في تراث أخلاقي معين.

وهنا نصل إلى جوهر الإشكال على مجمل نظام التفكير عند الدكتور الجابري، إذ إنه مبدع في الفروض والفرضيات لكن المشكلة فيه أنه يجعل من المفروض مسلماتٍ، وينقصه الكثير من المعطيات الأولية «الخام» التي يمكن من خلالها اختبار هذه الفرضيات، ولعل ذلك يرجع إلى سعة المواضيع التي يطرقها وقصر الزمن ومحدودية المعطيات التي يمتلكها، ويريد في الوقت نفسه أن يجعل منها أحكاماً مطلقة، وهذا دونه خرط القَتاد - كما يقولون .

------------------------------------------------------------------------- -------

[1] زكريا، أبو الحسين أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج: 2، تحقيق : عبد السلام محمد هارون، مكتبة الإعلام الإسلامي، ط 1404هـ، ص213.

[2] المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مج3، مؤسسة الطباعة والنشر - دار الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران - إيران، ط1، 1416هـ.ق، ص108.

[3] ابن منظور، أبو الفضل محمد بن مكرم المصري، لسان العرب، أدب الحوزة، قم - إيران، 1405هـ، ج: 10، ص87.

[4] الجوهري، إسماعيل بن حماد، تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق : أحمد عبد الغفور العطار، دار العلم للملايين - بيروت - لبنان، ط4، 1407هـ - 1987م، ج4، ص 1470 - 1472.

[5] مسكويه، أحمد بن محمد الرازي، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت ـ لبنان، ط2، 1398هـ، ص51.

[6] الأصفهاني، الحسين بن محمد المفضل الراغب، الذريعة إلى مكارم الشريعة، تحقيق: د. أبو اليزيد العجمي، منشورات الشريف الرضي، قم - إيران، ط1، 1414هـ، ص113 - 114.

[7] الرازي، فخر الدين، التفسير الكبير، ج30، دار الكتب العلمية، طهران - إيران، [لا.ت] ص81.

[8] معجم مقاييس اللغة، مصدر سابق، ج1، ص75.

[9] لسان العرب، مصدر سابق، ج1، ص206.

[10] فتح الله، الدكتور أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري، مطابع المدوخل، الدمام - المملكة العربية السعودية، ط1، 1415هـ - 1995م، ص22.

[11] أبو حبيب، الدكتور سعدي، القاموس الفقهي، دار الفكر، دمشق - سوريا، ط2، 1408 هـ - 1988م، ص17.

[12] الجابري، الدكتور محمد عابد، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية، سلسلة نقد العقل العربي، رقم: 4، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت - لبنان، ط1، 2001م، ص44.

[13] أركون، الدكتور محمد، نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي، ط2، 2006م، دار الساقي، بيروت - لبنان، ص351/ 518.

[14] العقل الأخلاقي العربي، مصدر سابق، ص49.

[15] العقل الأخلاقي العربي، مصدر سابق، 53/ 124 - 125.

[16] بدوي، الدكتور عبدالرحمن، الأخلاق النظرية، وكالة المطبوعات، الكويت، ط1، 1975، ص أ.

[17] الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم - إيران، [لا.ت] ج1، ص370.

[18] العقل الأخلاقي العربي، مصدر سابق، ص8.

[19] معنية، الشيخ محمد جواد، فلسفة الأخلاق في الإسلام، دار التيار الجديد، بيروت - لبنان، ط5، 1412هـ، 1992م، ص54.

[20] صبحي ، الدكتور أحمد محمود، الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي: العقليون والذوقيون أو النظر والعمل، دار المعارف، القاهرة - مصر، ط2، [لا.ت]، ص13 - 30.

[21] الأخلاق النظرية، مصدر سابق، ص أ.

[22] فلسفة الأخلاق في الإسلام، مصدر سابق، ص54.

[23] فلسفة الأخلاق في الإسلام، مصدر سابق، ص54.

[24] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص246.

[25] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص245.

[26] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص246.

[27] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص248.

[28] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص 246 - 247.

[29] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص248.

[30] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص250.

[31] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص251.

[32] يراجع: نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص254.

[33] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص257.

[34] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص258.

[35] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص260 - 261.

[36] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص628.

[37] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، يراجع 261 - 262.

[38] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص246.

[39] نزعة الأنسنة في الفكر العربي، مصدر سابق، ص245.

[40] العقل الأخلاقي العربي، مصدر سابق، ص24.

[41] العقل الأخلاقي العربي، مصدر سابق، ص24.


ارسل لصديق