التوحيد والشرك
وترشيد الفاعلية الحضارية
كتبه: السيد جعفر العلوي
العدد (47) السنة 22 - 1432هـ/ 2011م
التعليقات: 0
القراءات: 2737

توطئة

مفردة «الحضارة» لها جاذبية لارتباطها بالتقدم والرفاه، خصوصاً لمن يعيشون في خضم التخلف. وحيث إن تحقيق النهوض الحضاري من قبيل «الممكن» والمرتبط بالسعي فإن البشرية منذ نشأتها تسعى إلى تحقيق هذا الطموح.

وأمتنا كان لها شأن في غابر الأيام، واليوم هي على ما هي عليه، ويجدر بها أن تعاود السعي لتحقيق تقدمها وكرامتها، بيد أن سؤال النهضة هو سؤال يحمل إشكاليات متشعبة عن أسباب التقدم والتخلف، عن نقطة البدء، عن الطموح والأنموذج.

والإسلاميون عموماً يرون أن دينهم الذي ارتضاه الله لعباده سبيل الخلاص فيتجاوزون الأنموذج الغربي في نقد غالبه عند المفكرين إيجابي لا يشكل قطيعة عن التجربة البشرية العمرانية دون أن يكون التاريخ الأنموذج البديل وأيضاً عند قسم من المفكرين.

والحديث هنا تحديداً عن الصلة والقطيعة بين الدين والحضارة، وأيضاً المفارقات بين تأسيس الفاعلية على أساس الدين أو على أساس القطيعة.

وظاهراً؛ فإن أساس الصلة هو وصف الإنسان بـ«الكائن الثقافي»؛ وأن للثقافة فاعلية في ضبط إيقاع الفعل البشري وتوجيهه، حيث إن الرؤى الفلسفية التي تشكل الثقافة لمعتنقيها هي البناء التحتي الذي يصوغ «شاكلة» الشخصية، وبالتالي تتحدد سلوكاته.

أولاً: جولة في المفاهيم

في معنى الحضارة:

يعتبر مفهوم الحضارة من المفاهيم التي تستعصي على التحديد، وذلك بفعل التطور الدلالي الذي حظي به عبر تاريخ الحضارة نفسها، وأيضاً لمبتنيات من يصنع التعريف العلمية والفلسفية.. ونحن هنا إنما نود التقريب بما يناسب الموضوع.

1- في اللغة:

ففي العربية[1]، الحضارة بكسر الحاء وفتحها تعني الإقامة في الحضر، ومعناها ضد غابَ، والحاضرة والحِضارة [ويفتح] خلاف البادية. والحضور نقيض المغيب... والحضر خلاف البدو، والحاضر خلاف البادي (البدو من الانكشاف البصري خارج العمران/ الأحياء السكنية)، وفي الحديث: «لا يبيع حاضر لبادٍ».. والحاضرة الحي العظيم والمدينة الكبيرة.

فالحضارة في عرف اللغة ترتبط بالحضر (حضور الإنسان مع أخيه الإنسان)، والعمران،. فالاستقرار الجغرافي يؤسس لاستقرار أنماط للعلاقات الاجتماعية، وتفاعل وترابط المصالح، يؤسس لسبل التعاون وتنظيم العلاقات بحيث يتوفر الأمن والحاجات المادية والمعنوية. ومع التطلع وتحدي عوائق الطبيعة وغيرها تُنشئ الجماعة عمرانها الخاص.

2- في منشئها الغربي:

«الحضارة»[2] هو الترجمة الشائعة للفظة الإنجليزية «Civilization»، والتي يعود أصلها إلى عدة جذور في اللغة اللاتينية؛ «Civilties» بمعنى مدنية، و«Civis» أي ساكن المدينة، و«Cities» وهو ما يُعرف به المواطن الروماني المتعالي على البربري. ولم يُتداول الاشتقاق «Civilization» حتى القرن الثامن عشر، حين عرفه دي ميرابو في كتابه «مقال في الحضارة» باعتباره رقة طباع شعب ما وعمرانه ومعارفه المنتشرة بحيث يراعي الفائدة العلمية العامة.

ويبدو أن ما عناه غالبية من استخدموا الكلمة لأول مرة هو مزيج من الصفات الروحية والخلقية التي تحققت على الأقل بصورة جزئية في حياة البشر في المجتمع الأوروبي، وفي الثقافة العربية مقارنة بين أخلاقيات الحضر والبداوة في الخشونة والرقة..، وهكذا فالعنصر الأساس للحضارة كما يتضح هو الاستقرار.

وتتطور التعريفات لمفهوم «Civilization» من التركيز على العمران وتأثيره في طباع البشر المحدودة إلى العنصر الثاني في الحضارة بعد الاستقرار وهو المرتبط بحقل المعرفة والثقافة.

والمتتبع لمضامين التعاريف يرى تفاوتاً بين جعل المفهوم مرادفًا لمفهوم الثقافة، وبين جعله قاصرًا على نواحي العمران وبين جعله مشتملاً على البعدين. بل وتركز بعض التعريفات على وظيفة الحضارة (البيئة الحضارية/ تمكين الإنسان من التقدم).

فمثلاً يُعرِّفه وول ديورانت بأنه «نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، ويتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون».

ويُعرِّفها تايلور بأنها: «درجة من التقدم الثقافي، تكون فيها الفنون والعلوم والحياة السياسية في درجة متقدمة».

فديورانت ينظر إلى الحضارة من جهتين؛ الأولى أنها نظام اجتماعي يقدم للإنسان القدرة على تحقيق إنجازات ثقافية، وأخرى أنها مرحلة متقدمة تكون فيها الحياة الإنسانية تتجه نحو التنظيم عندما تتوفر لها مجموعة من العناصر، أما تايلور يعرف الحضارة على اعتبار أنها درجة من التقدم الثقافي لها نتائجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهو في تعريفه هذا يتجه إلى تعريف الحضارة كمرادف لـ«مفهوم الثقافة»، والتي هي مجموع المعارف والمعتقدات، والفن والقانون، والأخلاق والتقاليد، وجميع الإمكانات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان كعضو في مجتمع معين.

ويبدو أن رأي تايلور أخذ مكانه، لذا ثمة آراء لإرساء التمايز بين مفهومي «الحضارة» و«المدنية»، حيث تكون الحضارة عبارة عن المضامين الثقافية والروحية، وتكون المدنية موازية لمعنى العمران.

3- الحضارة في الترجمة العربية:

في بدايات القرن العشرين، ومع دخول الاستعمار الأوروبي إلى الدول العربية، انتقل لفظ «Civilization» إلى القاموس العربي، وقد حدث اضطراب واضح في المفاهيم لعدم وضوح تعريفات ألفاظ: «ثقافة» و«حضارة» و«مدنية»، خاصة مع وجود المفاهيم الثلاثة في اللغة العربية، على حين لا يوجد سوى مفهومين في اللغة الإنجليزية، مما أدى إلى انقسام اتجاهات ترجمة المصطلح إلى اتجاهين:

- اتجاه ترجمة «Civilization» إلى «مدنية»: على الرغم من عدم شيوع هذه الترجمة لمفهوم «Civilization» إلا أنها أكثر دقة في اختيار اللفظ العربي، وقد بدأ هذا الاتجاه منذ أوائل القرن التاسع عشر، حيث تُرجم في عهد محمد علي باشا كتاب «إتحاف الملوك الألباب بسلوك التمدن في أوروبا»، كما استخدم رفاعة الطهطاوي في كتابه «مناهج الألباب المصرية» مفهوم التمدن في التعبير عن مضمون المفهوم الأوروبي مشيرًا لوجود بُعد التمدن في الدين والشريعة.

وظل هذا الاستخدام لمفهوم المدنية سائدًا حتى وقت قريب وبالدلالات والمعاني نفسها التي تمثل بها مفهوم «Civilization»، فقد استخدم المفهوم عام 1936م على أنه «حالة من الثقافة الاجتماعية تمتاز بارتقاء نسبي في الفنون والعلوم وتدبير الملك»، وكذلك أطلق عام 1957م على الظواهر المادية في حياة المجتمع مقابل إطلاق لفظ الحضارة على «Culture»، قاصدًا الظواهر الثقافية والمعنوية في هذه الحياة، حيث المدنية تُنقل وتُورَّث، في حين أن الحضارة «Culture» إنتاج مستقل يصعب اقتباسها ونشرها.

- اتجاه ترجمة «Civilization» إلى «حضارة»: يُعد هذا الاتجاه هو الأكثر شيوعًا في الكتابات العربية ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين.

وبملاحظة التعريفات المقدمة لمفهوم «الحضارة» نلحظ أنها هي نفسها التعريفات التي وضعت إزاء «المدنية»، فالخلاف لفظي والمحتوى واحد وهو المضمون الأوروبي. فعادة، يربط مفهوم الحضارة إما بالوسائل التكنولوجية الحديثة، أو بالعلوم والمعارف والفنون السائدة في أوروبا، أي خلاصة التطور الأوروبي الحالي. وينطلق هؤلاء من أن الحضارة هي جملة الظواهر الاجتماعية ذات الطابع المادي والعلمي والفني الموجود في المجتمع، وأنها تمثل المرحلة الراقية في التطور الإنساني.

جولة التعاريف:

بصورة مجملة؛ مدرستان للحضارة عند المفكرين الغربيين، تُعبِّر كل منهما بطريقتها الخاصة عن الحضارة، مدرسة تعبر عن الحضارة بمصطلح (Civilization) أي المدنية، والمدرسة الثانية تعبر عنها بمصطلح (Culture) أي الثقافة. بيد أن المشارب متعددة في علاقة «الثقافة» بـ«الحضارة»، فمع إغفال الترادف بينهما فإن البعض يرى الحضارة جزءاً من المكون الثقافي والعكس أي أن الثقافة تشير للجانب المعنوي من الحضارة. وثمة من يرى أنهما أمران مستقلان مع وجود العلاقة بينهما، سواء بتغليب المادي وجعل الفكري نتاج الشروط المادية أو بجعل نمط العمران وليد الثقافة.

ومصطلح الحضارة ظاهراً يشمل المصطلحين معاً (الثقافة والعمران) كما هو شأن الكثير من الباحثين، وحينها الحضارة بيئة صالحة ليحقق الإنسان اجتماعه الملائم، أو الإنجازات التي يحققها. وكلا الأمرين «الشروط/ البيئة الحاضنة» و«الإنجاز» يمكن أن تُترجم ماديًّا أو ثقافيًّا. فالبيئة[3] التي هي شرط التقدم قد ينظر إليها ضمن القيم التي تصنع التقدم العمراني أو الشروط المادية الكفيلة بتحقيق التقدم، وأيضاً في سياق الإنجاز قد ينظر لها في «الرفاه» أو في «النظم القانونية» و«الحقوقية».

ونسجل الملاحظات الآتية:

1- تتمايز الأمم كما تشترك من جهات أخرى لوحدتها البشرية وتجانس الجغرافيا وتقارب الثقافات، ويكون لها شخصياتها الفريدة تبعاً لتمايز ثقافاتها ومكوناتها التاريخية.. وبالتالي تمايز الأمم في عمرانها ومدنياتها يتبع بصورة طبيعية تمايزها الثقافي.. حيث إن الاجتماع البشري ليس سطحيًّا أو نمطيًّا، فالبشر لا يعيشون علاقات اجتماعية فقط وإنما يصنعونها وفق خياراتهم المتولدة من حاجاتهم وأفكارهم، كما أن العلاقات الاجتماعية المنُشأة والأدوات المادية المُعاشة في المجتمع تُهيِّئ الأرضية لنمو أفكار جديدة وحصول تطورات ثقافية. وبالتالي ننظر إلى مفردة الحضارة في شقيها (الثقافي/ القيمي) و(العمراني/ المدني) بصورة متفاعلة بدرجة عالية التعقيد.

