مستقبل الشرق الأوسط
على ضوء القضية الفلسطينية
كتبه: آية الله السيد هادي المدرسي
العدد (47) السنة 22 - 1432هـ/ 2011م
التعليقات: 0
القراءات: 1963

إذا نظرنا إلى قضية فلسطين بعين المؤرّخ فستختلف استنتاجاتنا تماماً، عمّا لو نظرنا إليها بعين الصحفي.

ذلك أن المؤرخ ينظر إلى ما وراء الحدث، أما الصحفي فينظر إلى وقائع الأحداث اليومية، والمؤرخ ينظر إلى النتائج، أما الصحفي فينظر إلى الأسباب.

فعندما ينظر الصحفيون إلى قوة إسرائيل العسكرية، وإمكاناتها المادية، والتأييد المطلق الذي تحصل عليه من الولايات المتحدة الأمريكية، فإنهم ربما يحكمون بأن الدولة الصهيونية ستبقى كما هي إلى الأبد، وأن العرب ومن ورائهم المسلمون، لا يملكون إلا الاستسلام للواقع، والقبول بما هو كائن، وعدم التطلع إلى ما يمكن أن يكون.

لكن المؤرّخ ينظر بعين أخرى إلى هذه المسألة.. فهو في الوقت الذي يأخذ (الواقع) الفعلي بعين الاعتبار إلا أنه ينظر أيضاً إلى نقاط ضعف القوة، لأنه يعرف أن الحق يبقى إذا كان قويًّا، وأن القوة تبقى إذا كانت مع الحق، وأن هزيمة الحق على يد القوة لن تكون هزيمة نهائية، كما أن انتصار القوة من دون الحق لن يكون انتصاراً نهائيًّا.

إن المزيج من الحق والقوة هو الذي يكتب له الدوام، أمّا إذا انفصل أحدهما عن الثاني فإن بقاء الآخر أمر مشكوك فيه. وما نحتاج إليه ليس هو زرع القناعة بقوة الصاروخ والمدفع والطائرات الحربية، بل القناعة بالعيش المشترك والالتزام بالحقوق والاحترام المتبادل.

إنّ مما لا شك فيه أن لليهود حقًّا في أن يعيشوا آمنين مطمئنين في أي مكان كانوا فيه، ولكن بشرط ألَّا يكون ذلك على حساب الآخرين، أو أن يفرضوا إرادتهم بقوة السلاح.

إن من المشاكل التي ابتُلي بها اليهود على مرّ التاريخ أنهم كانوا يريدون لأنفسهم انتزاع الامتياز من المحيط الذي يعيشون فيه، وذلك من خلال السيطرة عليه، وهذا ما كان يؤدي بالآخرين إلى ردة الفعل تجاههم. ولذلك وقعت الكثير من المجازر بحق اليهود، كما ارتكب اليهود الكثير من المجازر بحق الآخرين.

ومن دون أن تتفتح عقول اليهود على الحقائق.. ويخرجوا من قوقعة أحلام السيطرة، والامتياز، من دون ذلك فإن من غير الممكن أن يحدث التعايش بينهم وبين الذين يعيشون في أوساطهم في أي وقت، وفي أي مكان.

وعلى كل حال فإن ما وقع في فلسطين هو أمر غريب للغاية، حيث إن اليهود كانوا يعانون من مشاكل في التعايش مع الشعوب الأوروبية، ومن ثم فقد تعرضوا للمجازر في النمسا وألمانيا ومناطق أخرى، وبعد الحرب العالمية الثانية قرر الأوروبيون حل المشكلة اليهودية، ولكن ليس من خلال إنصافهم في بلادهم والتعايش معهم هناك، وإنما من خلال نقل المشكلة إلى منطقة أخرى.

من هنا جاء وعد (بلفور) -وزير الخارجية البريطاني الأسبق- لليهود بإعطائهم قسماً من أرض فلسطين لإقامة دولتهم، وذلك بعد تحالف اليهود إبان الحرب العالمية الثانية مع قوات الحلفاء ضد ألمانيا، وبعد هزيمة هتلر ومطالبة الحركة الصهيونية بتأسيس دولة في فلسطين ونتيجة تفاعلات كثيرة، بعضها يرتبط بضعف العرب وبعضها يرتبط بالجانب الأوروبي، قامت دولة إسرائيل، واعترفت بها الأمم المتحدة، ولأن العرب شعروا بالغبن والهزيمة والظلم فقد حاولوا استرداد أراضيهم بشتى الطرق فوقعت خمسة حروب بينهم وبين إسرائيل، وكان الغرب دائماً يقف إلى جانب إسرائيل، ومن ثم يفرض الهزيمة على العرب بشكل أو بآخر.

وهكذا قامت دولة إسرائيل بقوة السلاح، وعلى حساب حقوق الجيران تمادت في مصادرة أراضي الفلسطينيين.

