الآفاق والملامح العامة لقيمة الكرامة
في القرآن الكريم
كتبه: الشيخ محمد العليوات
العدد (47) السنة 22 - 1432هـ/ 2011م
التعليقات: 0
القراءات: 3182

الكرامة الإنسانية هبة ونفحة إلهية وعطاء رباني للإنسان، حيث إن الخالق عز وجل، جلل خلقه وإنسانيته ورفعها ومنع من انتقاصها والحطّ منها والاعتداء عليها بأي وسيلة ومن أي أحد.

فالكرامة الإنسانية فوق كل شيء، ومنها تبدأ مسيرة إعمار الحياة، ومن كرامة الإنسان تبدأ عمارة الأرض وحضارتها، فلا شيء قبل كرامة الإنسان، وكل شيء لا قيمة له إلَّا بها، بل إن الحياة برمتها وما فيها تكسب القيمة بكرامة الإنسان، إنها المنحة الأولى والعطاء الأول لبني آدم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فالخالق عز وجل هو المانح لهذه الكرامة والإنسانية بقدرته وكبريائه وقهره وعظمته ومنَّه.

ولأنها هبة من الوهاب الكبير المتعال فليس لأي أحد من البشر أن يسلب هذه المنحة والعطاء الرباني؛ لأن ذلك سلب للحياة برمتها، ولأن ذلك اعتداء على عطاء الله وخلقه وتشريعه وعظيم منه، إن الاعتداء على كرامة الإنسان هي اعتداء على حدود الله وتجاوز لشرائعه، وهذا صريح وواضح للواهب المنان.

وفي المقابل لا يجوز لأحد مهما كان أن يمنَّ على الآدميين بمنٍّ، فليس لأحد أن يدَّعي منحها والمنِّ بها، إنها عطاء إلهي ومِنَّة ربانية لا يجوز سلبها ولا يجوز ادِّعاء منحها من أي أحد عدا رب العباد.

الكرامة حق شائع:

ثم إن هذه الكرامة الممنوحة ليست خاصة لأحد من الناس فكل بني آدم متشاركون من هذه الناحية، أي أن إنسانيتهم مصانة وكرامتهم محترمة، فالكرامة الإنسانية حق شائع لكل فرد من أفراد البشر بما هم بشر، وهم متساوون في أصل الكرامة الإنسانية، فالكرامة ليست لجنس على حساب جنس، فلا تفضيل لأحد على أحد، ولا فضل عرق على عرق حيث تسقط كل المسميات البشرية والنظريات الاستعلائية، تسقط نظريات الجنس والعرق واللون والقبلية والطائفية والقومية، وكل الإضافات التي يحاول البشر أن يضيفها على أنفسهم من أجل التفضيل والتميز.

فالله سبحانه وتعالى أراد لبني آدم أن تكون لهم كرامتهم الإنسانية بمعزل عن أي شيء آخر، وماعدا ذلك عنصرية وتجبُّر وطغيان واعتداء على حرمة الإنسان وكيانه، ولأن الخالق منحنا كرامتنا فلا يجوز لنا التنازل عنها طوعاً، والاستسلام لمن يريد مصادرتها.

إن علينا الدفاع عن هذه الكرامة والذود عنها واسترجاعها، فالكرامة الإنسانية حق غير قابل للمساومة، فلا إنسانية عندئذ بلا كرامة، فالكرامة مع الإنسانية ومن دونها لا حقيقة للإنسان.

الإنسان بين كرامتين:

يمكن عند البحث عن الكرامة الإنسانية أن نُميِّز ونُفرِّق بين كرامتين: الأولى: الذاتية التي وهبها الله عز وجل لكل بني آدم، ولكل فرد من أفراد البشر، وهي كرامة عامة ولا فرق فيما بين أفراد الجنس البشري «فكلكم لآدم وآدم من تراب»، فالبشر فيها سواء، وهي التي تشير إليها الكريمة ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ، فكل بني آدم يولدون محصنون بها، وهي سياج لإنسانيتهم المصونة بها.

