تاريخانيّة السنّة
بين الفهم التاريخيّ وتعطيل السنّة
كتبه: الشيخ محمد حسن زراقط
العدد (47) السنة 22 - 1432هـ/ 2011م
التعليقات: 0
القراءات: 3258

بين يدي البحث

لعلّ البدء بالحديث عن المفاهيم والعناوين قدر لا مفرّ منه، فلا يمكن الوصول إلى الياء دون المرور بالألف وما بعدها. وربما لا ينبغي أن يعاب علينا التراجع قليلاً إلى الوراء كي نجدّد الانطلاق إلى الأمام، وما يعزّينا هو أمل الوصول إلى المقصد، ولو متأخّرين، ومكمن الخطر الذي ينبغي أن يخشى هو المراوحة والانشغال الدائم باختراع العجلة وعدم القدرة بعد طول المحاولات على استخدامها والاستفادة منها. ثم إنّ البدء بالمفاهيم يعزّيني على المستوى الشخصي، فحسبي أن أوضح مفهوماً إن لم أستطع الوصول إلى أحكام مقنعة أطلقها عليه أو له.

محاولات للتفاهم حول المصطلحات

التاريخيّة أم التاريخانيّة:

ولد مصطلح (Historicism) التاريخانيّة، في الغرب وترجم إلى اللغة العربية مع شيء من الإرباك وعدم الوضوح في دلالاته النهائية، فهل التاريخانيّة التي هي كلمة منحوتة حديثاً تعني فلسفة التاريخ كما يرى بعضهم؟[1] أم أنّ التاريخانيّة ما هي إلا أحد الاتجاهات في دراسة فلسفة التاريخ وغيره من الميادين العلمية عندما يكون للتاريخ دور مؤثر بحسب اعتقاد الدارس؟ ويبدو لي أنّ الأرجح هو الثاني، وذلك أنّ العودة إلى بعض المعاجم الفلسفية المتخصّصة، نجد أنّهم يعرفون المفهوم بصيغته الأجنبية (Historicism) في سياق الحديث عن المدارس التي أخذت من التاريخ وصفاً لها وعنواناً، ومن ذلك ما يأتي:

1- historical explanation

2- historical knowledge

3- historical materialism

4- historical relativism

5- historicism

وضمن هذا السياق، وفي هذه البيئة الاصطلاحية يعرّفون المصطلح بما يأتي: «التاريخانيّة وجهة نظر حاصلها أنّ فهم الأشياء لا يمكن أن يتمّ، إلا من خلال وضعها ضمن ظروفها وسياقاتها التاريخيّة. والمصطلح في الفلسفة القاريّة (continental philosophy)[2] له دلالاته الميتافيزيقيّة كما له دلالاته المنهجية. وتنطلق الرؤية التاريخانيّة من الاعتقاد بأنّ حركة التاريخ وتطوره محكومة لقوانين موضوعية ثابتة»[3]. كما يُلاحَظ عند عدد من ممثّلي هذا الاتجاه الفكري، من أمثال هيغل، وماركس الذي يرى أنّ التاريخ له قوانينه المستقلّة بالكامل عن الإنسان،[4]

ويعرف أ. آر. لايسي التاريخانيّة (historicism) بأنّها «كلمة تدلّ على كلّ الرؤى التي تولي اهتماماً خاصًّا وعناية بالتاريخ. وخاصّة تلك الرؤية التي تؤمن بأنّ الأشياء يجب أن يُنظَر إليها على ضوء تطوّرها التاريخي»[5].

والمعنى عينه مع شيء من التفصيل نجده في معجم كامبريدج للعلوم الاجتماعية حيث يميّز محرّرو المعجم بين مفهومين أحدهما ما ذكرَتْه المعاجم المشار إليها أعلاه، وهو توقّف فهم البنى الاجتماعيّة والأحداث بل والنصوص على ضوء تطوّرها التاريخي والظروف التاريخيّة التي احتضنتها[6].

وهذه هي النزعة التي حكم عليها كارل بوبر بالبؤس في كتابه الشهير «بؤس التاريخانيّة»، وقبل إدانة كارل بوبر وبعدها يتشعّب أنصار هذه الرؤية المشتركة إلى شعب ومدارس تعمل في ميادين عدة، تبدأ من فلسفة التاريخ والمتافيزيقا، ولا تنتهي عند الأدب والنقد الأدبي وغيره من أشكال التعبير الفني.

وبعد الاكتفاء بهذا القدر من الحديث عن هذا المصطلح الملتبس أنطلق من افتراض الاتّفاق -ولو الأولي والموقّت- على أنّ مرادنا من مصطلح تاريخيّة عندما نقول: «تاريخيّة السنة»، نقصد به معنى آخر ولو كان قريباً من هذا المعنى كما سوف نلاحظ فيما يأتي. ثم إنّي أودّ أن أختم في هذا الصدد بالإشارة إلى عدم وجود فرق كبير يدعو إلى اشتقاق مصطلح خاص هو التاريخانيّة بدل التاريخيّة، كما يحاول عدد من الكتاب العرب فعله وتأكيده، وإن كان الداعي إلى ذلك هو إغناء الترمينولوجيا العربيّة في هذا المجال، فلا بأس منه، وعلى أيّ حال لا مشاحَّة في الاصطلاح كما تعلّمنا في حلقات الدرس التي نعتزّ بالانتماء إليها.

التاريخيّة:

عندما يُطلَق هذا المصطلح قد يُقصَد به أحد معنيين، هما:

1- التحقّق في التاريخ: بمعنى الحدوث أو الحصول فيه، وعندما يوصَف شيء ما بالتاريخي بهذا المعنى يكون المراد هو القول: إنّه تحقّق وحصل في التاريخ. وبهذا المعنى ينطبق على كل كائن يستوعبه ظرف تاريخي محدد، سواء كان هذا الحادث أمراً ماديًّا، أم كان كائناً معنويًّا. ويعدّ هذا المصطلح بهذا المعنى من مصطلحات اللاهوت المسيحي الذي يتبنّى حضور الله في التاريخ بواسطة عيسى (عليه السلام). وما كان محلّ جدل بهذا المعنى، أو قريب منه، في التراث الإسلامي هو القرآن الكريم عندما طُرِح التساؤل المعروف الذي يقال إنّه سبب تسمية البحث حول العقائد الإسلامية بـ«علم الكلام»[7]. وهو أنّ القرآن هل مخلوق وحادث أم لا، ومن المعروف أنّ المسلمين انقسموا فريقين تبنّى فريق منهم القول بتاريخيّة القرآن أو فقل حدوثه في التاريخ، وتبنّى فريق آخر القول بقدم القرآن وبالتالي القول بعدم تاريخيّته، وتداولوا المحن بحسب تداول الدول فيما بينها. هذا وأمّا السنّة النبويّة الشريفة، فلم يقل أحد إنّها غير تاريخيّة بهذا المعنى. فمن المتّفق عليه بين المسلمين أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعيش بين الناس وصدرت عنه مجموعة من الأقوال والأفعال والإمضاءات شكّلت بمجموعها ما عُرِف بعد ذلك بالسنّة، ولم يدَّعِ أحد منهم قِدَم السنّة وخروجها من دائرة التاريخ الإنساني كما فعلوا مع القرآن.