لقد جاء اليهود الأوروبيون الذين فرّوا من النازية إلى أرض غيرهم، ليحتلوها ويصادروها، وذلك بمساعدة الأوروبيين أنفسهم، خاصة بريطانيا أي بمساعدة الشعوب الذين كانوا يذبحون اليهود في أوروبا..وكأنهم أرادوا أن يُكفّروا عن ذنبهم ذاك بذنب أكبر، حيث أعطوا اليهود وطن شعب آخر. وأخذت أمريكا مكان أوروبا في مدّها بما تريد من مال وسلاح، حيث تتلقى إسرائيل -وباستمرار- أكبر جزء من المساعدات الخارجية الأمريكية، وهو ثلاثة مليارات دولار في العام، حسب التقديرات الرسمية، وسبعة مليارات دولار حسب الواقع. هذا بالإضافة إلى أن إسرائيل تدَّعي احتكار الميراث الإبراهيمي، والدين اليهودي، وتستغلهما في المجال السياسي، وبذلك فإنها تستدرّ العطف الديني من جهة، وتمنع أي تهجم عليها معتبرة إياه معاداة للسامية من جهة أخرى. وكان لتأثير اللّوبي الصهيوني على السياسة الأمريكية وامتلاكه لوسائل الإعلام ومن ثم على الناخب الأمريكي، الدور الكبير في وقوف أمريكا إلى جانب إسرائيل.

هذا هو الواقع الموجود، وعين الصحفي تلاحظه فتقول: إن إسرائيل دولة قائمة، والغرب يؤيدها بلا حدود، ومن ثم فهي باقية.

لكن المؤرخ ينظر بعين أخرى، وهو يقول: إن القوة في إقامة الدولة أمر ممكن، ولكن حينما لا تكون القوة إلى جانب الحق، فإن الحق سيثأر لنفسه إن عاجلاً أو آجلاً، وإذا كان الضعف الفلسطيني والتمزق العربي، وضياع الإرادة لدى قادتهم، ووجود حكومات ظالمة في البلاد العربية تمنع تفجر طاقات الأمة، إلا أن هذا الواقع ليس بالضرورة سيستمر إلى الأبد، فكم من شعوب كانت ضعيفة ثم أصبحت قوية، وكم من شعوب كانت قوية ثم أصبحت ضعيفة. ولن يبقى ميزان القوة كما هو إلى أبد الآبدين.

صحيح أن إسرائيل اليوم تعادل نصف الشرق الأوسط من الناحية السياسية، كما تعادل كل الشرق الأوسط من الناحية العسكرية، وتملك مائتي قنبلة نووية، وعندها إمكانات مالية ضخمة تساوي كامل مبيعات النفط في الدول العربية.

وتحظى إسرائيل أيضاً برعاية عالمية، خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية التي تضعها في مصاف ولاية من ولاياتها، وتلتزم بالحفاظ على تفوقها الاستراتيجي على كل جيرانها، الأمر الذي يدفع إسرائيل إلى ارتكاب مزيد من الظلم بحق الفلسطينيين والإصرار على احتلال الحق والأرض، وعدم الاستعداد لدفع أي ثمن للتعايش.

صحيح كل ذلك، إلا أن هذا لن يكون بالضرورة أبديًّا.

لقد كانت قوة اليهود قبل قيام إسرائيل تكمن في ضعفهم، حيث كانوا مستضعفين في الأرض. أمّا اليوم فإن ضعف اليهود يكمن في قوتهم، وكما تغيّر ميزان القوة لمصلحة اليهود بعد أن كانوا ضعفاء فأصبحوا أقوياء، كذلك فإن الميزان يمكن أن يتغير ضدهم، فيصبحوا ضعفاء بعد أن كانوا أقوياء ويصبح العرب أقوياء بعد أن كانوا ضعفاء. وإن في تاريخ الأمم الأخرى التي ضعفت بعد قوة، وفي الحضارات التي سادت ثم بادت، لخير دليل على أنه ليس بالقوة وحدها يستمر وجود الأمم وتستمر حضارتها.

فقد قامت إمبراطورية (بني أمية) على حساب أهل البيت (عليهم السلام)، ووجدنا كيف أن الظلم الذي لحق بأهل البيت أسقط فيما بعد إمبراطوريتهم، ثم قامت الإمبراطورية العباسية تحت شعار «إلى الرضا من أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)»، ولما سلكوا سبيل بني أمية في ظلم أهل البيت، فإن لعنتهم لاحقت الظالمين حتى سقطت الإمبراطورية العباسية أيضاً.

ثم استمرت الإمبراطوريات تقوم هنا وهناك، ثم ترتكب الأخطاء نفسها التي ارتكبتها الأمم السابقة فتسقط، وتقوم غيرها.

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى.

