الوضع في الحديث الشريف
دراسة في المواجهة وأساليبها
كتبه: حيدر حب الله
العدد (47) السنة 22 - 1432هـ/ 2011م
التعليقات: 0
القراءات: 5051

تمهيد

لا يختلف اثنان من دارسي الحديث النبوي وغيره في وجود ظاهرة الوضع في الحديث، وأنّ هناك في التاريخ من مارس هذا الكذب والدسّ في أحاديث النبي والصحابة وأهل البيت.

بل إنّ الحديث النبوي المتواتر، كما عدّوه، يصرّح -برأي البعض على الأقلّ- بأنّ الكذب على الرسول قد شهد بداياته في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ النبي كان يحذّر دائماً من الكذب على لسانه، في إشارة منه وتوجّس لما سيؤول إليه الحال بعد وفاته.

ومن الواضح عند باحثي السنّة والحديث أنه من الضروري دراسة هذه الظاهرة التي تفشّت في كتب المسلمين، بهدف تمييز الأحاديث وردّ الموضوع والأخذ بما سواه، ومن هنا تماماً جاءت هذه الوريقات، لتدرس أساليب المواجهة مع الحديث الموضوع، ولتعالج السبل التي قد تساعد على اكتشاف الأحاديث الموضوعة.

1- مواجهة ظاهرة الوضع، دراسة تاريخية وتحليلية

لم يقف العلماء المسلمون مكتوفي الأيدي إزاء ظاهرة الوضع، بل هبّوا لمواجهتها، وقد استخدموا وسائل متعدّدة في هذا المجال، وتركوا آثاراً قيمة تستحق الوقوف عندها، دون أن تزول الحاجة إلى مزيد من الجهود في هذا المضمار.

ويمكن مطالعة هذه الجهود ضمن العناوين التالية:

1- 1- أصول مواجهة الوضع في الحديث في التراث الإسلامي

اعتمد العلماء المسلمون أصولاً في مواجهة الوضع في الحديث أبرزها:

الأول: تشييد علوم النقد السندي

فقد سعى بعض العلماء المسلمين منذ القرن الهجري الثاني لإحياء ثقافة التثبت في الأسانيد وتقويمها والاحتياط فيها، وذلك عبر الطرق التالية:

1- تشييد علم الرجال والجرح والتعديل، حيث ألّفت عشرات الكتب والموسوعات في القرون الهجرية الستّة الأولى، تبحث في أحوال الرواة وأوضاعهم ومصنفاتهم، وعمّن رووا، وعمّن روى عنهم؛ لتصبح الأسماء منكشفةً أمام الباحثين في الحديث يعلم حال ولو شطر معتدّ به منها. وقد بذل نقاد الجرح والتعديل جهوداً مضنية في تتبع أحوال الرواة على أكثر من صعيد وتركوا لنا نتاجاً تراثيًّا هائلاً يستحقّ كل الشكر والتقدير.

2- كشف الكذبة والوضاعين، وذلك إما بكتب مستقلّة صنّفت في الضعفاء الذين يستوعبون الوضاعين تلقائيًّا، كما فعل العقيلي في كتاب الضعفاء، وابن الغضائري في كتاب الضعفاء، والبخاري في الضعفاء الصغير، والنسائي في كتاب الضعفاء والمتروكين، وابن داوود الحلي في القسم الثاني من كتاب الرجال، وابن حبان في كتاب المجروحين، وأبو نعيم الإصفهاني في كتاب الضعفاء، وابن حجر في كتاب طبقات المدلّسين، وغيرهم من العلماء الذين تفرّغوا للبحث في أحوال الضعاف -ومنهم الكذابون والوضاعون- مجوّزين فضحهم أمام المسلمين، تقديماً للمصالح الإسلامية الكبرى على حماية الحقوق الشخصية لهؤلاء.

وقبل عصر المصنفات الكبيرة هذه، كان أئمة أهل البيت ووجوه علماء أهل السنّة مثل عامر الشعبي وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي.. يبثون مواقف كثيرة جدًّا في كشف بعض الوضاعين والكذابين، ويحذّرون منهم بأسمائهم وأحوالهم، وقد أشرنا إلى بعض ذلك سابقاً.

3- تأسيس علوم الحديث وما يرتبط بها، لمعرفة أنواع الأسانيد من الاتصال والانقطاع والإرسال والرفع والوقف والتدليس والعنعنة والإدراج والقلب وغير ذلك الكثير، وظلّ هذا العلم عظيماً نافعاً، يكشف أحوال الأسانيد بعد التئام رواة السند فيها، كما كان علم الرجال ينظر في أحوال رجال السند، لكن كلًّا على حدة غير ملحوظين في هيئتهم الاتصالية التي جمعهم السند فيها.

وهكذا، ومن خلال هذه الخطوات الثلاث، تم اعتماد التثبت في الأسانيد والتزامها وعدم التساهل في أمرها تحسّباً لتزييف كذاب هنا أو اختلاق وضّاع هناك.

الثاني: تشييد علوم النقد المتني

فقد قام العلماء في علم الدراية وخارجه بوضع قواعد لنقد متن الحديث تسهّل اكتشاف الحديث الموضوع أو تجعل الناظر قريباً من ذلك، مثل قوانين العرض على الكتاب، أو العرض على روايات الثقات ومدى تشابه الحديث معها، وغير ذلك مما بحثوه في علم نقد المتن، وسوف يأتي بعض ذلك في الأبحاث القادمة، بعون الله تعالى.

الثالث: التصنيف في علم الموضوعات

صنّف العلماء المسلمون العديد من الكتب في موضوعات الحديث، ومنها:

1- تذكرة الموضوعات، لمحمد بن ظاهر المقدسي (507هـ).

2- كتاب الأباطيل، للحافظ الحسن بن إبراهيم الهمداني الجوزقي (543هـ).

3- الموضوعات، لابن الجوزي (597هـ).

4- الدر الملتقط في تبيين الغلط، للصاغاني (650هـ).

5- الموضوعات، لابن تيمية الحراني (728هـ).

6- المنار المنيف، لابن قيم الجوزية (751هـ).

7- اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، لجلال الدين السيوطي (911هـ).

8- تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، لابن عراق (963هـ).

9- تذكرة الموضوعات، لجمال الدين الفتني (986هـ).

10- الموضوعات الكبير، للملا علي قاري (1014هـ).

11- المصنوع في معرفة الحديث الموضوع، للملا علي قاري (1014هـ).

12- الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، لمحمد بن علي الشوكاني (1255هـ)، وله -كما ذكر الطهراني في الذريعة- كتاب التعقيبات على الموضوعات، والنكت البديعات على الموضوعات، كما نسب في الذريعة كتاباً باسم المجرّدات عن الموضوعات، للشيخ سراج الدين حسن المعروف بالشيخ فدا حسين، لكنّ عنوان الكتاب يظهر منه التنزيه عن الموضوع لا العكس[1].

13- الموضوعات في الآثار والأخبار، لهاشم معروف الحسني (1403هـ).

14- الأخبار الدخيلة، لمحمد تقي التستري (1405هـ).

15- سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، لمحمد ناصر الدين الألباني (1420هـ).

هذه الكتب وغيرها حاولت كشف الأحاديث الموضوعة في التراث الإسلامي، وساهمت -ولو أخفقت هنا وهناك- في تنشيط ثقافة نقد الحديث الموضوع.

1- 2- الشيعة في سياق حركة مواجهة الوضع

من الواضح أنّ الشيعة الإمامية يتقدّمهم أئمة أهل البيت (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سعوا لمواجهة الحديث الموضوع وحركة الوضع في الحديث، تارةً من خلال التحذير من الكذابين، وطوراً من خلال تأليف بعض الكتب المخصّصة لحال المتّهمين والضعفاء والكذابين، مثل ضعفاء ابن الغضائري، وقسم المتروكين من بعض الكتب الأخرى، وثالثة عبر الاهتمام في بعض الحقب والعصور بعلم الرجال والجرح والتعديل، إلى غير ذلك من طرق نقد المتن والسند التي استخدمها العلماء عبر التاريخ.

لكن الملاحظ هنا أنّ الإمامية لم يتركوا كتاباً في الأحاديث الموضوعة، ولعلّ أول كتاب -كما يرى بعض الباحثين المعاصرين[2]- هو كتاب «الأخبار الدخيلة» الذي أنهى مؤلّفه الشيخ محمد تقي التستري المجلّد الأول منه عام 1369هـ، فيما أنهى المجلّد الرابع والأخير منه عام 1401هـ.

يطرح هذا الأمر تساؤلاً: لماذا لم تشتغل الإمامية على التصنيف في الموضوعات كما اشتغل سائر المسلمين؟ هذا ما قد يثير تساؤلاً آخر: لماذا تُهمَل دراسات علم الحديث والدراية عند الشيعة، حتى أنّ أقدم مصنّف في ذلك يعود إلى القرن العاشر الهجري مع الشهيد الثاني وربما قبله بقليل؟[3]، حتى أنّ الإخباريين حاربوا بشدّة هذا العلم واعتبروه سنّيًّا، وقلّما وجدنا تهمة الوضع والكذب في حقّ شخص في مصادر الرجال الإمامية، نعم، الضعف موجود، لكنّ الوضع والكذب قليل، كما يذهب إلى ذلك الدكتور عبد الهادي الفضلي أيضاً[4].

