العقوبات في الإسلام
وحرية الإنسان
كتبه: محمد محفوظ
العدد (47) السنة 22 - 1432هـ/ 2011م
التعليقات: 0
القراءات: 4158

مفتتح:

تتميز المنظومات المعرفية المتكاملة بأن جميع مفرداتها وجزئياتها في إطار نسق فكري متناسق ومتناغم بعضه مع بعض، لا تخالف ولا تناقض بينهما. فهي مجموعة مفردات لم تركب تركيباً ولم تُقحم في البنيان المعرفي، وإنما هي منبثقة انبثاقاً ذاتيًّا في الإطار المعرفي المذكور.

وفي الدائرة الإسلامية، حيث يُشكِّل الدين الإسلامي، تلك المنظومة المعرفية المتكاملة والشاملة لجميع الأبعاد؛ نجد أن جميع مفردات وجزئيات هذه المنظومة، لا يتناقض بعضها مع بعض، وإنما تتكامل تكاملاً مذهلاً، بحيث يتشكل لدينا بناء تشريعي متراص ومتكامل. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا[1].

فالإسلام كبناء معرفي لا يُعلي من شأن قيمة على حساب الأخرى، وإنما هو دين التوازن والاعتدال في كل شيء.

فهو يوازن بين حاجات الإنسان الجسدية والمعنوية، والقيم المادية والقيم الروحية، وضرورات السلطة والنظام ومتطلبات الحرية.

الغيب والعقل:

والدين الإسلامي بكل تشريعاته ونظمه، وبالرغم من تقريره للغيب، فإنه ذو سمة عقلانية، أي أنه جاء ليوافق منطق العقل الإنساني وأحكامه. لذلك لا نجد أن هناك حكماً في الدائرة التشريعية للإسلام، لا ينسجم وحقائق العقل الإنساني. وعالم الغيب في المنظور الإسلامي، ليس نفياً أو تغييباً لعالم الشهود والعقل. وإنما بالنظر العقلي المستند إلى حقائق الوحي يتم اكتشاف بعض جوانب عالم الغيب وأبعاده. ولا يخلو أي نظام من تشريعات عقابية، تعاقب المجرمين والمرتكبين للفضائح، وتحول دون تكرارها؛ وذلك من أجل أن يخلو المجتمع من الموبقات والجرائم التي تضر بأمن واستقرار الجميع.

ولكن تختلف هذه الأنظمة في مسألة هل أن تشريعاتها وعقوباتها المنصوصة، تناقض حقوق الإنسان وحريته، أم هي منسجمة ومقتضيات هذه الحرية والحقوق؟ وإننا نعتقد، ومن خلال ملاحقة كل الأحكام الفقهية المتعلقة بالعقوبات (الحدود والتعزيرات)، أن العقوبات في المنظور الإسلامي لا تتجاوز على حرية الإنسان وحقوقه. بل هي شُرِّعت من أجل هذه الحرية، وإن تفاصيل هذه العقوبات ليست نقيضاً لحرمة الإنسان وصيانة حريته وحقوقه الأساسية.

لذلك يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[2].

وقد نستوحي من هذه الآية «أن القاعدة التي تحكم التشريع هي إبعاد الحياة عن مواقع الخطر، فلا مجال للتلاعب بالحياة كمبدأ. وذلك بالمستوى الذي يجعل الاعتداء على حياة الفرد اعتداء على حياة الناس كلهم؛ لأنه يمثل الاعتداء على المبدأ، لأنه لا فرق في قيمة الحياة وقدسيتها بين فرد وآخر، كما أن الحفاظ على حياة الفرد يمثل في القيمة المحافظة على حياة الناس جميعاً، لأنه يمثل احترام الحياة كمبدأ مما يؤدي إلى امتداده في حياة الآخرين»[3].

العقوبات وحرية الإنسان:

وتتضح حقيقة مدى انسجام العقوبات في الرؤية الإسلامية وتناغمها مع حرية الإنسان من خلال الأبعاد التالية:

1- مفهوم العقوبة في الرؤية الإسلامية.

2- الشروط التي ينبغي أن تتوافر لتثبيت الجرم والعقوبة.

