كيف نفهم حق الزوجة في المعاشرة؟
مقاربة معاصرة في التشريع الإسلامي
كتبه: السيد محمود الموسوي
العدد (47) السنة 22 - 1432هـ/ 2011م
التعليقات: 0
القراءات: 17372

لقد جاء الحكم في التشريع الإسلامي بأن من واجبات الزوجة أن تلبي رغبة زوجها في المعاشرة متى ما أراد، وإلا عدّت ناشزاً ومقصرة في حق زوجها، وقد عبّرت فتاوى الفقهاء عن ذلك بالوجوب، وفي المقابل فإن حق الزوجة في المعاشرة مع زوجها لم يكن له هذا الوضوح في التشريع الإسلامي، بل قد ذكر الفقهاء بأن ما يحرم على الزوج بخصوص المعاشرة، هو أن يمتنع عنها مدة أربعة أشهر، عندها يكون آثماً، وعلى ذلك يكون واجباً على الزوج أن يأتي أهله كل أربعة أشهر مرة واحدة.

فكيف نفهم هذا الاختلاف وهذه المباينة في الحقوق الزوجية؟ والتي قد يرى البعض بأنها ليست متكافئة، ولا تلبي حاجة الزوجة في الفراش.

نود قبل الإجابة عن التساؤل، في هذا البحث، أن نشير إلى مجموعة حقائق مهمة فيما يختص بالحقوق في المنهج الإسلامي، باعتبارنا نتناول شأناً حقوقيًّا، وهي على سبيل المقدمات التي ينبغي أن توضع في الاعتبار عند تناول أي موضوع حقوقي، لكي تكون النظرة مستوعبة ومنصفة، وهي:

أولاً: تكافؤ الحقوق بين الجنسين:

إن حقوق الزوجية متكافئة بين الزوج والزوجة، فإن الله تعالى بعدله، وعلمه بجنس كل منهما، جعل لكل من الزوج والزوجة حقوقاً تتناسب وطبيعتهما التكوينية، لأن الخالق أعلم بمخلوقاته من أنفسهم، وقال تعالى: ﴿لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ[1] فللزوجة حقوق مثل التي عليها للزوج، ولكن لا بمعنى التساوي والتطابق التام، وإنما بمعنى أن الحقوق التي تحتاجها المرأة كأنثى لها خصوصياتها التكوينية، والفسيولوجية، ومكانتها الاعتبارية في الأسرة، كلها مكفولة لها من غير نقصان، وكذلك الحقوق التي يحتاجها الرجل بالنظر لتكوينه وبالنظر إلى موقعه الاعتباري، كلها مكفولة له غير منقوصة، فالعدالة متوفرة بالنظر للخصوصيات الجنسية لطبيعة الطرفين.

ولأن ﴿اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ[2]، فإن العدالة تقتضي أن يأخذ كل ذي حق حقه بما يتناسب ووضعه واحتياجاته هو، لا احتياجات الجنس الآخر، والمطالبة بالمساواة خلاف العدالة، فالعدالة تقتضي التكافؤ وتلبية كل لاحتياجاته.

تماماً كما نطالب بحقوق العمّال على سبيل المثال بالعدالة في الأجرة -الرواتب-، فنرى أن العدل يقتضي أن يأخذ كلٌّ حقه بما يتناسب ومؤهلاته واحتياجاته، فليس من العدل أن يتساوى كل الناس في الأجرة، فيأخذ الطبيب أجرة بمقدار ما يأخذه حارس المستشفى؟!

هذا مثال تقريبي لمسألة العدالة بين التكافؤ والتساوي.

فالمماثلة في قول الله تعالى: ﴿لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ[3]، هي الحقوق التي تناسب كل واحد من موقعيته وظروفه وحاجاته التكوينية وغيرها، ولذلك جاء ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، أي فيما يختص بمكانته الإدارية، «وذلك لأنه المدير لها، واللازم أن يكون المدير ذا مزية حتى يتمكن بمزيته من إدارة المدار»[4].