2- تحديد سمة «الحضارة» متشعب لاتجاهين علمي يُنظِّر لشروط الحضارة وهو اشتغال علم التاريخ مثلاً، وآخر معياري ينظِّر إلى الأنموذج الصالح، وفي هذا الإطار نرصد اتجاهين:

:: معيارية الأنموذج الغربي. حيث يكون الاقتراب منه اقتراب من الحضارة. وهو أنموذج يجعل التقدم المادي/ العمراني هو الأساس، وإذا ما انفتح على القيم الثقافية فإنما يكون بمقدار ما تنجز له التقدم العمراني.

:: معيارية القيم الإنسانية. وهو اتجاه يتبناه قسم كبير من الإسلاميين؛ حيث تكون الحضارة في أساسها العميق[4] مجموعة القيم المعنوية التي تنظّم محاور العلاقة بين الإنسان والإنسان من جهة، وبينه وبين الإمكانات الطبيعية التي خلقها الله عز وجل في هذه الأرض وسخّرها له، لتكون رصيداً له في مسيرة التكامل والرقي.

3- على هذا يختلف معنى «التقدم» تبعاً للأنموذج الغربي والقيم الإنسانية.. ويكون من تداعياته:

:: سقوط معيارية الأنموذج الغربي دون أن تحدث القطيعة التامة بلحاظ ما يتضمن من إنجازات إنسانية، فالتقدمية الغربية هي بحاجة لتقييم ونقد لصالح البشرية.

:: إن أساس المفارقة بين الرؤيتين؛ بعد الالتقاء على أهمية المنجز العمراني هو في الغاية.. بمعنى أن الرؤية القيمية ترى في العمران وسائل من أجل الخير الإنساني. ومتى أصبحت أداة تقويض للإنسان وفي اتجاه مخالف للقيم النبيلة فهي وإن اعتُبرت حضارة لكن لن تكون إنسانية وإنما «ذئبية».

ومن هنا؛ يخرج «التحضر/ التقدم» من النزاع اللغوي إلى الجدل الفلسفي حول المعنى الإنساني وفاعلية الإنسان والاجتماع البشري وغاياته.

في معنى التوحيد والشرك:

«أول الدين معرفته»، وهكذا يكون التوحيد ثمرة المعرفة وكمالها بأن يزيل عن نفسه حجب الخلق، ولا يجعل في اعتقاده أن موجوداً ما له قدرة مستقلة ذاتية، فمثل هذا الاعتقاد هو منزلق الشرك. ونقارب التحديد من خلال ثلاثة عناوين.

1- التعريف ومراتب التوحيد:

البحوث المرتبطة بالتوحيد عند معظم الباحثين يمكن اختزالها في ثلاثة أقسام[5]:

1- التوحيد في الذات؛ كما هو مفاد سورة التوحيد. فهو تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصير[6]. وهو ﴿هُوَ اللهُ الواحِدُ القَهّارُ[7]. وهكذا يكون له شقوق ثلاثة: نفي الشريك ونفي الشبيه (الأحدية) ونفي التركيب (الصمدية). ونفي التركيب يتفرع عنه البحث في الصفات. أما نفي الشريك فيتضح حاله من التوحيد الأفعالي.

2- التوحيد في الأفعال (الخالقية)؛ كما هو مفاد ﴿قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ القَهّار[8]، و﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الّذي خَلَق السَّمواتِ وَالأرض في سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى علَى الْعَرْشِ يُدَبِّر الأَمْر ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرون[9].. وهكذا يتضح بُعْداه في: «الخالقية» و«التدبير/ الربوبية». ويتولد عنهما نفي التفويض المطلق إلى أحد من الخلق ونفي مطلق الاستقلال عنه تعالى.

4- التوحيد في العبادة؛ أي أن العبادة لا تكون إلاّ لله وحده، وأنّه لا يستحق أحد أن يتخذ معبوداً سوى الله حيث هو تعالى الخالق.. وبالتالي يُبحث في حقيقة العبادة كما يُبحث في جهة استحقاق العبادة. ويتفرع على هذا مباحث تتصل بـ: «التوحيد في الولاية التشريعية»، «التوحيد في الحاكمية»؛ أي شرعية الحكم تؤسس على «الإذن الإلهي»، «التوحيد في الطاعة»؛ فالطاعة «هي لجهة كونه المعبود الحق» حق منحصر بالله سبحانه لا يشاركه فيها شريك ولا ينازعه أحد.

ونجد القرآن يصف اليهود والنصارى بأنّهم اتخذوا أحبارهم ورُهبانهم أرباباً. قال سبحانه: ﴿اتَّخذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسيحَ ابْنَ مَرْيََمَ وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ[10].

وليس المراد أنّهم اعتقدوا بأنّ علماء دينهم ورهبانهم خالقون أو مدبرون للكون بل كانوا يعتقدون أنّ لهم شأناً من شؤونه سبحانه، وهو تحليل الحرام وتحريمه وانّه فوض إليهم زمام التشريع.

2- في تحديد مفهوم العبادة:

وللعبادة معنى سلبي وآخر إيجابي؛ والسائد المتعارف في الكلام هو الشق السلبي.. وهو بمعنى عدم الشرك في العبادة، وإنما يستهدف تحديد السلوك العبادي لتمييزه من غيره من جهة التحفظ عن الشرك وفي حده القانوني لا التقوائي.

قال الراغب في المفردات: «العبودية: إظهار التذلّل، والعبادة أبلغ منها، لأنها غاية التذلّل، وقال الفيروزآبادي في القاموس المحيط: «العبادة: الطاعة».. وهكذا يكون بُعدا العبادة لغة: الطاعة مع الخضوع.

وواضح أن مطلق الخضوع ومطلق الطاعة ليسا حقيقة العبادة، وهكذا يكون البُعد الثالث في المعنى كامناً في منشأ الخضوع المؤسس للطاعة.

وهو الخضوع لجهة/ ذات بوصفها «الإله» المستحق للعبادة، بمعنى أنه الخالق أو المدبر والمتصرف في الخلق.. قال سبحانه: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ[11]. فقد علل الأمر بعبادة الله سبحانه في هذه الآية بشيئين: «إنّه «ربّكم»، وأنه «خالق كل ّشيء».

ومع أن مشركي الجزيرة العربية على أقل تقدير ظاهراً[12] لم يكونوا على جهالة الشرك في الخالقية (في غالبهم) كما يحكي ظاهر الآية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالاََرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزيز الْحَليمُ[13]، إلاّ أنّهم كانوا في مسألة التدبير الّتي نعبر عنها بالربوبيّة على طرف النقيض من الحق وعلى خلاف الصواب، فكانوا يعتقدون بأرباب مكان الربّ الواحد، ولكلّ ربٍّ شأن في عالم الكون.

قال سبحانه: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرونَ بِالّذي خَلَقَ الأرْضَ في يَومَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمينَ[14].

وقال سبحانه حاكياً عن لسان المشركين يوم القيامة: ﴿تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمينَ[15].

أما الشق الإيجابي من معنى العبادة فندركه بملاحظة الآتي:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ[16]. الإنسان خَلقُ الله، ومادام مخلوقاً فهو فقير إلى خالقه. مما يُبيِّن لنا:

:: أن العبادة ليست لمصلحة الله بل هو الغني وهو الرزاق لعباده.

:: أن سبيل كمال العبد ورقيه هو بارتباطه بالغني، وبه ينسجم مع الخلقة القويمة والفطرة السليمة ومن دونه يتسافل لدرك البهيمية. إذن؛ العبادة وسيلة التكامل وسبيل التحرر من الآلهة المزيفة التي يقدسها البشر وتكون سبباً لفرقتهم وشقائهم.

وفي الحقيقة؛ الآية تشير إلى المبرر الفعلي لخضوع البشر للآلهة من جهة النفع والضر (التأثير في حياتهم ومصائرهم)، وبينما يكون الإنسان خادماً للآلهة وأداةً في سبيلها ففي رحابة التوحيد هو المستفيد بصورة واقعية.

3- في معنى الشرك:

ألف: في معنى الشرك:

إن حديث القرآن عن الشرك في الأمم السالفة ليس قصة تاريخ منفصل، وإلَّا فثمة قسم من القرآن لا يعنينا.. وفهم الشرك بالصورة النمطية المستقاة من المشركين العرب يجعله حديث تاريخ.

ومما سبق نصل إلى خلاصة مفادها أن الشرك لا يستبطن نفي الخالق، ومع الغض عن الشرك في الخالقية لمحدودية انتشاره في مشركي العرب وانعدامه ظاهراً في الأمم في هذا العصر فإن الشرك السائد (التدبير/ الربوبية، العبادة) يتضمن عنصرين هما في حقيقتهما شيء واحد.. وهما (الفصل والتقديس).

والفصل هو فصل بين الرب تعالى وفعله/ خلقه؛ بأن يجعل التدبير لغيره فيفصل عنه تعالى، ومنه النزعات الحتمية العقلية في تفسير السببية والحتميات في السنن المتصلة بالاجتماع البشري حيث تنفصل صيرورة الخلق في الكون والبشر عن مشيئته تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزيدَنَّ كَثيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدينَ[17]، وهو نوع من التفكير القدري.

إن الجاهليين الذين كانوا يعبدون الأوثان لم يكونوا ناقصي العقول إلى درجة أن يزعموا أن الأحجار التي يصنعونها بأيديهم هي التي خلقتهم فعلاً.. وإنما يرون أن ما تمثله له شأن في التدبير وتقرير مصائرهم.

فهم من جهة تأثروا بالحنفية فيما يتعلق بالخالقية، ومن جهة تأثروا بثقافات الأمم من حولهم في تفسير الكون وصيرورة الأشياء[18].

وللتقريب لنلاحظ التصور السائد في الأزمان السائدة فيما يُعرف اليوم بـ«القانون الكامن/ حيوية الطبيعة»[19]، فينظر للطبيعة ككائن عضوي يتمتع بالحياة والعقلانية شأن الإنسان العاقل. وهكذا عُرف بأن جاذبية المغناطيس نوع عشق وانجذاب. والمهم أن العلة الفاعلة وسر فاعلية الطبيعة داخلية، فما ترصده الحواس هو مظهر لروح/ نفس كلية هي منبع الفعل. ومن خلال الفاعلية الذاتية فهي وجود مستمر يخبو وينمو في دورات الكمون والظهور. وهذه الروح الكلية قد تُسمى بالصانع في إشارة مقاربة للرب تعالى لكن في رؤية حلولية غير مفارقة، وقد تكون آلهة متعددة كما يُذكر عن تاريخ اليونان. وقد تجتمع النظرات فثمة قوة كبرى ووسائط للتأثير هي بمثابة آلهة اليونان أو الجن أو الأنواء والكواكب في ثقافة بين النهرين. وتترمز وسائط التأثير في الأصنام الحجرية.

وبمقاربة عصرية مختلفة؛ فيما يُعرف اليوم بـ«القانون العلمي المفروض» ففي القرن التاسع عشر في مناخ ميكانيكا نيوتن كانت النظرة للكون/ الطبيعة بأنه آلة كبيرة حركتها تفاعلية ميكانيكية، فالطبيعة نسق من العلاقات المغلقة بين العناصر المادية تحكمها قوانين المادة (الكتلة، الكثافة، الحجم) وقوانين الحركة (التجاذب والتنافر والتسارع). ويتسق هذا التصور مع فكرة الإله المفارق للطبيعة تبعاً لمبدأ القصور الذاتي (كل شيء يبقى عله من السكون أو الحركة المنتظمة المستقيمة حتى يتعرض لمؤثر خارجي)، لكن دور القوة الخارجية/ الإله (عند المؤمنين!، أما عند الملاحدة فهي الصدفة) يقتصر على الخطوة الأولى ثم تنتظم الحركات في الفعل ورد الفعل ضمن سببية ضرورية. وهكذا ينفصل الخالق عن الخلق، ويكون الكون دائرة مغلقة لا يتوسع ولا يزداد.. وهو بمثابة مقولة اليهود أيضاً في ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ[20].

وفصل الخلق تدبيراً عن الخالق يتمظهر في مقولات فلسفية مختلفة منها الحتميات التي تحكم صيرورة الكون وتفصلها عن المشيئة الإلهية، وأيضاً في تقديس بعض القيم بعيداً عن محور القيم «التوحيد» كالعلم والتقدم والحرية...