2- التاريخيّ بمعنى الموقّت: والمقيّد بالظرف التاريخي الذي تحقّق فيه. وهذا المعنى الثاني هو محل الكلام. فالتاريخيّ بهذا المعنى؛ أي المرتهن أو التابع للظروف التاريخيّة التي تحقّق فيها وصدر خلالها. فعندما يقال سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تاريخيّة يراد عادة أنّها مرتهنة بالظروف التي ظهرت فيها صدوراً وبقاءً، وبالتالي إذا صدر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أو نهي أو تعليق على حادث أو تصرّف، فتنحصر صلاحية هذا القول والتصرّف بالظروف التي صدر فيها، ولا يمكن لمن يعيش في بيئة أخرى غير بيئته (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبني على ذلك الموقف أو يرى نفسه محكوماً له. وبعبارة أخرى تكون سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مقيّدة بالظروف والأحوال المحيطة بها، ولا ينعقد لها إطلاق أحوالي وأزماني لتشمل ما بعد عصره وخاصة العصور اللاحقة والبيئات التي تختلف عن تلك البيئة اجتماعيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا. ولتوضيح ذلك نعطي بعض الأمثلة لما قيل فيه إنّه تاريخي:

- دية قتل الخطأ: ورد في الفقه الإسلامي أنّ دية قتل الخطأ تحملها العاقلة وهم الأقارب الذكور، ففي رواية عن الإمام علي (عليه السلام)، في رجل قتل مسلماً وادّعى عدم وجود قرابة له في البلد الذي قُتِل فيه، وادّعى أنّه من أهل الموصل، فكتب الإمام (عليه السلام) إلى عامله على الموصل قائلاً: «أما بعد فإنّ فلان بن فلان وحِلْيَتُه كذا وكذا قتل رجلاً من المسلمين خطأ وقد ذكر أنّه من أهل الموصل وأنّ له بها قرابة.... فافحص عن أمره وسل عن قرابته... فاجمعهم إليك ثم انظر، فإن كان هناك رجل يرثه له سهم في الكتاب... فألزمه الدية وخذه بها ثلاث سنين...»[8]. فقد قيل في هذا الحكم؛ أي تحمّل العاقلة دية قتل الخطأ الذي يستند إلى هذه الرواية وغيرها من الروايات الدالة على هذا الحكم، إنّ طابعه ينسجم مع المجتمع القبلي القائم على التضامن بين أبناء القبيلة الواحدة. وأمّا في المجتمعات غير القبلية وفي عصر التأمين والمسؤولية الفردية، فلا معنى لمثل هذا التشريع، وبالتالي لا يمكن العمل بهذا التدبير التشريعي حتى لو كان صادراً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عن غيره ممّن يعدّ قوله حجّة على اختلاف المذاهب الإسلاميّة في توسيعها لدائرة السنة وتضييقها لها[9].

- قضية الرق: يرى بعض الكتّاب ومنهم سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن»، أنّ الإسلام لم يشرّع الرق، وإنّما جاء وتعامل معه كأمر واقع ومن باب المجاراة للناس، ومن عباراته في هذا المجال: «وذلك حين كان الرق نظاماً عالميًّا تجري المعاملة فيه على المثل في استرقاق الأسرى بين المسلمين وأعدائهم، ولم يكن للإسلام بد من المعاملة بالمثل، حتى يتعارف العالم على نظام آخر غير الاسترقاق»[10]. وممن تبنّى الموقف نفسه تقريباً الشيخ محمد الغزالي الذي يقول في سياق نقاشٍ مع من يدعو إلى إلغاء حدّ السرقة؛ بحجّة أنّه فلينسخ كما نُسِخ غيره من التشريعات الإسلامية: «...قصّة الرقيق التي نتحدّى الإنس والجنّ أن يأتوا بنص في القرآن يأمر بالاسترقاق... ولكنّ الجهل المركب جعل المدافع عن الضلال يقول: إنّ فيه أمراً قرآنيًّا نسخه المسلمون... ولكنّ الأمر بالاسترقاق موجود في العهد القديم... لأنّ الإسلام جاء والرقيق موجود في القانون الروماني والدنيا مليئة بالإماء والجواري والعبيد... والإسلام جاء ومنع الاختطاف وهو أساس الاستعباد... صحيح أنّ الإسلام استبقى نظام العبودية كما يسمّى؛ من قبيل المعاملة بالمثل؛ لأنّه يستحيل تحريمه إلا بمعاهدة دولية، ومن الجنون أن أحرّم الرق وأترك أولادي يُسترَقّون ويُخطَفون...»[11].

ونكتفي بهذين المثالين اللذين نحسب أنّهما يضيئان على الفكرة إلى حد كبير، ونختم بنص ذي دلالة واضحة على المراد من نظريّة تاريخيّة السنة لننتقل بعد ذلك إلى البحث حول مفهوم السنة: «وتعني فهم الأحاديث في سياقها التاريخي، بما يوجب حصر مفهومها الظاهري في إطار زمكاني، مما يعني حصوله إلغاءً أو تعديلاً في الصورة المستنتجة، ومن ثمّ حصول تغيّر ما في الحكم الشرعي على تقدير كون الحديث ممّا يتصل بالجانب العملي. هذا هو بالضبط ما نعنيه بتاريخيّة السنة...»[12].

مفهوم السنة:

السنّة في اللغة من مادة (س ن ن)، وسنُّ الحديد إسالته وتحديده، «وباعتبار الإسالة، قيل سننت الماء؛ أي أسلته. وسنّة الوجه: طريقته، وسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) طريقته التي كان يتحرّاها، وسنّة الله تعالى: قد تقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته...»[13]. ومن الملفت استخدام كلمتي: «سنة» و«شريعة» للدلالة على المعنيين اللذين تدلان عليهما في البيئة الاصطلاحية الإسلامية، فهل لهذا الأمر دلالاته التاريخيّة أيضاً؟

وأمّا في الاصطلاح، فالسنّة بعد أن استقرّت على معنى اصطلاحي هي كما عند التهانوي، مثلاً: «... على معانٍ منها الشريعة، وبهذا المعنى وقع في قولهم الأولى بالإمامة الأعلم بالسنّة...، ومنها ما هو أحد الأدلّة الأربعة الشرعيّة، وهو ما صدر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من قولٍ ويُسمَّى الحديث، أو فعلٍ أو تقريرٍ... ومنها ما يعمّ النفل وهو ما فعلُه خيرٌ من تركه من غير افتراض ولا وجوب... ومنها الطريقة المسلوكة في الدين ونعني بالطريقة المسلوكة ما واظب عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يتركه إلا نادراً...»[14] وبالتأمل في تعريف التهانوي للسنّة نجد أنّه استقصى أكثر المعاني التي استُخدِمت فيها كلمة سنّة، في ألسنة الفقهاء وفي الروايات. ولعلّ في الإشارة إلى بعض هذا التنوّع الاصطلاحي فائدة.

فقد استُخدِمت كلمة «سنَّة» بمعنى النفل وفي مقابل الواجب في العبارات الآتية:

النفل: من النماذج التي يستشف منها النفل في مقابل الوجوب في الفقه الإمامي، تعبير ابن بابويه القمي: «السنَّة في أهل المصيبة أن يُتَّخذ لهم ثلاثة أيام طعاماً لتشغلهم في المصيبة»[15]، ويحتمل أن يكون هذا بمعنى الطريقة المسلوكة. ومنه أيضاً: و«السنّة أنّ القبر يُرفَع أربعة أصابع مفرّجة من الأرض..»[16]، وقد ورد تعبير يلمح إلى استخدام السنة بمعنى المستحب في نصّ للشيخ الصدوق يقول فيه: «ولو أنّ رجلاً نذر أن يشرب خمراً، أو يفسق، أو يقطع رحماً، أو يترك فرضاً أو سنّة؛ لكان يجب عليه ألَّا يشرب الخمر ولا يفسق ولا يترك الفرض والسنة...»[17]، وفي نصّ آخر للشيخ المفيد يظهر منه هذا المعنى بشكل أوضح يقول: «باب صفة الوضوء والفرض منه والسنّة، والفضيلةُ فيه: وإذا أراد المحدث الوضوء من بعض الأشياء التي توجبه من الأحداث المقدّم ذكرها فمن السنّة أن يجعل الإناء الذي فيه الماء عن يمينه...»[18]، وفي نصّ آخر له يقول: «ووضوء المرأة كوضوء الرجل سواء، إلا أنّ السنّة أن تبتدئ المرأة في غسل يديها بعد وجهها بباطن ذراعيها...»[19]. وقد بقي المصطلح يُستخدَم في هذا المعنى حتّى عصور متأخِّرة من تاريخ الفقه الإمامي، ومن ذلك تعبيرهم بـ«قاعدة التسامح في أدلّة السنن»، وما شابه من العبارات التي تدلّ على إرادة النفل أو الاستحباب من كلمة سنّة، كما في عبارات عدد من الفقهاء المعاصرين، ومن ذلك العبارة التي تتكرّر في كثير من الرسائل العملية للمراجع المعاصرين: «إنّ كثيراً من المستحبات المذكورة في أبواب هذه الرسالة يبتني استحبابها على قاعدة التسامح في أدلّة السنن، ولما لم تثبت عندنا فيتعين الإتيان بها برجاء المطلوبية...»[20].