ثانياً: الحقوق والبعد الأخروي:

إن نظام الحقوق في التشريع الإسلامي، لا ينظر فيه إلى الآثار الدنيوية فحسب، بل يتصل بالآثار الأخروية أيضاً، ليحصل التوازن في الرؤية، فإن أي حق يجب على الإنسان أن يؤديه، له في المقابل أجره في الآخرة، بأضعاف ما له من الفائدة في الدنيا، فإننا إن ذكرنا أي حق للزوج أو للزوجة، فينبغي أن نضع في اعتبارنا الآثار الأخروية لذلك الواجب والحق، لأنه بذلك سيكون باباً من أبواب الجنة ورحمة وضعها الله تعالى لعباده ليحصلوا من خلالها على الثواب، بالإضافة إلى تحقيقه العدالة، وإلى نظره للاعتبارات الدنيوية.

ففي الحديث: «الدنيا قنطرة الآخرة»، وفي قول الله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى[5].

ومثال على الأثر الأخروي، والثواب العظيم الذي تحصل عليه الزوجة عند أدائها لحقوقها، قد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحجَّت بيت ربها، وأطاعت زوجها، وعرفت حق علي، فلتدخل من أي أبواب الجنان شاءت»[6].

ومثال آخر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن رجلاً من الأنصار على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج في بعض حوائجه فعهد إلى امرأته عهداً ألَّا تخرج من بيتها حتى يقدم. قال: وإن أباها مرض فبعثت المرأة إلى النبي (عليه السلام) فقالت: إن زوجي خرج وعهد إليَّ ألَّا أخرج من بيتي حتى يقدم، وإن أبي قد مرض فتأمرني أن أعوده؟ فقال: رسول الله (عليه السلام): لا، اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك. قال: فثقل، فأرسلت إليه ثانياً بذلك، فقالت: فتأمرني أن أعوده؟ فقال: اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك. قال: فمات أبوها فبعثت إليه: إن أبي قد مات فتأمرني أن أصلي عليه؟ فقال: لا، اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك. قال: فدفن الرجل فبعث إليها رسول الله (عليه السلام): إن الله قد غفر لك ولأبيك بطاعتك لزوجك»[7].

فأمام هذه الواجبات والالتزامات فإن الله لا يضيع الأجر. وهذا الجانب من الضروري أن نضعه في الحسبان، فإن أداء تلك الواجبات هي أبواب رحمة الله تعالى، كما هي عوامل لبناء المجتمع وتكامله.

ثالثاً: مراعاة الحالات الخاصة في الحقوق:

إن الحقوق ينظر فيها إلى الحالة العامة من أجل تحقيق النظام العام، فإن السمات العامة للناس هي التي تؤخذ في اعتبار الحقوق، من أجل صلاحها بشكل عام، ومن أجل تحقيق احتياجاتها الغالبة، لذلك فإن صيغة العموم في الأحكام لها تخصيصات، ولها نظر آخر للحالات ذات الاحتياجات الخاصة ولها استثناءات تفي بمتطلبات التنوع البشري، ولكن فيما لا يضر بأصل التشريع بحيث لا يحرف نظام الحقوق عن عدالته.

وذلك تحت قواعد عديدة منها ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا[8]، و﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ[9]، و«لا ضرر ولا ضرار»[10] وغيرها.

فعندما نتناول حق الزوجين في الجماع وواجب تلبية احتاجات كل للآخر في الممارسة الجنسية، ينبغي أن ننظر إلى تلك الجوانب ونضعها في اعتبارنا، ثم نتناول الموضوع لكي تكون نظرتنا وافية.

حق الزوج في المعاشرة:

لقد جاءت الأحكام الشرعية بخصوص حق الزوج في المضاجعة ومجامعة الزوجة، بألَّا تمنعه نفسها عندما يحتاج إلى ذلك وعندما يطلب منها ذلك في ظروف وحالات مختلفة، للروايات العديدة، منها: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول الله، ما حق الزوج على المرأة؟ فقال لها: أن تطيعه، ولا تعصيه ولا تتصدق من بيته إلَّا بإذنه، ولا تصوم تطوعاً إلَّا بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب..»[11].

بل وقد أرشدت الروايات الزوجة إلى ألَّا تجعل حتى صلاتها وعبادتها مانعاً لأداء حق الزوج في الجماع، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تطوّلن صلاتكن لتمنعنَّ أزواجكن»[12].