وهكذا التشريع حيث يفصل عنه تعالى. وبالفصل تتجلى ظاهرة تقديس غير الله بغير الله. فتقديس الأحبار والرهبان جعل التشريع منوطاً بهم منفصلاً عن الله.

وهكذا يصح أن نقدس الحجر الأسود بحيثية الأمر الإلهي ولذا تقديسه يربط بالله ولا يفصلنا عنه سبحانه. فـ«الأمر الإلهي» هو المقياس.. وبذلك يكون «التسليم» لأمره تعالى شرط التوحيد وحقيقته.

باء: أثر الشرك في الواقع الاجتماعي:

ولعل الثمرة الأولى لنبذ الشرك والعمل بالتوحيد تحقيق وحدة الإنسان؛ وهدم جدران العنصرية والعصبيات التي تقدس غير المقدس من التراب والوطن والعرق والمال.. الفاصلة بين البشر.

ذلك أن القيم والنزعات النفسية المرتبطة بالقيم هي الوسيط بين البناء الاجتماعي والأفكار والعقائد. فـ«مركب القيم/ النزعات النفسية» تصبح علاقات اجتماعية، فحب المال حبًّا جمًّا يفرز الطبقية، والتكبر يولد الاستكبار والعلو في الأرض، والجبن يسبب الاستضعاف، والحرص يجر إلى الفساد الاقتصادي.

قال تعالى: ﴿وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (25) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[21].

وسورة العنكبوت[22] تشدد على ضرورة جعل محور العلاقة بين الإنسان ونظيره الإنسان علاقة الإيمان بالله، ورفض المحاور الوثنية الأخرى، لأنها زائلة وضارة.

وباستثناء التجمعات التوحيدية انحدرت البشرية إلى درك الوثنية بطريقة أو بأخرى، إذ إنها ارتبطت ببعضها عبر المصالح والعصبيات والخرافات البعيدة عن العلاقة التوحيدية.

فطبقة المترفين محورهم حب المال، ويتمظهر هذا المحور بصورة بدائية في الذهب أو النيل.. وقد يتمظهر بصورة معاصرة في رموز مادية (تمثال الحرية، برج إيفل)، وقد يكون المحور يتمظهر في الشعارات الثقافية.

حيث كانت الأوثان (المادية والثقافية) رمزاً لتجمعهم، وتعبيراً عن نوع العلاقة التي ارتضوها لأنفسهم حيث تنعكس في تنظيمهم الاجتماعي والسياسي، ولذلك كانت الأصنام تكبر وتصغر حسب حجم القبيلة، فهناك صنم قريش (هبل) يعتبر أكبر الأصنام في الجزيرة، لأن تلك القبيلة كانت تزعم أنها كبرى قبائل العرب، وأصغر منه حجماً كان صنم ثقيف (مناة) لأن تلك القبيلة كانت أقل مستوى من قريش.

إن هذه الأوثان التي كانت تعبيراً عن نزعات نفسية شاذة ومنحرفة جرَّت المزيد من الويلات على البشرية، وارتُكبت باسمها الجرائم وسوغت الحروب.

ثانياً: الدين والحضارة

أصالة الإنسان:

الحضارة ثمرة جهد بشري لعمارة الأرض وتأسيس اجتماعه الحضري. والجهد البشري في إطار عمارة الأرض وفي الاجتماع يتبع الثقافة الخاصة بالجماعة البشرية، فلكل أمة منهجها وكفاءتها فبالتالي مدنيتها الخاصة. والرؤية التي ننطلق منها هي محورية الفكرة/الثقافة في الحضارة تبعاً لثنائي الوعي والإرادة في الطبيعة البشرية. ويبدو أن الباحثين في تفسير الحضارة والحراك التاريخي في نشأة الأمم ونموها واندثارها ينقسمون بصورة عامة على الأغلب إلى فريقين؛ الأول يجعل الإنسان محور الفاعلية في البناء الحضاري، والآخر يربط البناء بعوامل خارج الإنسان على اختلاف في سعة هامش الإرادة البشرية.

إن تعاقب الأحداث التاريخية ليس وليد المصادفات وإنما ثمة نظام قابل للمعقولية والفهم!. وعلى أساس أنه ثمة منطق وغائية للتاريخ فيشرع التساؤل: فإلى أين!، وما دور الإنسان!.

إن البحث في دور الإنسان في التاريخ يتأسس على الحرية والفاعلية الإنسانية، كما أن نفي العشوائية يقتضي أن الصيرورة التاريخية تمضي وفق مبادئ وقوانين موضوعية تحكم الفعل البشري. ومن جهة يتراءى أن الإنسان يصنع قدره، وتارة يتراءى أن إنجازات البشر وليدة ظروف ملائمة.

وواضح إن نفي دور الإنسان لا يتلاءم إطلاقاً مع الواقع، فلولا فاعلية الإنسان لم يكن التاريخ.. فالكلام في التفسير (النظرية الملائمة لفهم التاريخ) ومساحة الفاعلية البشرية. وتنوعت الإجابات، ونعرض عنها اكتفاءً بما يتصل بغرضنا:

الأمر الأول: تطور علم التاريخ من التوثيق إلى الفهم، ومنه إلى العبرة ضمن إرادة التقدم والسيطرة على الحاضر عبر فهم الماضي.. وهذا جعل دراسة التاريخ تستهدف فهم أسباب التقدم والتأخر.. وهو يعتمد على حقيقتين (وحدة النوع البشري، والسنن الشاملة).

وثنائي العلية والحتمية هو بوابة التفكير العلمي في القرن التاسع العشر وسمته وامتيازه، وضمن التفكير المادي فإن الإنسان جزء من المنظومة الكونية، فهو كشقائقه أفراد الحيوانية. وبعبارة حتى تكون العلوم الإنسانية علماً لا بد أن تتسم بالعلية والحتمية.. فالثنائي هو مدخل العلوم الإنسانية للعلمية وهو مشكلتها.

ومن خلال النزعة العلمية ظهرت مدارس واتجاهات علمية وفلسفية تقول بولادة الإنسان القادر على التحكم بالطبيعة وظواهرها المختلفة، وبالتالي تحديد مصيره، وبمعنى آخر: إمكانية الإنسان على صنع تاريخه البشري.

وفي ظل هذا المناخ التفاؤلي بالتطور والتقدم ظهرت نزعات تؤمن بالحتمية من خلال الاعتقاد بأن التاريخ الإنساني يتطور في شكل خطي متصاعد ويخضع لقوانين ثابتة. وترى النزعة (التاريخانية) أن (التنبؤ) التاريخي هو غايتها الرئيسة، وتفترض إمكانية الوصول إلى هذه الغاية بالكشف عن (القوانين) و(الاتجاهات) أو (الأنماط) التي يسير التطور التاريخي وفقاً لها.

وتعتمد هذه النزعة على النجاحات التي حققتها العلوم الطبيعية، ومن ثم إمكانية التنبؤ بوقوع (الظواهر الطبيعية)، وفقاً لـ«السبب، النتيجة».

والمذهب التاريخاني يرى أن علم الاجتماع ليس إلا علم التاريخ. فعلم التاريخ الذي يدرس القوى المؤثرة بوجه عام، وقوانين التطور الاجتماعي بوجه خاص والقوانين الاجتماعية الصادقة صدقاً كليًّا، هي قوانين تاريخية، ولذا فإن على علماء الاجتماع أن يحاولوا الوصول إلى فكرة عامة عن الاتجاهات (العريضة) التي تتغير الأبنية الاجتماعية وفقاً لها.

وأكد دوركايم[23] على تطبيق مبدأ (السببية) في تفسير الظواهر الاجتماعية بالاستناد إلى ثلاث فرضيات رئيسية هي: «أن هناك وحدة في الطبيعة»، «أن الظواهر الاجتماعية هي جزء من عالم الطبيعة»، «تخضع الظواهر الاجتماعية لقوانين خاصة بها».

وهكذا تكون إرادة الإنسان هامشية جدًّا، ويمكن أن نُميِّز بين نزعتين في هذا التهميش: القدرية الجبرية المفروضة كمثالية هيجل. وأخرى سببية مادية كحتمية البيئة أو الاقتصاد أو البيولوجيا...

الأمر الثاني: لا ريب في أنّ معظم الاختلاف في تفسير الحركة الاجتماعية مرده التباين الأيديولوجي. فبعضهم اعتبر على سبيل المثال أن نقطة البداية في رحلة الحضارة يتم بعد وفرة متجانسة من الثروات الطبيعية وإمكاناتها المادية، كصلاحية التضاريس الجغرافية وملائمة المناخ.

وآخرون يرون «الجنس/ العرق» وما يتضمنه من صفات مميزة وموروثة في جماعات معينة من البشر هو أساس التفوق، ويرون أن التفوق مسألة ترتبط باللون، وتضع النظرية بهذا الخصوص (السلالة النوردية) على منصة الشرف، وهي السلالة ذات البشرة البيضاء والشعر الأصفر والعيون الشهب والرأس الطويل.

وثمة رأي يقول بأن الذي يُغيِّر من مسيرة المجتمعات نحو الأفضل هو إرادة سماوية تدفع الإنسان في هذا الطريق. لكن (هيجل) وقع في شرك تكبيله لإرادة الإنسان، حيث آمن بمسألة الجبر الإلهي. وثالث مشابه، وهو رأي الفيلسوف الألماني (سبنجلر) الذي يؤمن بالجبرية وبإرادة غير حرة تُسيِّر حركة الإنسان نحو التطور والرقي. وهناك نظرية أخيرة تقول بأن نقطة البدء تكمن في وجود (بطل) يسوق المجتمع نحو هدف حضاري عال، كما يقول بذلك (لامارك). لكنه بهذه النظرية يحصر عموم التقدم الاجتماعي في شخص واحد فقط، وهذا بدورة يعتمد تجاهل دور المجتمع في هذه العملية إلى حد كبير[24].

وهذه الآراء وغيرها من النظريات المتداولة تتغافل عن دور الإنسان الفعَّال في بناء الحضارة. بينما يرى الباحثون الإسلاميون وكثير غيرهم أن الإنسان هو حجر الزاوية في العملية الحضارية. ولا يعني هذا إغفال دور الأسباب وأدوات تحقيق التقدم، وإنما الكلام في محور البناء الرئيس.

ولا ريب في أن ثمة حكمة إلهية تسوق الخلق، لكن من التقدير حرية الإنسان ومسؤوليته عن واقعه. ولا ريب في تأثير العوامل المادية، والاجتماعية، والشهوات، والأهواء في تحديد مسير الإنسان، بيد أن الكلام في كونها حتميات لا تحديات.

الأمر الثالث: إن التاريخ لا يحكي الحتميات بقدر ما ينطق بالحرية الإنسانية وروح التحدي. وهذه الحرية لا تتنافى مع القانون التاريخي، لأن القانون التاريخي هو قانون اجتماعي إنساني ليس فيه حتمية القانون الطبيعي.

فـ«السنن» في الرؤية الإسلام متصلة بحركة التاريخ والاجتماع البشري في مقابلة لأمرين: الأول؛ مقابل العبثية في الخلق وفي صيرورة الأحداث، حيث إن غاية الخلق ينتظم في إطارها السنن. الثاني؛ مقابل الحتمية (التي تهمش الإرادة لا بمعنى ثبات العلاقة بين طرفي السنة) في شتى صورها التي تعتمدها النظريات الأخرى الوضعية.

وتتوضع السنة ضمن القدر «التقدير الإلهي»، حيث تكون السنة هي القوانين المجعولة. ويكون إنفاذها هو «القضاء». وتحدد علاقة الإرادة البشرية بالسنة ضمن «أمر بين أمرين»، وبتعبير يناسب المورد: إن السنن على نحو القضية الشرطية، فالمقدمات اختيارية. والنتائج ليست حتمية بصورة قطعية.

ولا يقتصر الأمر على حرية الإنسان في المقدمات وإنما أيضاً لتداخل السنن على نحو «المقتضي والمانع» وجملة من المؤثرات الخارجية (عن شخص موضوع السنة).