هل هناك إشكالية ما في هذا الموضوع تستدعي اليوم نهضة حديثية شيعية تستعيض ما فات أم أنّ الوضع بشكله هذا صحّي لا إشكال فيه؟

ثمّة وجهات نظر في هذا الموضوع، وهي:

الأولى: ما يراه الدكتور عبد الهادي الفضلي، حيث يذهب إلى أنّ العامل السياسي الناتج عن دعم السلطة الأموية وغيرها للوضّاعين لم يكن موجوداً في الوسط الشيعي الإمامي، لهذا قلّ الحديث الموضوع عندهم جدًّا، الأمر الذي استتبع عدم وجود اهتمام عظيم بالموضوعات على غرار ما حصل عند الفرق الإسلامية الأخرى، وأنّ العنصر الأبرز للوضع عند الشيعة كان الغلوّ، من هنا حاربه أهل البيت وواجهوه وأضعفوه[5].

لكنّ هذا التفسير غير دقيق من وجهة نظرنا؛ فإنّ العامل السياسي لا ينحصر في السلطة، وإنما تعرفه المعارضة أيضاً، وكما تشوّه السلطة صورةَ معارضيها يشوّه المعارضون فيما بينهم صورة السلطة أيضاً، علماً أنّ فترات تدوين الحديث بشكل مركّز عرف عند الشيعة الإمامية في القرن الرابع الهجري، وهو القرن الذي كانت السلطة فيه بيد الشيعة مع الدولة البويهية التي حكمت منذ عام 321هـ إلى عام 447هـ، إلى جانب دول مثل الدولة الفاطمية التي ظهرت على يد أبي عبد الله المهدي عام 297هـ، ودولة الأدراسة منذ نهايات القرن الثاني الهجري على يد إدريس بن عبد الله بن الحسن، لتستمرّ قرنين من الزمان، والدول الزيدية المتعدّدة في اليمن منذ القرن الثالث الهجري، والحمدانيين (317 - 394هـ)، وحركة أبي الحسن المادرائي في طبرستان (مازندران)، وغيرها من الحركات والقوى التي دعمت الشيعة أو سهّلت أمرهم أو رفع الجور عنهم ليصبحوا على مسافة جيدة من السلطة.

لم تكن السلطة دائماً عدوًّا للشيعة، بل ظهرت الكثير من الدول والقوى المؤيّدة للعلويين أو المتعاطفة معهم، فلا يصحّ القول بأنّ العامل السياسي لم يعرفه الشيعة في شقّه السلطوي، فضلاً عن جانب المعارضة، إلا إذا أثبتنا عدم سعي كلّ هذه الدول للاستفادة من الحديث النبوي ونزهناها عن ذلك.

من هنا، لابدّ من البحث عن سبب آخر، لا سيما وأنّ سائر العوامل المسبّبة للوضع ظلّت موجودة غير العامل السياسي.

الثانية: ما ذهب إليه الباحث المعاصر الشيخ رضا أستادي، من أنّ السبب في إحجام الشيعة عن مثل هذه التصنيفات يرجع إلى:

أولاً: إنّهم قاموا بتصفية كتبهم الحديثية مرّتين، مرّةً قبل عصر الكليني، حيث بالغوا في النقد والتمحيص، كما هي الحال مع مدرسة قم الشهيرة بمواقفها المتطرّفة والمتحفّظة من الرواة، وأخرى مع المحمّدين الثلاثة: الكليني، والصدوق، والطوسي، وهذا معناه أنّه لم تعد هناك حاجة لمزيدٍ من التصفية، من هنا يعتقد أستادي أنّ الشيعة وإن لم يؤلّفوا كتباً في الموضوعات، غير أنّهم سبقوا السنّة في هذا المجال، أي مجال نقد الحديث وتصفيته[6].

ثانياً: لم تكن عند الشيعة رغبة في التهاون، واتّهام الرواية بالكذب لمجرّد احتمال ذلك، فلذلك آثار خطيرة على مرجعية السنّة واعتبار الحديث[7].

وهذا الكلام من الشيخ أستادي فيه غمز بالجهود التي بذلها السنّة في الموضوعات؛ من حيث الاستعجال الذي فيها في الحكم على الحديث بالوضع والكذب.

الثالثة: ما رآه السيد هاشم معروف الحسني (1403هـ)، حيث ذهب إلى أنّ محدّثي أهل السنّة كانوا أكثر وعياً من الشيعة بالأخطار التي كانت تحدق بالسنّة النبويّة، فاهتمّوا بشكل أكبر بالنقد، وألّفوا في الموضوعات، أمّا الشيعة فقد تجاهلوا -بحسب رأي الحسني- المسألة، كأنّ الأمر لا يعنيهم، مع أنّ ما عندهم لا يقلّ خطراً عما هو مسطور في مصادر الحديث السنّية[8].

ويؤيّد معروفَ الحسني بعضُ حركات النقد الشيعي المعاصرة، مثل حركة التطهير العقدي، وحركة تهذيب الحديث و... كما يبدو أنّ التيار المَدْرَسِيَّ في المؤسسّة الدينية الشيعية يميل إلى وجهة نظر الشيخ أستادي.

والحكم في هذا الموضوع يتبع -فيما أظن- طبيعة قراءة الباحث للموروث الشيعي الحديثي، فإنّ الباحثين الواثقين من هذا الموروث، والمنسجمين عقديًّا وثقافيًّا وفقهيًّا معه كأغلب التيارات المَدْرَسِيَّة، لا يجدون -بل لا يشعرون- بعدد هام من الأحاديث الموضوعة، حتّى يرموا باللائمة على محدّثي الإمامية السابقين كيف لم يصنّفوا في الموضوعات، أما أولئك الذين يملكون قراءة نقدية لمضمون الكثير من الروايات، لاسيما العقدية، فهم يقرؤون الموروث الشيعي حافلاً بالنصوص الحديثية الباطلة غير المقبولة، ممّا يثير فيهم إحساس ضرورة التصنيف في الموضوعات، وتصفية الأحاديث، كما يثير حفيظتهم لنقد تجربة علماء الحديث السابقين.

ولدينا بعض الوقفات مع الرأيين الأخيرين:

أولاً: إنّ الشواهد التاريخية المسجّلة تؤكّد أن فريقاً مهمًّا من الإمامية على الأقلّ قد ساهم بقوّة في القرون الخمسة الهجرية الأولى في نقد الحديث، برز فيهم رجال مدرسة قم المتشدّدين، وعلى رأسهم أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، الذي طَرَدَ من مدينة قم بعضَ من وُصفوا بأنّهم من كبار رجال الحديث، لا لضعفهم، بل لروايتهم عن الضعفاء وإكثارهم من المراسيل، وكذلك تحفّظ هذه المدرسة مما كانت تعتبره غلوًّا في الدين، وعليه، فمن المؤكّد أن فريقاً نقّاداً في الوسط الشيعي ظهر قبل الكليني.

كما لا نشك في وجود ظاهرة متشدّدة عموماً من الحديث كانت موجودة في القرنين الرابع والخامس، أمّا القول بأنّ الشيعة صفّوا أحاديثهم من الموضوعات على دفعتين، فلم تعد هناك حاجة للتصفية، فهو قول يحتاج إلى مزيد من التأمّل، إذ هل لدينا اطّلاع على ما كان عند الشيعة من روايات حتى نعرف هل أحسن الكليني بشكل كامل في الانتخاب أم لم يحسن؟ كيف يمكن غضّ الطرف عن موقف مثل الشيخ المفيد من الشيخ الصدوق وفريق المحدّثين آنذاك وهو يحمل عليهم بعدم التمييز والنقد المضموني للأحاديث؟! هل شهادة المرتضى التي نقدت رجال الحديث -وقد ذكرنا هذه الكلمات في كتابنا (نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي)- هامشية لا ينبغي الوقوف عندها؟! ربما احتجنا إلى المزيد من البحث لنعرف هل أصاب المحدّثون آنذاك أم أخطؤوا؟ وبأيّ مقدار؟

ولسنا نقصد بذلك إبطال ما بأيدينا قدر ما نقصد مجموع ما بأيدينا وما حذفوه ولم يصل إلينا، فلعلّنا لو اطلعنا على ما حذف -مع ما أُبقي- لآخذناهم واختلفنا معهم في موازينهم، فأبقينا بعض ما حذفوه وحذفنا بعض ما أبقوه.