فمن تلك الروايات وغيرها، ثبت أن للزوج حقًّا على زوجته وهو الاستجابة لتلبية رغبته الجنسية وإشباعها متى ما احتاج وأراد، واعتبر الشرع المقدّس امتناعها عن ذلك نشوزاً منها.

إلا أن تلك الاستجابة من الزوجة -في وجوبها- ليست مطلقة، فهنالك حالات لا يجري فيها هذا الحكم، فهو مرهون بالاستطاعة وعدم وجود المانع الشرعي والعقلي، الذي لا يمكّن المرأة من أداء هذا الحق للزوج، مثل أن تكون في أيام حيضها، أو أن تكون صائمة صياماً واجباً، أو معتكفة واجباً، أو أن تكون مريضة، وما شابه ذلك. أو يكون ذلك ضرراً معتبراً عليها، فهنا تأتي قاعدة نفي الضرر والحرج، لتستثني تلك الموارد، فلا يكون واجباً عليها الاستجابة للزوج، بل تنقلب في بعضها إلى الحرمة كما في الصيام الواجب.

وعندما لا يجب عليها الاستجابة في تلك الظروف المختلفة، يجب على الزوج مراعاة هذه الخصوصيات.

حق الزوجة في المعاشرة:

إن للزوجة حقوقاً مهمة في الحياة الزوجية، ومنها إشباع رغبتها في المعاشرة التي تتفاوت بين امرأة وأخرى، لكيلا يكون ذلك ضرراً عليها ولا يؤدي إلى حرمانها من حاجتها الغريزية الطبيعية، كما جاء عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في رسالة الحقوق في بعض نصوصها عن حق الزوجة: «فان لها حق الرحمة والمؤانسة، وموضع السكون إليها قضاء اللذة التي لا بد من قضائها، وذلك عظيم»[13].

وكما هو الدليل العام في قوله تعالى: ﴿وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ[14]، فعلى الزوج أن يلتزم بالعشرة بالمعروف التي لا ترجع بالضرر على الزوجة في أي ناحية كانت ومنها الحقوق الجنسية، فمن هنا أفتى الفقهاء بأنه «لا يجوز ترك مجامعة الزوجة (الشابة وغيرها) إذا كان الترك مسبباً للإضرار بها أو كان مخلًّا بالعشرة معها بالمعروف».

وقد قال السيد المدرسي: «يجوز ترك المباشرة في الحالات التالية:

1- عند رضاها.

2- عند اشتراطه عليها حين العقد.

3- عدم التمكّن من الجماع بسبب أو آخر.

4- خوف الضرر عليه أو عليها.

5- نشوزها»[15].

فكما يجوز للمرأة عدم تلبية رغبة زوجها في حالات خاصة ذكرناها سابقاً مثل المرض والصوم وغيره، كذلك فإن الزوج يجوز له ترك المباشرة الجنسية مع زوجته إذا كان ذلك برضاها، أو لشرط في العقد، أو عدم التمكّن، أو خوف الضرر، أو غيبتها باختيارها أو نشوزها.

ويتأكد الحكم في ضرورة تلبية رغبة الزوجة في المعاشرة، عند خوف الوقوع في الحرام، فعندها يجب على الزوج أن يلبي رغبة زوجته في ذلك، لكيلا تقع في الحرام.

وقد جاء عن الإمام علي (عليه السلام): «إذا أراد أحدكم أن يأتي زوجته فلا يعجلها فإن للنساء حوائج»[16].

وفي هذه الرواية إشارة إلى ضرورة إشباع رغبة الزوجة.

وإن لم يحكم الفقهاء بوجوب التلبية الفورية من قبل الزوج لحاجة زوجته، إلا أن كلماتهم فيما يختص بخوف الضرر حاسمة في الموضوع، بل يمكننا أن نقول:إن الدليل العام في وجوب العشرة بالمعروف، هو بليغ في مطلوبنا.

الترك أربعة أشهر إثم:

لقد جاء في رواية عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه سأله عن الرجل تكون عنده المرأة الشابة فيمسك عنها الأشهر والسنة لا يقربها، ليس يريد الإضرار بها، يكون لهم مصيبة، يكون في ذلك آثماً؟

قال: «إذا تركها أربعة أشهر كان آثماً بعد ذلك»[17]. (زاد في رواية: إلَّا أن يكون بإذنها).