إن الطغيان يضرّ بالطاغين أكثر مما يضّر بمن وقع عليهم الطغيان، ومن أمثلة ذلك الإمبراطورية السوفيتية التي سقطت وتمزقت مع أنها كانت تملك من القوة، ومن ترامي الأطراف ما لا تشكل إسرائيل إلا بمقدار دولة واحدة من عشرات الدول التي كانت منضوية تحت لوائها. كما أن عشرين ألف قنبلة نووية كان يملكها الاتحاد السوفيتي لم تمنعه من التفكك والتمزق، فكيف بمن يملك مائتين فقط؟

وهكذا فإن عين المؤرخ تنظر إلى الواقع من خلال النتائج، وليس من خلال الأحداث، ومن خلال الجذور لا من خلال الأغصان. إن شجرة تقوم على رمال متحركة، مهما كانت باسقة، فإنها آيلة إلى السقوط لا محالة.

وإن بناية تُبنى في أرض الآخرين مرشحة، مهما ارتفعت، للانهيار. وكما يقول الحديث الشريف: «إن الحجر المغصوب في البناء هو ضمان سقوطه».

إن دولة إسرائيل قامت على ظلم عريض، ليس فقط للجيران القريبين، بل للجيران البعيدين أيضاً، فكيف يمكنها أن تستمر؟

* * *

وهنا مجموعة ملاحظات لابد من أخذها بعين الاعتبار:

الملاحظة الأولى: إن اليهود نجحوا في إقامة دولة قومية لهم، لكنهم خسروا بسبب ذلك دينهم، فقد اضطروا للحفاظ على دولتهم لمخالفة نصوص التوراة، ومخالفة تعاليم الأنبياء العظام بمن فيهم موسى?بن عمران (عليه السلام). ولم تكن خسارة الدين مسألة جانبية، حتى يقال مادام النجاح هو حليف اليهود اليوم، فما ضرهم لو تراجعوا عن معتقداتهم السابقة؟.

اليهود أساساً إنما انعزلوا على مرّ التاريخ عن الآخرين، وتقوقعوا داخل مجتمعاتهم حفاظاً على دينهم، وخشية الذوبان في المجتمعات التي عاشوا فيها. فما قيمة وطن قومي يُبنى على أنقاض كل القيم والمثل العليا التي دعتهم إلى بنائه؟ لقد أراد اليهود إقامة دولة يهودية كي يحتفظوا بدينهم. ولكن هذه الدولة جاءت على حساب هذا الدين.

ولكي نعرف هذه المسألة لابد من العودة قليلاً إلى القرن التاسع عشر حيث احتدم النقاش بين اليهود في أوروبا بين مدرستين:

الأولى: مدرسة تطالب بالاندماج في المجتمعات التي يعيش اليهود فيها.

الثانية: مدرسة تطالب بالعكس، فقد رأوا أن القيصرية الروسية قد حدّدت حركة اليهود في مقاطعات معينة في بولندا الغربية وجنوب روسيا، وبالرغم من أن هذه المقاطعات كانت أكبر حجماً من مساحة فرنسا إلا أنها سميت بحزام الاستيطان، وتدفقت الهجرة خارج روسيا القيصرية بسبب القوانين التي فرضت التفرقة على اليهود وكذلك في الاتجاه إلى العالم الجديد: الولايات المتحدة الأمريكية. وخاض اليهود فيما بينهم الحرب على جانبين: جانب يقول بالاندماج في المجتمعات الغربية التي أخذت تتحرر من العنصرية، والانصهار في هذه المجتمعات كمواطنين عاديين، وجانب آخر يدعو إلى إيجاد أرض تجمع اليهود لأن الاضطهاد والعزلة التي جرى عليها تاريخهم في أوروبا لابد أن توقظ حتى في البلدان الليبرالية، بعض عناصر الاضطهاد.

وعند هذه النقطة تقدم الفكر السياسي لليهود، بالحل فقد قدم (مويز مندلسون) فكرة فصل الدين اليهودي عن القومية اليهودية، لأن أمان القرون الوسطى التوراتية لم تقدم لليهود إلا الاضطهاد والشتات، في مقابل أجواء الحرية الغربية المتفتحة التي كانت تدعو اليهود للتجنس بجنسيات بلدانهم التي ولدوا فيها، والخروج من الغيتو الضيق والدخول في معترك الحضارة الغربية، وقد وافق على صحة هذه الدعوة جمع من الحاخامات، واعتنقها كثير من اليهود في أوروبا الغربية، وبرر بعضهم ذلك بأن عبارة (صهيون) الواردة في التوراة إنمّا هي رمز على سيادة العدل والإصلاح، وليس معناه جبل صهيون والأمر باحتلال فلسطين.