السنّة بمعنى الطريقة المسلوكة (المشروع): إذا افترضنا أنّ المراد من مفهوم الطريقة المسلوكة في النصّ المنقول عن التهانوي هو الطريقة المشروعة، فإنّ أوضح استخدامات كلمة سنة في هذا المعنى عندما يستخدم الفقهاء تركيب «طلاق السنّة» في مقابل «طلاق البدعة»، وهذا المعنى متدوال بكثرة في عبارات الفقهاء المتأخرين خاصّة. ومن المعاني التي يمكن أن تندرج في هذا السياق تعبير في سياق الطلاق أيضاً؛ ولكنّه يدلّ على طريقة خاصة في الطلاق والرجعة، وهو تعبير مروي في الفقه الإمامي عن الأئمة (عليهم السلام): «طلاق السنّة، هو إنّه إذا أراد الرجل أن يطلِّق امرأته، تربّص بها حتّى تحيض وتطهر ثمّ يطلّقها من قبل عدّتها بشاهدين عدلين فإذا مضت بها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر فقد بانت منه وهو خاطب من الخُطَّاب، والأمر إليها إن شاءت تزوّجته وإن شاءت فلا»[21].

السنّة بمعنى الدليل: وقد تطوّر مصطلح السنّة في العرف الاصطلاحيّ الفقهي والأصولي إلى أن استقرّ على العبارة المعيارية الآتية: «السنّة هي قول المعصوم وفعله وتقريره»، وهذا المعنى يتكرّر عند كلّ محاولة فقهيّة أو أصوليّة لتعريف السنّة، سواء في ذلك الفقه الإمامي الذي يستعمل فيه أحياناً مصطلح حديث وسنّة بمعنى واحد[22]، أم في الفقه السنيّ على اختلاف مذاهبه ومشاربه[23]. وعلى أيّ حال هل يختلف حال السنّة بين أن تكون تقريراً أو فعلاً وبين أن تكون قولاً؟ يبدو لي وبشكل أوّلي على الأقلّ وجود فرق بين أشكال السنّة الثلاثة، وذلك لاتفاق الفقهاء على أنّ الفعل لا إطلاق له، وإنّما يدلّ على الجواز وربما يستفاد منه غير الجواز مع توفر بعض القرائن الدالة، ولكن بشرط تشابه الظروف التي صدر فيها مع الظروف التي يراد إثبات حكمها، استناداً إلى هذا الفعل، وسيأتي مزيد معالجة لهذه النقطة بالتحديد.

تجلّيات تاريخيّة السنة في التراث الفقهي الأصولي

لا بدّ من الاعتراف بادئ ذي بدء بأنّ فكرة التاريخيّة ولو بحدودٍ سوف نحاول اكتشافها فيما يأتي، ليست جديدة بالكامل على ساحة الفكر الإسلامي عموماً والأصولي والفقهي منه على وجه التحديد، وسوف نحاول استعراض تجلّيات هذا الأمر في التراث الفقهي الإسلامي فيما يأتي من هذه المقالة:

منطلقات عامة:

1- النسخ: النسخ من الظواهر المعروفة بين الشرائع كما في داخل الشريعة الواحدة، وقد تجادل المسلمون واليهود في إمكانه، ووقع جدال آخر بين المسلمين أنفسهم في وقوعه بعد الاتفاق على إمكانه، وبالغ بعضهم بالإشارة إلى عشرات الأحكام المنسوخة في الشريعة الإسلاميّة. وناقش آخرون في أكثر الموارد التي صُنِّفت في باب الناسخ والمنسوخ. يقول السيد الخوئي، في بحثه حول النسخ في كتاب البيان: «في كتب التفسير وغيرها آيات كثيرة ادُّعي نسخها. وقد جمعها أبو بكر النحاس في كتابه «الناسخ والمنسوخ» فبلغت 138 آية. وقد عقدنا هذا البحث لنستعرض جملة من تلك الآيات المدّعى نسخها ولنتبيّن فيها أنّه ليست -في واقع الامر- واحدة منها منسوخة، فضلاً عن جميعها. وقد اقتصرنا على 36 آية منها، وهي التي استدعت المناقشة والتوضيح لجلاء الحق فيها، وأما سائر الآيات فالمسألة فيها أوضح من أن يُستدلّ على عدم وجود نسخ فيها»[24]. وينتهي بعد البحث في المسألة وتمحيص ما يراه الحقّ فيها، إلى أنّ النسخ ممكن ولكنه لم يقع في القرآن، أو على الأقل لا يوجد له مثال يمكن الجزم به[25]. وانطلاقاً من إمكان النسخ، وبناء على فرضية وقوعه، يمكن عدّه شكلاً من أشكال تاريخيّة التشريع؛ وذلك لأنّ مبرّر النسخ المعقول والوحيد بحسب الظاهر، هو تبدّل الظروف التاريخيّة المحيطة بالتشريع الأول ما يدعو إلى استبداله بتشريع جديد، ولولا تبدّل الظروف والأوضاع لما أمكن النسخ للزوم نسبة الجهل إلى الله -تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً- أو إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو لا ينسجم مع مبدأ العصمة التي يؤمن بها الإمامية على الأقل. ولكن لا بدّ من الاعتراف بأنّ النسخ حتى في ميدان السنة ليس بتلك الدرجة من الوضوح لغموضٍ يعتري الأمثلة التي تذكر عادة في لهذه الحالة[26].

2- التدرّج: التدرّج في تبليغ الأحكام أيضاً هو تجلٍّ وشكل من أشكال تاريخيّة السنة، وذلك أنّ السنّة النبويّة الشريفة سواء كانت فعلاً أم قولاً أم تقريراً، إنّما هي فعل تحقق في التاريخ وهي إما تعليق على فعل من شخص وإقرار له على فعله، وإما جواب عن سؤال طرحه أحد أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه فأجاب عنه، أو مبادرة من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للدعوة إلى شيء وتغيير واقع سيِّئ يريد تغييره. وحبّذا لو أمكن فتح باب البحث في أسباب صدور السنّة كما فُتِح باب البحث في أسباب النزول، ومهما يكن من أمر فالأحكام الصادرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره من المعصومين لم تصدر دفعة واحدة. إلا أنّ هذا الشكل من أشكال التاريخيّة قد يبدو بعيداً عمّا نحن بصدده، فالكلام هو في بقاء ما ثبت من السنّة وخلوده، لا في أصل ارتباط بيان السنّة بالظروف التاريخيّة؛ ولكنّه على أي حال شكل من أشكال التاريخيّة وإن لم يكن محلّ نقاش. والسيد الخوئي واحد من الفقهاء الذين يتبنَّون نظريّة التدرّج في بيان الأحكام وخاصة عند الأئمة (عليهم السلام): «...إنّ ديدن الأئمة (عليهم السلام) جرى على التدرّج في بيان الأحكام وما اعتُبِر فيها من القيود والشروط ولم يبيّنوها بقيودها وخصوصيّاتها في مجلس واحد مراعاة للتقية ومحافظة على أنفسهم وتابعيهم من القتل أو غيره من الأذى أو لغير ذلك من المصالح...»[27].

منطلقات أصولية فقهية:

أشرت فيما سبق إلى المنطلقات العامة لتاريخيّة السنة، وتحدّثت عن منطلقين هما النسخ والتدرّج في بيان الأحكام، وتحت هذا العنوان سوف أحاول الحديث عن التجلّيات الأصوليّة والفقهيّة لنظريّة تاريخيّة السنّة.

1- تقييد السنّة بإطار صدورها:

إنّ كثيراً من الروايات التي تحكي عن بعض مصاديق سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الأئمة (عليهم السلام) تقيّد بظروف صدورها خلال معالجتها الفقهيّة ومحاولة الفقهاء اكتشاف الحكم الشرعي من خلالها. والتعبير الذي يُستخْدَم عادة في هذا السياق هو «قضية في واقعة». ولجلاء حقيقة الحال سوف أستعرض بعض النماذج التي يحكم فيها بعض الفقهاء على رواية بأنّها خاصة بالواقعة التي صدرت فيها.

- ينقل المحقق الحلي رواية عن محمد بن قيس عن الإمام الباقر (عليه السلام): «في وليدة نصرانية، أسلمت عند رجل وولدت منه غلاماً ومات، فأُعتِقت وتزوَّجت نصرانيًّا وتنصّرت وولدت. فقال (عليه السلام): ولدها لابنها من سيدها، وتحبس حتى تضع. فإذا وضعت فاقتلها[28]، وفي النهاية يفعل بها ما يفعل بالمرتدة» ويعلق المحقق على هذه الرواية بأنّها «شاذة»[29]. وأما صاحب الجواهر فيعلّق عليها بأنّها قضية في واقعة رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) المصلحة في قتلها ولو من حيث زناها بنصراني وغيره»[30].