فهنا نلاحظ في هذه الرواية مجموعة حقائق:

الأولى: أن السؤال عن ترك مباشرة الزوجة ليس لأنه يريد الإضرار بها. وهنا فيها إشعار بأن الإضرار قد يحصل، ولكنه هنا ليس متحققاً بشكل قطعي، أي أن السائل قد يشير إلى عدم الضرر في هذه الحال.

الثانية: أن تركه المباشرة بسبب المصيبة، أي أن الحالة النفسية والانصراف الذهني الذي يعتري العائلة جرّاء المصيبة التي تحل بهم، تؤثر بلا شك في الرغبة الجنسية لكلا الزوجين.

الثالثة: أنه برغم عدم توفر نية الإضرار من الزوج، ولأن العائلة في أجواء مصيبة وحزن، فإن من الإثم أن يصل بالإنسان أن يترك مباشرة زوجته أربعة أشهر.

الرابعة: أن الإثم يتحقق بعد أربعة أشهر إن لم يكن هنالك إضرار أو أي طارئ آخر، أما مع الإضرار، فإن الرواية أجنبية عن مقام الإشارة إليه، لأنها رواية جوابية عن سؤال محدد، فيؤخذ حكم ذلك من عموم الأدلة أو روايات أخرى في المقام نفسه.

الأربعة أشهر والإيلاء:

قال الله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[18].

حيث جاء في باب الإيلاء -وهو أن يحلف الزوج ألَّا يباشر زوجته- أن تتربص الزوجة أربعة أشهر، ولها الحق في أن ترفع أمرها للحاكم الشرعي، ليخيّر الزوج بين الرجوع عن حلفه ومباشرة زوجته، أو الطلاق، لكيلا يقع الضرر عليها.

كيف نفهم الترك إلى أربعة أشهر؟

تلخص مما ذكرناه أن:

1- الامتناع أربعة أشهر عن مواقعة الزوجة يعدّ إثماً.

2- عند الحلف بعدم المقاربة، بعد الأربعة أشهر يجبر على المباشرة، أو يطلق.

3- يحرم الإضرار بالزوجة فيما يختص بالمعاشرة، ويجب أن يحقق العشرة بالمعروف، والذي من مصاديقه تلبية حاجاتها الأساسية في الرغبة الجنسية (وسنأتي على بيانه).

ولكي نستوعب المدة التي قررت للزوج في إباحة تركه لمقاربة زوجته، وهي الأربعة أشهر، لابد أن نعرف أن أي حكم تشريعي إنما جاء متوافقاً مع الأحكام الشرعية الأخرى، ليحصل الانسجام بين أحكام الله، ويحصل الانسجام في واقع الإنسان عندما يمتثلها. كما أنه من الضروري لحصول الانسجام التام بين الأحكام في مقام الامتثال، أن يأخذ الإنسان بأحكام الله تعالى بكاملها، ويحاول تطبيقها على نفسه وعلى أهله، لكيلا يقع في خطأ التجزيء، والأخذ بحكم دون آخر، فقد لا يحصل على الفائدة المطلوبة من ذلك الحكم لذلك السبب، لهذا جاء الاستنكار على من يُجزِّئ في الدين في قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ[19].

فكيف يحصل على لذة الصلاة والمناجاة مثلاً من يتعمد غيبة الناس أو سرقتهم وظلمهم؟ وكيف يحصل على فائدة الصوم في تحقيق التقوى من لا تصوم جوارحه؟، لذلك يقول الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة: «كم من صائم ليس له من صيامه إلَّا الظمأ والجوع، وكم من قائم ليس له من قيامه إلَّا السهر والعناء»[20].

وفي موضوع صبر المرأة أربعة أشهر في الحالات الاستثنائية التي حلف فيها الزوج أو قرّر أن يؤذي بها زوجته من خلال عدم مقاربتها، نؤكد على أن هذا الحكم لا بد أن يفهم في سياق تعاليم الدين الأخرى الخاصة بالمرأة العفيفة، في وجوب سترها وعدم اختلاطها المحرم، وغض البصر، والاستقرار في البيت وعدم الفحش في الكلام وما إلى ذلك مما يحفظ المرأة ويصونها من أي إثارات تهيج رغبتها.