وقد عُرِّفت العقوبة بأنها «الجزاء الذي يستحقه الجاني نظير ما وقع منه من معصية لأمر الشرع أو نهيه سواء أكان الجزاء مقدراً من قبل الله تعالى حقًّا لله أو للعبد، أو مقدراً من قبل ولي الأمر بما خوله الله له مسلطة»[4].

ويقول الباري عز وجل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ[5].

ويقول تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[6].

ولقد أكدت النصوص الإسلامية أن الجرائم التي يرتكبها الإنسان، هناك عقوبات دنيوية مترتبة عليها كالحدود والتعزيرات، وهناك عقوبة أخروية موكولة إلى الخالق عز وجل. يقول تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ[7]. ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[8].

«فالمصلحة أو المنفعة الحقيقية التي يحددها الشرع هي مناط التجريم والعقاب في آن واحد، فلا تجريم لفعل إلا إذا كان مضرًّا بالفرد أو المجتمع، ولا عقاب على فعل إلا إذا حقق تنفيذه مصلحة للفرد أو المجتمع كذلك. بالإضافة طبعاً إلى تحقيق العدل والعدالة، لأن الله سبحانه وتعالى قد حرم الظلم على نفسه وجعله محرماً بين الناس. يقول عز من قائل: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[9]. ويقول أيضاً: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا[10]، وإذا كان الله سبحانه وتعالى عادلاً لا يظلم خلقه، فالعقوبات الشرعية المقدرة عدل كلها ومصلحة للفرد وللمجتمع الإسلامي.

أما بالنسبة للعقوبات غير المقدرة والتي أعطت الشريعة للحاكم المسلم أو القاضي حق تقديرها بما يتناسب مع المصلحة والمنفعة العامة والخاصة، فقد طالبت الشريعة وأهدافها، وحذرت كما جاء في الآية الأخيرة، وغيرها كثير، من الظلم وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة»[11].

أما بالنسبة إلى الشروط التي ينبغي أن تتوافر لتثبيت الجرم والعقوبة. فقد أكدت النصوص الإسلامية على ضرورة التثبيت والتأكد الكامل من عناصر الجريمة. وسنّت عقوبة الجريمة القذف لتوخي الدقة والحذر.

إذ يقول عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[12]. وتوجه النصوص في الوقت ذاته خطابها إلى القضاة للالتزام بكل مقتضيات النزاهة والعدالة. إذ يقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا[13]، وعن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن القاضي العادل ليُجاء به يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى ألَّا يكون قضى بين اثنين في ثمرة قط»[14].

وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً يقول: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة، قاضٍ قضى بالهوى فهو في النار، وقاضٍ قضى بغير علم فهو في النار، وقاضٍ قضى بالحق فهو في الجنة»[15].

إضافة إلى كل التدابير الاحترازية التي توفرها الشريعة، وتفسح المجال واسعاً للمذنب للعودة عن ذنبه وجريمته من ضرورة التعاون على البر قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[16]، إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[17]، إلى تحريم إشاعة الفواحش، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[18].

إلى التوبة والاستغفار قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[19]، ولا تكتفي الشريعة الإسلامية بذلك، بل تؤكد ضرورة أن تتوافر كل الشروط لإثبات الجريمة سواء على صعيد الدوافع أو على صعيد البيئة والفضاء الاجتماعي.

فجريمة السرقة مثلاً لا يمكن إثباتها أو ترتيب الأثر الشرعي عليها إلا إذا خلت دوافع السارق من الحاجة الملحة أو الفقر المدقع فـ«هناك مراعاة كبيرة لأسباب ودوافع جريمة السرقة، فإذا انتفت الأسباب المعتبرة شرعاً وهي الحاجة أو الفقر، وتبين أن السبب الوحيد للسرقة هو الاعتداء على أموال الناس بهدف الإثراء السريع أو أي هدف آخر، فإن العقاب يأتي لتحقيق أمرين كذلك، الأول حماية أموال الناس وفي ذلك مصلحة الأفراد والمجتمع، وثانياً تحقيق الردع والزجر، لعدم التكرار من طرف السارق ولتحذير غيره من الاعتداء على أموال الناس، لأن ما سينتظره هو العقاب القاسي والشديد أي قطع اليد، وهذا بحد ذاته تدبير احترازي ووقائي. كذلك الأمر بالنسبة لباقي جرائم الحدود مثل البغي والحرابة، فالنظام الإسلامي العادل يعمل على إلغاء جميع الأسباب الدافعة إلى البغي والحرابة، مثل الظلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي أو اللامساواة في الحقوق، بحيث لا تبقى لدى البغاة أو المحاربين حجة أو مبرر للاعتداء أو الإفساد في الأرض، وإذا ما أصروا على البغي من أجل البغي، فلابد من قتالهم حتى يفيئوا إلى الحق، وكذلك بالنسبة للمحاربين لله ورسوله والساعين في الأرض فساداً، لابد من معاقبتهم عقاباً شديداً، لأن الحفاظ على أمن المجتمع الإسلامي وبقائه وسلامته من مخاطر الفتن السياسية والاجتماعية من أهم مقاصد الشريعة»[20].