ويمكن تقسيم السنن إلى سنن تنظم حركة الفعل الاجتماعي وتشابك علاقات الأحداث، وهي غالباً تأتي على صيغة القضية الشرطية ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، إلا ما كان على نحو القضية الناجزة كالابتلاء والتنوع العرقي والقومي وتفاوت الأرزاق. وأخرى تعكس الإرادة الإلهية في هذه الدنيا كتجلٍّ لحكمة الخليقة، وتعتبر موجهات للصيرورة التاريخية، وترد غالباً في التعبير القرآني بتعبير الإرادة أو تقرير بحتميتها، مثل إتمام النور والعاقبة ووراثة الأرض، ومن هذا القبيل بعث الأنبياء.

إن الحتميتين في المستوى الإنساني هما الحرية والوعي. ومن ثم تفهم أكثر النظريات المتداولة في فلسفة التاريخ على أنها عوامل ومؤثرات وتحديات خاضعة للإرادة والوعي، وكمثال ﴿كَلاَ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى، فالآية كما قررت تأثير المال في خلق الطغيان إلاّ أنها أرجعته للوعي ﴿أَنْ رَآهُ، أي أن ثقافته خلقت الطغيان بتأثير الوفرة المادية.

فإذن؛ فمع أن تطورات الحياة خاضعة للسنن، فهي لا تقودها الحتميات. نعم الظواهر الاجتماعية هي تخضع للسنن، لكن السنن واسعة متعددة متداخلة تجعل التنبؤ عسيراً، ومن التقدير/ السنن الحرية الإنسانية، ومن هنا تجتمع السنن واللا حتمية.

الدين والحضارة:

نعم؛ النهوض الحضاري والدين ليسا شيئاً واحداً، ولا تربطهما سببية ميكانيكية. بالتالي كما يشهد التاريخ قيام حضارات بعيدة عن الدين كذلك نجد أخرى مرتبطة بالدين، والأنموذج الغربي المعاصر مؤسس على تقويض الدين ومتكئ على أنقاضه.

إن الصيرورة إلى مقولة (الإسلام هو الحل) عنوان عام مضلل من جهة إغفال شرائط البناء الحضاري الموضوعية، وبينما نرى العلاقة الوثيقة بين الدين والنهوض الحضاري فإن الكلام في حقيقة الدين وفصله عن التدين الكائن في مجتمعاتنا، ولا نعني بهذا أن التمسك بشعائر الدين في ظاهرها سبب كاف للحضارة وإنما يمتد عميقاً في تغيير طريقة التفكير والقيم التي تصنع السلوك فعليًّا. فالمشكلة الأكبر تكمن في تداخل الثقافة المريضة والتحريف المتطاول عبر قرون مع العقائد الدينية، بحيث تصبح جزءاً مقدساً من العقيدة.

ولدينا رؤيتان متباينتان؛ أولاهما ترى في الدين والإسلام خصوصاً الخلاص وسبيل تحقيق النهضة لعالمنا الإسلامي، وأخرى ترى العكس، وتفسر استمرار التخلُّف في عالمنا مع اتصاله وتأثره بالغرب لبقايا ما زالت مترسبة في النفوس تُشكِّل معوقات للتقدم.

1- الثقافة؛ العقل المكَّون:

أن الدين الحق هو شرط الحضارة لكي تكون إنسانية تسودها العدالة وقيم الخير إلا أن شرط الحضارة في تشييد عمران مدنيتها هو العقل والذي به تستطيع عمارة الأرض.. «أن الحضارات تختلف عن بعضها؛ فهناك حضارات جمالية، وأخرى قانونية، وثالثة علمية أو تقنية.. ولكن هذه الحضارات جميعها تشترك مع بعضها في خصوصية واحدة هي (العقلانية)؛ فأي حضارة لابد أن تبحث عن العقل، وتعمل بالعلم والمعرفة، وتولي لهما الاحترام والتقدير، فمثلاً؛ كان الإغريق القدماء يتمتعون بحضارة راقية تميّزت بتقديس العقل والعلم والعمل ومنهجية التفكير، وكذلك الحال بالنسبة إلى الحضارة العربية الإسلامية في عصورها الذهبية، فقد كانت تتميّز هي الأخرى بالعقلانية والعلمية، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الحضارة الغربية الحديثة»[25].

ومع اشتراك الحضارات في العقل المشترك (الفطري) وتمجيده فيما يُعرف بـ«العقلانية» على اختلاف مشاربها والذي يخلق اختلاف مزايا الحضارات فإن قيمة «العقلانية» في صيرورتها عقلاً (المكوَّن) لأفرادها يرسم تفكيرهم وطبيعة علاقاتهم بما حولهم، وهو ما يُعرف بـ«الثقافة».

عن الثقافة:

وعلى الرغم من شيوع مصطلح الثقافة، إلاّ أن التعريفات في حقل الاجتماع والأنثروبولوجيا كثيرة إلى حد الإرباك. لكن يمكن ملاحظة أن (الثقافة) هي تحليل لطبيعة العلاقات بين أنماط الإنتاج الفكري وسماته العامة من جهة، ومعطيات البنية الاجتماعية بكل أبعادها. ومن هنا ينشغل الدارسون لثقافة ما بتحليل النظم الاجتماعية التي هي تجلٍّ للثقافة[26].

ومن أهم التعريفات للثقافة لتايلور في كتابه «الثقافة البدائية» بوصفها ذلك الكل الديناميكي المعقد الذي يشتمل على المعارف والفنون والمعتقدات والقوانين والأخلاق والتقاليد والفلسفة والأديان والعادات التي اكتسبها الإنسان من مجتمعه بوصفه عضواً فيه. وأكد تعريف تايلور -كما يقول جامس ميكي[27]- على نقطتين أساسيتين، هما: النقطة الأولى: يكتسب كل منا الثقافة بوصفه عضواً في مجتمعه. والأخرى: الثقافة ليست مادية فحسب، بل هي معنوية. وتتكون من الأشياء المادية والأحداث التي يمكن عدها أو قياسها، ومن الأشياء المادية كاللغة والفنون... إلخ. لذا ذهب جامس ميكي إلى أن الثقافة هي المُركب الشامل من التفاعل الاجتماعي.

بينما يرى معن زيادة في تعريف تايلور عموميته وطابعه الوصفي، وإهماله حركية وديناميكية الظاهرة الثقافية، إضافة إلى إهماله العلاقة بين الثقافة والمجتمع البشري الحامل لتلك الثقافة من جهة، والبيئة أو المحيط الخاص بتلك الثقافة من جهة أخرى»[28].

ويرى السيد المدرسي (دام ظله)[29] أن الثقافة منظومة من الرؤى والأفكار المؤثرة في حياة الإنسان، والتي تحدد مسار سلوكه وطبيعة مواقفه هي ثقافته.. إذ لا تعتبر العلوم الطبيعية من الثقافة بالرغم من تأثيرها غير المباشر على الفكر والسلوك.

كما أن الفكرة اليتيمة التي لا تنتظم إلى غيرها ولا تشكل مجموعة مترابطة لا تسمى ثقافة، إذ إن الثقافة كما تدل كلمتها هي الفكرة التي تقوّم الإنسان. أَوَلَيست العرب تقول: ثقَّف العود وتعني أنه عدَّله.

والنواة المركزية للثقافة هي الرؤية الكونية.. حيث تشكل المعارف المتعلقة بـ«أصل الوجود وطبيعته وغايته، وحقيقة الإنسان وغاية وجوده، وحقيقة الفلاح وسبله» الأساس لـ:

- النظام الأخلاقي القيمي ومعايير الحسن والقبح والجمال.

- وكيفية تفسير حدوث الأشياء على مستوى الطبيعة (الخرافة والعلم) وعلى مستوى الحياة البشرية (السننية المرتبطة بالإرادة أو القدرية الجبرية).

وهكذا يمكن ملاحظة جملة المفارقات في الثقافات على أساس الرؤية الكونية وعلى أساس ما يتولد عنها. فعلى سبيل المثال؛ في حقل السياسة وشرعية الحكم واستنادها للتعاقد المطلق أم المؤسس على النظام الأخلاقي (الحقوق) أم الاستبداد. وفي حقل الاقتصاد النظر إلى وظيفة المال وإلى وسائل الكسب... وفي حقل العلم والمعرفة وظيفة العلم وحقيقة العقلانية وسعتها لما وراء الحس أو الاقتصار عليه... وفي حقل الاجتماع الأخوة والمساواة أم العنصرية، والحرية أم الحتميات...

وهكذا نجد أن ثقافة أي مجتمع تحدد أسلوب الحياة فيه، سواء من ناحية وسائل الإنتاج والتعامل والأنظمة السياسية والاجتماعية، أو من ناحية الأفكار والقيم والعادات والتقاليد وآداب السلوك، وغير ذلك.

وبتتبع عناصر الثقافة في إطارها النظري المعرفي الكامن وراء السلوك سنجد أن الدين يشكل قاعدة ثقافية لمعتنقيه. والدين ثقافة كاملة، فهو يعبر عن رؤية للعالم، للطبيعة، للوجود والإنسان وهو كذلك يقدم تصوراً لبناء الاجتماع الإنساني على نحو يغطي أحياناً أدق تفاصيل هذا الاجتماع اقتصاداً وسياسةً وأخلاقاً وأحوالاً شخصيةً، فهو نمط من القيم والعادات والشعائر، وطريقة ثابتة الملامح في ممارسة الحياة في بناء الاجتماع وإعادة إنتاجه.

الشاكلة والعمل:

تقرر آية «الشاكلة»: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا[30]؛ أن العمل يصنع الهوية الإنسانية. والهوية الإنسانية الأولية «العقل، الإرادة، النفس» هي أساس الحقيقة البشرية واشتراكها في الأحكام، لكنها مع التشخص في عالم الدنيا لن يكون الإنسان إلا فرداً متواجداً في بيئة اجتماعية. وهذان (التشخص والتواجد) يشكلان تحديات للإنسان؛ فلازم الوجود الدنيوي (الجسد)، وإذا كانت بنية الجسد نتاج حتمي للانتساب البيولوجي، فإن البيئة الاجتماعية (الهوية الثانية) ستكون خياراً أوليًّا قابلاً للخروج عنه بفعل ثنائي الوعي والإرادة.

والخروج أو الانصياع هو خيار الفرد بوصف الإنسان عاقلاً قادراً على المعرفة والتجاوز للبيئة. حيث ترسم الثقافة الموقف من البيئة (الانصياع، التجاوز) من خلال قيمها المعيارية فتتحدد لدى الفرد الدوافع والأهداف، بل وتحدد الوسائل من خلال القيم الأخلاقية.

والبنية الثقافية الفردية (القيم، المعارف) في تفاعلها مع (الطبيعة البشرية) تنتج نمطاً فريداً لكل إنسان يرسم سلوكاته. ومن هنا يتمايز البشر تماماً كما يتمايزون بهوياتهم -المتفرعة على الهوية الاجتماعية- القانونية والسياسية (الانتماء)، ويسوغ تصنيف البشر من خلال أفكارهم وسلوكهم. وبعبارة أكثر وضوحاً فإن العمل الذي هو نتاج (الشاكلة) هو محدد للهوية (الثالثة) الشخصية التي تعطي الإنسان الفرادة في الهوية الاجتماعية. و«الشاكلة» حين تصنع العمل، فإن العمل يصنع شاكلة المجتمع، كما أنه يبلور الشاكلة الشخصية ويُرسِّخ القيم التي أنتجته.

فـ«الشاكلة» وهي الشخصية الباطنية، الصفات الباطنة للنفس وأنماط التفكير تنتج العمل وتحدد موقف الإنسان من محيطه وما يتماس به من شخوص وأحداث ومعارف مما يقودنا إلى أن «الشاكلة» تساوق الثقافة الفعلية للفرد (المركب المتفاعل من الدوافع والمعارف والصفات الخلقية).