ونشير إلى ما يقوله المختصون في علم النفس وشأن العلاقات الزوجية، وكذا الأطباء، في رغبة المرأة وشعورها وحاجتها للمعاشرة، يقولون: إن المرأة بحاجة في الأغلب إلى المثير في ابتداء شعورها بالرغبة الجنسية، بخلاف الرجل[21]، الذي لا يحتاج إلى عوامل خارجية تثير فيه شعور الرغبة ذاك. ويؤكد الخبراء أن «عدد الزوجات اللواتي يعادلن الرجل في الشهوة الجنسية يتراوح بين العشرة والعشرين بالمائة فقط»[22]. ولعل هذا يفسّر مدى صبر المرأة عن الممارسة الجنسية مادامت لا تتعرض لمثيرات.

فالمهلة المحددة بأربعة أشهر إنما تنظر إلى حال الزوجة دون دخالة أي مؤثر أو مثير في الموضوع، ويمكننا أن نعي ذلك من خلال معرفتنا بتوجيهات الدين في تنظيم شأن البيت الإسلامي والأسرة المسلمة، فالحال الأفضل هو أن الزوج عليه واجب الإعالة وهو من يعمل ويكدّ ليحصل على معاشه، فهو يختلط بطبيعة هذه المهمة مع الناس بمختلف أنواعهم، أي أنه معرض للإثارة بأشكال مختلفة، أما المرأة فإن الحال الأفضل أن تلتزم بإدارة البيت وتربية الأولاد وإعانة الرجل من داخل البيت، وإن جوّز لها الشرع أن تعمل، إلا أن الحال الأفضل بلا شك هو الاستغناء عن ذلك، والاهتمام بالإدارة البيتية، فبالتالي هي لا تتعرض لما يتعرض له الرجل من إثارات، نتيجة المشاهدات والاختلاطات التي تحصل للرجل.

والشرع المقدّس ينظر لحال الإنسان والمحيط الاجتماعي بكل اهتمام، فيرتب عليه الكثير من الأحكام التي تراعي الظروف المحيطة، وهذا يجعلنا نثق بأن الروايات التي جاءت لتحدد أن الرجل يأثم بتركه مباشرة زوجته بعد أربعة أشهر، إنما هي كانت تراعي النظام الأساس للزوجية، كما في قول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ[23]، وتقسيم الأدوار بين الزوج وزوجته، وطبيعة حياة المرأة في الستر وعدم التعرض للمثيرات، أما إذا اختلفت الظروف المحيطة فإن الحاجات تختلف تبعاً لها.

ضرورة رجوع المرأة إلى حياة العفاف:

ولا يعني ذلك المطالبة بتغيير حكم الله تعالى، بل لابد أن يدعونا ذلك إلى العودة إلى التقيد بالنظام الإسلامي في السلوك لتعود المرأة بخاصيتها المتماسكة العفيفة والقادرة على الانسجام مع الأحكام الشرعية.

ففي الوضع الاعتيادي المنسجم مع حياة العفاف يأتي هذا الحكم الذي نؤكد أنه لا يعني أن للزوج أن يترك معاشرة زوجته هذه المدة، وإنما يحرم عليه تركها إلى هذه المدة، ضمن الظروف المذكورة من الحلف والإيذاء، فإن المرأة يمكنها أن تصبر تلك المدة في حال وقعت في مشكلة حلف زوجها بألَّا يواقعها، وقد عللت الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) هذه المدة بأن الله تعالى يعلم بأن غاية صبر المرأة عن الرجال هي هذه المدة، كما في هذه الرواية:

عن محمد بن سليمان، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال: «قلت له: جعلت فداك، كيف صارت عدة المطلقة ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر، وصارت عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً؟ فقال: أما عدة المطلقة ثلاثة قروء فلاستبراء الرحم من الولد، وأما عدة المتوفى عنها زوجها فان الله تعالى شرط للنساء شرطاً، وشرط عليهن شرطاً فلم يحابهن فيما شرط لهن ولم يجر فيما اشترط عليهن، أما ما شرط لهن في الإيلاء أربعة أشهر إذ يقول الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فلم يجوّز لاحد أكثر من أربعة أشهر في الإيلاء لعلمه تبارك اسمه أنه غاية صبر المرأة عن الرجل، وأما ما شرط عليهن فإنه أمرها أن تعتدّ إذا مات زوجها أربعة أشهر وعشراً، فأخذ منها له عند موته ما أخذ لها منه في حياته عند الإيلاء، قال الله عز وجل: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، ولم يذكر العشرة الأيام في العدة إلَّا مع الأربعة أشهر، وعلم أن غاية المرأة الأربعة أشهر في ترك الجماع، فمن ثم أوجبه عليها ولها»[24].