لذلك نجد أن التجربة الفكرية الإسلامية، لدى أقطاب الأمة وزعمائها في العصور الأولى للإسلام، تجربة دائمة البحث عن الجديد وتتواصل مع مكتسبات الأمم الأخرى العلمية والمعرفية، وتحث على التعرف عليها وكسبها. ولم تتوقف هذه التجربة عن البحث عن الجديد، أو التواصل الفعال مع منجزات الأمم الأخرى الحضارية والإنسانية.

لذلك نستطيع القول: إن تلك التجربة الفكرية وخصوصاً في زخمها الأول ونبضاتها الأساس، لم تعرف الانكفاء، ولم تشرع للمفاصلة مع تجارب الآخرين، وإنما على العكس من ذلك تماماً. حيث حثت المسلمين من مختلف مواقعهم على التعلم والتفكر واكتساب مهارات جديدة. والتواصل مع المعارف والثقافات الإنسانية الأخرى، لا يعني ذلك بأي شكل من الأشكال القبول بكل شيء تقول به هذه المعارف والثقافات. وإنما للدخول معها في عملية جدل وتثاقف تثري الواقع الإنساني برمته.

وإن الرفض أو القبول يتم على قاعدة الوعي والمعرفة التامة به. وهذا لا يتأتى على الصعيد الواقعي إلا بالانفتاح والتواصل.

والحرية الحقيقية للإنسان، تبدأ حينما يثق الإنسان بذاته وعقله وقدراتهما. وذلك لأن التطلع إلى الحرية بدون الثقة بالذات وبالعقل، تحوّل هذا التطلع إلى سراب واستلاب وتقليد الآخرين بدون هدى وبصيرة. لذلك فما لم يكتشف الإنسان ذاته، ويفجر طاقاته المكنونة، لن يستطيع اجتراح تجربته في الحرية وبناء واقعه العام على قاعدتها ومتطلباتها.

من هنا ووفق هذا المنظور، نحن ننظر إلى مسألة التشريعات الجزائية أو العقابية في الإسلام.. فالعقوبات في الرؤية الإسلامية، ليست بعيدة عن الحرية ومستلزماتها.. بل حين التدقيق نجد أن هناك علاقة وطيدة بين نظام العقوبات ونظام الحرية في الرؤية الإسلامية.

حيث من الطبيعي في الدائرة الإسلامية والإنسانية أن توضع أحكام جزائية، لأجل تطبيق العدالة، وصيانة المصالح الخاصة والعامة، ومكافحة جميع أنواع الفساد والانحراف. لذلك فإن نظام العقوبات في الإسلام، ليس لتقييد الحريات أو تكبيل الإنسان عن الفعل والحركة في الحياة.وإنما من أجل صيانة مصالح الجميع، وضمان عدم تعدي بعضهم على بعض. من هنا عدَّ القرآن الكريم الاقتصاص من المجرم، إدامة لحياة المجتمع وحفظ مصالحه. حيث قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[21].

لذلك لا يخلو نظام من الأنظمة العامة، من وجود أنظمة عقابية وجزائية، وذلك لأنه لا يمكن أن تسير الحياة بشكل سوي ومستقيم بدون نظام الجزاء والعقوبات. وعليه نستطيع أن نجزم بأن تشريع قوانين وأحكام الجزاء لا يعد عنفاً، لأن المراد من تشريع هذا النوع من القوانين، هو حفظ النظام، وحماية الحقوق الفردية والاجتماعية، وضمان الوصول إلى الأهداف التربوية والأخلاقية اللازمة لأي مجتمع.