وهناك كرامة أخرى أعلى وأسمى يكتسبها الإنسان، لكل إنسان بعمله وجهده وسعيه نحو الكمال، واكتساب الفضائل والقيم الإنسانية والربانية، كرامة ترتبط بمقاومة الإنسان لوساوس الشيطان، والتغلب على الشهوات، وكبح جماح النفس الأمارة بالسوء، ومن ثم الارتقاء بالنفس الإنسانية إلى مدارج العلو والكمال الإنساني، ليقطع مسافات طويلة بكدحه وسعيه ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، إن هذا السعي والكدح الذي يرتفع به الإنسان درجات عند الخالق عز وجل ليحوز على أعلى درجات الكرامة الإنسانية.

يقول عز من قائل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، فهذه الكرامة ليست تلك الأولى والثانية الممنوحة والموهوبة له باعتباره من بني آدم وحسب، وإنما هذه كرامة مكتسبة بعمله وسعيه، وحاز عليها نظير سمو نفسه نحو الكمال، وهنا نجد التفاوت بين الكرامتين.

فالكرامة الذاتية مرتبطة بأصل الذات الإنسانية، في حين تتصل الكرامة المكتسبة بالتقوى والعمل الصالح، وبالتالي فهي كرامة ترتقي وتتدرج وتتطور وتعظم، ويرتقي بها الإنسان إلى درجات الصِّدِّيقين والشهداء والأوصياء الصالحين.

كما أن الكرامة المكتسبة تشير إلى تمسك الإنسان بكرامته الذاتية الممنوحة له من خالقه، وتذكره أن مكانته وعظمته وارتقائه مرتبط بمن تذكره بتلك الكرامة التي وهبها له الخالق عز وجل.

وأرادها أن تكون منصة الانطلاق إلى فضاء القيم والسمو، فليس هي آخر المطاف، بل هي نقطة البدء والانطلاق، ومن هنا تتميز الكرامتان، فأصل التقوى لهم الكرامة الأعلى والأسمى، وفيها أيضاً يتنافس المتنافسون دون غيرهم.

الكرامة الخَلْقيّة:

حيث تفرَّد خلق الإنسان من بين سائر الأحياء بحسن الهيئة والتركيب، إعلاءً لشأنه وتكريماً له على سائر الأحياء، فأحسن البارئ عز وجل خلقه وصورته، يقول عز من قائل: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[1].

ويقول تبارك وتعالى مُذكِّراً الإنسان (كإنسان) بعظيم هذه النعمة والكرامة التي وهبها له: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ[2].

التكريم بالصفات والمواهب:

كما خلق جل شأنه الإنسان في أحسن هيئة وتركيب كذلك زوَّده بصفات فذَّة ومواهب رائعة تكريماً له وإعلاء من شأنه، يقول عز من قائل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[3].

فليس هناك خلق أرقى من الإنسان حيث خلقه حيًّا، عالماً قادراً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً، يقول عز من قائل: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا[4].

ويقول جل شأنه: ﴿اللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[5].

إنها كرامة الاستعدادات التي أودعها الخالق في الإنسان، والتي من خلالها يعمر الكون والحياة.

سجود الملائكة والتكريم الإلهي:

لقد أعلن الخالق عز وجل تكريم الإنسان من اللحظة الأولى لخلقه، حيث كرَّمه بذلك الاستقبال الملائكي الضخم، وبذلك الأمر الإلهي للملائكة بالسجود له مباشرة بعد نفخ الروح، فيقول عز من قائل: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ[6].

والآية المذكورة تقرير قرآني واضح وصريح لشرف الإنسان وعظمة مكانته، فكل الملائكة يقومون بالسجود له بعد اكتمال خلقه[7].

ويقول عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ[8].