فالزوجة العفيفة التي التزمت تعاليم الإسلام بغض النظر وعفة الفرج وعدم التعرّض للمثيرات، هي القادرة على الصبر إلى هذه المدة، ومع ذلك فإن الشرع يلزم الزوج بأن يتخذ قراراً حاسماً لإنهاء تركه، إما بأن يقرر الطلاق والانفصال عن زوجته، وإما أن يباشرها ويقضي حاجتها.

ومن هنا نفهم عدم الحرمة على الرجل في الأربعة أشهر -ما لم يتحول إلى أذى أو ضرر- كما في الرواية:

عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنهما قالا: «إذا آلى الرجل ألَّا يقرب امرأته فليس لها قول ولا حق في الأربعة أشهر، ولا إثم عليه في كفِّه عنها في الأربعة أشهر، فإن مضت الأربعة أشهر قبل أن يمسها فسكتت ورضيت فهو في حل وسعة، فإن رفعت أمرها قيل له: إما أن تفيء فتمسها، وإما أن تطلق»[25].

العشرة بالمعروف وحق الزوجة:

ما ذكرناه سابقاً هو في الحال الاعتيادي العام، أما إذا تغيّر العنوان، وتحقق الضرر على الزوجة بترك زوجها معاشرتها، وأصبح خلاف العشرة بالمعروف بحسب ظرف الزوجة، فإن الحكم يختلف، كما هي عمومات الأدلة التي دلت على وجوب العشرة بالمعروف، ونهت عن الإضرار، وأكدت على ضرورة إشباع رغبة الزوجة. ففي هذه الحالة يجب على الزوج أن يلبي رغبة زوجته في المعاشرة، لكيلا يقع عليها الضرر أو الحرج.

فالعشرة بالمعروف، أي «لدى العقل والشرع»[26]، من أهم مصاديقها هو تلبية الحاجة الجنسية لدى الزوجة، لما ثبت من أنها رغبة ملحة، وقد يؤدي تجاهلها إلى الانحراف، فإذا شعرت المرأة بتلك الرغبة الجامحة وشعرت بضرورة تلبيتها فعلى الزوج أن يستجيب، لكيلا يقع في الإثم جرّاء مخالفته للعشرة بالمعروف.

وبذلك حكم بعض الفقهاء بأنه «لا يجوز -على الأقوى- ترك المجامعة بالنسبة إلى الزوجة الشابة الدائمة وكذلك في غيرها، إذا كان الترك مسبباً للإضرار بها أو كان مخلًّا بالعشرة معها بالمعروف»[27].

وإذا قلنا بوجوب العشرة بالمعروف، فهذا يعني أنه يكفي وجود الحاجة العرفية لدى المرأة، مما يساهم في الحياة الهانئة والعشرة الحسنة، دون حصرها في الوصول إلى الضرر.

التشريع الإسلامي وموارد في مراعاة حق الزوجة:

استتباعاً للبحث، وتأكيداً على أن السمة الأساسية للحياة الزوجية وتبادل الحقوق فيها، إنما هو محكوم بقاعدة العشرة بالمعروف، التي تراعي احتياجات الطرفين ولا توقع عليهما الضرر أو الحرج، فإننا نسوق بعض الأمثلة من التشريع الإسلامي والتي نلاحظ في أحكامه مراعاة حقوق الزوجة في المعاشرة، وإعطائها أهمية بالغة.

1- ترك المعاشرة وحق الانفصال:

نرى في جانب آخر من الإيلاء وهو حلف الزوج بألَّا يقارب زوجته، أو في تعمد ترك الزوج المعاشرة من دون يمين، بأن الشرع يحكم بوجوب التزام الزوج بإعطاء زوجته حقها في المعاشرة، أو يقرر الطلاق، لكيلا تتأذى، ولكيلا يسلب حقها، كما في رواية حسن حفص عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إذا غاضب الرجل امرأته فلم يقربها من غير يمين أربعة اشهر استعدت عليه، فإما أن يفيء وإما أن يطلق، فإن كان من غير مغاضبة أو يمين فليس بمؤلٍ»[28].