ثانياً: إذا كان الشيعة قلقين على انهيار مكانة السنّة بفتح ملفّ الموضوعات فهم مخطئون، وشاهدُنا على هذا الخطأ رصد الموقف السنّي، فقد صنّف السنّة في الموضوعات الكثير، لكن اعتقادهم بمصادرهم الحديثية ظلّ أقوى من اعتقاد الشيعة بتلك المصادر، حيث نجدهم صحّحوا بعض الكتب بطريقة مبالغ بها جدًّا كصحيحي البخاري ومسلم، إنّ هذه تجربة تاريخية حيّة تؤكّد أن فتح باب الموضوعات قديماً لن يؤدي إلى ما توجّس منه الشيخ أستادي، بل لقد وجدنا الشيعة أكثر نقداً لمصادرهم الحديثية من السنّة!![9].

ثالثاً: إنّ الشيخ أستادي نفسه يَحتَمِل أن تكون خطوة الشيخ حسن صاحب المعالم (1011هـ) في كتاب (منتقى الجمان) مشابهة في ذلك العصر لخطوة التستري في القرن الرابع عشر[10]، ونحن نسأل: إذا كان الشيعة أقفلوا باب الموضوعات قلقاً على مكانة السنّة، فكيف نفسّر الجهود النقدية اللاذعة التي قامت بها مدرسة العلامة الحلّي؟! وكيف نفسّر كتاب «منتقى الجمان» والاتجاه الفكري الذي صاحبه مع المحقق الأردبيلي (993هـ) أو صاحب المدارك (1009هـ)؟! بل كيف نفسّر الموقف الأصولي المشكّك بالكتب الأربعة منذ عصر الوحيد البهبهاني، وقد رصدناه من قبل في كتابنا: «نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي»؟! أنّ الشيخ أستادي حفظه الله هو من يشعر بالقلق من خطوةٍ كهذه، لا أسلاف الشيعة وعلماء الإمامية.

رابعاً: لو سلّمنا أنّ الشيعة قد أخضعوا مصادرهم الحديثية لتصفيتين تاريخيتين، هل يعني ذلك عدم وجود أحاديث موضوعة؟ بل الصحيح أنّه إذا عنى شيئاً فإنه يعني قلّة هذه الأحاديث، ومن ثم فما المانع -مع قلّة الأحاديث- من فتح باب التصنيف في هذا المجال، ليكون الحسّ النقدي نشطاً دائماً إزاء دسّ الروايات واختلاق الأكاذيب؟!

خامساً: إنّ النزعة المفرطة للفريق المعتقد بوجود الموضوع في الحديث الشيعي، ونقصد بالموضوع المختلق من رأس، غير دقيقة، فقد أفرطت هذه الحركة في تضعيف الحديث على أساس فكرة الوضع، وقد كانت لنا وقفة مع هؤلاء في كتابنا: «نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي».

المهم أننا نميل إلى رأي السيد هاشم معروف الحسني، ونرى أنّه آن الأوان لعلماء الحديث الشيعة أن يفتحوا هذا البحث، ويضبطوا قواعده. ولا يكتفوا بجهود السلف، مهما كانت الموضوعات قليلة، شرط ألَّا يُفرطوا في ذلك خارج إطار الدليل والحجّة.

وبهذا يمكن الجمع بين الأمور، فنقول: إنّ عدم تصنيف الشيعة في الموضوعات كان لأنهم بذلوا جهوداً مشكورة في القرون الخمسة الهجرية الأولى لمواجهة حركة الوضع والوضاعين، فضعّفوا الكثير من الروايات الفاسدة، وكانوا مقتنعين بأنّ عدد الروايات الموضوعة لم يكن كبيراً في موسوعاتهم الحديثية الكبرى، لكنّ هذا لا يمنع اليوم -نتيجة تعدّد مصادر الإمامية الحديثية- من فتح باب نقد المتن بذهنية متحرّرة من التقديس هنا واستراتيجية البحث عن العفريت هناك؛ لأننا إذا أخذنا كلّ مصادر الحديث والتفسير و.. الإمامية فستظهر روايات موضوعة، حتى لو لم تكن بحجم كتب الموضوعات التي صنّفها أهل السنّة.

كما نوافق الشيخ أستادي في ضرورة التحفظ من الاستعجال بادّعاء وضع هذا الحديث أو ذاك، لهذا فإطلاق مشروع التأليف في الموضوعات عند الإمامية منذ التستري يجب أن يصاحبه وضع ضوابط حاسمة ومدروسة لتصنيف الموضوع وفرزه عن غيره، حذراً من الوقوع فيما وقع فيه بعض المصنّفين من أهل السنّة مثل ابن الجوزي.

وأشير أخيراً إلى نقطة مهمة، تُعيق في بعض الأحيان عند الإمامية بالخصوص ادّعاء وضع الحديث، وهي وجود احتمال صدور الحديث بنحو التقية، فلا يطابق الواقع لكن لا يكون موضوعاً ومكذوباً على أهل البيت، ولعلّ مسألة التقية هي التي خفّفت أيضاً من حديث الشيعة عن وجود موضوع في كتبهم، وهذا ما يستدعي المزيد من الضوابط لتمييز الموضوع عن الصادر تقيةً، فلا يبالغ بادّعاء التقية في كل شيء كما نلاحظه في أدبيات الأبحاث الفقهية عند الإمامية، ولا ادّعاء الوضع في كل شيء كذلك.

2- أمارات الوضع وعلائمه أو منهج معرفة الحديث الموضوع

تتعدّد المؤشرات التي تطلّ بالناقد على الحديث الموضوع لاكتشافه، فتارةً تأتي هذه المؤشرات من السند وأخرى من متن الحديث، ويجب أن نعرف أنّ الناقد الحصيف قد يكتشف الوضع في الحديث من مؤشر واحد أو قرينة واحدة، وقد لا يكفي الشاهد الواحد لذلك فيكون تعدّد الشواهد مفضياً إلى الاقتناع بالوضع.

على صعيدٍ آخر، من الضروري أن نعرف التمييز بين الوضع الذي يمارسه الراوي الكذاب، والخطأ الذي قد يقع فيه، فبعض هذه الشواهد قد تثبت الوضع، لكنها في بعض الأحيان لا تثبت سوى العنصر الأعم الشامل لاحتمال الوضع واحتمال الخطأ أو عدم الدقة، ولابدّ من عدم الاستعجال في توجيه تهمة الوضع للحديث ما دامت الاحتمالات متوفرة لا دافع لها بعدُ. وعلى أية حال، فنحن نذكر أمارات الوضع على الشكل التالي:

2 - 1- العلامات السندية للوضع

تحدّث العلماء عن عدة علامات للوضع يمكن اكتشافها من خلال السند، وهي:

ألف: ما يعدّ أشهر العلامات وأوضحها، وهو اعتراف الراوي بكذبه، فعندما يقوم راوٍ -مثل أبي عصمة نوع بن أبي مريم وعمر بن صبح- بالاعتراف قبيل إعدامه أو غير ذلك بأنه وضع الحديث الفلاني أو الأحاديث الفلانية، فإنّ ذلك أمارة واضحة على الجعل[11].

لكن يلاحظ على هذه الأمارة أنّ إقرار الواضع بالوضع قد يكون بنفسه إقراراً كاذباً يهدف من خلاله إلى تشويش الأمور على الناس، فكيف يمكن تصديق شخص بأنّه وضع الحديث، إذ لو صدّق لكان رجلاً كذاباً، ومع كونه كذلك كيف لا نحتمل أنه كذاب في نوعية الأحاديث التي زعم وضعها أو في عددها أو في موضوعها؟![12]. نعم، من الناحية الشرعية يؤخذ بإقرارّ المقرّ ويعاقب شرعاً؛ عملاً بموجب حجية الإقرار في باب القضاء.

مع ذلك يفيد الإقرار الظنّ القويّ بحصول الوضع ويشكّل أمارة على ذلك قد تضاف إلى غيرها في هذا المجال.

وليس من البعيد أن نفصّل في هذا الأمر؛ وذلك أنّ العاقل لا يجلب الضرر إلى نفسه، فلماذا يقف شخص ليقرّ بأنه كذاب ويفضح نفسه أمام الناس إذا لم يكن كذاباً واقعاً؟! من هنا يجب أن ندرس -إذا توفرت المعطيات السياقية التاريخية- ملابسات صدور هذا الإقرار من صاحبه؛ فقد يلقى القبض عليه ويحال للإعدام بتهمة الزندقة مثلاً -كما حصل مع بعضهم- ثم يقرّ وهو على المقصلة بوضع كذا وكذا، إنّ هذا النوع من الإقرار ضعيف الإضاءة؛ لأنّ الرجل يعرف بأنه ميت، وأن صورته عند الناس مشوّهة، فلعلّه أراد الانتقام منهم في تحويله إلى الموت، لاسيما إذا أكثرَ من الأرقام التي وضعها في الحديث، كأن يتحدّث عن آلاف الأحاديث أو عن الدسّ في الكتب بشكل كبير دون وجود اسمه في الأسانيد.