إن الأخلاق الحضارية المرتبطة بالعمل والتقدم (الجد والاجتهاد والحيوية والطموح والتطلع والإتقان والاهتمام بالزمن والشورى والمسؤولية) كسائر الأخلاق والسلوك لها جذورها الباطنة؛ فالصدق نابع من الاستقامة في النفس، والإصلاح ناتج عن رؤية هادفة وإيجابية الى الحياة، والوفاء منبثق من شجاعة نفسية لدى الإنسان.. أما الكذب والنميمة والتهمة والغيبة، فانّ هذه الصفات السلبية نابعة من انحرافات نفسية، وتشوّش واضطراب في الرؤية، وفقدان البصيرة في الحياة. وهكذا فإن معالجة الباطن ليكون سويًّا إيجابيًّا وعقلانيًّا عبر مزاوجة تزكية النفس والمعارف السليمة للحياة.

فنقطة البدء هي (تصحيح النظرة للإنسان وللواقع وللحياة) لإعادة تخليق الإنسان الحضاري.. فالانبعاث الحضاري هو تجلٍّ روحي يُترجم في إرادة وسعي عقلاني حثيث.

ويتضح لدينا مما سبق أمران؛ أولهما قابلية أن يكون الدين مؤسساً لقيم الفاعلية، والثاني أن سبر هذه القابلية تكمن في مراجعة للرؤية الفلسفية للحياة التي يؤسسها دين ما أو ثقافة ما.

2- السنن المحايدة:

شروط الحضارة أو قوانين الحركة التاريخية «السنن» التي يسير وفقها الوجود كله وتتحرك بمقتضاها الحياة. والذي يتصل بموضوعنا من علائمها أنها: «حيادية» فهي دائماً في صالح من يأخذ بها، قال تعالى:

:: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفيها فَفَسَقُوا فيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْميراً (16) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبيراً بَصيراً (17) مَنْ كانَ يُريدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُريدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضيلاً[31].

وتقرر هذه الآيات أن الإنسان هو المسؤول عن واقعه.. وفي مطلع سورة الإسراء أبرزت العلاقة بين العمل والمصير: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها. وتؤكد هذه الآيات هذه الحقيقة، وهي مسؤولية الإنسان الفرد أو المجتمع، فتدعوه إلى السعي والعمل الجدّي، والتحدي، وما إلى ذلك من أسباب التقدم، والتي تبدو صعبة على النفس البشرية.

ومن بين البصائر المبثوثة في هذه الآيات نشير للآتي:

علاقة الفساد بهلاك الأمم:

وهكذا نجد علاقة الترف بالهلاك ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها. وهذه الآية أشارت لجملة من الحقائق والتي منها:

- أن بعث الرسل الذي قررته الآية السابقة لها رحمة وحجة إنما يكون حين تقترب علائم هلاك الأمة، فيكون البعث فرصة للأمة أن تثوب لرشدها وتصحح مسار مدنيتها؛ بدلالة وجود المترفين فيها، مما يعني أنها مدنية عامرة وأنها موبوءة بالترف السلبي. وهكذا كان لتلك الأمة مدنية قبل بعث الرسول فيها.

- تهلك الأمم عبر تفشي الفساد فيها وفسق المترفين/ الملأ، وهكذا أكدت الآية التالية لها ذلك: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً.

إن السعي يثمر في الدنيا ولو كان بعيداً عن الإيمان:

فالآية: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ تقرر أنه إذا أراد الإنسان الدنيا فإن الله يؤتيه منها بقدر حكمته ووفق سنته.. ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً. وهكذا هي السنة الإلهية: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً.

وبمراجعة قصص الأنبياء سنجد أن كثيراً من الدعوات لم تحقق نجاحاً دنيويًّا بهداية القوم، كما قصّ أن لهؤلاء الأقوام مدنيات عامرة. بل إن جملة وافرة من الآيات تهديداً للمؤمنين بأن مصيرهم الهلاك إن لم يأخذوا بأسباب الرشد: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ[32].

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا[33].

﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ[34].

3- الدين وترشيد الفاعلية الحضارية:

اتِّباع السنن هو سبيل النهوض، لكن سنن التحضر متعددة ومتفاعلة، والبشر على مرِّ التاريخ أخذوا ببعضها فحققوا إنجازات، وكان إهمال البعض الآخر سبباً في هلاكهم، وصيرورة تمدنهم وبالاً على الإنسانية.. ومتابعة قصص الأنبياء في القرآن إنما تحكي ذلك.. أي اختلال قيمي يؤدي لهلاكهم، وارتباط ذلك الاختلال بالشرك، وتكون دعوة الأنبياء فرصة للتصحيح في حال استجابتهم.

إن نقد الباحثين إسلاميين وغيرهم الحضارة المادية المعاصرة المعنونة بالحداثة لاختلال التوازن وصيرورة الإنسان أداة للعمران لا غاية له، والذي يُترجم في تدمير البيئة وفي العلاقة الاستغلالية تتولى كبره الأمم المتقدمة في استضعاف الأمم الأخرى. وهو نقد لا يقلل من شأنها، ولا يبخس أسباب العمران المادية حقها، فللعمران أسبابه المادية، وإنما يؤكدون على القيم التي تجعل العمران في خدمة الإنسان.. أولاً، وثانياً إن الاختلال القيمي سيؤدي لتقويض العمران في نهاية المطاف.. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ[35].

وهكذا يمكن الإشارة للآتي:

1- معرفة السنن:

القرآن يغطي مساحة زمنية طويلة وما وقع فيها من الأحداث، كاشفاً عن العلل ومبيناً الأسباب، وتمتاز هذه الرؤية ب‍:

أولاً؛ وضوح الرؤية: محدودية المعرفة البشرية تولد معرفة غير مكتملة، وحتى لو سجلت المادة التاريخية بدقة وشمولية فإن الباحث لا يستطيع أن يكتشف كل الأسباب الموجودة خلف هذه الأحداث، خصوصاً تلك الأسباب الخفية التي تربط بنوازع النفس الإنسانية أو بالقضايا الغيبية الأخرى.

بينما ينفذ القرآن إلى باطن الحدث لكي يكشف عن الأسباب الخارجية. فالقرآن الكريم وهو يحلل نتيجة غزوة حنين وسبب انكسار المسلمين، وأنه لا يرجع فقط إلى مسألة عسكرية، تتمثل في استفادة الكفار من الموقع الجغرافي الأفضل، واستغلال عنصر المفاجأة، يكشف أيضاً عن جانب نفسي لا ينتبه إليه عادة الباحثون، وهو الإعجاب بالكثرة: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً...

ومثال آخر في مسألة الدعوة إلى الحق، فيبين كافة العوامل المؤثرة في إبعاد الناس عن الحق، سواء الأفكار الفاسدة والسابقيات الذهنية «الجبت» إضافة إلى السلطة السياسية المستكبرة «الطاغوت»، كما أنه لا يهمل في هذا السياق أثر الوراثة والبيئة المتمثلة في التقاليد الاجتماعية التي تُضل أو تساهم في الإضلال.

ثانياً؛ الموازنة بين الغيب وإرادة الإنسان: وتأرجحت الرؤى البشرية على طرفي نقيض. البعض أنكر أي مساحة للغيب ولو بحدود الهامش، واعتبروا ما يجري في الحياة إنما هو فعل الإنسان في ساحة الحياة، ودون ذلك غير موجود. وآخرون جعلوا الغيب بديلاً عن الإرادة الإنسانية.

بيد أن «الإيمان بالغيب» ومساهمته الفاعلة في الحدث واضحة في ثنايا القرآن، و«السعي البشري» بوصفه عنصراً فاعلاً «الإرادة والوعي» مؤصلاً في البصائر القرآنية، لذا كان التأكيد على «الكسب والجزاء». وتُنتج الموازنة بين «الغيب والشهود» قيمة «التوكل».

وتستند (الحضارة) على (السببية الواقعية)، التي هي هدف البحث العلمي استكشافاً، تمهيداً للانتفاع الإنساني.. وهي أساس مفهوم العقلانية (والحديث عن العقلانية بما هي تيار واسع ومتشعب).. لذا قد يتراءى للبعض تنافي الغيب مع بناء الحضارة.

ومفهوم (الغيب) مضطرب عند الكثير.. ومطلع سورة البقرة التي جعلته أول هرم الصفات أبعدته عن حصره في الإيمان (العقلي) بالله أو المعاد.. ليقارب الآتي:

1- الإيمان بقوة العقل المعرفية المتجاوزة للإحساس المادي المباشر.

2- حقيقتي (الهيمنة، والتدبير الإلهيين)، ويستحضر الإيمان بـالسنن المتجاوزة للشهود الحسي القادر على رصدها العلم المادي المعروف.. ويقترب من (الغائية، والحكمة) وليؤسس مفهوم السعي والتوكل معاً. فيكون الإيمان بالإمام الثاني عشر U إيماناً بالغيب، وأصل (ضرورة الحجة ووجودها) تجلياً للهيمنة والتدبير الإلهي. ومن ثم الغيب لا ينسف الشهود.. بل يفتح أفقاً أرحب.. يُتيح للإنسان فهماً أعمق للحياة.

وهاهنا نفترق عن العقلانية المادية. وهاهنا نرى التوكل هو لون من ألوان الدعاء الخفي؛ أي أن الإنسان يمضي في عمله مستمداً اللطف والتوفيق من الله تعالى، وهاهنا نرى السعي وبلوغ الأهداف كل ذلك يتوقف على أمرين هما: «موافقة السنن» الإلهية والعمل بها، وهو قوة الشهادة. و«ذكر الله» دعاءً أو توكلاً أو اتِّقاءً، وهو قوة الغيب. ونشير لملاحظتين:

الأولى: إن السنن الإلهية الناظمة للعلاقات في الاجتماع البشري والصيرورة التاريخية متجلية عن حكمة الخلق، فلا تنافيها ولا تحكمها، بل هي (أي الحكمة) حاكمة على السنن. ويتجلى ذلك في (نصر المؤمنين) عند توافر شروطه (الصدق والصبر) حين يكون التدخل حفاظاً على الحكمة، ومنه في بدر كان النصر ضروريًّا لاستقامة الجماعة الناشئة ولو انكسرت لاستأصلت الجماعة التي تقيم التوحيد، وقد أشار إلى ذلك الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

الثانية: إن التدخل الإلهي له صورتان، خفية (التلطف بالتدبير) ظاهره تداخل الأسباب، ومن ذلك توفير أحد عوامل النصر بـ(التسديد في التخطيط بالإلقاء بالروع من حيث لا يشعر أحد) وبـ(إنزال السكينة) وهو الغالب، أما الصورة الظاهرة المتجلية مع الأنبياء وما في حكمهم من الأوصياء فهي استثناء.

والحكمة في كونه استثناء ألَّا يختل معه التوازن بين الغيب والشهود، وهذا الاستثناء له غاياته وغالبها في إتمام الحجة، ولنلاحظ أن الرب تعالى قادر أن يتلطف ويرسل السحاب ويُطفئ نار النمرود، إلا أن ما حدث يُشكِّل الحجة القاطعة لتلك الأمة الكافرة.

إن حكمة الابتلاء وحرية البشر والتدافع وقيمة السعي وما شابه يقتضي أن يكون التدخل الظاهر استثناءً، ومن هنا توالى الأنبياء وكذبوا وأوذوا وقتلوا. وقد هُزِمَ المسلمون في أحد وهكذا.

2- مشكلة الإنسان:

وأحد نواحي الحاجة الإنسانية للوحي تكمن في أحد مبرراتها الأساسية هنا، حيث يمارس الدين دوري التزكية والتعليم في آن واحد. ومن هنا؛ فإن الإنسان المنفصل عن نور الوحي مآله التحول من ﴿أَحْسَنِ تَقْويمٍ إلى ﴿أَسْفَلَ سافِلينَ، حيث إن هذا الإنسان الفقير هو:

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً، وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً، إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً، وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا، يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيم، إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً، فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ، وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ.

وهكذا تتضافر جملة من البصائر القرآنية لتزكية الإنسان، ومنها ما ينساق في:

أولاً: الإنسان المخلوق المتميز:

لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم ليتسامى؛ وإنما تدس هذه الفطرة في ركام الوساوس والأوهام. وسبيل التوقي من التسافل بالعمل من أجل تزكية النفس وتطهيرها من الإصر والأغلال، وتصحيح نظرة البشر إلى ذاته، ليعلم أنه كائن فوق مادي ومخلوق كريم ليخرج عن «إنسان الخطيئة» وعن «السوبر مان»، خلق ليدخل الجنة ويحظى برضوان الرب.