- وفي المختصر النافع يقول: «إذا تداعيا خُصًّا قُضِي لمن إليه القمط (الحبل الذي يشد به الخص)... وعن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّ عليًّا (عليه السلام) قضى بذلك وهي قضية في واقعة»[31].

- يطرح الفقهاء في كتاب الجهاد، مسألة جواز عقد الذمة والتأمين بين آحاد المسلمين وبين المحاربين، فيميّز عدد منهم بين إعطاء الذمة لآحاد المحاربين وبين إعطائها لأهل إقليم أو جماعة منهم. ويستند المجوزون إلى فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث أجاز ذمام الواحد لحصن من الحصون. وأمّا المانعون من ذلك فيعلِّق كثير منهم بأنّ فعل الإمام وإجازته ذلك هو «قضية في واقعة» فلا يجوز التعدي عنها إلى غيرها من الحالات[32].

- ومن هذه الموارد أيضاً ما ينقل عن الإمام علي (عليه السلام) في قضيّة ستة غلمان في الفرات فغرق واحد فشهد اثنان على ثلاثة وبالعكس، أنّ الدية أخماس بنسبة الشهادة[33].

- وينقل ابن فهد الحلي رواية عن مبارزة جرت بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أحد المشركين، حيث عرض المشرك على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) المصارعة فسأله ماذا يجعل له إن صرعه، فصرعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم طلب منه العود وهكذا إلى المرة الثالثة، وأخيراً سأله المشرك أن يعرض عليه الإسلام ففعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأسلم الرجل فأعاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه غنمه. ويردّ ابن فهد الاستدلال بالرواية على جواز الرهان على المصارعة، لأنّ الرواية قضية في واقعة[34].

هذا ولكنّ بعض الفقهاء وخاصة ذوي الاتجاه الأخباري يرفضون ربط بعض هذه الروايات بظروفها ويعمّمون حكمها إلى غيرها من الحالات، ففي رواية عن الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على رجل من ولد عبد المطلب وهو في السَّوْق (نزع الروح) وقد وجِّه إلى غير القبلة، فقال وجّهوه إلى القبلة، فإنّكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة...»، وهذه الرواية ردّها العلامة في المعتبر بأنّها قضيّة في واقعة فلا تدلّ على العموم[35]. ويعلِّق صاحب الحدائق على هذا الموقف من العلامة بقوله: «وأنت خبير بما فيه من الوهن والقصور؛ إذ لو قام مثل هذا الكلام لانسدّ به باب الاستدلال في جميع الأحكام، إذ لا حكم وارد في خبر من الأخبار إلا ومورده قضية مخصوصة، فلو قصر الحكم على مورده لانسدّ باب الاستدلال فإنّه إذا سأل سائل الإمام إنّي صلّيت وفي ثوبي نجاسة نسيتها، فقال: أعد صلاتك، فلقائل أن يقول في هذا الخبر كما ذكره هنا (أي إنّه قضية في واقعة)، مع أنّه لا خلاف بين الأصحاب في الاستدلال على جزئيّات الأحكام والنجاسات مما هو نظير هذه الواقعة»[36]. هذا ولكنّه في مورد آخر له صلة بحالة قضاء يعالج بعض الأخبار المتعارضة ويقترح لحل التعارض الحكمَ على أحد الخبرين بأنّه «قضية في واقعة»[37]، ويكشف هذا الموقف عن قبوله لفكرة تقييد بعض السنة بظروف صدورها، فهل هو تهافت من الشيخ البحراني وقبول تارة لعين ما أنكره أخرى؟ يبدو لي أنّ الدفاع عن الشيخ البحراني ممكن ومتاح، بوجود فرق بين الحالتين فهذه الحالة الأخيرة هي حالة قضاء، وفي القضاء يمكن تقييد الحكم القضائي بالواقعة التي صدر فيها، وأما حالة التوجيه إلى القبلة فليست قضاء بل هي أمر نبوي وإن كان صادراً في حالة خاصة. وسوف أحاول لاحقاً تقويم هذه الحالة من تاريخيّة السنة بين الفقهاء بعد الحديث عن تاريخيّة السنة الفعليّة.

2- تاريخيّة السنة الفعلية:

يبدو من النقاشات التي تدور بين الفقهاء حول حجيّة فعل المعصوم وحدود دلالته أنّ كثيراً من الأفعال التي يستدلّ بها، تُقيَّد بالظروف التي صدرت فيها، أي تحصر دلالة الفعل في حدود البيئة التي صدر فيها، فإذا خفي شيء من الظروف لم يعد بالإمكان توسيع دلالة هذا الفعل والاستناد إلى عمومه أو إطلاقه للحالات المشابهة. وتوضيح ذلك أنّه إذا شاهدنا الإمام (عليه السلام) يصلّي صلاة الظهر ركعتين بدل الأربع أو وردت بذلك رواية ولم نعرف هل كان مسافراً أم حاضراً، أو هل كان مريضاً أم معافى، أو هل كان في حالة حرب أم في حالة سلم، إلى غير ذلك من الخصوصيّات التي يمكن أن تكون مؤثِّرة في صلاته بهذه الطريقة، لا نستطيع الاستفادة من هذا الفعل والحكم بجواز قصر صلاة الظهر دائماً، كما في المثال. وهذا الأمر أي حصر دلالة الفعل بحدود الظروف المشابهة، هو من الأمور المتّفق عليها في علم الأصول، وإليك بعض النصوص في هذا المجال. يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر: «أما الفعل فتارة يقترن بمقال أو بظهور حال يقتضي كونه تعليميًّا فيكتسب مدلوله من ذلك، وأخرى يتجرّد عن قرينة من هذا القبيل، وحينئذ فإن لم يكن من المحتمل اختصاص المعصوم بحكم في ذلك المورد دلّ صدور الفعل منه على عدم حرمته بحكم عصمته، كما يدلّ الترك على عدم الوجوب لذلك، ولا يدلّ بمجرده على استحباب الفعل ورجحانه إلا إذا كان عبادة -فإنّ عدم حرمتها مساوق لمشروعيّتها ورجحانها- أو أحرزنا في مورد عدم وجود أيّ حافز غير شرعي، فيتعيّن كون الحافز شرعيًّا فيثبت الرجحان، ويساعد على هذا الإحراز تكرارُ صدور العمل من المعصوم، أو مواظبته عليه مع كونه من الأعمال التي لا يقتضي الطبع تكرارها والمواظبة عليها»[38].

ويتابع الصدر بحثه من خلال طرح أسئلة عدّة حول دلالة الفعل، من قبيل: هل يدلّ الفعل على عدم كونه مرجوحاً، وخاصة مع التكرار؟ ويعلّق الإجابة على الموقف الكلامي من فعل المعصوم. وينتهي أخيراً إلى السؤال الأساس وهو: هل يمكن استفادة الحكم الشرعي للمكلَّف في كلّ عصر من فعل المعصوم؟ ويجيب عن السؤال بقوله: «إنّ هذه الدلالات إنّما تتحقّق في إثبات حكم للمكلَّف عند افتراض وحدة الظروف المحتمل دخلها في الحكم الشرعي، فإنَّ الفعل لمّا كان دالًّا صامتاً وليس له إطلاق، فلا يعيّن ما هي الظروف التي لها دخل في إثبات ذلك الحكم للمعصوم، فما لم نحرز وحدة الظروف المحتمل دخلها لا يمكن أن نثبت الحكم»[39].

وتولّد هذه الإجابة سؤالاً آخر، وهو أنّ صدور الفعل عن المعصوم وعصمته التي هي من أهمّ خصائصه، ينبغي أن تمنع من الاستفادة من فعل المعصوم بالكامل، وبالتالي يؤدّي ذلك إلى سدّ باب استنباط الأحكام الشرعيّة من السنّة الفعليّة! وهذه إشكاليّة لا بدّ من حلّها، والحلّ من وجهة نظر الصدر يستفاد من الوصف القرآنيّ للمعصوم بأنّه «أسوة حسنة». ومن هنا، فإنّ الأصل في أفعاله أن تصدر عنه من هذه الجهة، إلا ما ثبت بدليلٍ خاصّ أنّه من الأحكام الخاصة به[40]. وعلى أيّ حال يبدو أنّ هذا الموقف من دلالة فعل المعصوم، هو موقف يتبنّاه أكثر الأصوليين، وإن كان هو أكثرهم دقّة في التعبير عنه[41].