أمّا المدرسة الفكرية الثانية فقد وصّلت الدين بالقومية، وأنكرت الفتوى بنسيان فلسطين، وقدم (موزيش هيث) الألماني الاشتراكي من بين كتّاب آخرين نظرية تقول: «إن من المستحيل أن ينهض اليهود في الشتات الأوروبي المسيحي، بل لابد من إقامة دولة يهودية في فلسطين كشرط مسبق لإعادة اليهودية»، وأضافت هذه المدرسة: «إن ذلك لن يتحقق مادام أن اليهود لا يعملون بفلاحة الأرض، فلابد أن يتعلم اليهود كيف يعتنون بالأرض ويزرعونها».

وقال أحدهم: «إن الله يفضل أن يعيش مع أبنائه اليهود في أرض فلسطين، ولو لم يتقيدوا بتعاليم التوراة، على أن يظلوا في الشتات متقيدين بها».

وهكذا نجد أن المحور في قضية إقامة الدولة اليهودية أو عدم إقامتها كان هو كيفية الحفاظ على الديانة اليهودية، فإذا جاءت إقامة الدولة على حساب هذه الديانة يكون اليهود قد ناقضوا الهدف الذي من أجله أقاموها.

هذا بالإضافة إلى أن بقاء هذه الدولة أمر مشكوك فيه من خلال الرؤية التاريخية، وليس من خلال الرؤية الصحفية.

إن النقاشات ما بين اليهود أنفسهم حول المدرستين المختلفتين وصلت إلى محصلة هي المؤتمر الصهيوني الأول في (بازل) في سويسرا، والذي انعقد في عام 1897م وقد كان المفكر الرئيسي خلف هذا المؤتمر هو (هرتزل) الصحفي النمساوي اليهودي الذي أخذ على عاتقه وضع الخطوط العريضة لمعالم الطريق إلى دولة يهودية في فلسطين، وبعد عشرين عاماً من هذا المؤتمر -أي في نوفمبر عام 1917م- صدر وعد باسم وزير الخارجية البريطاني «بلفور» الذي كان نصه: «إن بريطانيا العظمى تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين»، وكان هذا الوعد محركاً جديداً لتدفق الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

ولا شك في أن هذا الوعد كان له التأثير الكبير في تحويل حلم بعض اليهود لتأسيس دولة يهودية في فلسطين، ووجد الدعم الكافي من قبل الدول الغربية في أوروبا، وبعد ذلك من قبل أمريكا لتحقيقه.

ولكي نعرف كيف أن هذا الحلم تحقق خلافاً لأصوله ودوافعه، لابد أن نذكر ما يقوله الكاتب الإسرائيلي (ياروت إزراحي)، وهو ممّن يوصف بأنه مطّلع على أحوال إسرائيل الحديثة، في كتابه (الرصاصات المطاطية) والذي عنوانه الفرعي: (القوة والضمير في إسرائيل). ولنستنتج أن القوة في إسرائيل جاءت على حساب الضمير، ومن ثم فإن الدافع إلى إقامة دولة إسرائيل، وهو الضمير، قد قُضي عليه تماماً لدى تحقيق هذا الحلم.

يقول في مشهد افتتاحي: «في إحدى ليالي يناير من سنة 1988م، أي بعد حوالي أربعة أسابيع على اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، كنت جالساً في غرفة العائلة في المنزل أشاهد التلفزيون، وكان والدي (ياريز) البالغ من العمر ثمانية وأربعين سنة، جالساً خلفي وابني البالغ الثالثة عشر من عمره (ياريل) جالساً قريباً من قدمي، والصور في التلفزيون تتغير من اشتباك مع الفلسطينيين، إلى اشتباك آخر.. وفجأة توقفت الكاميرا على جندي إسرائيلي، كان يتحرّق من الغضب، وهو يوجه فوهة بندقيته، سريعة الطلقات على مجموعة من الفلسطينيين الصغار، الذين كانوا يصرخون ويرمون الأحجار عليه، شعرت بعرق بارد إنساب في سلسلة ظهري رغم البرد، وتملكتني رغبة عارمة بأن أغطي عيني والدي بيميني، بينما بطريقة ما أفتح عين ولدي بيساري، بعد ذلك عرفت أسباب هذه الرغبة، وهي جزئيًّا لتغطية عيني والدي الذي شب على الحلم الصهيوني حتى لا يعرف ما حدث لهذا الحلم، وتصميمي على أن أوفر الألم على ابني».

إن إسرائيل في التحليل النهائي هي دولة غربية -وليست في واقعها يهودية- تعيش في الشرق الأوسط، بالرغم من أن ثلاثة أرباع مواطنيها هم إسرائيليون، ولذلك فإنها الدولة الوحيدة من بين دول المنطقة التي تحظى بموازنة وصلت إلى 60 مليار دولار، وأن نصيب الفرد من الناتج المحلي يزيد على أحد عشر ألف دولار سنويًّا، في حين أن متوسط ذلك في مصر وسوريا والأردن وحتى لبنان بالإجمال هو ألف وخمسمائة دولار سنويًّا، وهو مستوى معيشي يحاذي المستوى المعيشي في الدول السبعة الأوروبية.