ثانيا: التحرر من الجبت والطاغوت:

الإصر والأغلال التي تعوق تطلع الإنسان ليبني عمرانه الإنساني هي المشكلة الأساس. ففطرة البشر تمضي نحو التقدم، وإنما يصنع التخلف العوائق التي يصطنعها الهوى والجهل والطاغوت..، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا[36].

فالأهواء الذاتية والحميات التي يلبسها البشر لباس القداسة هي من معنى الجبت، والتخلص منها شرط التحرر. فالحسد والبخل، وعصبية العشيرة، والتمسك بعادتها، والعنصرية والتأثر بثقافتها، والطبقية والتقيد بأفكارها، والقومية والوطنية وطاعة رموزهما طاعة عمياء.. كل ذلك أغلال تقيد حركة البشر، كما تحجب عقله وتمنعه من التفكير السليم.

بينما الطاغوت كل إنسان يستضعف الناس بغير الحق. وقد صد المستكبرون البشر عن سبيل الله، وعن الصلاح والفلاح، وعن تسخير الطبيعة لمصلحتهم، وعن النهوض والتحرر. ومن دون الكفر بالطاغوت، يبقى البشر مرتهناً بالتخلف، ولا يحقق شيئاً من تطلعاته.

ثالثاً: التطلعات الإيجابية:

طبيعة الإنسان التطلع للمزيد والأفضل، وهذه الروح هي ما يجعل المجتمعات البشرية تتقدم. فالعمل نتيجة الطموح، لكن يعتري البشر الانحراف في تطلعاته فيكون عقبى سعيه الإضرار بالمجتمع. من هنا التأكيد على العمل الصالح: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[37]، والذي يتأكد بالتطلع للآخرة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[38].

3- التشريع الحضاري:

ثقافات البشر خصوصاً في وهج تألقها تستحضر قيمة الإنسان، وقوة العقل تتبصر ببعض الحقائق ومن ثمّ يشق العمران البشري طريقه.. بيد أن الثقافات في طور تكونها البشري من خلال تجاربهم ومعاناتهم يختلط في بنائها نور العقل وتضليل الهوى. وهنا؛ أي من تسرب الهوى والجهل تغمض الثقافات بعض القيم جهالةً أو تجاهلاً لتباينها مع مصالحهم.

ومن خلال مطالعة القصص القرآنية نجد أن بجانب التوحيد بعداً قيميًّا وأخلاقيًّا له تواليه التشريعية، وله صلة بمشكلة المجتمع مسرح دعوة النبي.

فشرعة المدنيات البشرية ممزوجة بالجهل (بأبعاد الحق التفصيلية وسنن الفطرة فلا يتأتى الموازنة بينها)، وبالانحياز لصالح ذوي النفوذ فتجانب العدل، وقد تعاني أيضاً إسرافاً في الشهوات بصورة مدمرة (قوم لوط).

وتتورط التشريعات البشرية أو الدينية التي ينالها التحريف بكثرة معوقات التقدم أو تجعل بناءه معوجاً. إن جوهر التوحيد الكفر بالجبت والطاغوت، وحين يُطهِّر الإسلام القلب من دنس الشرك وتداعياته المعرفية والقانونية التي تكبل الإنسان:

قيم للمجتمع الحي:

﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُـمْ لِمـَا يُحْيِيكُمْ[39]، والحياة هي القوة الكامنة في الشيء، والتي تعطيه القدرة على استثمار الموارد المتاحة لتحقيق الأهداف، وبعبارة: إن الحياة هي متقومة بالفاعلية والنمو.

إن المجتمع الحي هو ذلك المجتمع الذي تكون علاقات أبنائه ببعضه قائمة على أساس العقلانية والقيم السليمة، والعمل الصالح، فالعلاقات الإيجابية المتفاعلة هي أهم شيء في تكوين المجتمع الحي.. ومن تلك القيم الحيوية؛ «التفاضل بالسعي» و«التعاون» و«العدالة» و«التكافل» و«التواصي».

فقه الحياة:

فلا تستهدف التشريعات تكبيل الفاعلية وإنما ترشيدها، وهكذا يذكّر القرآن الإنسان بآفاق الحياة الرحيبة التي تنفتح أمامه، كل شيء حلال وكل شيء طاهر، والحياة نعمة إلهية، ورحمة الله تسبق غضبه، والكائنات خليقة الله، وهكذا.. يكرس في ضمير الإنسان الروح الإيجابية، والنظرة المتفائلة:

- الانتفاع من الطبيعة، والتمتع بها.. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ[40]. وحذَّر من الانطواء، ومن الأفكار التي حرمت زينة الله فقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[41].

- حلية الطيبات تساهم في الروح الخلَّاقة للإنسان والفاعلية. وهي الأصل في الحياة، وإنما المحرمات من الطعام محدودة بالنص. وهكذا نجد التشريع يجعل الحياة رحبة، قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[42]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[43].

- واليسر في التشريع يجعله واقعيًّا في سياق تحقيق أهدافه، قال ربنا سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ[44].

- والعقد والتعاون أساس الاجتماع البشري في شتى حقوله، فجعل التشريع الوفاء شرعته والصحة أصله، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ[45]. وقال سبحانه: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ[46].

- وكي يُحترم الجهد البشري، وكيلا تضيع الحقوق؛ فإن العدل قاعدة التشريع وغايته، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[47].

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[48].

ثالثاً: مراجعة في الرؤى المعرفية:

العمران البشري للأرض ينبغي معايرته بأمرين: الانجاز المادي المحقق للبشر الرفاه، والآخر أن تكون العمارة في صالح الإنسان بوصفه إنسانا.

وهكذا تحكي سورة التين خطوطا عريضة (كما هو شأن السور القصيرة) في أسباب المدنية وتجعل المحور الأساس هو نور الوحي لتصويب الفاعلية الحضارية درءا له عن التسافل:

﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سينينَ (2) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلينَ (5) إِلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمينَ.

ذلك أن أصول مدنيّة الإنسان: الطعام، والأرض، والسلام. بيد أن محور المدنية الإنسان وخلقته السوية، وإنما يستطيع الإنسان من خلال المعارف الحقة أن يستثمر أسباب المدنية لتشييد المجتمع الكريم ودون ذلك يتحول الاجتماع البشري للبهيمية.

ويرتبط الاهتمام بالقيم الإنسانية في المدنيات بالنظرة الواقعية للحياة الدنيا:

﴿وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقينَ[49].

وبمراجعة سورة الفجر نراها تنطق بهذه الحقيقة:

ثلاثة أقوام مدنياتهم كانت عامرة ومتميزة في حينها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (9)وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ.

بيد أن مرض الطغيان وما يتولد عنه من فساد استشرى ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12) فكانت العاقبة فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ. وهكذا مع أن القرآن أشار لعمرانهم فلم يُولي له بالاً، وإنما نظر للطغيان والفساد.

وتحلل الآيات جذر المشكلة العميق والمشترك؛ أي النظرة المادية التي تجعل زينة الحياة والوفرة مقياس الخير والمدنية:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ، وهذا له تواليه من تهميش قيمة الإنسان وحقوقه، وأكثر ما يضيع في المجتمعات المادية الذئبية الضعفاء: ﴿كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (19)وَ تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا.. وهكذا يكون المقياس هو رعاية حقوق البشر والإعلاء من قيمة الإنسان.

وجذر النظر المادية التي تطيح بالقيم هو غياب النظرة الواقعية للحياة الدنيا، وأن ثمة دار حساب وجزاء:

﴿كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (23) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي.

وتنعكس النظرة المتوازنة في طموح المؤمنين ودعائهم. ويلخص بصيرة التوازن بين الدنيا والآخرة: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[50]. وتتفصل في آيات كثيرة منها:

- فمن الطموح الدنيوي: الأمن والرزق من الثمرات: ﴿وإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً ءَامِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّـمَراتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[51].

- ومن طموح الآخرة: قال الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ[52].

ونجد آيات في سورة الصف تعبيراً عن أهمية الآخرة، وأن طموح المجاهدين بالنصر هو ما يحبونه هم، أما ما يعده الله لهم فهو الجنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[53].

ونوجز القول في استجلاء لبعض المفارقات في الرؤية الحضارية لتُبيِّن أن الدين والثقافات البشرية ليسا سواء:

أولاً: حكمة الخلق:

لا يمكن تلمُّس الرؤية الحضارية الدينية بعيداً عن الحكمة الإلهية أي: «العبادة غاية خلق الإنسان» والتي هي جوهر الفلسفة الدينية. فمن خلال هذه القاعدة تتوالد جملة توالي منها:

:: تفسيرها لمسؤولية الإنسان على الأرض.

:: والنظام الاجتماعي المدني السياسي مؤسس على الولاية لله وغايته تحقيق الأمانة وبسط الرحمة.

:: استثمار الطبيعة وسبيله العلم والذي هو تكريم إلهي، إنما هو وسيلة تحقيق الرحمة.

:: فلسفة الابتلاء.

:: نفي التقابل السلبي بين الدنيا والآخرة.

فالخلاص الأخروي والفلاح عبر تشييد حياة دنيوية منضبطة بالقيم. فيصح القول: إن الدين غايته الفلاح البشري في الدارين إلا أن الآخرة هي الأساس والهدف النهائي؛ إذ ليست القيمة النهائية للحياة سوى تدريب البشر لحياة أخرى.. ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ. وإذا كانت المهمة الأولى التي لا بد أن يحققها البشر في الدنيا هي تهيئة الذات البشرية للحياة الأخرى.. فإن كل شيء في الدنيا لا بد أن يوضع لتحقيق هذه المهمة.. مهمة تزكية الإنسان وتربيته. من هنا فليست الحياة تهدف عمارة الأرض، بالرغم من أن عمارة الأرض، ضرورة لاستمرار حياة الإنسان عليها، إلا أنها ليست غاية نهائية للحياة، وهذا هو الفرق بين حضارة السماء وحضارات البشر.

إن الغاية النهائية لحضارة السماء، هي تزكية البشر لتهيئة نفوسهم لدخول جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، بينما حضارة الأرض هي في إنتاج أكبر قدر مستطاع من زخرف الدنيا وزينتها ومتاعها، وإن على حساب تهذيب الإنسان، وإعداده للحياة الأخرى.

يقول القرآن الكريم عن هذه الحقيقة. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، فالزينة في بصيرة القرآن، إنما هي (وسيلة) للتهذيب بينما حضارة الأرض تجعلها (غاية) بذاتها.

ثانياً؛ بين التوحيد والشرك:

تراوحت الثقافات البشرية بين الحلولية ونفي الإله، وكلا المسارين هو تقويض للمعنى الإنساني.

والحلولية هي فلسفات تزعم وجود نوع من القرابة بين الله وبين بعض عباده. واليهود اتَّبعوا هذه النظرية، في النبي عزير (عليه السلام) والنصارى في المسيح ابن مريم (عليه السلام): ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.

وتتطور النسبة لله فهم أيضاً (أبناء الله):﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أبناء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ * بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.

وهكذا هي بوابة التفكير العنصري: ﴿وَمِنْ أهل الْكِتَابِ من أن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إليك وَمِنْهُمْ من أن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إليك إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فإن اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.

والصلة عبر النبوة لا تُخرِج النبي عن العبودية كما لا تخرجه عن الحق مطلقاً.. وتشرف أمة برسالة السماء إنما هو تكليف ومسؤولية لها بحمل نور الهداية لسائر الأمم لا استغلالها أو استصغارها.

أما تأليه الإنسان في الضفة الأخرى ونفي الإله لصالح تأليه الإنسان لن يُقوِّض العنصرية وإنما سيؤسسها بوسيلة شركية أخرى هي تقديس الإنسان الفرد. فتأليه الإنسان بجعله معيار كل شيء حيث يصنع الإنسان الفرد معاييره الخاصة للخطأ والصواب.