المنطلق الروائي لتاريخيّة بعض السنّة:

ولا تقتصر منطلقات قصر السنّة على ظروف خاصة، على ما تقدّم وحده بل تتّسع هذه المنطلقات لتنضمّ السنّة نفسها إليها، ففي الروايات الواردة عن المعصومين (عليه السلام)، ما يشير إلى تقييد بعض السنّة بظروف صدورها وهي روايات عدّة أكتفي بالإشارة إلى بعض النماذج منها:

- النهي عن مغادرة بلد الوباء: ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: سألت عن الوباء يكون في ناحية المصر فيتحوّل الرجل إلى ناحية أُخرى، أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره. فقال: «لا بأس إنّما نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك لمكان ربيئة كانت بحيال العدوّ، فوقع فيهم الوباء فهربوا منه، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): الفارّ منه كالفارّ من الزحف كراهية أن يُخلُوا مراكزهم»[42]. ومن الواضح أنّ هذه الرواية تشير إلى فلسفة النهي عن مغادرة البلد الموبوء، وبالتالي تقيّد النهي النبويّ بالظروف التاريخيّة التي صدر فيها.

- حبس لحوم الأضاحي: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى أن تُحبَس لحوم الأضاحي في منى فوق ثلاثة أيام من أجل الحاجة، فأمّا اليوم فلا بأس»[43]. وهذه الرواية أيضاً تبيّن فلسفة النهي النبوي عن حبس لحوم الأضاحي وتبرّر ذلك بحاجة الناس إليها، وأمّا مع ارتفاع الحاجة، فقد تبدّل الحكم وأُلغي النهي السابق.

- النهي عن أكل لحوم الحمير: عن محمد بن مسلم وزرارة، أنّهما سألا الإمام الباقر (عليه السلام) عن أكل لحوم الحمر الأهليّة؟ فقال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أكلها يوم خيبر؛ وإنّما نهى عن أكلها في ذلك الوقت؛ لأنّها كانت حمولة الناس، وإنّما الحرام ما حرّم الله في القرآن»[44]. وهذه أيضاً كسابقتيها، وتوجد غير هذه الروايات ممّا يدلّ على المعنى نفسه، وهو أنّ بعض الأوامر أو النواهي المنقولة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، صدرت في ظروفٍ خاصّة ولا بدّ من فهمها في إطار الظرف التاريخيّ الذي صدرت فيه، ولا تُعمَّم دلالتها إلى غيره من الظروف التي قد تختلف في مقتضياتها.

دواعي لا تاريخيّة السنّة ومبرِّراتها

في مقابل ما تقدّم من المبرِّرات لإثبات تاريخيّة السنّة، يبرّر الفقهاء اعتمادهم على السنّة وتعميم دلالةِ ما تدلّ عليه إلى غير العصر والظرف التاريخي الذي صدرت فيه، بمبرّرات عدّة، منها:

1- خلود الشريعة وختم النبوّة: من البديهيّات الأوّلية التي ينطلق منها الفقه الإسلامي عبر تاريخه والمعاصر منه كذلك، فكرة خلود الشريعة الإسلاميّة وأنّ النبوّة خُتِمت برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وترتكز هذه الفكرة على أدلّة كلاميّة لا أجد ضرورة للخوض فيها بالتفصيل، وتعبِّر عنها القاعدة المشهورة: «حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة...»[45]. وممّا يؤدّي المعنى نفسه، الرواية النبويّة المشهورة: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة»[46]. ويترتّب على فكرة خلود الشريعة أنّ باب النسخ قد أُقفِل بانقطاع حبل الوحي من الأرض، والحكم بتاريخيّة السنّة ما هي إلا نسخٌ سُمّي باسم معاصر. وكما أنّ نسخ القرآن ممنوعٌ بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كذلك نسخ السنّة فكلّ منهما وحي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى?[47].

2- انسداد باب الاستفادة من السنّة: يرى بعض الفقهاء أنّ فتح باب احتمال تقييد القضيّة بواقعها يسدّ باب استنباط الأحكام من السنّة، وقد نقلنا قبل قليل نصًّا عن الشيخ يوسف البحراني يشير إلى هذا المعنى بشكل دقيق، وبعبارة أخرى إذا كنّا نؤمن بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بيّن خلال حياته مجموعة من الأحكام وكان لكلّ منها مناسبة بشكل أو بآخر، فإنّ كلّ كلام يصدر عن إنسان يعيش في بيئة اجتماعيّة يرى نفسه مسؤولاً عنها ومدبِّراً ومديراً لشؤونها، لا بدّ أن يكون ما يصدر عنه من مواقف وأوامر ونواهٍ وتوجيهات مرتبطاً بتلك البيئة إمّا لإصلاح فاسد من أمورها، وإما لتأسيس واقع غير موجود وهكذا. فإذا أردنا ربط كلّ قضيّة من القضايا بالبيئة والظروف التي صدرت فيها، لم يعد من مجال للاستفادة من السنّة، ولا يبقى إلا القرآن، والقرآن أوّلاً ليس فيه تفصيل كلّ الأحكام ولا يغطِّي جميع الوقائع، مع العلم أنّه هو نفسه، يدعو إلى العمل بالسنّة والتأسّي بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن المعلوم أنّ الفقهاء عندما يستدلّون على حجيّة السنّة، إنّما يستدلّون بالقرآن، ولا تكفي السنّة لإثبات حجيّة نفسها للزوم الدور.

3- الإطلاق والعموم الأزماني والأحوالي: من المباحث التي يتعرّض لها الأصوليّون مبحث المطلق والمقيّد، وهو بحث طويل الذيل كثير التفاصيل كما يعلم المطّلعون على هذا العلم والذين خبروا تدقيق الفقهاء والأصوليين في مثل هذه المباحث. والمقصود بالإطلاق هو إرسال الكلام دون تقييده بفردٍ أو حالةٍ أو صفةٍ، فيقول الفقهاء إنّ المتكلّم الحكيم لو كان يريد فرداً خاصًّا لكان عليه بيان ذلك بذكر القيد الذي يدلّ عليه، مثلاً لو كان المطلوب من المكلف قراءة سورة خاصة من القرآن في الصلاة أو في غيرها من الحالات، لما صحّ من الله الحكيم ولا من النبيّ أن يأمرا بقراءة القرآن دون ذكر تلك السورة المرادة. ويعبّرون عن هذه القاعدة بقولهم: «المتكلم الحكيم يقول ما يريد، ويسكت عمّا لا يريد». ومبدأ الإطلاق كما ينطبق على أفراد المكلّفين أو متعلّقات التكليف في عصر، كذلك ينطبق على العصور اللاحقة، فيقال: لو كان الحكم الذي أعلنه رسول الله خاصًّا بزمانٍ دون آخر، وببيئة تاريخيّة دون أخرى؛ لكان عليه أن يبيّن ذلك في كلامه ولا يوهم الناس خلود الحكم وهو ليس خالداً؛ ويضاف هذا إلى وجود عدد من النصوص النبوية تشير إلى التفات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بل والمسلمين أيضاً، إلى العصور اللاحقة[48]، ولا يُستفاد من النصوص أنّه كان يعتني بأهل عصره ويغفل ما بعده من العصور وأهلها. وما قيل عن الإطلاق يقال عن العموم حرفاً بحرف. ويرى الفقهاء في بعض حالات التعارض الأوّلي، أنّ ظهور اللفظ في العموم الأزماني قوّي إلى درجة يُرجَّح على النسخ، ومثال ذلك إذا ورد خاص مثل: «لا تكرم العلماء الفاسقين»، ثم ورد بعده عام متأخّر معارض له، كقوله: «أكرم العلماء». ففي مثل هذه الحالة يدور الأمر بين اعتبار الخاص منسوخاً لاغياً وبين تخصيص العام به، فيقول عدد من العلماء: إنّ تخصيص العام أولى من عدّ الخاص منسوخاً لقوة دلالته على الاستمرار والدوام[49].