وهكذا فإن قوانين الجزاء وأحكامه في الإسلام، لا يراد بها الانتقام مطلقاً، وإنما هي وسيلة إدامة حياة المجتمع وحفظ قيمه ونظامه، وتطهيره من عوامل الانحراف والجريمة.

لذلك يؤكد الذكر الحكيم على ضرورة تنفيذ الأحكام بعيداً عن المواربة والمحاباة.إذ يقول تبارك وتعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[22].

أهداف العقوبات في الإسلام:

وبإمكاننا توضيح هذه الحقيقة، من خلال بيان أهداف العقوبات في الإسلام، التي تتمثل في النقاط التالية:

1- حفظ حقوق الأفراد والمجتمع.. فالعقوبات ليست في مقابل نقض حرية الاختيار والتعرف لدى الإنسان، وإنما هي موضوعة من أجل حفظ الإنسان والمجتمع من الأخطار التي قد تعصف به.

2- بسط وسيادة العدل وعدم تفويت الحقوق. وهذا بطبيعة الحال يحافظ على مصالح الجميع فرداً ومجتمعاً وكذلك مصالحهم النوعية.

ولا نحسب أن هناك شريعة من الشرائع أو قانوناً من القوانين، لا يعترف ويقرر أهمية العقوبة في درء الأخطار والدفاع عن أمن الأمة والمجتمع ومصالحهما.

فالعقوبات في الإسلام، لا تشرَّع للانتقام والتنكيل وامتهان كرامة الإنسان، وإنما لحماية المجتمع من الآفات والمخاطر التي قد تهدد وجوده وأخلاقه.

لذلك من الطبيعي القول: إن العدل هو حصن الحقوق، وإن نظام العقوبات في الإسلام لا يخرج عن مقتضيات العدل والحرية، بل هو خادم لهما. إذ لا يمكن أن يتم الحفاظ على حقوق الأفراد والجماعات ومكتسباتهم الحضارية بدون العدالة. فهي حصن الحقوق، وهي بوابة الأمن الشامل. وبدونه تشيع الفوضى، وتزدهر الفتن والاضطرابات، وتزداد أسباب الاحتقان والانفجار في المجتمع.

فالعدالة بمفرداتها (القسط والإحسان والبر)، هي التي توفر الأمن والاستقرار في حياة الأفراد والجماعات. فلا فلاح إلا بالعدل، فهو سبيلنا الوحيد لإنجاز الاستقرار والأمن والتقدم. وإن الخروج من سجن التخلف والتأخر إلى رحاب التقدم والحرية والتطور بحاجة إلى العدالة، وإن الحرية الإنسانية لا تنجز على الصعيد العملي، إلا على قاعدة توفير المصالح التي يسعد بها الإنسان ويحيا حياة كريمة، ودفع الأضرار التي تجلب إليه الشقاء والبعد عن الجادة والحياة الكريمة. لذلك فقد اعتنى الدين الإسلامي أيَّما اعتناء بهذه المسألة. وأسس الفقه الإسلامي استناداً على النصوص الإسلامية العديد من القواعد الفقهية والقانونية، التي تحول دون الشقاء، وتجلب للإنسان الفرد والجماعة كل أسباب المصلحة والسعادة. فقد جاء في المأثور أنه «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام».

فالحرية في المنظور الإنساني، لا تتعدى هذا الفهم وهذه القواعد التي أرساها النص الإسلامي. إذ يقف الإسلام ضد كل الأضرار (النفسية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والسلوكية) التي تؤثر سلباً في حياة الإنسان الخاصة والعامة.

من هنا فإن العقوبات في الإسلام، لا تقف ضد حرية الإنسان بكل أبعادها وآفاقها، ولا تحول دون حركة الإنسان في الحياة.

بل هو نظام لحماية الإنسان في هذه الحياة من المخاطر. ومن الخطأ أو الظلم التعامل مع نظام العقوبات في الإسلام، بمعزل عن المنظومة القيمية الإسلامية. إذ إن عملية العزل هذه، تُشوِّه هذا النظام، وتُحوِّله وكأنه سيف مسلط بشكل دائم على الإنسان وحقوقه الأساس. لذلك فإننا ندعو إلى النظر إلى نظام العقوبات في السياق الإسلامي العام المحكوم بقيم العدالة والحرية.