أما لو لم يكن الأمر كذلك، بل عرفنا من ملابسات الإقرار أنه رجلٌ تاب إلى الله وصار إنساناً صالحاً، ثم عرف بالصلاح فيما بعد، فإنّ هذا الإقرار تغدو إضاءته قوية جدًّا وفقاً للمنطق الاحتمالي العقلاني، إذ ما الداعي لإنسان صالح أن يفضح نفسه وتاريخه إلا أن يكون تقيًّا يخشى الله تعالى؟! إنّ رصد ملابسات صدور الإقرار يظلّ هو المعيار في حجم وثوقنا بمضمون هذا الإقرار.

يضاف إلى ما تقدّم، أنّ الإقرار لابدّ أن يثبت بطريق معتبر شرعاً وعقلائيًّا، فلا يكفي تداول إقرار شخص ما في كتب الحديث والدراية لترتيب النتائج على ذلك دون إثبات هذا الإقرار؛ إذ ثمة احتمال في أن يكون خصوم هذا الراوي قد نسبوا إليه هذا الإقرار -ولو بعد وفاته- لتشويه صورته أو إسقاط مروياته التي لا ينسجمون فكريًّا وعقديًّا معها.

إلى جانب ذلك، لا يهمّنا في الإقرار مجرّد صدوره، بل لابدّ من النظر في مضمونه والمساحة التي يقدّمها، فقد يقرّ بوضع حديث بعينه، كإقرار عمر بن صبح بأنه هو الذي وضع خطبة النبي[13]؛ وهذا القدر من الإقرار واضحٌ مفهوم، لكن المقرّ قد يقرّ بوضع مجموعة من الأحاديث دون أن ينصّ على مضمونها، كما ينقل عن محمد بن سعيد الدمشقي الذي صلب بتهمة الزندقة، حيث يقول: «إذا كان كلام حسن لم أر بأساً أن أجعل له إسناداً»[14]. وفي هذه الحال لا يستفاد وضع حديثٍ بعينه، بل يورث احتمال الوضع في كل حديث رواه هذا الراوي، وهكذا لو قال بأنّ مضمون أحاديثه الموضوعة كان في القدر أو الغلو أو قدم القرآن أو...

باء: ما هو في قوّة الإقرار من الراوي بحسب تعبيرهم، بأن يقوم شاهدٌ على أمر لا يفهم إلا في سياق الوضع، ومثال ذلك أن يروي الراوي عن شيخ نجزم أو يصرّح هو نفسه بأنّه لم يلقه، أو لم يعش في عصره أساساً، أو عن شيخ في بلدٍ نجزم بأنّ الراوي لم يرحل إليه قط[15].

ويمثلون لذلك بادعاء أحمد بن سليمان القواريري الذي ولد عام 151هـ أنه سمع من ابن إسحاق الذي توفي عام 150هـ[16].

هنا لا يمكن الاستعجال بادّعاء الوضع إلا بعد التأمل في طبيعة السند، فإذا كان السند بين الشخصين عبارة عن كلمة (عن)، مثلاً: القواريري عن ابن إسحاق، فإنّ هذا لا يثبت الوضع أبداً، بل غايته إثبات التدليس؛ لأن كلمة (عن) وإن قبلنا -جدلاً- انصرافها عند الإطلاق إلى حالة اللقيا والسماع، إلا أنّها تحتمل حالة العدم أيضاً، فيحتمل أنه دلّس بما يوهم اللقيا، وهذا غير الوضع في الحديث.

أما لو عبّر بـ(حدّثنا) و(سمعت منه) و(لقيت فلاناً فقال لي) وما شابه ذلك، فإنّ احتمال الوضع يغدو قريباً جدًّا، شرط ثبوت السند إلى الراوي نفسه، بحيث يثبت أنه قال ذلك.

ومن موارد ما هو في قوّة الإقرار أن يدّعي الراوي روايةً إلا أننا لا نجدها عند أحد من الرواة ولا في أيّ مصدرٍ آخر ويكون الراوي معروفاً بالكذب، فإنه يحكم على روايته بالوضع[17].

وهذا في الحقيقة مؤشرٌ على الوضع وليس دليلاً مستقلاً بعينه، لكن كلّما كان الموضوع المتضمّن في الرواية مما تكثر الدواعي إلى تكرّر صدوره من النبي وتكرّر سماعه وتكرّر نقله كان ذلك مفيداً لكذب الراوي، إذ كيف لم ينقله أحد مع كثرة صدوره وكثرة تكرّر سماعه وكثرة الدواعي لنقله؟! كأن يقول بأنّ المعصوم قد كان يواظب في المسجد على قراءة هذا الدعاء أو هذا الذكر أو هذه الزيارة، ولا نسمع أحداً ينقل ذلك لنا إلا هذا الراوي المعروف بالكذب أو المضعّف، فإنّ ذلك يضاعف من احتمال وضع الرواية. أو يقول بأنه سمع هذه الخطبة من النبي في المسجد أمام الناس ولا ينقلها أحدٌ غيره، مع توفر الدواعي لنقلها وهكذا.

ومن قرائن الوضع ممّا جعل في قوّة الإقرار، أن يدّعي الراوي الرواية عن شخص لم يلقه، ولو كان معاصراً له أو يدّعي السماع منه، وعندما يُسأل عن أوصاف الشيخ الذي نقل عنه لا يعرفها. أو ينقل خبراً عن الشيخ وعندما يُسأل عنه الشيخُ ينكره، أو يذكر لقيا الشيخ في مكان لم يذهب إليه الشيخ قطّ، أو يذكر أخذه الحدث منه في مكان لم يكن قد أنشئ بعدُ في زمن الشيخ، أو ينسبه إلى كتاب الشيخ ولا يوجد في أيّ مصدر أو نسخةٍ مثل هذه النسبة، إنّ هذا كلّه من أمارات الوضع في الحديث[18].

ولا شك -بنظري المحدود- في إفادة ذلك الظنّ بالوضع في الجملة، لكنّ ذلك غير مطّرد ولا غالبي؛ إذ كيف نعرف أنّ زيداً لم يلقَ عمراً، حتى نستفيد عدم اللقيا؟ فإذا كان ذلك بشهادة شخص من علماء الرجال جاء بعد قرون، فهذا لا ينفع؛ إذ تكون هذه الرواية نفسها شاهداً على اللقيا، وإذا كان من شخص معاصر، فكيف أحرز هذا المعاصر أن زيداً طيلة حياته لم يلق عمراً ولو في سفر سريع، نعم يحتاج ذلك إلى أن يكون ملازماً له أو قريباً جدًّا منه بحيث يحرز أحواله وأسفاره في الغالب، أما في غير ذلك فيصعب دعوى الوضع.

وأما عدم الجواب عن أوصافه عندما يُسأل عنه، فهذا جيّد، لكنه نادر التحقّق في الروايات التي بيد المسلمين، علماً أنه يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ السؤال قد يكون بعد فاصل زمني طويل قد يوجب النسيان أحياناً.

وأما إنكار الشيخ أنّه قال ما نقل عن لسانه، فهذا لا يؤكّد الوضع، وإنما يوقع التعارض بين خبر الشيخ والراوي عنه؛ إذ ثمة احتمال في أن يكون الشيخ قد نسي روايته لهذا الحديث مع كونه رواه منذ عشرين سنة، حتى لو بدا قاطعاً بأنه لم يروه، وهذا يختلف باختلاف الشيوخ وحفظهم ومعرفتهم ووزنهم في عالم الحديث.

وأما ذكره لقيا الشيخ في مكان لم يذهب إليه الشيخ قطّ، فهذا كحال ادّعائه السفر للقيا الشيخ في أنه ينفع في بعض الموارد فقط؛ إذ كيف نعرف أنّ الشيخ لم يسافر إلى ذلك المكان؟ لاسيما في الشيوخ الصغار الذين لا نعرف الكثير من المعلومات عنهم وعن أسفارهم.

نعم، ادّعاؤه أنه أخذ منه في مكان لم يكن موجوداً في عصر وجود الشيخ، كمدينة حديثة الإنشاء مثل بغداد والكوفة، جيّد ومفيد.

وأما عدم وجدان الحديث في نسخة أخرى، فهذا كما يجامع الزيادة الجعلية من الراوي، يجامع أيضاً الإنقاص الجعلي في النسخة الثانية. نعم، لو تكرّرت النسخ وتعدّدت واختلفت مصادرها يزداد احتمال الوضع حينئذٍ.

ويجب أن نعلم أيضاً أنّ هذه القرائن المدّعاة تغدو أكثر دلالة واحتمالاً عندما نفرض سلفاً أنّ الراوي الذي وقع في السند ونحتمل وضعه للحديث معروف مسبقاً بالكذب ومتّهم عندهم بالوضع، فإنه كلّما كان حاله كذلك كان أقرب إلى احتمال الوضع بحشد هذه القرائن، وكلّما كان مجهولاً في حاله وعدالته أو كان قد شهد بوثاقته وعدالته، فإنّ القوة الاحتمالية للوضع من خلال هذه القرائن تبدو أضعف وهكذا.