4- المورد لا يخصّص الوارد: من القواعد المقرَّرة في الفقه الإسلامي إلى جانب قاعدة تقييد بعض السنن بالواقعة التي صدرت فيها، ويستند كثير من الفقهاء إلى هذه القاعدة في كلّ مرة يريدون توسعة القضيّة والاستفادة منها في غير المورد الذي قيلت فيه[50]. وليست هذه القاعدة منفصلة عمّا تقدّم، بل هي مرتبطة بها وذلك أنّ عدم تخصيص الوارد بالمورد، لا يعني الأخذ بالوارد كيفما كان، بل الأخذ به حيث يساعد النص على ذلك تبعاً لما فيه من عموم أو إطلاق[51].

5- الاستناد إلى الظهور العرفي: يتّضح ممّا تقدّم أنّ استناد الفقهاء إلى رواية والفتوى على أساسها لا يكون إلا بعد الاقتناع التامّ، بظهورها العرفي في الدوام والاستمرار ومن أهمّ ما يكشف عن هذا ما تقدّم من حكمهم على بعض الروايات بأنّها قضيّة في واقعة، وهذا يعني أنّهم ملتفتون إلى تاريخيّة بعض السنن، وما فتواهم بمقتضى رواية إلا لأنّ لها دلالة عرفيّة على الدوام والاستمرار، وهذا هو ديدن أهل اللغة في تفسير الكلام، فهم عندما يريدون تفسير رأي شخص في مسألة وأنّ مضمونها هو بحسب رأيه حكم ثابت لها إلى الأبد أم موقّت بوقت، فإنّما يفعلون ذلك تبعاً لما يدلّ عليه كلامه في النصّ المراد تفسيره.

هذه هي أهمّ المبرّرات التي يستند إليها الفقهاء للتمسّك بعموم السنّة بلحاظ الزمان، ولا شكّ في إمكان وجود غيرها من الدلائل الدالّة على هذه الحقيقة التي إن أهملها الأصوليون ولم يبحثوها فذلك لوضوحها وإحساسهم بعدم الحاجة إليها. ونتيجة ما تقدّم من مبرّرات لتاريخيّة السنّة وللاتاريخيتها، يبدو أنّه لا يمكن اعتماد أحد الرأيين ومعارضة الآخر بالكامل، فبعض السنة هو تاريخي من دون شك، وبعضها الآخر خالد ولا تنتهي مدة صلاحيته. وبعد فالمهمّ هو تحديد وسائل التمييز بين التاريخي وغيره.

معايير في التمييز بين التاريخي وغيره:

لقد كنّا نشكو ونحن في حلقات الدرس من عدم وضوح الدوافع التي تدعو الفقيه مرّة إلى إغفال الخصوصيّات الواردة في الرواية وتعميم دلالتها أحياناً، والوقوف على حرفيّة الرواية أحياناً أخرى ودعوى عدم إمكان غضّ النظر عن الخصوصيّات الواردة في الرواية. وكنا نشعر أنّ الأمر يعتمد على الذوق الفقهي الذي يتطوّر نتيجة ممارسة العمل الفقهي والاستنباط، ونشكّ في بعض الحالات ونتّهم الفقيه بالذاتية وعدم السير في مثل هذه الأمور وفق منهجٍ محدّد له قواعده وضوابطه الصارمة. وقد قرأت خلال العمل على إعداد هذه الدراسة نصًّا للمحقّق النراقي استوقفني وأسفت لأنّه لم يتوسّع في البحث بما يستحقّ ليؤسّس لقواعد منهجيّة واضحة تساعد على ضبط التوقّف عند الخصوصيّات التاريخيّة وتجاوزها. ولحسن ما ذكر النراقي أسمح لنفسي بتقرير وجهة نظره أوّلا ثمّ أحاول متابعة ما بدأه لعلّي أحظى بشرف المحاولة ولو لم أنل حظوة الوصول إلى ما يساهم في تطوير مسيرة البحث والاستنباط الفقهي.

محاولة النراقي في العوائد:

يشكو النراقي في كتابه «عوائد الأيام» من عدم وضوح منهج الفقهاء في التعامل مع «حكايات الأحوال» كما يسمّيها، ويقصد الروايات التي تدلّ على ما كان يفعله النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الأئمّة (عليهم السلام)، سواء كان ذلك في القضاء أو في غيره من الحالات. ويذكر أمثلة عدّة أفتى الفقهاء على أساسها ولم يعترض أحد منهم بأنّها قضيّة في واقعة، بينما نراهم في حالات أخرى يردّون الاستدلال بمثل هذه الروايات بحجة أنّها قضيّة في واقعة. «فكيف الحال؟» على حدّ تعبيره.

يرى هو أنّ حكاية الحال لا بدّ فيها من ثلاث خصوصيات حتّى يمكن تعميمها والاستفادة منها لغير الواقعة التي تعالج حكمها.

الأولى: أن ترد في جواب يصدر من الإمام (عليه السلام) عن سؤال يوجّهه إليه أحد السائلين، كما في كثير من الحالات التي يستشهد فيها الإمام (عليه السلام) في جوابه بقضاء من أقضية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو أمير المؤمنين (عليه السلام) أو فعل من أفعالهما، ومن الواضح أنّه لا معنى للاستشهاد بالقضية إن كانت في واقعة، فيكشف استشهاد الإمام بها عن أنّها سنّة ثابتة وقاعدة في القضاء أو في غيره.

الثانية: أن يكون الموضوع المراد اكتشاف حكمه من حكاية الحال مساوياً لموضوع القضيّة بحيث لا يحتمل وجود فرق بين الأمرين، كما لو كان ما ورد في السنّة، حكماً في قضية جمل، فلا أحدَ يحتمل أنّه لو كان فرساً أو غيره لاختلف الحكم، فعندما يتنازع اثنان في جمل فيحكم الإمام لمن هو في يده، في مثل هذه الحالة لا يحتمل اختلاف الحكم لو كان محلّ النزاع فرساً، بل وربّما سيارة في عصرنا هذا.

الثالثة: التعميم بتنقيح المناط القطعي أو الأولويّة، كما لو حكم الإمام لمن أتى ببيّنة من شاهدين، فلا أحد يحتمل أن من أتى بثلاث شهود لا يحكم له[52]. هذا تمام كلامه بشيء من التصرّف وإضافة الأمثلة.

تعليق ومحاولة:

رغم حسن ما نقلت عن النراقي واستحساني إيّاه واعترافي له بالفضل في هذه الإشارات التي كنت أتمنّى لو أكملها ليصل بها إلى أقصى غاياتها المتاحة، إلا أنّه يصعب قبول الأمرين الأخيرين بسهولة، فتنقيح المناط القطعي عهدته على من يتنقح عنده المناط، والثاني عدم الفرق ينفع فيما لو كانت كل ظروف القضيّة واضحة، ولكن عندما تخفى بعض الملابسات تشكل إمكانيّة التعميم، ومثال ذلك إذا ورد في رواية أنّ الخصمين أتيا ببيّنة فحكم الإمام بالبيّنة الأولى. هنا نقول مع النراقي نعم لا فرق بين كون المتنازع فيه جملاً أو فرساً ولكن ليس هذا هو المهم، بل المهم هو معرفة لماذا حكم بمقتضى البينة الأولى؟ فهل السبق في إقامة الشهادة مرجّح من المرجّحات في باب القضاء؟ هنا يمكن لأي فقيه أن يقول هذه قضيّة في واقعة، فربّما حكم الإمام بعلمه، بناء على جواز ذلك له على الأقلّ، وبحسب علمه بضعف البيّنة الثانية حكم بالأولى دون أن يبيّن لنا سبب ذلك ودواعيه. ولذلك لا بدّ من متابعة تحديد بعض الضوابط الصالحة لتكون قواعد، ولست أدّعي القدرة على حسم ذلك في مثل هذه الدراسة، فإنّني أقرّ بحاجة هذه الضوابط إلى اختبار؛ والاختبار يحتاج إلى استقصاء العدد الأكبر من الروايات لتعرف دقّة ما يُدَّعى.

- حالة القاعدة: في بعض الحالات قد تقترن القضيّة الواردة في واقعة بما يوحي بأنّها تؤسّس لقاعدة عامّة في مجال التشريع، وفي مثل هذه الحالات يقوى احتمال لا تاريخيّة السنة؛ ولذلك أمثلة كثيرة في الروايات المنقولة، منها قضيّة معروفة هي قضيّة سمرة بن جندب الذي باع بيته واحتفظ بنخلة وأصرّ على حقّه في الدخول إلى نخلته دون استئذان، وبعد عروض عدّة قدّمها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لصاحب النخلة، أذن لصاحب الدار بقلع النخلة ورميها إليه، وقال: «لا ضرر ولا ضرار»[53]، وكذلك بعض الروايات التي يستدلّ بها الأصوليون لإثبات الاستصحاب، فإنّ بعضها ينتهي بتأسيس قاعدة عامّة مفادها أنّ اليقين لا ينقض بالشكّ[54].