فكل العقوبات يتم تنفيذها تحت سقف العدالة والحرية. وكل ممارسة دون ذلك، لا تنسجم ورؤية الإسلام لنظام العقوبات.

فالعدالة والحرية وكل مقتضياتهما ومتطلباتهما، هي البيئة التي تتحكم في مسار العقوبات في الرؤية الإسلامية.

وعلى هدى هذا القول: فإن الأصل في الإسلام هو العدالة والحرية. وإن نظام العقوبات، جاء من أجل حماية هذه القيم على الصعيد الإنساني.

لذلك كلما اقترب الإنسان الفرد والجماعة، من مقتضيات العدالة والحرية، تلاشت الحاجة الفعلية إلى نظام العقوبات.

بمعنى ضمور الموضوعات والتجاوزات التي تقتضي عقوبة أو جزاءً. وعليه فإن جميع الجهود، ينبغي أن تتجه إلى تكريس مقتضيات هذه القيم (العدالة والحرية) في الفضاء الاجتماعي، وذلك من أجل سعادة الإنسان واستقراره النفسي والاجتماعي.

وجماع القول: إن حرية الإنسان هي الأصل والقاعدة، وإن نظام العقوبات، لا يناقض هذا الأصل، بل جاء من أجل حمايته وتنميته وديمومته.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 82.

[2] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 178 - 179.

[3] السيد محمد حسين فضل الله، تفسير من وحي القرآن المجلد الأول، الجزء الثالث، ص 166، الطبعة الثالثة، دار الزهراء، بيروت 1985م.

[4] محمد دكير، التشريع الجنائي الإسلامي وحقوق الإنسان، دراسة مقارنة، ص 121، الطبعة الأولى، دار اقرأ، بيروت 2005م.

[5] القرآن الكريم، سورة النحل، الآية 126.

[6] القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 38.

[7] القرآن الكريم، سورة الأنعام، الآية 124.

[8] القرآن الكريم، سورة الروم، الآية 47.

[9] القرآن الكريم، سورة ق، الآية 29.

[10] القرآن الكريم، سورة الفرقان، الآية 19.

[11] محمد دكير، التشريع الجنائي الإسلامي، مصدر سابق، ص 148.

[12] القرآن الكريم، سورة النور، الآية 4.

[13] القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 58.

[14] محمدي الريشهري، ميزان الحكمة، الدار الإسلامية، لبنان، ج 8، ص 129.

[15] المصدر السابق، ص 202.

[16] القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 2.

[17] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 104.

[18] القرآن الكريم، سورة النور، الآية 4.

[19] القرآن الكريم، سورة الأنعام، الآية 54.

[20] محمد دكير، مصدر سابق، ص 218.

[21] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 179.

[22] لقرآن الكريم، سورة النور، الآية 2.

محمد محفوظ

ــ عالم دين، باحث إسلامي.

ـ من مواليد عام ١٣٨٦هـ، القطيف. شرق المملكة العربية السعودية.

- هاجر لطلب العلم في عام ١٤٠٠هـ. والتحق بحوزة الإمام القائم العلمية بطهران. تنقل بين مختلف الدول العربية للعمل التبليغي والدعوي، استقر به المقام لسنوات في سورية للدراسة والتدريس في الحوزة العلمية. حضر أبحاث ودروس: سماحة آية الله الشيخ المحمدي البامياني، وآية الله الشيخ الناصري الأفغاني، وآية الله الشيخ المقدس الأفغاني، كما حضر خارج الفقه لدى: آية الله السيد عباس المدرسي، وآية الله الشيخ محمد طاهر الخاقاني، وآية الله الشيخ فاضل سلطاني.

ـ مدير تحرير مجلة الكلمة الدراساتية، التي تصدر عن منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث ببيروت. مؤسس ومدير مركز آفاق للدراسات والأبحاث.

ـ يعتبر من أبرز كُتاب وباحثي  القضايا المعاصرة، ومعالجة المشكلات الحضارية، والفكرية. كاتب بمقالة اسبوعية في جريدة الرياض (السعودية). من مؤلفاته المنشورة: * الإسلام مشروع المستقبل. * نظرات في الفكر السياسي الإسلامي. * الإسلام والغرب.. وحوار المستقبل. * الفكر الإسلامي المعاصر ورهانات المستقبل.



ارسل لصديق