جيم: من هنا لا نوافق على ما اعتبره بعضهم[19] من علامات الوضع في الحديث، وهو أن يكون الراوي مضعّفاً متهماً في كتب الرجال والجرح والتعديل.

نعم، اشتهار الراوي بالكذب يضعّف الحديث سنداً، أما أنّه يثبت وضعه وجعله، فهذا أمرٌ آخر؛ إذ ليس كلّ حديث يرويه وضّاع أو كذاب فهو بالضرورة موضوع أو مكذوب.

لكن يجب أن نلتفت إلى أنّ اتهامه بالوضع يؤمّن بنيةً تحتيّة للحكم بوضع الحديث عندما تتوفر المعطيات الأخرى، لا أنّ اتهامه بالوضع كافٍ في اعتبار حديثه موضوعاً، وهذا ما وقع فيه غير واحدٍ من المصنّفين في الموضوعات حين جعل الراوي الوضّاع دليلاً على وضع الحديث، ثم إدراجه في قسم الموضوعات.

وفي هذا السياق، نقول فيما يخصّ انسجام الراوي مصلحيًّا مع طبيعة الحديث الذي يرويه من عوده بمصالح مذهبية أو سياسية أو شخصية له[20]، فهذا يهيئ الأرضية للحكم بالوضع عندما تأتي هذه الشواهد، لا أنه يوجب الحكم بالوضع، كيف وكلّ روايات المسلمين تنسجم مع مصالحهم بوصفهم مسلمين، فهل يحقّ لغير المسلم اعتبارها جميعها موضوعة؟!

نعم، توافق الحديث مع الاتجاه الفكري والسياسي للراوي يؤدّي إلى تحديد قوّة احتمال الصدق فيه، لا أنه يفيد وضعه بالضرورة، فهناك فرق بين أن نقول: هذه الخصوصية تبطئ حركة الوثوق بالحديث، وبين أن نقول: هذه الخصوصية تفيد وضعه، فهي لا تفيد لكنها تفسح المجال من جهة وتعيق من أخرى.

دال: أن يكون السند في جملته مثيراً وملفتاً، كأن يشتمل على سلسلة من الكذابين أو يحوي سلسلة من الأشخاص المجهولين جهالةً تامة[21]، بحيث لا تعرف أسماؤهم ولا تتداول في كتب الحديث والرجال والجرح والتعديل.. إنّ هذا ما يثير حفيظة ناقد الحديث في الصدفة التي جمعت هذه الأسماء، لا سيما لو تكرّرت في أحاديث ترجع إلى موضوع واحد.

2 - 2- العلامات المتنية للوضع

وكما تنوّعت العلامات السندية لوضع الحديث، كذلك الحال مع الأمارات المتنية، ونحن نذكر أهمّها مع التوضيح والتعليق، وهي:

1- أن يكون متن الحديث ركيكاً في عبارته يحوي لحناً، إذ هذا يكشف عن وضعه؛ لأنّ أفصح من نطق بالضاد لا يمكن صدور مثل هذا الكلام عنه.

من هنا، يعتمد النقّاد على تركيبة الحديث وبلاغته وجودته وانسجام كلماته وفصاحتها؛ فإنّ هذا الأمر يقوّي الوثوق بصدوره أو يقرّب الناقد إلى الاقتناع بوضعه[22].

لكنّ الخبراء من علماء الحديث توقفوا هنا مليًّا، فذكروا أنّ ركاكة اللفظ إنما تضرّ عندما يظهر من الراوي أنه ينقل باللفظ بحيث يصرّح به أو يبيّنه بشكل من الأشكال، فهنا نتهمه بالكذب؛ لبُعد نطق النبي وأهل بيته بكلام ركيك متهافت نطقاً وفصاحة. أما لو لم يذكر الراوي أو يُفهم من تحليل السند أنه ينقل باللفظ، فإنّه يوجد احتمال في كونه ناقلاً بالمعنى، وعندها تكون الركاكة من الراوي نفسه دون أن يُتهم بالوضع[23].

ويمكننا هنا أن نلفت النظر إلى أنّ العصور المتأخرة عرفت ظاهرة الإملاء، فحول أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كان بعض التلامذة يتحلّقون ليكتبوا عنهم، وهذا ما كان قليل الحصول في القرن الهجري الأول، من هنا كلّما كانت الرواية عن أحد المعصومين في القرن الهجري الأول وكان فيها ركاكة لفظية كان احتمال النقل بالمعنى أكبر، ومن ثمّ لا تؤثر الركاكة اللفظية على صحّة الحديث، وكلّما كانت عن أحدهم في القرون اللاحقة كان احتمال النقل بالمعنى أقلّ، ومن ثم زاد احتمال الوضع.

2- ألَّا يكون في الحديث ركاكة أو نحو ذلك، وإنما يشتمل على نمط من التركيب أو استخدام بعض المفردات التي نجزم بعدم عودها إلى عصر صدور النص، فمثلاً لو جرى استخدام مصطلحات فلسفية أو منطقية أو أصولية عرفها المسلمون في القرن الهجري الثاني أو الثالث أو الرابع، جرى استخدامها في رواية عن الإمام علي(عليه السلام) أو النبي محمد (عليه السلام)، ففي هذه الحال يكون ذلك دليل الوضع؛ لعدم إمكان صدور هذه التعابير آنذاك، لاسيما وأنّ السامعين لم يسألوا عن معناها.

ومثال ذلك، التعبير الوارد في كلام الإمام علي (عليه السلام) في رواية مرسلة عن المرأة بأنها: «ريحانة وليست بقهرمانة»[24]، فقد قيل بأنّ كلمة: «قهرمانة» كلمة تركية، واللغة التركية لم تغزُ اللغة العربية إلا في القرن الثاني الهجري، فكيف يقف الإمام علي قبل عام 40هـ لقول هذه الكلمة دون أن يسأله أحدٌ عنها؟!

ومن أمثلة ذلك عند بعضهم ما جاء في بعض خطب أمير المؤمنين(عليه السلام) أو الإمام الصادق (عليه السلام) أو الرضا (عليه السلام)، وفيها مصطلحات ذات طابع فلسفي، وهي روايات ذات أسانيد مناقش فيها، مثل: «وكيف أصفه بالكيف؟! وهو الذي كيّف الكيف حتى صار كيفاً، فعرفت الكيف بما كيّف لنا من الكيف. أم كيف أصفه بأين؟! وهو الذي أيّن الأين حتى صار أيناً فعرفت الأين بما أيّن لنا من الأين. أم كيف أصفه بحيث..»، وقريب منه غيره[25].

وهذا النوع من أمارات الوضع يحتاج إلى تأمل كثير وخبرة طويلة وثقافة واسعة لاكتشافه وكشف مستوره.

3- مخالفة مضمون الحديث لظاهر القرآن الكريم دون أن يقبل تأويلاً مستساغاً في العرف وعند العقلاء[26]، وذلك أنه إذا أمكن الخروج بتوفيق عرفي بين نصّي الكتاب والسنّة لم تكن هناك حاجة لطرح الحديث وادّعاء أنّه موضوع، كما في قواعد الجمع العرفي التي حقّقها الأصوليون، لكن إذا استحكم التعارض لم يكن هناك مفرّ من طرح الخبر.

والمستند في ذلك الروايات العديدة -التي بحثناها بالتفصيل في مناسبة أخرى- والدالّة على لزوم عرض الحديث على القرآن وطرح ما خالف الكتاب دون حاجة إلى افتراض وجود تعارض بين روايتين في المرحلة السابقة، وهذه غير روايات الترجيح بين المتعارضين بموافقة الكتاب التي تنفع أيضاً في موردها.

وقد ذهبت بعض الآراء في فكر أهل السنّة إلى القول بأنّ هذه الأحاديث هي بنفسها موضوعة أو لا يمكن الأخذ بها، لاسيما وأنه ليس هناك في القرآن ما يدلّ على لزوم عرض الأحاديث عليه، فتكون هذه الأحاديث غير موافقة للكتاب.

لكن يناقش في محلّه بما نوجزه هنا، وهو أنّ بعض هذه الأحاديث لا بأس به سنداً، إلى جانب تعدّدها، إضافةً إلى أنها منسجمة مع المنطق العقلاني، فإنّ المنقولات التي تأتيك من المولى من الطبيعي أن ترفض إذا عارضت نصًّا قطعيًّا له من حيث الصدور، وحتى لو كان الكلامان ظنيّين من حيث الدلالة، فإنّ العقلاء يقدّمون حيثية السند على حيثية الدلالة ما دامت الدلالة واضحة ولو لم تبلغ مستوى النصية والصراحة المفيدة للقطع. من هنا، تأتي أهمية عرض الحديث على الكتاب، لاسيما وأنّ بعض روايات العرض على الكتاب في المصادر الشيعية ظاهرها نفي قول المعصوم ما خالف الكتاب، الظاهر في نفي حيثية الصدور لا الجهة، الأمر الذي يرفع من احتمال الوضع في الحديث المعارض للقرآن الكريم.