- حالة التكرار: في عدد من الروايات الواردة في وقائع نقاط مشتركة تتكرّر بين روايات عدّة، مثلاً عندما ترد مجموعة من الروايات تبيّن أموراً مختلفة وتشترك في أمر واحد، كما لو ورد في باب القضاء أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الإمام (عليه السلام) قضى في أمر بكذا، وفي آخر بكذا، وفي ثالث بثالث، وكانت بين هذه الأقضية الثلاثة نقطة مشتركة هي الحكم بحسب البينة. فإنّه يمكن استفادة حجيّة البيّنة وكونها من وسائل الإثبات في النظام القضائيّ الإسلاميّ في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو في غيره من العصور.

- حالة التكرار: في بعض الحالات قد ترد روايات خاصّة بوقائع متعدّدة، ولكن نلاحظ أنّ الحكم فيها واحد، ففي مثل هذه الحالة يكشف تكرار الموقف النبويّ الواحد تجاه عدد من الوقائع عن كون ما ورد هو القاعدة التي ينبغي أن تُتّبع في مثل هذه الحالات والحالات المشابهة، حتّى لو بَعُدَ الزمان.

- حالة الأمر العباديّ: إنّ قسماً كبيراً من الروايات الصادرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) تتحدّث عن العبادات والأمور العباديّة، وفي مثل هذه الأمور يضعف احتمال التاريخيّة، لأنّ طبيعة العبادة مبنيّة على التوقيف والامتثال، ولا داعي أو مبرّر يدعو إلى طرح احتمال التاريخيّة، فإذا وردت رواية بالتيمّم بالتراب في حالة فقد الماء، فلا داعي يدعو إلى طرح احتمال استبدال الماء بغيره من السوائل في حالات فقده والاستغناء به بدل التراب الذي دلّت السنة على كونه هو البديل عن الطهارة الترابيّة.

ما تقدّم بعض الضوابط التي تساعد على نفي التاريخيّة، ولكن توجد بعض المؤشرات التي قد تساعدة على دعوى تاريخيّة السنّة، ومن ذلك ارتباط السنّة بأمر اجتماعي متغيّر وعدم ظهور الخبر الناقل للسنّة في العموم والتأبيد. مثلا ورد في القرآن والسنّة إمكان نفي الولد بالتلاعن بين الزوجين؟ وفي عصرنا هذا استجدّت وسائل تساعد على إثبات النسب ونفيه كاختبارات الحمض النوويّ، فهل نقتصر في نفي النسب على ما ورد في النصّ، مع افتراض أنّ ما ورد في النص لا يدلّ على أكثر من كون مضمونه وسيلة من الوسائل وليس وسيلة منحصرة.

وفي بعض الحالات أيضاً توجد مؤشّرات ترفع منسوب احتمال التاريخيّة، ومثال ذلك الروايات التي يستدلّ بها على حرمة الرسم والنحت، ومن الروايات الصحيحة التي يستدلّ بها الفقهاء: رواية صحيحة عن محمّد بن مسلم يقول فيها: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر والشمس والقمر؟ فقال: «لا بأس ما لم يكن شيئاً من الحيوان»[55]؛ فإنّنا أوّلاً عندما ننظر في هذا الحكم في البيئة الثقافيّة الإسلاميّة يقوى في أذهاننا أنّ علّة التحريم هي محاربة الإسلام للوثنيّة، وثانياً عندما ننظر في غيرها من الروايات الواردة حول هذا الأمر نجد أنّ محلّ الابتلاء بحسب ما تكشف عنه الروايات الواردة في أبواب الصلاة، هو كيفيّة التعامل مع هذه الرسوم أثناء الصلاة، وإذا ضممنا إلى ذلك كلّه أنّ البلاد التي كان فيها الراوي لم تكن بلاداً لتصنيع الرسوم والمنحوتات، والراوي نفسه لم يكن رسّاماً أو نحاتاً، فعندما تضمّ كلّ هذه القرائن إلى بعضها، يصعب علينا الفتوى بتحريم النحت أو الرسم بناءً على هذه الرواية، خاصة بعد ملاحظة أنّ وجهة السؤال غير واضحة في الرواية. وأخيراً ممّا يقوّي احتمال التاريخيّة ورود بعض الروايات المخالفة للقاعدة والجوّ التشريعي العام، ففي مثل هذه الروايات لا بدّ من تقييدها بظرفها التاريخي التي صدرت فيه.

خاتمة

في ختام هذه الدراسة اتّضح لنا أنّ التعامل مع السنّة النبويّة الشريفة والسنّة الإماميّة لا يمكن أن يتمّ بطريقة واحدة ولا بدّ من التمييز بين رواية وأخرى، فبعض الروايات صدرت وقيّدت بظرفها التاريخي، وبعضها الآخر صدرت لتكون قاعدة عامّة للأجيال إلى أن يشاء الله غير ذلك. وبناء عليه لا بد من التعامل مع كلّ واقعة على حِدَة، وكما أنّ الحكم على السنّة كلّها بأنّها تاريخيّة مجافٍ للصواب ومجانبٌ للحقّ وتعطيل مذموم للشريعة التي تمثّل السنّة أحد أهمّ أركانها، كذلك الأخذ بكل ما ورد في السنة، دون التمييز بين ما يريد صاحب السنّة (صلى الله عليه وآله وسلم) تخصيصه بظرف وما يريد تعميمه، هو قول على الله والنبيّ بغير علم.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] انظر: زهير توفيق، «التاريخانيّة بين المؤرخ والفيلسوف»، مقالة منشورة في جريدة الحياة، بتاريخ: 1-12-2007؛ نقلاً عن: موقع كنيسة القديسة تيريزا بحلب، على الرابط الآتي: http://www.terezia.org/section.php?id=1245

تاريخ الدخول إلى الموقع: الأربعاء، 16 حزيران، 2010؛ حيث يعطف الكاتب في أكثر من مورد تركيب: (فلسفة التاريخ) على (التاريخانيّة)، بحرف العطف (أو).

[2] الفلسفة القارية، هي: مصطلح فلسفة قارية في معناه المعاصر يدلّ على مجموعة من المدارس الفلسفية التي تنشط في أوروبا، وتفكر خارج نمط وإطار الفلسفة التحليلية، وتتسع دائرة معنى هذا المصطلح لتشمل الظواهرية، والمثالية الألمانية، والوجودية على تنوع اتجاهات هذه المدارس والفلاسفة الذين ينتمون إليها.

[3] Nicholas Bunin And Jiylian Yu, The Blackwell Dictionary of Western Philosophy, Blackwell Publishing, 2004, Pp. 307.

[4] Ibid.

[5] A. R. Lacey, A Dictionary of Philosophy, third edition, Routledge, London, 1996, P. 136.

[6] Bryan S. Turner (editor), The Cambridge Dictionary of Sociology, Cambridge University Press, Cambridge, 2006, P. 271.

[7] كما تشير إلى ذلك أكثر كتب علم الكلام عند بحثها حول سبب التسمية، وانظر كمثال على ذلك: التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، مكتبة لبنان، ناشرون، بيروت، 1996، ص31.

[8] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، تحقيق علي أكبر غفاري، جامعة المدرسين، قم، 1404هـ، ج4، ص140.

[9] انظر: الشيخ آذري قمي، في كلمة له في مؤتمر علمي عقد في مدينة قم، نقلاً عن: حيدر حب الله، نظريّة السنة في الفكر الإمامي: التكون والصيرورة، دار الانتشار العربي، بيروت، 2006، ص736.

[10] سيد قطب، في ظلال القرآن، ج3، ص1669؛ ويكرر هذا المعنى أو ما يشبهه في موارد أخرى عند تفسير الآيات ذات الصلة بالرق وأحكام العبيد.

[11] الشيخ محمد الغزالي، في تسجيل مرئي منشور على موقع: إخوان تيوب: www.ikhwantube.org/video، بعنوان: الرق في الإسلام للشيخ العلامة محمد الغزالي، تاريخ زيارة الموقع: 16-6-2010.

[12] حيدر حب الله، نظريّة السنة في الفكر الإمامي الشيعي: التكون والصيرورة، مصدر سابق، ص713.

[13] الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة (س ن ن).