وتؤكد بعض الروايات حقيقة التكريم الإلهي للإنسان لسجود الملائكة له، ففي قصص الأنبياء عن ابن بصير قال: قلت لأبي عبد الله لم سجدت الملائكة، ووضعوا جباههم على الأرض؟ قال نعم تكرمة من الله تعالى[9].

العقل: الكرامة الأسمى:

لقد كرَّم الخالق عز وجل الإنسان ووهب له العقل وخصه به، «فبنو آدم مكرمون بما خصهم الله به من بين سائر الموجودات الكونية، وهو الذي يمتازون به عن غيرهم، ويعرفون به الحق من الباطل والخير من الشر والنافع من الضار»[10].

وبالعقل اكتشف الإنسان أسرار الكون، وسخَّر الحياة بما فيها لمصالحه، وأبدع الحضارات، ولا زال عقله يعمل على بلوغ الكمال المقدر للحياة.

فتكريم الإنسان بالعقل كرامة لا تضاهيها أي كرامه، لأنها هي أسمى وأرفع الكرامات وأجلُّها وأعظمها، ولن يشعر أحد بكرامته من دونه. وقد تكررت الإشارة إلى هذه النعمة، الكرامة كثيراً في القرآن الكريم لأهميتها وفضلها بصيغ عديدة، وتكررت مفرداتها كثيراً.

فقد تكررت بصيغة التعقل، يقول عز من قائل: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور[11].

وتكررت بصيغة التفكر، يقول عز من قائل:﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[12].

ووردت بصيغة (أولي الألباب)، يقول عز من قائل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ[13].

وكذلك وردت بصيغة(أولي النهى)، يقول عز من قائل: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى طه/128

ووردت كذلك بصيغة (أولي الأبصار) يقول عز من قائل: ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ[14].

الكرامة التشريعية:

والمقصود فيها جملة من التشريعات الإلهية التي تحمي وتصون كرامة الإنسان وتعلي من شأنه، وهي تشريعات عامه يستفيد منها كل البشر بدون استثناء، وتشكل بمجموعها حماية وصيانة للحقوق الإنسانية من أي تجاوز أو اعتداء من قبل أصحاب الغلظة أو النفوذ أو القوة.

تحت أي ذريعة كانت وممن كان، فكرامة الإنسان سياج عظيم تشيده تشريعات السماء حتى لا يتجاوز البشر على كرامة الآخرين والتي هي كرامتهم!

فهي حماية لكرامه الإنسان من نفسه، وتشريعات من أجل تحقيق كرامته على أرض الواقع، ويمكن الإشارة إلى جملة من هذه التشريعات ومنها:

أولاً:حرمة النفس البشرية:

فالنفس البشرية من أي جنس كانت وإلى أي دين انتمت معصومة لا يجوز ممارسة أي نوع من أنواع الأذى عليها جسديًّا أو نفسيًّا، ولا يجوز هدر دم الإنسان مسلماً كان أو كافراً، إن لم يكن بموجب شرعي، فالحياة من الحقوق الأساسية للبشر.

وحرمة النفس من أعظم الحرمات في القرآن الكريم، يقول عز من قائل: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[15].

ولشناعة جرم الاعتداء على النفس الإنسانية، اعتبر الخالق عز وجل الاعتداء على النفس هو اعتداء وقتل للناس جميعاً، يقول عز من قائل: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا[16].

وقد جعل الله حرمة النفس أول بند من بنود الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل، وهو أهم بند في الميثاق الاجتماعي الذي تبنى على أساسه حضارة البشر، يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ[17].

ثانياً: الاحترام لكل البشر:

باعتبارهم بشر ونظراؤنا في الخلق، فالناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق كما يقول الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام).

فالبشر محترمون بما هم بشر ومُكرَّمون، وبالتالي فإن احترامهم وتقديرهم والبر بهم والإحسان إليهم جزء من الكرامة الإنسانية التي لا تتجزأ، ومن هنا جاءت الآيات القرآنية لتُوصل إلى هذه الحقيقة، يقول عز من قائل: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[18].