لكنّ القضية الأهم في موضوع معارضة الكتاب تظلّ في تحديد هويّة هذه المعارضة، وذلك أنّها تخضع عند كثير من العلماء لقانون النسب الأربع المنطقي، إذ يرى العلماء أنّ النسبة بين الحديث والقرآن لا تخرج عن حالات أربع هي:

أ- نسبة التساوي: فالنصّ القرآني يقول: تجب عمرة التمتع، والنص الحديثي يقول: عمرة التمتع واجبة، لا يزيدان عن ذلك ولا ينقصان بما يغيّر النتيجة، ومن الواضح هنا أنه لا يوجد اختلاف فيؤخذ بهما معاً دون أيّ محذور.

ب- نسبة العموم والخصوص المطلق: بأن يكون النص الكتابي أو الحديثي أوسع دائرةً من النص الآخر، وهنا يقدّم النص الأضيق دائرةً على ذلك الأوسع، بلا فرق بين كون الأوسع قرآناً أو حديثاً، وذلك لقانون الجمع العرفي عبر نظريات التخصيص والتقييد و..

ج- نسبة العموم والخصوص من وجه: بمعنى أن يكون هناك نقطة يتحدّثان معاً عنها، فيما يختصّ الحديث بنقطة أخرى لا يتحدّث عنها القرآن، ويختصّ القرآن بالحديث عن نقطة لا يتطرّق إليها هذا الحديث.

وهنا إن كانا متوافقين في نقطة الاشتراك فالأمر واضح؛ إذ لا معارضة، أما إذا كانا مختلفين فقد يقال بسقوط حجية النص القرآني والحديثي في هذه النقطة بالخصوص، وبقاء الحجية لهما في نقاط الامتياز، أي أنّ هناك نوعاً ممّا يسمّى بالتبعيض في الحجية، فحديث واحد نصفه حجة ونصفه غير حجة، وقد يقال بجريان أخبار الطرح في مادّة الاجتماع، ولهذا الموضوع دراسات مطوّلة لا تعنينا هنا.

د- نسبة التباين التام: بأن تقول الآية مثلاً: تجب صلاة الظهر، ويقول الحديث: لا تجب صلاة الظهر، ويتعذر الجمع العرفي بينهما، فهنا تقع المعارضة، ويقول العلماء: إنّ المفروض طرح الرواية جانباً لمعارضتها للكتاب.

هذا المنهج القائم على مقولة النسب الأربع المنطقية يقلّل كثيراً من مخالفة الحديث الموجود بين أيدينا للكتاب الكريم، إذ قلّما تجد نصًّا يباين مباينةً تامةً القرآن الكريم، بحيث تغدو المباينة صريحة وجريئة وواضحة لا مجال للتأويل العرفي فيها، خصوصاً في دائرة العمليات كالفقه والأخلاق، حيث يمنع الكثير من الأصولييّن عن مقولات اكتشاف الملاك و... فتبقى الأمور مفتوحة، كما أنّ الوضاعين لم يكونوا سذّجاً ليضعوا أحاديث تعارض القرآن بهذا الوضوح وبكثرة.

إلا أنّ السيد محمد باقر الصدر، وشاركه في الفكرة أمثال السيد محمد حسين فضل الله والسيد علي السيستاني و..[27]، ذهب إلى أنّ مخالفة الكتاب لا تعني ذلك، بل تعني مخالفة الروح العامة للقرآن الكريم، وما لا يكون له شبيه أو نظير في الكتاب.

ولأهمية هذه النظرية ننقل كلام السيد الصدر -بحسب تقريرات درسه- حين يقول: «لا يبعد أن يكون المراد من طرح ما خالف الكتاب الكريم، أو ما ليس عليه شاهد منه، طرح ما يخالف الروح العامة للقرآن الكريم، وما لا تكون نظائره وأشباهه موجودةً فيه، ويكون المعنى حينئذٍ لم يكن حجة، وليس المراد المخالفة والموافقة المضمونية الحدّية مع آياته، فمثلاً لو وردت رواية في ذمّ طائفة من الناس وبيان خسّتهم في الخلق أو أنهم قسم من الجن، قلنا: إنّ هذا مخالف مع الكتاب الكريم الصريح في وحدة البشرية جنساً وحسباً ومساواتهم في الإنسانية ومسؤولياتها مهما اختلفت أصنافهم وألوانهم، وأما مجيء رواية تدلّ على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلاً فهي ليست مخالفة مع القرآن الكريم، وما فيه من الحث على التوجه إلى الله، والتقرب منه عند كلّ مناسبة، وفي كل زمان ومكان، وهذا يعني أنّ الدلالة الظنية المتضمّنة للأحكام الفرعية فيما إذا لم تكن مخالفة لأصل الدلالة القرآنية الواضحة تكون -بشكل عام- موافقة مع الكتاب وروح تشريعاته العامة، خصوصاً إذا ثبتت حجيتها بالكتاب نفسه»[28].

ولا يجدر الاستهانة بنظرية كهذه. إذ إنها ستفسح المجال للإطاحة بعدد أكبر من نصوص السنّة انطلاقاً من معارضتها للقرآن، فما يتحدّث عنه الصدر من الرواية التي تذمّ طائفةً من الناس ليس مثالاً افتراضيًّا بل هو مثال وقعي، إذ هناك رواية في الأكراد وأنهم قوم من الجن كشف عنهم الغطاء[29]، وقد أفتى بعض الفقهاء بكراهة التزويج منهم بل والتعامل معهم اقتصاديًّا[30]، ومن الواضح أنّ هذه الرواية لو أردنا أن نتعامل معها طبق منهج التعارض السائد لقلنا: إنها -على أبعد تقدير- تخصّص أو تقيّد ما دلّ على إكرام كلّ بني آدم.

ونحن نعتقد بأنّ بعض الآراء غير المألوفة التي طرحها على سبيل المثال كلّ من الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ يوسف صانعي تعود إلى هذه النقطة بالذات لمن راجع مناهج بحثهم الفقهي وتطبيقاته، فالموضوع ليس موضوع جسم آية أو جسم رواية نتعامل حرفيًّا معهما، بل موضوع مضموني يعود لروح التشريع، فأنت تضع الرواية هنا أمام جماع معطيات النص القرآني، ولا تبحث عن آية خاصّة لتعطيك دلالة، فتقيس نسبتها إلى الرواية، وهذه النزعة المقاصدية والروحية في التشريع من شأنها أن تخلق ثورة في نهج التعامل مع السنّة، وإذا لم تكن فعلت ذلك مع الصدر، أو فعلته بشكل بسيط مع غيره، فإنّ ذلك ربما يعود لعدم الجرأة على تفعيل هذه المقولة، أو يعود لعدم وجود ضوابط محدّدة لها بعد، بصرف النظر عن أنّ هؤلاء العلماء قد أحسنوا الاستفادة من هذا الفهم الجديد الذي قدّمه السيد الصدر أم لم يحسنوا ذلك.

4- مخالفة مضمون الحديث للسنّة القطعية الصدور بظاهرها أو نصّها وصريحها[31]، بما لا يقبل التأويل المستساغ، فلو وردت رواية تجيز الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتبرت موضوعةً؛ لتواتر الحديث الناهي عن الكذب عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ذكروا، وهكذا ما جاء في مقابل كلّ حديث متواتر أو معلوم النسبة للمعصوم.

والمدرك في ذلك عدم مناهضة الآحاد للمتواتر وفقاً للأصول العقلائية؛ فإنّ العقلاء لو بلغهم خبر بطريق ظني يناقض خبراً قطعي الصدور، ولم يكن هناك مجال للتوفيق بين الخبرين لا يعيرون الخبر الظني أيّ اعتبار، دون أن ينظروا إلى عنصر الدلالة، بل المهم عندهم ألَّا يكون الخبر القطعي الصدور مشتبه الدلالة مجملاً.

نعم، وفقاً لمبدأ التقية قد يقال بإمكان صدور خبرٍ مخالف للسنّة القطعية على نحو التقية، ومن ثم لا يحرز كونه موضوعاً حينئذٍ، فلابدّ من ملاحظة المعصوم الذي صدر الخبر منه في احتمال كون الخبر كان على نحو التقية أم لا، فلو نسب الخبر للنبي لم يكن معنى لاحتمال التقية وهكذا..

5- مخالفة مضمون الحديث للإجماع[32]، حيث ذكر بعض الباحثين أنّ هذه المخالفة تسقط قيمة الخبر.

والذي يبدو لنا أنّ الإجماع ليس حجّةً في نفسه، كما حقّق في علم أصول الفقه، خلافاً لما اشتهر في أصول الفقه السني، لهذا لا تكون له حجية إلا من باب كشفه عن قول المعصوم وموقفه، وهنا نقول: إذا كان هذا الإجماع ظنيًّا في كشفه لم يكن حجةً في نفسه، فضلاً عن أن نسقط به اعتبار روايةٍ حجّة في نفسها أو الحكم عليها بأنها موضوعة.