أمّا الناتج المحلي الإسرائيلي فتشير الأرقام إلى أنه يعادل نواتج الأقطار العربية الممتدة من مصر إلى العراق، مما يعكس انكسار التكافؤ في كل المعايير بين الدول العربية وإسرائيل، وكل هذا ليس بفضل العقل اليهودي، ولا التنظيم اليهودي، وإنما لأن إسرائيل تحصل على معاملة (البنت المدللة) من قبل كافة الدول الغربية، بحيث نستطيع أن نقول: إنها ببساطة دولة غربية في هذه المنطقة ولا غير.

والسؤال هنا هو: كيف سيتم التمازج بين إسرائيل وبين محيطها الذي ينتمي إلى الشرق الأوسط، الذي له ثقافة تختلف عن ثقافتها، ودين يختلف عن دينها، وهي في المحصلة النهائية تبحث عن الامتياز وليس عن التعاون، وعن السيطرة وليس عن التعايش، وعن الأخذ وليس عن العطاء، وعن القوة وليس عن الحق.

* * *

الملاحظة الثانية: إن هنالك واقعاً مهترئاً في العالم العربي الذي يتحمل القضية الفلسطينية، وتكمن المشكلة مع هذا العالم المهترئ في أن الدور المرسوم للمنطقة العربية يأتي من خارجها، فالذي يقرر مصير المنطقة ومستقبلها ليس أبناؤها بل الأجانب، ومن البديهي أن ذلك يجري بغض النظر عن توافق هذا العامل مع مصالح الأمة، أم عدم توافقه معها، كما يجري ذلك بمعزل عمّا إذا كان ذلك يعبر عن متطلبات المستقبل في التطور الاقتصادي والسياسي للمنطقة، أو لا يعبّر عنها.

فالمصالح الاستراتيجية العليا للدول الكبرى هي الراسم للمستقبل في هذه المنطقة، وهي المقرر، وهي المنفذ.. والمنطقة ظلت ضحية لمصالح الدول الكبرى منذ عام 1920 تقريباً، وجلُّ اهتمام الدول الكبرى ينصب على ما في المنطقة من ثروة مالية تقدر بين 900 أو ألف مليار دولار في العام، وهي تمثل ثروة العرب الاستثمارية والمالية والمصرفية؛ حيث إن من المؤسف أن هذه الثروة تسبح في فضاء غير فضائها، وفي مجال غير مجالها، وفي بناء مستقبل لا يمت بصلة لمستقبلها، وتدور في حلقة لا ترتبط بدورتها الحضارية.

وهذه المنطقة هي محط جشع قلّ نظيره في التاريخ، لأنها تملك ثلثي الاحتياطي النفطي في العالم أجمع، وستظل هذه المادة الذهبية حتى منتصف القرن المقبل على الأقل كما هي، وبمقدار ما تكون الحاجة إليها كمادة أساسية للصناعات في أمريكا، وأوروبا، وآسيا على حدّ سواء، بمقدار ما يكون التكالب عليها لنهبها شديداً بين الدول الكبرى.

بالإضافة إلى أن هذه المنطقة تعتبر من أكبر الأسواق العالمية في استيراد المنتجات الغذائية، والصناعية والدوائية والتكنولوجية... إلخ. في حين لا يتعدى حجم المبادلات التجارية فيما بين دول المنطقة نفسها نسبة 8% من مجموع المبادلات التجارية مع الآخرين، وتصل نسبة 92% الباقية من تجارة العرب الخارجية مع أوروبا وأمريكا واليابان.

إن 250 مليون نسمة من العرب، يعيشون فوق ما يعادل 14 مليون من الكيلومترات المربعة -وهي قياسات قارية في مفهوم الدول- ومع ذلك فإنه ليس هنالك ما يدعو الغرب لإجراء مخططات عن مقاس المنطقة ووزنها، فستة أقمار صناعية مع حاملتي طائرات أمريكية، كافية لحراستها ضد أي مشاكس داخل هذه المنطقة أو خارجها، ولذلك كله فإن الغرب يحذر من أية محاولة لإيقاظ أبنائها، خاصة إذا جاء هذا الإيقاظ عن طريق الإسلام، وقد رأينا -عقب انتهاء الحرب الباردة- كيف أن الإعلام الغربي -المدفوع بخلفية يهودية واضحة- قام برسم عدو جديد على وزن الشيوعية الآفلة اسمه.. الإسلام!

وقبل (حرب الخليج الثانية) عام 1991م احتفل الإعلام الأمريكي بذكرى هزيمة المسلمين أمام بوابات فينا، ثم نحت المفكرون الأمريكيون -على طريقة أفلام هوليود- (دراكولا) إسلامية قادمة على الطريق.