2- حقوق الزوجة وعيوب الرجل:

ومما جاء به الشارع المقدس في حفظ حقوق الزوجة في المعاشرة، في أحكام عيوب الزوج في عقد النكاح، بحيث لا يتمكن الزوج من تلبية حاجات الزوجة في المعاشرة، سواء في عدم قدرته على الجماع، أو في خصائه، وقد ذكر الفقهاء أربعة عيوب، هي:

أ - الجنون.

ب- الخصاء.

ج- العنن «وهو مرض تضعف معه القوّة في نشر العضو بحيث يعجز عن الإيلاج»[29].

د- الجب، «وهو قطع الذكر، بشرط ألَّا يبقى منه ما يمكن معه الوطي»[30].

فإذا اكتشفت الزوجة أن زوجها عنين مثلاً، ولا يتمكن من أداء المعاشرة، فإن كان به هذا المرض قبل العقد واكتشفته بعد ذلك، فلها الخيار في قبوله أو تفسخ العقد، بل ولها الحق حتى فيما إذا أصيب بالمرض بعد العقد لوجود الضرر على الزوجة، قال ذلك السيد المدرسي، معلقاً على استثناء حق الفسخ بعد العقد: «هذا في فسخ العقد الناشئ من العيب، أما في الفراق الناشئ من تضرر المرأة بسبب عدم المباشرة الجنسية أو وقوعها في الحرج، فإن الفراق يتم حتى بعد الوطي سنين عديدة، ولعل صحيحة الكناني تدل على ذلك»[31].

وهذا يؤيد ما ذكرناه من محورية العشرة بالمعروف، واتصال ذلك بالضرر وعدمه، وصحيحة الكناني التي أشار إليها السيد المدرسي، هي:

عن أبي الصباح الكناني قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ابتُلي زوجها فلا يقدر على الجماع أبداً أتفارقه؟ قال: نعم إن شاءت»[32].

3- حق الزوجة والمضارة بالولد:

ليس للزوج أن يترك معاشرة زوجته بحجة أن بين يديها مولوداً رضيعاً، خوفاً من أن تلد عليه أو ما شابه، بحيث يكون ذلك ضرراً عليها، وكذا العكس، فليس للزوجة أن تمتنع لذات السبب، لقول الله تعالى: ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ[33]، وإن كانت الآية واردة في الضرر بالرضاعة في نفقة الوالدة أو المولود، إلا أن هذه الآية هي قاعدة عامة تنهى عن الإضرار بالزوجة استغلالاً لوضع الولادة، وبما في ذلك الضرر الجنسي، كما توضحه رواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام):

عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن قول الله عز وجل: ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ، فقال: كانت المراضع مما تدفع إحداهن الرجل إذا أراد الجماع تقول: لا أدعك إني أخاف أن أحبل فاقتل ولدي هذا الذي أرضعه، وكان الرجل تدعوه المرأة فيقول: إني أخاف أن أجامعك فأقتل ولدي فيدفعها فلا يجامعها، فنهى الله عز وجل عن ذلك أن يضار الرجل المرأة والمرأة الرجل»[34].

4- الزوج يتحمل إثم التقصير في حق الزوجة:

إن الله تعالى أودع في كل من الرجل والمرأة الحاجة والرغبة الجنسية، وأمرهما بأن يشبعانها بالطرق الشرعية، لأن إشباعها يجعل الإنسان في حصانة من الانحراف بسبب تلك الشهوة العارمة، والتي يستغلها الكثير من أهل السوء، لهذا فإن على الزوج أن يراعي هذه الحاجة، لكيلا تحصل الآثار السلبية الناشئة منها، فعليه أن يُلبي حاجة زوجته في ذلك، وإن جمع أكثر من زوجة فينبغي أن يلاحظ هذا الأمر ويضعه في الحسبان، وقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من جمع من النساء ما لا ينكح فزنى منهن شيء فالإثم عليه»[35].