وأما إذا كان قطعيًّا في كشفه -وتحقّقه نادرٌ جدًّا؛ لاحتمال المدركية في أكثر الإجماعات حتى لو تحقّقت صغرى الإجماع- أمكن الحكم بالوضع، ما لم يطرأ احتمال التقية بالمعنى الذي أسلفناه آنفاً، أو يمكن إيجاد توفيق عرفي.

6- مخالفة مضمون الحديث لواضحات العقول والبديهيات التي لا تحتاج إلى نقاش[33]. ومثلوا له بخبر عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في المصادر السنّية، حيث قيل له: حدّثك أبوك عن جدّك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ سفينة نوح طافت بالبيت وصلّت خلف المقام ركعتين»؟ قال: نعم[34]. ونحو هذه الرواية خبر علي بن أبي حمزة في المصادر الشيعيّة قال: قال لي أبو الحسن(عليه السلام): «إنّ سفينة نوح(عليه السلام) كانت مأمورة طافت بالبيت... ثم رجعت السفينة وكانت مأمورة، فطافت بالبيت طواف النساء»[35].

وهذا المعيار واضح من حيث المبدأ، إلا أنّ الكلام في معنى العقل الذي إذا خالفته الرواية اعتبرت موضوعة، فمن الواضح أنّ البديهيات الواضحات التي لا يختلف فيها اثنان تعدّ مصداقاً أبرز وأوضح للعقل، وكذلك الأحكام الأولية للعقل العملي كحسن العدل وقبح الظلم. لكن متى يقوم الواضع بوضع حديث يعارض بكلّ بساطة بديهيات العقل بهذا المعنى؟!

من هنا، يحاول النقّاد أن يذهبوا إلى أنّ العقل هنا هو المنطق الطبيعي للأشياء، لا العقل النظري البديهي أو العملي الأولي فحسب. فهذه الرواية التي قرأناها قبل قليل -سواء بشكلها الوارد في المصادر السنية أو بطريقة بيانها الشيعي- لا تخالف العقل بهذا المعنى، لكن مع ذلك يقال بأنها تخالف العقل.

من هنا، يبدو أنّ المراد بالعقل كلّ عقل سليم يفهم منطق الأشياء ويحمل ذوقاً سليماً معتدلاً، مثلاً يمكن أن يكون النبي سليمان له ألف زوجة أو ألفين يجامعهنّ كل ليلة، فالعقل بالمعنى الأول لا يمانع ذلك، لكنّ العقل السليم الذي يملك ذوقاً لطبيعة الأشياء يرى ذلك غير صحيح، ما لم تأتِ الشواهد الداعمة على وجود إعجاز استثنائي في الأمر.

كذلك الحال على مستوى العقل العملي، فإذا جاءت رواية تجيز للأب معاقبة الابن بقضم لحمه بالمقاريض أو قطع إصبعه وهو لم يبلغ الحلم، فإنّ العقل هنا لا يقبل منطق هذا التشريع؛ لأنه يرى فيه ظلماً وجوراً، والله أجلّ من أن يظلم. وعلى هذا فقس، مثل ما جاء من أنّ بني إسرائيل كانوا يطهّرون لحومهم بالمقاريض عند إصابة البول، وأنّ الله وسّع على أمة محمد[36].

فالعقل هنا يؤخذ بمعناه الأعمّ من البديهيات الأولية، لكنّ خطورته أنه قد يلتبس أمر العقل الذوقي الفردي بالعقل السليم الموضوعّي الجمعي، فيسرع الإنسان إلى اتهام الحديث بالوضع لعدم مجيئه على ذوقه ومزاجه، إن في مضمونه الخبري أو في مضمونه التوجيهي؛ لهذا احتاج الأمر إلى صفاء ذهني وصناعةٍ للذوق السليم، وسعي للموضوعية والابتعاد عن التسرّع والابتسار والانحياز.

7- مخالفة الحديث للمشاهدة والتجربة وحقائق العلم والحياة[37]، وهذا عنوان يتصل بعض الشيء بمخالفة العقل بالمعنى الذي طرحناه.

فمقتضى التجربة وسنّة الحياة أن يحصل الإنسان على الدفء من خلال الحرارة، فالحصول عليه من خلال الثلج يحتاج إلى عناية استثنائية. ومقتضى طبيعة الأمور وسنّة الحياة أن يولد الابن من الأم الأنثى، أما مجيء رواية في كتاب الهفت والأظلّة تفيد أنّ الأوصياء يولدون من أمهات ذكور، فهذا أمرٌ يستحقّ الاستنكار[38].

ومن هذا المنطلق، مواجهة الأحاديث للحقائق العلمية الثابتة، فإنه إذا تناقض حديث مع هذه الحقائق يطرح، فالحديث الذي يُرجع المدّ والجزر إلى ملاك يضع رجله في البحر أو يرفعها يناقض أصول العلم في تأثير القمر على ذلك، وكذلك الأحاديث التي تجعل الرياح مسجونةً تحت الركن الشامي أو اليماني للكعبة، فإذا أراد الله أرسلها للجنوب أو الشمال[39]، وكذلك تفسير الزلازل بأنّ الله خلق الأرض على حوت، فقالت الحوت: حملتها بقوّتي، فأرسل الله إليها حوتاً قَدْر فتر، فدخلت منخرها، فاضطربت أربعين صباحاً، فإذا أراد الله أن يزلزل أرضاً تراءت لها تلك الحوتة الصغيرة[40].

وما ورد أن في الصين شجرة تحمل كلّ سنة ورداً يتلوّن كل يوم مرتين، فإذا كان أوّل النهار نجد مكتوباً عليه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وإذا كان آخر النهار فإنّا نجد مكتوباً عليه: لا إله إلا الله، علي خليفة رسول الله[41].

وعندما نقول بأنّ مخالفة الحقيقة العلمية أو المشاهدة والتجربة أو الحسّ والعيان وسنّة الحياة علامة الوضع، فهذا لا يعني الاستعجال بتهمة الوضع قبل التأكّد من الأمر، وأن تكون المعطيات العلمية حقائق وليست نظريات أو آراء أو وجهات نظر لم تبلغ مرتبة الحسم والقطع العلمي، وأن تكون نافيةً قطعاً لمدلول الراوية ولا يكفي أن يقول العلم أو المشاهدة أو التجربة: لم يثبت ذلك عندي؛ فإنّ عدم الثبوت لا يعني ثبوت العدم، فلعلّه أمرٌ واقع لم يبلغه العلم بعدُ، فلابدّ من التمييز بين هذه الأمور جيداً.

8- مخالفة الحديث للحقائق التاريخية، فإنه إذا تحدّثت رواية عن أمرٍ يخالف الحقائق التاريخية كان ذلك دليل كذبها ولو في الجملة، وقد اعتمد العلامة التستري على هذه القرينة في العديد من المواضع، مثل ما جاء في أنّ البراء بن معرور قد أكل بعد معركة خيبر ذراعاً مسمومةً مشوية، حيث اعتبر التستري هذه الرواية موضوعةً؛ لأنّ البراء مات قبل الهجرة[42].

ومن أمثلة ذلك ما ذكره العلامة الطباطبائي من الردّ على الرواية الواردة عن عبدالله?بن الزبير عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «إنّما سمّى الله البيت العتيق؛ لأنّ الله أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر عليه جبار قط»[43]، وقد علّق الطباطبائي بقوله: «أما هذه الرواية فالتاريخ لا يصدّقها، وقد خرّب البيت، ثم غيّره عبد الله بن الزبير نفسه، ثم الحصين بن نمر... ويمكن أن يكون مراده عما مضى على البيت»[44].

ومن أمثلة ذلك رواية شهر بن حوشب الواردة في الكافي من أنّه سأله الحجاج عن خروج النبي إلى مشاهده؟ فقال: شهد رسول الله بدراً في ثلاثمائة، وشهد أحداً في سبعمائة، وشهد الخندق في تسعمائة، فقال: عمّن؟ قلت: عن جعفر بن محمد(عليه السلام) فقال: ضلّ والله من سلك غير سبيله»[45].

وقد علّق العلامة التستري بأنّ الحجّاج توفي عام 95هـ، وإمامة الصادق(عليه السلام) كانت عام 114هـ؛ لهذا يبعد تصديق الخبر[46].

لكن توجد إشكالية مهمّة هنا وقع فيها غير واحد من ناقدي الحديث، وهي أنّ التاريخ الذي نعتمد عليه في نقد الحديث يجب أن يكون مؤكّداً، لا أن يكون ثابتاً بخبر آحادي مماثل للخبر الذي نريد توجيه النقد إليه؛ وإلا فكما يمكن كذب الخبر الأول كذلك الثاني وبالعكس، فلا يصحّ الاستعجال هنا أيضاً، بل لابدّ من التريث للترجيح.