أمّا عن الخطر الماحق فقد نشرت (صنداي تايمز) بقلم يهودي متطرف في حينها افتتاحية تقول: «في كل شهر يتراجع الخطر القادم من بؤر وتوترات عديدة في هذا العالم، ليحل محله تهديد جديد قادم من الإسلام، إنه تصعيد يختلف بالنوع والذريعة عن تهديدات الحرب الباردة، وعلى الغرب أن يتعلم كيفية محاصرته واحتوائه».

ومن الواضح أن هذا العدو وهمي، وأن هذه المعركة هي معركة وهمية، وأن الإعلام الصهيوني العالمي يمهد السبيل لخلق المسوّغات من أجل استمرار العدوان على هذه الأمة واستمرار المقاطعة لها، والمحاصرة لشعوبها وتفتيت المنطقة، لإعادة احتلالها من قبل القوى العظمى.

* * *

الملاحظة الثالثة: بناءً على ما سبق فإنه لا يمكن الاعتماد على تسوية منصفة تأتي من الغرب، بحيث تأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع شعوب المنطقة، فوراء الوجوه المبتسمة هنالك مصالح جشعة، ودوافع غير إنسانية تجاه هذه الشعوب. والمشكلة الرئيسية لا تكمن في العدو الخارجي المتمثل بإسرائيل أو الدول المساندة لها، وإنما تكمن في داخل المنطقة: أي في تفتتها وتمزقها وفي عدم تمسّك المنطقة بحبل الله المتين الذي أمر الله عز وجل بالتمسك به قائلاً: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، والقائل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.

إن المشكلة تكمن في أن ميزان العدالة مختل في هذه المنطقة، فهنالك من الحكام من هو موبوء الضمير، ويقبل بأن يعيش على حساب الآخرين. كما تكمن أيضاً في النظام السياسي المستبد الحاكم على معظم بلاد المنطقة، وفي الغنى الفاحش لدى الطبقة الحاكمة، إلى جانب الفقر المدقع لدى الشعوب، وفي قبول الهيمنة الخارجية في مقابل دور ضحل يُعطى لمسؤول هنا أو مسؤول هناك.

فلدى العودة إلى حساب الأرقام نكتشف مثلاً أن كل دولار عربي يستثمر في المنطقة العربية، يقابله سبعون دولاراً عربيًّا تستثمر في خارجها، وأن ألف دولار يبقى في هذه المنطقة يقابله مليار دولار ينحدر إلى الخارج، هذا في الوقت الذي تصل الديون العربية مائة مليار دولار! فقسم من العرب يستثمر أمواله في الخارج، والقسم الآخر يستدين من الخارج حتى يعيش، وتبقى المنطقة على كل حال رهينة الغرب!

هذا بالإضافة إلى أن الوطن العربي يستورد سنويًّا ما قيمته مائة وخمسون مليار دولار من السلع المصنعة، والأدوات، والغذاء والأسلحة، إما الدولارات التي تصرف على الليالي الحمراء في مواخير أوروبا وآسيا فهي بلا حساب، وبالرغم من أن البعض يملك إلى حد التخمة، فإن على الجانب الآخر من الحياة العربية ما يزيد على أربعين ألف طفل يموتون سنويًّا من سوء التغذية، كما أن هنالك فوارق نجومية بين متوسط الدخل في الوطن الواحد تبعث على الأسى، ففي حين لا يصل دخل ابن الصعيد المصري إلى متوسط ثلاثمائة دولار سنويًّا، فإن هنالك -في بعض الأمصار النفطية- يصل متوسط الدخل إلى اثنين وعشرين ألف دولار سنويًّا. وتعاني بعض الأقطار العربية مثل السودان والصومال وموريتانيا من المجاعة.

ولو أن المرء استعرض جدولاً بالدول الأعلى دخلاً والأقل دخلاً في العالم سيجد أنهما يعيشان جنباً إلى جنب في هذه المنطقة الاستثنائية من العالم.

* * *

الملاحظة الرابعة: أن المؤسسات العربية غير قادرة بأي شكل من الأشكال على أن تؤدي دوراً في ترتيب الأوضاع من جديد، وأصحاب القرار في المنطقة ليسوا مؤهلين، ولا جادين، ولا مرشحين لكي يقوموا بأي دور لإصلاح الخلل القائم، لأنهم جزء من المشكلة، ولا يمكن أن يكونوا جزءاً من الحل لها.