فالزوج يتحمل إثم تقصيره في عدم تلبية حاجة زوجته إذا اتجهت لتلبية حاجتها من الحرام، لأنه كان السبب في لجوئها للحرام.

بمعرفة هذه الخصائص والتفاصيل نعي أن الحق مكفول للزوجة والزوج على حد سواء في التشريع الإسلامي حسب متطلبات واحتياجات كل منها للممارسة الجنسية.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة البقرة، آية 228.

[2] سورة آل عمران، آية 182.

[3] سورة البقرة ، آية 228.

[4] تبيين القرآن ، الإمام الشيرازي، ص 46.

[5] سورة الأعلى ، آية 17.

[6] وسائل الشيعة، ج20، ص 160، باب 79 ح3.

[7] الكافي، ج5، ص 514.

[8] سورة البقرة، آية 286.

[9] سورة المائدة، آية 6.

[10] وسائل الشيعة، ج12، ص365.

[11] وسائل الشيعة ج20 ص 159، باب 79 ح1 (القتب هو رحل صغير على قدر السنام).

[12] الكافي: ج5 ص 508.

[13] بحار الأنوار، ج71 - ص15.

[14] سورة النساء، آية 19.

[15] الوجيز في الفقه الإسلامي، أحكام الزواج وفقه الأسرة، ص 157، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي.

[16] وسائل الشيعة، ج14، ص 84، ب 56 ح4.

[17] وسائل الشيعة ج20 ص141 ب 71 ح1.

[18] سورة البقرة، آية 226- 227.

[19] سورة البقرة، آية 85.

[20] وسائل الشيعة، ج1 ص 73، ب 12 ح8.

[21] انظر: واجبات الزوجة الجنسية، كارل بلانشه، ترجمة علي رضا وسوزان فران.

[22] واجبات الزوجة الجنسية، كارل بلانشه، ص 159.

[23] سورة الأحزاب، آية 33.

[24] وسائل الشيعة، ج15، ص 453.

[25] وسائل الشيعة، ج22 ص 343، كتاب الإيلاء والكفارات ب 2 ح1.

[26] تبين القرآن، آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي.

[27] الوجيز في الفقه الإسلامي، أحكام الزواج وفقه الأسرة، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، ص 157.

[28] المصدر السابق.

[29] كنز المسائل والمآخذ، الشيخ عبد الله الستري البحراني، ج3، ص 430.

[30] الفقه الإسلامي (تعليقات على العروة الوثقى ومهذب الأحكام) آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، ج4، ص200.

[31] المصدر، ص200.

[32] وسائل الشيعة، ج14، ص 612، ب14، ح6.

[33] سورة البقرة، آية 233.

[34] وسائل الشيعة، ج15 ص 181 باب 72 ح1.

[35] وسائل الشيعة ج20 ص142 ب71 ح2.

السيد محمود الموسوي

ــ عالم دين، باحث إسلامي.

ــ من مواليد عام ١٩٧٣م، بني جمرة. دولة البحرين.

ــ درس العلوم الدينية في البحرين (حوزة الإمام زين العابدين) وحضر دروس العلامة الشيخ عبدالأمير الجمري، والشيخ محمد الخرسي. ثم هاجر إلى سوريا والتحق بحوزة الإمام القائم العلمية في السيدة زينب (عليها السلام).

ــ عضو هيئة التحرير بمجلة البصائر، ومدير ممثلية سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي في البحرين، والمنسق العام لمؤتمر القرآن الكريم الذي تعقده الممثلية. والمشرف العام لمؤسسة أهل الكساء الثقافية والاجتماعية الخيرية.

ــ شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات، وله محاضرات في قضايا القرآن والمجتمع والثقافة. كما أن له مقالة اسبوعية في صحف البحرين، نشر العديد من المؤلفات نذكر منها: * علي منابر من نور. * لقاء ثقافي في ريف دمشق.. لقاء مع سماحة المرجع المدرسي. * معالم العظمة.. دراسة إحصائية في مؤلفات الإمام الشيرازي. * آفاق من حركة الرسول الأعظم. * العولمة والمجتمع.. التحديات الجديدة وبرنامج المهام. * دراسات في مسارات المجتمع والحضارة.. رؤى معاصرة على ضوء القرآن.

 1 2 3


ارسل لصديق