فالقاعدة العامة: المحبة والعلاقة الحسنة والصِّلات الاجتماعية مع كل البشر بلا استثناء. والقاعدة العامة هي التواصل والتعارف والتقارب في مقابل التنافر والتباغض، مهما اختلفت مكونات القرب العرفية والدينية، يقول عز من قائل:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، فالكرامة للجميع وبمقتضاها كان التواصل والتعارف والاحترام، وإن كانت الكرامة متفاوتة من حيث كسب الإنسان وسعيه نحو الفضائل والملكات الإيمانية.

نعم هذا هو الأصل في العلاقات الإنسانية المقصورة حول الكرامة الإنسانية، والاستثناء من ذلك كله، هم أولئك الذين يقاتلون المسلمين ويتآمرون عليهم ويظهرون العداوة، يقول عز من قائل: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[19].

فهؤلاء لا يجوز التواصل معهم ولا احترامهم، فلا كرامة للقاتل والعدو الكافر.

ثالثاً: أصالة الحرية وحرية المعتقد:

لقد خلق الله كل الناس أحراراً، ولهم حرية الاختيار، ولا يجوز لأحد إجبارهم أو إكراههم أو التسلط عليهم، فالإنسان سيد نفسه، وكرامته في ذلك، وهذا مصداق لقول الإمام علي (عليه السلام): «لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرًّا».

فالخلق والحرية توأمان، والحرية جزء لا يتجزأ من كرامة الإنسان، حتى أن الإسلام أعطى لكل إنسان حرية اختيار الدين الذي يراه، يؤمن به، ويعتقده، ولا يجوز لأي أحد أن يكره الناس على اعتقاد ما لا يريد، فالدين لا يعطي أحد الحق في حمل الناس على ما يعتقده هو، فحرية الإنسان -خصوصاً حرية اعتقاده- جزء من كرامته، لا يجوز لأحد التعدي عليها، يقول عز من قائل: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.

يقول الطبرسي في مجمع البيان عن سبب نزول هذه الآية: «كان لرجل في المدينة اسمه أبو الحصين ولدان دعاهما إلى اعتناق المسيحية بعض التجار الذين كانوا يغدون إلى المدينة، فتأثر هذان بما سمعا واعتنقا المسيحية، ورحلا مع أولئك التجار إلى الشام منذ عودتهم، فأزعج ذلك أبو الحصين، وأقبل يخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما حدث، وطلب منه أن يعمل على إعادة ولديه إلى الإسلام، وسأله إن كان يجوز إجبارهما على الرجوع إلى الإسلام، فنزلت الآية المذكورة».

وجاء في تفسير المنار أن أبا الحصين كان يريد إكراه ولديه على الرجوع إلى أحضان الإسلام، فجاؤوا مع أبيهما لعرض الأمر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أجيز لنفسي أن أنظر إلى ولدي يدخلان النار دون أن أفعل شيئاً؟ فنزلت الآية.

ويقول صاحب تفسير الأمثل في سياق تفسير هذه الآية المذكورة: «إذ لو كان حمل الناس على تغيير ديانتهم بالقوة، والإكراه جائز في الإسلام، لكان الأولى أن يجيز للأب ذلك، في حين أنه لم يعط مثل هذا الحق، ومن هنا يتضح أن هذه آية لا تنحصر بأهل الكتاب فقط كما ظن ذلك بعض المفسرين، وكذلك لم ينسخ حكم هذه الآية لما ذهب إلى ذلك آخرون، بل إنّه حكم سارٍ وعام ومطابق للمنطق والعقل».

وتدعم الآيات القرآنية الأخرى مبدأ حرية المعتقد الإنساني، يقول عز من قائل: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ[20]، ويقول: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ[21].