إن كل الحلول المطروحة لمشكلة فلسطين -والتي يصفها أصحابها بأنها حلول واقعية- ليست في حقيقتها إلا مناهج تُفرض على المهزوم لكي يقبل بالهزيمة، والقضية تشبه أن اثنين يدخلان في معركة فيخسر أحدهما ويربح الثاني، ويكون الرابح على باطل والخاسر على حق، ولذلك فإنه يبدأ بالصراخ مطالباً بحقه فيضربه الذي ربح عليه، فيأتي شخص ثالث ويطلب من الذي يصرخ أن يقبل بالحل، لكن الحل الذي يعرضه عليه هو عبارة عن مطالبته بأن يسكت عن المطالبة بحقه، لا أن يُعطي له حقه، في مقابل ألَّا يعتدي عليه غاصب حقه. وكل العروض والتسويات والحلول التي عرضت حتى الآن من (كامب ديفيد) إلى (أوسلو) إلى (شرم الشيخ) كانت تدور ضمن هذه الحلقة المفرغة.

ولنأخذ مثالاً على ذلك ما سمّي بعملية السلام التي انطلقت من مدريد، ووصلت مفككة إلى أوسلو، فبعد مرور أكثر من ست سنوات عليها، سقطت الأقنعة الإعلامية عنها لينكشف أنها لم تكن اتفاق سلام، بل اتفاق على استمرار الهيمنة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، من خلال الاتفاقيات المقيدة للفلسطينيين ومن خلال القوة العسكرية الإسرائيلية. وأيضاً قبول أطراف ضعيفة بدور تجزيئي صغير على حساب الحق العام للشعب الفلسطيني.

فلقد تحوّل الذين كانوا يناضلون من أجل تحرير فلسطين، إلى مجرد شرطة للأمن الإسرائيلي.. وهكذا تريد إسرائيل من الفلسطينيين أن يكونوا خدماً لها وشرطة لحراسة أمنها، وعليهم تحمل العقاب إذا فشلوا في ذلك، بحيث إنه إذا وقعت عملية تفجير في وسط القدس في المكان الذي تكون فيه إسرائيل هي المسؤولة عن الأمن فيها فإن على كل الفلسطينيين أن يتحملوا عبء ذلك تنكيلاً وتشريداً ومصادرة أموال، ومنعاً من العمل وإلى آخر القائمة، ولا يوجد أحد يعترض على ذلك. فحينما يُنزل العقاب الجماعي على أكثر من مليونين من البشر جرّاء عملية يقوم بها رجل مجهول، فإنك لا تسمع اعتراضاً إلا من مسؤول صغير في دولة منسية من الدول الغربية فيتمنى على إسرائيل أن ترفع الحصار على الضفة الغربية مثلاً.. فما دام أن البعض من الفلسطينيين يقبل بأن يؤدي دور الحارس للأمن الإسرائيلي، وأن يكون غطاءً للإجراءات الإسرائيلية، وما دام أن هنالك قبولاً من قبل الأكثرية من الحكومات في العالم العربي بما يجري في فلسطين فكيف نُطالب الآخرين بأن يعترضوا؟!

ثم نجد أيضاً امتهاناً للكرامة الإسلامية حينما يتم الاعتراف الرسمي من قبل الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمةً (أبديَّةً) لإسرائيل، متجاهلين الارتباط الإسلامي بهذه المدينة المقدسة التي فيها مسرى رسول الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومسجد الصخرة. فتعترف الإدارة الأمريكية بالقدس المغتصبة ملكاً لليهود على قاعدة: «وهب من لا يملك، لمن لا يستحق» و«شر البلية ما يُضحك»، فالكونجرس منح ما ليس يملكه وهو «القدس» لمن لا يستحقه وهم يهود إسرائيل. ويبدو أنه في عصر الغطرسة الغربية لا يوجد في السياسة ما يجب إخفاؤه أو التغطية عليه، فتحدِّي الشعوب والسعي لإذلالها عن سابق تصميم وإصرار لا يثير لدى أصحابه أدنى شعور بالظلم.

فالغرب الذي ظلم اليهود في السابق من أجل نفسه، لا مانع لديه من أن يظلم المسلمين اليوم من أجل اليهود، فهو عالم قائم على العنف والتحايل والظلم والعدوان. فترى (الكونجرس الأمريكي) الذي يفترض أن يضم نخبة من القادة السياسيين الذين يفكرون في مستقبل العالم والبشرية، يتورطون في مخالفة الحق والمنطق جهاراً، وارتكاب الأذى الصارخ مجاناً من دون أن تكون فيه فضيلة من الفضائل الأخلاقية، أو حتى أدنى مصلحة لأمريكا، أو أية منفعة لأصحاب القرار سوى بالطبع إرضاء مصالحهم الانتخابية، وهكذا فإن الإدارة الأمريكية لا تمانع من المشاركة في الاغتصاب الاستيطاني في هذه المنطقة، باعتبار أن إسرائيل هي الولاية الحادية والخمسون لأمريكا، دون الإعلان عن ذلك.