[14] التهانوي، مصدر سابق، ص979 - 980.

[15] علي بن بابويه القمي، فقه الرضا، ص172.

[16] المصدر نفسه، ص175.

[17] الشيخ الصدوق، الهداية، ص280.

[18] الشيخ المفيد، المقنعة، ص43.

[19] الشيخ المفيد، المقنعة، ص45، وغيرها من الموارد المشابهة، مثل: «ومن توضأ على ما شرحناه... فقد أتى بالفرض والسنة..» (المصدر نفسه، ص45). ومن ذلك أيضاً قوله: «واقتصاره على التكبيرة الإحرام مجزٍ له في الفرض والسنة (المصدر نفسه، ص111).

[20] السيد أبو القاسم الخوئي، منهاج الصالحين، ط 28، مدينة العلم، قم، 1410هـ، ج1، ص12.

[21] الشيخ الصدوق، الهداية، ص271.

[22] الشيخ البهائي، الجبل المتين، ص4؛ الشيخ البهائي، مشرق الشمسين، ص269؛ النراقي، عوائد الأيام، ص165؛ محمد علي الأنصاري، الموسوعة الفقهية المختصرة، ج3، ص508؛ ضياء الدين العراقي، نهاية الأفكار، ج1، ص19؛ السيد محسن الحكيم، حقائق الأصول، ج1، ص12؛ السيد محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، ج1، 62؛ السيد الخوئي، أجود التقريرات، ج2، ص123؛ السيد محمد الروحاني، منتقى الأصول، ج4، ص317...

[23] أبو حامد الغزالي، المنخول من تعليقات الأصول، ط3، دار الفكر، دمشق، ص127؛ الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ط2، المكتب الإسلامي، دمشق، 1402، ج3، ص107؛ وغيرهما كثير ولو بعبارات مختلفة.

[24] السيد أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ط4، دار الزهراء، بيروت، 1975، ص277.

[25] المصدر نفسه، ص279.

[26] رغم اعتراف عدد من الباحثين في هذا المجال بإمكان نسخ السنة بالكتاب، وإمكان نسخ السنة المتواترة بمثلها، إلا أنه يوجد تشكيك في بعض الأمثلة التي تذكر لذلك، ومن الأمثلة التي يشار إليها في سياق البحث عن هذه الحالة التشريعية: أحاديث بريدة وهي مجموعة من الروايات تتضمن إذناً من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نهي سابق، وهي: «كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء»، (صحيح مسلم، ج6، ص98). و«كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، فكلوا وادخروا» (سنن ابن ماجة، ج2، 1055). و«كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة» (سنن ابن ماجة، ج1، ص501). للاطلاع على النقاش في صحة هذه الأمثلة: انظر: علي أكبر غفاري، دراسات في علم الدراية، (تحقيق وتخليص)، ط1، جامعة الإمام الصادق، طهران، 1369، ص262.

[27] السيد الخوئي، الاجتهاد والتقليد، ط3، دار الهادي، قم، 1410هـ.، ص161؛ وفي الفقه السني يرى سيد سابق أن الخمر حرمت على نحو التدرج. انظر: سيد سابق، فقه السنة، دار الكتاب العربي، بيروت، ج2، ص368. ويناقش بعض الفقهاء في صحة هذا التحليل لتحريم الخمر.

[28] النص المنقول أعلاه منقول عن كتاب الشرائع، وأما النص كما هو في الوسائل فهو الآتي: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة كانت نصرانية فأسلمت وولدت لسيدها، ثم إن سيدها مات (وأوصى بها) عتاقة السرية على عهد عمر فنكحت نصرانيًّا ديرانيًّا وتنصرت فولدت منه ولدين وحبلت بالثالث، فقضى فيها أن يعرض عليها الإسلام، فعرض عليها الإسلام فأبت، فقال: ما ولدت من ولد نصرانيًّا، فهم عبيد لأخيهم الذي ولدت لسيدها الأول، وأنا أحبسها حتى تضع ولدها، فإذا ولدت قتلتها» (الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج28، ص331.)

[29] المحقق الحلي، شرائع الإسلام، تحقيق صادق الشيرازي، ط2، الاستقلال، طهران، 1409هـ، ج3، ص689.

[30] الشيخ محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج34، ص384.

[31] المحقق الحلي، المختصر النافع، مؤسسة البعثة، طهران، 1410هـ، ص277. وانظر أيضاً في القضية نفسها: الفاضل الآبي، كشف الرموز في شرح المختصر النافع، ط1، جامعة المدرسين، قم، 1408هـ، ج2، ص508؛ وابن فهد الحلي، المهذب البارع، جامعة المدرسين، قم، 1411هـ، ج4، ص487، ويقول ابن فهد الحلي، في تعليقه على مورد آخر: «والحق أن هذه قضية في واقعة، وقضايا الوقائع لا يجب تعديها إلى نظائرها» (المصدر نفسه، ج5، ص202).

[32] انظر مثلاً: المحقق الحلي، شرائع الإسلام، ج1، ص238؛ والشهيد الثاني، مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام، ج3، 29.

[33] انظر: الشهيد الأول، اللمعة الدمشقية، تحقيق علي الكوراني، ط1، دار الفكر، بيروت، 1411هـ.، ص259.

[34] ابن فهد الحلي، مصدر سابق، ج3، ص83.

[35] المحقق الحلي، المعتبر في شرح المختصر، مؤسسة سيد الشهداء، قم، 1364هـ. ش، ج1، ص258.

[36] الشيخ يوسف البحراني، الحدائق الناضرة، جماعة المدرسين، قم، ج3، ص355؛ والموقف نفسه يكرره السيد الكلبايكاني، في: كتاب الطهارة من تقريرات درسه، ج1، ص158.

[37] الشيخ يوسف البحراني، الحدائق الناضرة، ج25، ص33.

[38] السيد محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، ط2، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1406هـ، ج1، ص232.

[39] المصدر نفسه، ص232 - 233.

[40] المصدر نفسه.

[41] انظر: السيد الخوئي، مصباح الفقاهة، ط3، وجداني، قم، 1371هـ.ش.، ج1، ص335، «إن فعل المعصوم وإن كان حجة كسائر الأمارات المعتبرة، إلا أنه مجمل لا يدل على الوجوب»؛ السيد الكلبايكاني، تقريرات الحج، مخطوط، نقلاً عن برنامج المعجم الفقهي، «فإن الفعل من حيث هو لا دلالة له إلا على الجواز، وأما وجه الجواز وأنه هل كان مضطراً على ذلك أو لا فلا يدل الفعل على ذلك...»؛ محمد علي الأنصاري، الموسوعة الفقهية الميسرة، مجمع الفكر الإسلامي، قم، 1415هـ، ج1، 436، «إذا فعل المعصوم شيئاً فإن دلالته على الجواز بالمعنى الأعم المقابل للحرمة واضحة؛ لأنه لا يفعل الحرام، وأما دلالته على خصوص كونه واجباً أو ... فغير واضحة».

[42] الحر العاملي، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، ج2، ص429 - 430.

[43] المصدر نفسه، ج14، ص170.

[44] المصدر نفسه، ج24، ص117.

[45] أصول الكافي، ج1، ص58، باب البدع والمقائيس، حديث 19.

[46] ابن أبي جمهور الإحسائي، عوالي اللآلي، ط1، مطبعة سيد الشهداء، قم، 1403هـ، ج1، ص456.

[47] سورة النجم: الآيتان 3 - 4.

[48] فقد ورد في الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سئل: أحجنا لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد. وفي بعضها الروايات: «للأبد إلى يوم القيامة».

[49] الشيخ علي المشكيني، اصطلاحات الأصول، ط5، الهادي، قم، 1413هـ، ص242.

[50] انظر: الشيخ محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج1، ص215؛ وج15، ص450؛ وج17، ص94؛ والسيد محسن الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، ج1، ص190. إلى غير ذلك من الموارد وهي كثيرة.

[51] انظر كمثال على هذه الالتفاتة: السيد محسن الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، ج2، ص350.

[52] المحقق النراقي، عوائد الأيام، العائدة 72، ص 74.

[53] الكليني، الكافي، ط3، دار الكتب الإسلامية، 1367هـ، ج5، ص293.

[54] الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج1، ص473.

[55] الحر العاملي، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت، قم، ج5، ص308.

الشيخ محمد حسن زراقط


ارسل لصديق