وفي روايات متواترة نرى أن إلزام الإسلام كل أهل دين بما يلتزمون به، حيث يقر لهم الحرية في دينهم مثل ما ورد عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الاحترام، قال: «تجوز على أهل كل ذي دين بما يستحلون»[22].

رابعاً: العدالة للجميع:

إقامة العدل في الإسلام حق لجميع الناس، فلا يجوز التعدي على حقوق الآخرين، وظلمهم من أي ديانة كانوا أو عرق، فقد أمرنا ربنا أن نقوم دائماً بالقسط وإيتاء الناس حقوقهم وصيانتها فإن ذلك جزء لا يتجزأ من كرامة الإنسان، قال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[23].

فالعدالة قيمة إنسانيه، يتساوى فيها جميع النوع الإنساني حيث يطبق القانون على جميع الناس دون النظر إلى خلفياتهم الدينية والسياسية والوطنية والاقتصادية، كل ذلك ينتفي عند الاحتكام إلى القانون. يقول عز من قائل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[24] صيانة للكرامة الإنسانية.

كرامة التسخير:

لقد سخَّر الله عز وجل للإنسان الكون والوجود بما فيه من إمكانات هائلة لا حدود لها، ليستثمر كل ذلك في إعمار الأرض وحضارتها. لقد أراد الخالق تبارك وتعالى أن يكون الإنسان السيد على جميع الكائنات، والمتصرف في هذا الكون كرامةً له، وإعلاءً لشأنه. ولقد تحدث القران الكريم في آيات عديدة عن هذا التكريم الإلهي للإنسان، يقول عز من قائل: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[25].

ويقول عز من قائل: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[26].

ويقول تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ[27].

ويقول عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[28].

فتسخير الطبيعة بما فيها من بر وبحر وأرض وسماء تكريم من الخالق جل شأنه لبني آدم جميعاً، وكرامة الإنسان في سيادته على كل أمر.، وهذه هي العلاقة الحقة التي تحفظ كرامة الإنسان، فإذا اختلَّت هذه العلاقة بحيث أصبح الإنسان أسيراً للطبيعة، وأصبح مُسخَّراً لها وليست هي مسخرة له، عندها تتقلص مساحه الكرامة في ذاته، ويتنازل عن كرامته التي وهبها الله له ليكون أسيراً ويحتقر إنسانيته أمام الأشياء، فكل محاولة لتسليع الإنسان وتشييئه تحطّ من كرامته وتنتقص من كرامته، فكرامته في سيطرته وتسخيره للأشياء وليس العكس.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة غافر، الآية 64.

[2] سورة الانفطار، الآيات 6-8.

[3] سورة التين، الآية 4.

[4] سورة الإنسان، الآية 2.

[5] سورة النمل، الآية 87.

[6] سورة الحجر الآيتان 28-29.

[7] تفسير الأمثل ج1/ 123.

[8] سورة الأعراف، الآية 11.

[9] تفسير الميزان ج1/ 124.

[10] تفسير الميزان ج13/ 156.

[11] سورة الحج، الآية 46.

[12] سورة الجاثية، الآية 13.

[13] سورة آل عمران، الآية 19.

[14] سورة النور، الآية 44.

[15] سورة الأنعام، الآية 151.

[16] سورة المائدة، الآية 32.

[17] سورة البقرة، الآية 84.

[18] سورة الممتحنة، الآية 8.

[19] سورة الممتحنة، الآية 9.

[20] سورة الغاشية، الآية 22.

[21] سورة الكافرون، الآية 9.

[22] الصياغة الجديدة، ص 290.

[23] سورة المائدة، الآية 8.

[24] سورة النحل، الآية 90.

[25] سورة إبراهيم، الآيتان 32-33.

[26] سورة النحل، الآية 14.

[27] سورة الحج، الآية 65.

[28] سورة الإسراء، الآية 70.


ارسل لصديق