أولاً؛ التقوى والتحرر من الشرك:

التقوى هي الأرضية الصلبة التي يؤسس عليها الإسلام البنيان الاجتماعي، يقول تعالى:

﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبَا?[54]. و{لَمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ?[55].

وهي حصيلة المعرفة بالله تعالى والتي تورث الخشية والالتزام: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ?[56].

إن مجتمع الجبت تسوده القيم المادية ويكون الطاغوت رمز تلك القيم في الاجتماع السياسي، وخضوع الإنسان لسلطان الثروة والشهوات هي المشكلة الأبدية، والعلاج القرآني ينطلق من تصحيح المعادلة في علاقة الإنسان بالثروة: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً[57].

ويحرم على المسلم الخضوع لسلطان غير سلطان الله، ويعتبر ذلك شركاً. ويبدو أن الشرك المتفشي في البشرية هو المناقض لخلوص العبودية لله عند المتدينين من حيث الخضوع لجاذبية «زينة الحياة». إن التقوى في حقيقتها تحرير الإنسان من الآلهة المصطنعة بجعل الإنسان يتمحور حول قيمة التوحيد وقيم الخير.

إن التقوى تُقوِّض القيم الفاسدة التي قد يتذرع بها الناس في أكلهم لحقوق الآخرين، والتي تتيح للمفسدين التعالي في المجتمع. ونسف القيم الفاسدة يوفر لفاعلية أفراد المجتمع القنوات الصحيحة كما يوفر مبررات السعي، حيث إن نتائجه محفوظة لا يلتهمها المفسدون.

ثانياً: أصالة الإنسان؛ وأنسنة القيم:

إن تعميم المعايير القيمية يتطلب هوية إنسانية تتسم أصولها بالثبات والاشتراك لتأسيس التفريع على هذه الهوية من السيادة والحقوق وما شاكل.

وواضح أن سبر إنسانية حضارةٍ ما تتجلى نظريًّا بمقدار إقرارها لـ«الحرمات/ الحقوق» المادية (المتصلة بنتاج جهد الإنسان) والمعنوية (المتصلة بكرامته وحريته)، وتكريسها «شمولية النظرة الحقوقية» الإنسانية مقابل العنصرية والتمايز.

وتأسيس «النظرة الحقوقية الشمولية» المتضمن سواسية البشر يتكئ على أساسين: أصل الخلقة ووحدة الخالق. إن التفكير المادي المقابل للمعارف الدينية يتورط بالفشل في:

:: أن ثبات الحقيقة الإنسانية وخروجها عن عالم المادة وقوانينها يدل على أن ما وراء المادة الظاهرة هو حق لا ريب فيه. إن نمط التفكير الفلسفي المادي السائد لا يمكن أن يفسر الحقيقة الإنسانية والقيم والحقوق الفطرية/ الطبيعية.

:: النظرة المادية تهدم الطبيعة الإنسانية. ويمكن البدء بالداروينية الأخلاقية الاجتماعية تُخرِج الإنسان إلى «ذئبية» يعززها نظام السوق الذي يقيم الإنسان بما ينتج.

ومن جهة أخرى فإن النزعة المادية العلمية اختزلت الإنسان في البيولوجيا، ومن ثم تتوالى تداعيات تُلغي كافة الأبعاد الإنسانية الفارقة له عن الحيوان. ونهاية المطاف فالمشترك البشري هو بيولوجي، أما الوعي هو استجابة لتفاعل كيمياء الجسد مع البيئة وبالتالي الإرادة كذلك.

:: افتقاد ضمانة الأخلاق؛ أي التقوى المعززة بالإيمان بالمصير الأخروي.

إن تاريخ الأمم هو تاريخ الحرب وظلم الأقوياء للضعفاء وهذه هي خلاصة الحضارة البشرية، وفي العصر الحديث فإن إنفاق الدول على الحرب المستحوذ على قدرات الدول، وارتباط التطور العلمي في غالبه بشؤون الحرب لهو دلالة كافية لطبيعة البشر وحضاراتهم.

ودوماً؛ من يمتلك أسباب القوة والتقدم والمعرفة والرفاه يرى في عرقه أو بلاده خصوصيةً وامتيازاً تسمح لهم باستغلال الآخرين. وهذه العنصرية والتمحور على الأنا هو داء الحضارات المزمن ومرضها العضال. فلنا أن ننظر بجدية بالغة في تقويم الثقافات المؤسسة للفاعلية الحضارية بهذا المعيار.

ثالثاً: أصالة الإنسان وغائية العمران:

قد يجد البعض أن ثمة تناقضاً بين «مركزية الإنسان» وبين السلوك العمراني/ التقني الذي يضر بالإنسان.. بيد أن التنبه إلى «المركزية» هي للفرد، وتتجلى قيمة الفرد ضمن معادلة السوق والقيمة في إطار الدارونية الاجتماعية، فإن الإنسان في نهاية المطاف يساوق الملأ/ المترفون.. فهي مغالبة على الانتفاع الفردي بغض النظر عن العواقب والأثمان الباهظة.

وإذن؛ فإن أحد معايير استكشاف الأنسنة هو في غائيات العمران وعواقبه. وقضية «البيئة» وسلامتها والأخطار المحدقة بها جرّاء السلوك غير المسؤول أصبحت أحد شواغل التفكير العالمي في مستقبلها يمكن اعتبارها من كواشف اتجاهات العمران.

إن الإنسان العرفي يدرك بفطرته أن الكون مسخر لأجل منفعته وتآزرت في هذا الخطاب رسالات السماء. ولكن ثمة مسارات. فالكون في الرؤية الدينية هو مجال لفاعلية الإنسان لا بوصفه مالكاً وإنما مستخلفاً.. لذا الإسراف والإفساد (إهلاك الحرث والنسل) وما شاكل ذلك هو من جملة المحظورات.

بينما «مركزية الإنسان» التي تعتبر الطبيعة مملكته تجعل كافة السلوك متاحاً، وفي إطار الفردية فإن مصالح النخبة تبرر السلوك التدميري الذي يحرم الأجيال اللاحقة بل والمعاصرة من خيرات الطبيعة.

ثالثاً: فلسفة الحق:

الله خالق الخلق بالحق، وفعله، الذي هو الموجودات والسنن الناظمة لها، حق. والبشر خلق الله فهم عبيده سواء بسواء فلا معنى لتعالي بعض الأمم على أخرى.. فالإنسانية مفهوم سيان على كافة البشر لهم حق العيش بكرامة على وجه البسيطة.

ألف: الإيمان بالحق كله:

إذا ما كان الإنسان مضطراً للإيمان بسنن الطبيعة فهو غير مضطر لذلك فيما يتصل بالحقوق الإنسانية.. إن الإيمان بالله يبرر تساوي البشر والاعتراف بحقوقهم.

إن الإيمان بالله يقتضي التحرر من شح الهوى إلى رحاب الحق، وحين يُوفَّق الإنسان إلى ذلك، فلماذا يفرق بين حق وآخر بينما الملاك واحد (وهو أنه الحق)؟ فإن فرَّق فقد دلَّ على أنه يتبع الهوى في التفريق، وحينئذ فلا يصدق في ادِّعائه الإيمان بالحق. إن الإيمان بكل حق من دون تمييز بين حق وآخر، هو القيمة الأساسية التي تخالف النفاق. والكافر -بعكس المؤمن تماماً- يفرق بين الحقائق، فيؤمن بما تهواه نفسه، ويكفر بما سواه، فمعياره الهوى، وليس الحق، فهو -إذاً- يعبد هواه. إن دعامة الإيمان بالحق كله تتمثل في ركنين؛ قمع الهوى، والثاني أن فعل الله حق ومن آمن بالله آمن بخلقه وآمن بسننه في خلقه بلا تعضية. ويبدو أن التفكير السنني إحدى المهمشات في ثقافة المسلمين السائدة.

باء: الحق والمنفعة:

والحق تقابل مقولتين من مقولات الثقافة البشرية المعاصرة وهما؛ (المنفعة، الدارونية الأخلاقية/ الحق للقوي) اللتين تبرران استغلال الأقوياء لغيرهم.

وربما نستطيع أن نجعل مقابل المنفعة مفهوم الخير في الثقافة الدينية، قال تعالى:

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبيكُمْ إِبْراهيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصيرُ[58]. وواضح أن المنفعة الضيقة ليست من الخير في شيء، فالخير هو خير من كل الجهات.. وما دامت منفعة ما تخدم بعضاً دون بعض، بمعنى أن تضرهم أو تُمنع عنهم (لا لطبيعة الأشياء) فليست من الخير. بل إن مفردة الخير أوسع من الإحسان من جهة اختصاص الإحسان بمنفعة الآخر وعموم النفع في الخير.

وتقابل الخير والمنفعة هو إحدى الفوارق الرئيسة بين الدين والثقافات المادية. فـ«المنفعة الفردية» هي فلسفة تُساق لتبرير الفعل كدافع للسلوك البشري، وتؤسس على أساس الرؤى المادية لتفسير الكون والحياة التي تحذف المصير الأخروي.

نعم؛ تفترض أن السعي الفردي لمنفعته يفضي إلى مصلحة المجموع. بيد أن إطلاق معيارية (المنفعة الفردية) هو أساس الظلم والاعتداء بين الأمم والأفراد. وواضح أن المجتمعات إنما تنمو بالعطاء والتضحيات خصوصاً في نشوئها وأثناء التحديات، والشعوب الغربية ليست بدعاً من البشر.

رابعاً: قيمة الفعل والسعي:

إن محرك التنمية الأساس هو مفهوم الفعل. والفعل هو امتياز الكائن الحي، كما أن غائيته هو امتياز الإنسان. إن الفعل قضية أساسية يستهدف إحداث التغير والتطوّر وتحقيق التنمية، وفي المقابل فأساس عوامل التخلف هي الجمود والتقاعس عن العمل.

ومن هنا فإن الثقافات والفلسفات غير المنتجة للعمل تقف عادة وراء تخلُّف الأمم. وربما من أسباب فشل جهود التحديث أو التنمية في عالمنا المشرقي العجز عن تفعيل الشعوب في المساهمة الحقيقية في التنمية. ومن هنا نلاحظ في مقابل مقولة «شرفية العلم» ربط قيمة العلم بما ينفع الناس في بصائر القرآن.

ومن الإنصاف التمجيد بهذا الجانب المشرق من الفلسفة البرجماتية (النفعية) التي أعطت للفعل قيمة أساسية شكَّلت أحد مكونات الفاعلية الحضارية في العصر الحديث.

ونتوقف عند ثلاث ملاحظات:

الأولى: الفعل والإنجاز:

إن إحدى مقومات العمل الصالح هو الأثر الذي ينتجه، وهكذا يتكاثر الأجر على قدر النفع الحاصل منه. وربط قيمة العمل بعواقبه يتوالى منه احترام الوقت بربطه به والتنظيم والمراجعة النقدية لوسائل تحقيق الأهداف. وهكذا نلحظ تأثير التفكير البرجماتي واضحاً في شقه الإيجابي على تمجيد العمل.

الثانية: الفعل والسنن/ العقلانية:

مما يُذكر في غايات «التفكير السنني» تحقيق الانسجام معها والعمل بمقتضاها وتلافي الاصطدام بها. لكن ذلك يشكل التمهيد للغاية الأهم؛ أي الأخذ بأسباب النهوض والتقدم والابتعاد عن عوامل التخلف، والتعامل مع التحديات.

وبعبارة: التفكير السنني يستهدف في أهم غاياته أن يجعل «الحضارة، المدنية» حصيلة الجهد البشري الواعي، عبر التخطيط والسعي.

ويبدو أن إحدى امتيازات الحضارة المادية المعاصرة أنها جعلت السلوك خاضع للعقلنة من حيث التخطيط والتقدير العلمي للأشياء.

إن تحول العلم من الشرفية الذاتية المنفصلة عن الجدوى والنفع ودخوله (في الثقافة الغربية) من بوابة التخطيط، والاستعانة به في مواجهة التحديات - كان له أبلغ الأثر في التقدم العمراني في الحضارة المعاصرة.