9- أن يكون مضمون الحديث بحيث تكثر الدواعي إلى نقله، ولو كان لبان، فإنّ عدم وروده إلا في رواية أو روايتين دليل كذبه[47]، وهذا منطق عقلائي يستخدمه العقلاء في حياتهم، فلو ادّعت رواية أن الإمام الحسين(عليه السلام) ظلّ حيًّا إلى وصولهم إلى الشام وأن يزيد?بن معاوية أعدمه في الشام، فلا يمكن تصديقها، بصرف النظر عن حقائق التاريخ الأخرى؛ لأنه لو كان هذا صحيحاً لنقل وعرف واشتهر لكثرة الدواعي لنقل أحداث الحسين(عليه السلام) عند المسلمين، فكيف لم يروِ هذا الخبر غير واحد أو اثنين؟!

10- أن يشتمل الحديث ثواباً عظيماً على أمرٍ بسيط، أو عقاباً هائلاً على معصية صغيرة[48]، فهنا تشمّ رائحة الوضع، كأن يقول: من رفع الأذى من الطريق ولو مرّة كان له ثواب جميع الأنبياء، فإنّ هذا الأمر لا يمكن تصديقه، أو يقول: من نظر نظرة حرام خلّد في جهنّم ولم يقبل الله له توبةً قط.

إنّ هذا النوع من الروايات كثيرٌ في الفضائل وعند القصّاصين أيضاً، ويحتاج إلى حذر شديد كي لا يقع الباحث في شرك وضّاع ذكي.

هذه هي أهمّ علامات الوضع في الحديث، وأما ما ذكر غيرها فهو راجع إليها لا حاجة إلى إفراده بعنوانه، بل لا خصوصية تقتضيه، مثل ما فعله الدكتور الفضلي من علامات إضافية، كاشتمال المتن على الإسرائيليات المخالفة للعقيدة الإسلامية، أو اشتماله على فكرة من أفكار الغلو، أو احتوائه منقبة أو مثلبة لمن ليس لها بأهل أو بمستحقّ، أو الإشارة إلى معجزة أو كرامة في موقف لا يتطلّبه[49]، وغيرها من الموارد[50].

فإنّ الأولى لا موضوعية لها؛ لرجوعها لمخالف العقل والكتاب والسنّة؛ لأن هذا هو معيار مخالفة العقيدة، والثانية لا موضوعية لها كالأولى؛ لأنّ هذه الثلاثة هي المعيار في تحديد الغلوّ أو التقصير، والثالثة تفترض علماً مسبقاً بعدم الأهلية أو الاستحقاق ولا يكون إلا بحسّ أو تجربة أو كتاب أو سنة أو تاريخ أو نحو ذلك، والرابعة محض تأوّل؛ فإنّ المعجزة غير مشروطة -عقلاً ولا شرعاً- بموارد الحاجة بحسب فهمنا نحن للحاجة، بل الكرامة في ذلك أوضح.

الخاتمة

ظهر من مطاوي ما أسلفناه أهمية دراسة الوضع والحديث الموضوع، ورأينا كيف أنّ هذا الأمر يكاد لا يخلو منه كتاب في الحديث، وأنّ الأهم من كل شيء أن يملك المشتغل بالحديث ثقافةً وخبرة وحسًّا تسمح له مع اجتماعها بالتقاط عناصر القوة والضعف في هذه الرواية أو تلك، كي لا يطيح بحديث قد صدر واقعاً، نتيجة استعجاله الأمور أو حرقه المراحل، ولا تنطلي عليه كذبة كاذب فيُدخل في الدين ما ليس منه.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] انظر: الذريعة 2: 11، و20: 8، و24: 303، و26: 212.

[2] رضا أستادي، سخنى درباره الأخبار الدخيلة، مجلّة: آيينه بزوهش (الفارسية)، العدد 33: 16.

[3] انظر: حيدر حب الله، نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي: 200 - 202.

[4] انظر: الفضلي، أصول الحديث: 210 - 213.

[5] انظر: المصدر نفسه: 212 - 213.

[6] سخني درباره الأخبار الدخيلة، مجلّة آيينه بزوهش، العدد 33: 16.

[7] المصدر نفسه: 15.

[8] هاشم معروف الحسني، الموضوعات في الآثار والأخبار: 88 - 89.

[9] أقصد هنا الاتجاهات الكلاسيكية الممتدّة عبر الزمن، لا الحركة النقدية المتأخرة.

[10] المصدر نفسه: 18.

[11] انظر: محمد عجاج الخطيب، أصول الحديث: 432؛ والفضلي، أصول الحديث: 206 - 207؛ وصبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه: 283؛ ومقباس الهداية 1: 400 - 401؛ والمنهل الرويّ: 54.

[12] انظر: دروس في وضع الحديث: 154 - 155؛ وتدريب الراوي 1: 232.

[13] انظر: البخاري، التاريخ الصغير 2: 192؛ وابن عدي، الكامل 5: 24؛ وابن الجوزي، الموضوعات 3: 254 و...

[14] صحيح مسلم 1: 56؛ وانظر: الجرح والتعديل 7: 263؛ وتاريخ مدينة دمشق 53: 77 و..

[15] راجع: الخطيب، أصول الحديث: 432 - 433؛ والكفاية: 147 - 148 وتدريب الراوي: 232 - 233؛ ومقباس الهداية 1: 402.

[16] راجع: تاريخ بغداد 4: 397 - 398.

[17] محمد عجاج الخطيب، أصول الحديث: 433.

[18] انظر: دروس في وضع الحديث: 156 - 157؛ والكفاية في علم الرواية: 168 - 170.

[19] انظر: صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه: 285؛ والفضلي، أصول الحديث: 207.

[20] راجع: دروس في وضع الحديث: 157 - 158.

[21] انظر: الفضلي، أصول الحديث: 207.

[22] راجع: تدريب الراوي 1: 233؛ ومقباس الهداية 1: 402 - 403.

[23] راجع: الخطيب، أصول الحديث: 433؛ والصالح، علوم الحديث: 283 - 284؛ وتدريب الراوي 1: 233؛ ومقباس الهداية 1: 403 - 404.

[24] نهج البلاغة 3: 56؛ والكافي 5: 510؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 3: 556، و4: 392؛ وتحف العقول: 87؛ وخصائص الأئمة: 118.

[25] الكافي 1: 103 - 104، 138؛ والصدوق، التوحيد: 61، 115 و..

[26] تدريب الراوي 1: 233؛ ومقباس الهداية 1: 404؛ والفضلي، أصول الحديث: 207؛ والخطيب، أصول الحديث: 434.

[27] الصدر، بحوث في علم الأصول 7: 333 - 335؛ ومباحث الأصول 5: 652 - 653؛ والسيستاني، الرافد في علم الأصول 1: 11 - 12؛ وانظر: هاشم معروف الحسني، دراسات في الحديث والمحدّثين: 314؛ ولاحظ -لمزيد من الاطلاع- كلام: حسين إمامي كاشاني، أصول الإمامية: 46 - 47.

[28] الصدر، بحوث في علم الأصول 7: 333 ـ 334.

[29] الكليني، الكافي 5: 352؛ وتفصيل وسائل الشيعة 20: 83 - 84.

[30] انظر على سبيل المثال: الحلي، الجامع للشرائع: 245؛ والشهيد الثاني، مسالك الأفهام 3: 186.

[31] انظر: الفضلي، أصول الحديث: 207؛ وتدري الراوي 1: 233؛ ومقباس الهداية 1: 404.

[32] تدريب الراوي 1: 233؛ ومقباس الهداية 1: 404؛ ومحمد عجاج الخطيب، أصول الحديث: 434، 435.

[33] انظر: الصالح، علوم الحديث: 284 - 285؛ والفضلي، أصول الحديث: 207؛ وتدريب الراوي 1: 233؛ ومقباس الهداية 1: 404.

[34] انظر: كنز العمال 5: 55؛ ومصنف الصنعاني 5: 94؛ وإرواء الغليل 5: 322؛ وابن الجوزي، الموضوعات 1: 100؛ وتهذيب التهذيب 6: 162.

[35] تفصيل وسائل الشيعة 13: 300.

[36] انظر: تفصيل وسائل الشيعة 1: 134.

[37] تدريب الراوي 1: 233؛ ومقباس الهداية 1: 404.

[38] راجع: الفضلي، أصول الحديث: 208 - 209.

[39] كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 193.

[40] المصدر نفسه 1: 542 - 543.

[41] بحار الأنوار 42: 18.

[42] الأخبار الدخيلة: 163.

[43] النيسابوري، المستدرك 2: 389.

[44] الميزان 14: 379.

[45] الكافي 5: 46.

[46] الأخبار الدخيلة: 11.

[47] مقباس الهداية 1: 404.

[48] انظر: الخطيب، أصول الحديث: 436؛ والصالح، علوم الحديث: 285؛ ومقباس الهداية 1: 404.

[49] عبد الهادي الفضلي، أصول الحديث: 209.

[50] انظر: المامقاني، مقباس الهداية 1: 405 (الهامش).


ارسل لصديق