ظاهرة التكفير.. تخلف حضاري
كتبه: الشيخ محمد زين الدين
العدد (45) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 2065

تشكل ظاهرة التكفير في واقعنا المعاصر، سدًّا منيعاً أمام التقدم الحضاري، لما تحمل بين طياتها من عصيباتٍ وأحقادٍ كافية لأن تُلقي بالأمة في مستنقع التخلف والانهيار، فالكراهية وإقصاء الآخر الداخلي كفيلان بجعل المجتمع يسبح في بحرٍ من الدماء، فليس من السهل بمكان أن تتحكم في الواقع المجتمعي شرذمة قليلة تسعى بأفكارها المغلوطة إلى أن تحاكم مذهباً أو فرقةً من الفرق الإسلامية لمجرد الاختلاف العقدي أو الفكري.

وهذه الظاهرة في حقيقتها ليست وليدة واقعنا المعاصر، فالتاريخ يذكرنا بأول دعوات التكفير التي حكمت على مرتكب الكبيرة بالكفر، والتي شهدت سجالاً واسعاً وكبيراً بين المسلمين، ولاقت استهجاناً واسعاً منهم. مع كل تلك المواجهات تعود اليوم في أوجها.

ويعتقد بعض الباحثين أن نمو هذه الظاهرة جاء نتيجة نصوص موجودة في تراث المسلمين، ترجمتها على الواقع المعاصر بعض العقليات الإسلامية المتشددة. وبالنظر بعين الإنصاف نجد أنه هذه الظاهرة وليدة أغراض سياسية لبعض المتحكمين في مصير الأمة لتحقيق مصالحهم ومصالح العدو الخارجي من خلال إشغال الأمة بصراع مذهبي ينتهي بالتكفير.

وبالنظر في التراث الإسلامي نرى جملة كبيرة من النصوص تحكم على من شهد الشهادتين بالإيمان، ومع الشك يكون الأصل الإيمان حتى يُعلم خلافه. هذا ما أجمعت كلمة علماء الإسلام -على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم- فقهًا وفكرًا ما دمنا نتفق في الأصول الكبرى للعقيدة ونختلف في الفكرة، نتيجةً لفهم نصوص الشريعة والاجتهاد فيها.

وإن اختلفنا في بعض الجزئيات فثمة قواسم مشتركة تؤكد اتفاقنا، لو تأملنا فيها بعيداً عن الإسقاطات السياسية ونظرنا بعين الإنصاف والحقيقة.

أما التكفير لمذهبٍ أو فرقة من المسلمين، هو حكمٌ على واقعٍ اجتماعي -يتشكل منه نسيج الوطن- بالشلل والانهيار؛ إذ من الضروري لكل وطن لكي يكون قادراً على الشهود الحضاري أن ينعم أهله بالأمن والاستقرار.

إننا مطالبون بالتصدي لهذه الظاهرة إن اتفقنا على خطرها الديني والحضاري، بالعمل الجاد على بلورة رؤانا الدينية وقيمنا الحضارية التي تدعونا إلى الوحدة والعيش المشترك.


ارسل لصديق