الثالثة: الفعل والإطار الأخلاقي:

واضح أن الفاعلية متأخرة بدرجة عن الأخلاق، فالأخلاق منهاج والفاعلية حركة. والقاعدة الأخلاقية الموجهة للفعل البشري في الثقافة المادية تنطلق من مقولات: «الأنا الحر» و«المنفعة الفردية».. مما يجعل الناحية القيمية الأخلاقية هي الخاصرة الرخوة وبشدة في جسد الثقافة المادية.

من هنا، ورغم النجاح الذي حققته الحضارة الغربية في المجالات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية، إلا أنه لا يمكن اعتبار النموذج الغربي رمزاً للكمال الإنساني. إذ إنه يعاني من نقائص نلحظ بعضاً منها بوضوح في عنصريتها واستغلالها للشعوب المستضعفة.

وفي إطار مقاربة نقدية للذات فاصلة بين المعارف الإلهية وثقافة المسلمين السائدة ومن خلال قيمة السعي كأنموذج نشير به إلى بعض مواطن الخلل نبين الآتي:

أننا لسنا بحاجة في الإطار النظري لتبين موقع الفعل والعمل الصالح والسعي في بصائر القرآن لشدة وضوحه وكثرة اقتران الإيمان بالعمل، ومن ذلك:

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، فاستثنت الآيات من الخسارة بشروط منها العمل الصالح، ووعد التمكين يرتبط أيضاً بالعمل: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ[59].

فالثقافة السائدة بين المسلمين مع أنها تمجد العمل الصالح ظاهرا فهي تحمل في طياتها تخريباً ثقافيًّا لقيمة العمل.

من قبيل تحريف قيمة الشفاعة حيث تتبدل من تعزيز الانتماء للولاية كإطار للعمل الصالح وفتح باب الأمل والرجاء قبال أمواج الابتلاءات التي سيواجهها المنتمي للحق، فإذا بها تصبح بديلاً عن العمل.

ومن قبيل اختلال معادلة «الغيب والشهود» التي تفتح الأفق المعرفي على الهيمنة الإلهية لتعزز السعي بالتوكل على القوي العزيز، وإذا به يصبح مدعاة لإبطال السننية والتفكير السببي مما يبطل قيمة السعي الغائي والفاعلية العقلانية.

وأيضاً من قبيل تحريف تفسير العمل الصالح. قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَآجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، والملاحظ هنا أن ثمة مقياساً باطنيًّا هو (الخشية من الله فقط)، ويتجلى بالمقياس الخارجي (الجهاد في سبيله).

وهذه إشارة إلى أن غياب الأهداف العليا، أو التغافل عنها خشية تبعاتها.. يجعل الإنسان يتمسك بالقشور، أو يبحث عن المريح وإن كانت أولويات الواقع والتي تفرضها الأهداف العليا غيرها.

وختاماً؛ فإن هذه الإطلالة استهدفت الكشف عن دور الدين المحوري في بناء الحضارة، من حيث إن الرؤى الفلسفية التي تُشكِّل أساس الثقافة لمعتنقيها هي «شاكلة» الشخصية التي تحدد فاعليتها.. وأيضاً أن الدين الحق هو شرط الحضارة لكي تكون إنسانية تسودها العدالة وقيم الخير مع إيماننا بأن للحضارات في قيامها واندثارها سننها الموضوعية.

والإطلالة كانت في سياق استكشاف مقاربة علاقة التوحيد ونقيضه الشرك في رسم صبغة الدين لحضارته وفي المفارقات الجوهرية بين الثقافات البشرية والدين الإلهي.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] الفيروزأبادي، القاموس المحيط، بيروت: دار الفكر، 1983م، 2/10. ابن منظور؛ لسان العرب،4/ 96 - 197.

[2] اعتمدنا بصورة أساسية هنا (الحضارة في منشئها الغربي، وفي الترجمة العربية) على «اختلاف الدلالات باختلاف الحضارات» د. نصر محمد عارف، أستاذ مشارك - جامعة جورج تاون؛

ttp://www.islamonline.net. وأيضاً راجع: في فلسفة التاريخ، أحمد محمود صبحي، الإسكندرية، مؤسسة الثقافة الجامعية، ص3. وأيضاً؛ التغير الحضاري وتنمية المجتمع /د. محي الدين صابر ص 41.

[3] راجع الحضارة السيد المدرسي.. فصل البيئة الحضارية. المجتمع الإسلامي الجزء الثالث: كيف نبني حضارتنا.

[4] تطلع أمة؛ عبد الغني عباس: http://www.almodarresi.com/books/24/a20g560v.htm

[5] يمكن مراجعة أبحاث الشيخ السبحاني (دام ظله) في: الله خالق الكون بقلم جعفر الهادي، وأيضاً سلسلة مفاهيم قرآنية الأول «التوحيد»، والإلهيات بقلم حسن مكي العاملي.. وسنلاحظ تفاوت التقسيمات وتنوع التسميات. فقد جعلها سبعة في الجزء الأول من سلسلة المفاهيم، وخمسة في الإلهيات.. وواضح أن الفصل والتكثر ربما يناسب التوسع والموسوعات، لكن في التصنيف الموضوعي الأليق به الاحتكام لمعيارية تبرر التقسيم. ونحن هنا نبغي الإيجاز بقدر مقاربة التحديد.

[6] سورة الشورى، الآية 11.

[7] سورة الزمر، الآية 4.

[8] سورة الرعد، الآية 16.

[9] سورة يونس، الآية 3.

[10] سورة التوبة، الآية 31.

[11] سورة الأَنعام، الآية 102.

[12] يرى البعض أن المانوية استثناء كما يُنسب إليهم في الشرك في الخالقية. وكما يذكرون؛ المانوية من الديانات الثنوية أي تقوم على معتقد أن العالم مركب من أصلين قديمين أحدهما النور والآخر الظلمة، وكان النور هو العنصر الهام للمخلوق الأسمى وقد نصب الإله عرشه في مملكة النور، ولكن لأنه كان نقيًّا غير أهل للصراع مع الشر فقد استدعى «أم الحياة» التي استدعت بدورها «الإنسان القديم» وهذا الثالوث هو تمثيل «للأب والأم والابن»، ثم إن هذا الإنسان -والذي سمي أيضاً «الابن الحنون»- اعتبر مخلصاً لأنه انتصر على قوى الظلام بجَلَده وجرأته، ومع ذلك استلزم وجوده وجود سمة أخرى له وهي سمة المعاناة، لأن مخلص الإنسان الأول لم يحقق انتصاره إلا بعد هزيمة ظاهرية. ويعد موضوع آلام الإنسان الأول وتخليصه الموضوع الرئيس في المثيولوجيا المانوية، فالإنسان الأول هو المخلص وهو نفسه بحاجة للافتداء.نعم تحكي آية عن الدهريين: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ الجاثية: 24، فتشير لوجود منكري الخالق رأسا لا الشرك، كم تشير آية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ الطور: 35 ، وتشير آية: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الرعد: 16، إلى الشرك في الخالقية ومثلها الآيات التي تثبت الوحدانية.

مما يشير إلى وجود تيارات إلحادية وأخرى شركية (في الخالقية) وإن بصورة محدودة متأثرة بمحيط الجزيرة العربية. ولا يخفى أن كثير من الباحثين ينفون وجود الشرك في الخالقية أو الإلحاد في جزيرة العرب. راجع: الشرك الجاهلي وآلهة العرب المعبودة قبل الإسلام، د. يحيى الشامي، دار الفكر اللبناني. ط1، 1986م، ص28.

[13] سورة الزخرف، الآية 9.

[14] سورة فصلت، الآية 9.

[15] سورة الشعراء، الآيتان 97 - 98.

[16] سورة الذاريات، الآيات 56 - 58.

[17] سورة المائدة، الآية 64.

[18] نظير تأثر المسيحية بالثقافات الشركية السائد، فيعتبر القرآن الكريم «قضية التثليث» مرتبطة بالأديان السابقة على المسيحية والمسيح F إنما كان يدعو إلى اللّه «الواحد» الأحد إذ يقول:﴿لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوا إنّ اللهَ هُوَ المسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسرائيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ إنّهُ مَنْ يُشْـرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ. فالنصارى هم الذين أدخلوا هذه الخرافة في العقائد المسيحية إذ يقول:

﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. يقول: غوستاف لوبون: «لقد واصلت المسيحية تطورها في القرون الخمسة الأُولى من حياتها مع أخذ ما تيسر من المفاهيم الفلسفية والدينية اليونانية والشرقية، وهكذا أصبحت خليطاً من المعتقدات المصرية والإيرانية التي انتشرت في المناطق الأوروبية حوالي القرن الأوّل الميلادي، فاعتنق الناس تثليثاً جديداً مكوناً من الأب والابن وروح القدس مكان التثليث القديم المكون من نروپي تر، وژنون، ونرو». ننظر: الشيح جعفر السبحاني، مفاهيم قرآنية 1/ - 290. وهكذا الحال في الشرك الجاهلي عند العرب، وأطنب المؤرخون في تبيان ذلك.

[19] انظر: فلسفة العلم. د، بدوي عبد الفتاح محمد ص281،290.

[20] راجع: الفكر الإسلامي السيد المدرسي (دام ظله):

http://www.almodarresi.com/books/691/8r10mi8n.htm

[21] سورة العنكبوت، الآيتان 25 - 26.

[22] من هدى القرآن، السيد المدرسي(دام ظله)، ط1، ج9، ص444.

[23] قباري محمد إسماعيل، إميل دوركايم - مؤسس علم الاجتماع المعاصر نظريًّا ونقديًّا، منشأة المعارف 1976م - ص 71.

[24] المنطق الإسلامي، السيد المدرسي (دام ظله):

http://www.almodarresi.com/books/603/fq160lxt.htm

[25] من معالم الحضارة الإسلامية، السيد المدرسي «دام ظله»، انتشارات محبان الحسين، قم، ط2، ص142.

[26] راجع: اختلاف الدلالات باختلاف الحضارات، د. نصر محمد عارف، مرجع سابق. والثقافة التفسير الأنثروبولوجي، آدم كوبر، ترجمة تراجي فتحي. عالم المعرفة 349، 2008م، الفصلان الأول والثاني. معالم على طريق تحديث الفكر العربي، للدكتور معن زيادة، منشورات عالم المعرفة - الكويت، عام 1987م، ص29.

[27] http://www.mokatel.com/openshare/Behoth/Mnfsia15/Culture/sec01.doc_cvt.htm

والثقافة التفسير الأنثروبولوجي ص70.

[28] معالم على طريق تحديث الفكر العربي ص 31.

[29] http://almodarresi.com/books/244/am0s2dg1.htm

[30] سورة الإسراء، الآية 84.

[31] سورة الإسراء، الآيات 15 - 21.

[32] سورة الأعراف، الآية 169.

[33] سورة مريم، الآية 59.

[34] سورة محمد، الآية 38.

[35] سورة النحل، الآيات 112 - 113.

[36] سورة النساء، الآية 51.

[37] سورة الكهف، الآية 110.

[38] سورة القَصَص، الآية 83.

[39] سورة الأنفال، الآية 24.

[40] سورة الملك، الآية 15.

[41] سورة الأعراف، الآية 32.

[42] سورة البقرة، الآية 168.

[43] سورة الأنعام، الآية 145.

[44] سورة الحج، الآية 78.

[45] سورة المائدة، الآية 1.

[46] سورة البقرة، الآية 282.

[47] سورة النحل، الآية 90.

[48] سورة المائدة، الآية 8.

[49] سورة الزخرف، الآيات 31 - 35.

[50] سورة البقرة، الآية 201.

[51] سورة البقرة، الآية 126.

[52] سورة الشعراء، الآية 85.

[53] سورة الصف، الآيات 10 - 13.

[54] سورة النساء، الآية 1.

[55] سورة التوبة، الآية 108.

[56] سورة التوبة، الآية 109.

[57] سورة الكهف، الآية 46.

[58] سورة الحج، الآيتان 77 - 78.

[59] سورة النور، الآية 55.


ارسل لصديق