فكما أن أمريكا تسمح لنفسها بأن تدفن الجنود العراقيين أحياء في حرب الخليج الثانية، وأن تقصف بيروت على رؤس الناس إبان تدخُّلها هناك، وأن تصادر أراضي هذه الدولة أو تلك ما دامت لها مصلحة في ذلك، على طريقة (الكاوبوي) في مواجهة السكان الأصليين من الهنود الحمر، فلماذا تمتنع عن ذلك على مستوى الأمم والشعوب؟ خاصة وأن الإعلام لديهم قادر على أن يحوّل الحق باطلاً، والباطل حقًّا، والمنفعة مضرةً، والمضرة منفعةً. وأن يصوروا أُناساً مسالمين مؤمنين كالمسلمين وكأنهم أعداء من دون أي سبب، وهم الذين يستفيدون منهم ومن أراضيهم ومن أموالهم؟

ترى كيف يقرر (الكونجرس) بما يشبه الإجماع نقل سفارة أمريكا إلى القدس، ويخصص مائة مليون دولار لتغطية نفقات النقل، في ذروة الهجمة الاستيطانية التي كان يقوم بها رئيس وزراء إسرائيل السابق؟!

إن ذلك يعني أنه لا فرق في صميم الموقف بين الولايات المتحدة الأمريكية، والمشروع الصهيوني في فلسطين. ويتم كل ذلك حتى من دون مشاورة الدول الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وليست المسألة مقتصرة على الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، بل يراد لإسرائيل أن تكون اليد الضاربة للغرب في منطقة الشرق الأوسط كلها، وفي الوقت نفسه العقل المفكر، والسيد المطاع.

ومن هنا نجد معاناة الجنوب اللبناني قبل تحريره في ظل الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، برًّا وبحراً وجوًّا، ولا أحد يلتفت إليها أو يتساءل عنها، وتتجدد هذه المعاناة باستمرار، وتأخذ أطراً مختلفة في كل مرة تعمد فيها إسرائيل إلى ضرب صمود السكان بغية تهجيرهم، وتحويل أراضيهم إلى منطقة محروقة كما يعترفون بذلك، ومع ذلك يجري الحديث عن السلام والأمن، ويُقصد به السلام لإسرائيل، والأمن لليهود، في حين تشهد الشواطئ الجنوبية الممتدة من جنوب صور، حتى القاسمية والصرفنة حصاراً قديماً تزامن مع وجود الاحتلال الإسرائيلي للبنان، وتعمل إسرائيل من وقت لآخر إلى تضييق هذا الحصار، وقد فعلت ذلك عام 1995م معطلة عمل الصيادين، ومعرضة حياتهم للخطر، حيث إن الزوارق المطاطية الإسرائيلية كانت تعمل دائماً على ملاحقة زوارق الصيادين والدوران حولها، في محاولة لإثارة الرعب، وتطلق النار لترهيبهم وتعطي الأوامر للصيادين بخلع ملابسهم، والنزول في الماء.

ومن جهة أخرى هنالك الاعتداء يوميًّا على الجنوب والبقاع الغربي بالمدفعية، والقصف، والتمشيط، وحرق المزروعات والكمائن وما شابه ذلك، ولا أحد يتحدث عن أمن هؤلاء وعن السلام لهم.

وهنالك أيضاً عانى في سجون إسرائيل العشرات من اللبنانيين، في حين لم يكن هنالك يهودي واحد معتقلاً في البلاد العربية كلها، ولو تم اعتقال مثله لأقام الغرب الدنيا ولم يقعدها حتى يتم إطلاقه.

إن إسرائيل والولايات المتحدة تطالبان بوقف الإرهاب والعنف، وكأن إسرائيل تخلّت بالفعل عن طائراتها، وفكّكت مفاعل ديمونة الذي ينتج القنابل النووية.

وكأن إسرائيل توقفت عن قصف فلسطين وجنوب لبنان، وسحبت قوات الاحتلال من الـ 17% من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية التي لا تزال تحت سيطرتها.

وكأن إسرائيل أزالت الحواجز العسكرية التي تعزل بها المدن الرئيسة الفلسطينية عن بعضها، وبالطبع لا أحد يسأل عن هؤلاء، بل نجد تأييداً غربيًّا لها في ضرب المدنيين فلقد نشرت (الإنديبندنت) بعددها (9778) -وهي صحيفة بريطانية رصينة- تقريراً حمّلت فيه الولايات المتحدة مسؤولية مقتل النساء والأطفال في (قانا)، وتوصّلت بعد بحث موسّع أجرته في دول شرق أوسطية، وواشنطن، أن إسرائيل تعمل على بناء ترسانتها العسكرية على حساب القوات العسكرية الأمريكية ذاتها، وذكرت الصحيفة أن معظم القذائف والصواريخ التي تطلق من الجو إلى الأرض، والتي أطلقتها القوات الإسرائيلية في عام 1996م في لبنان سُلّمت بالأصل للجيش الأمريكي، وليس لإسرائيل.

وأفاد تقرير أجراه مراسل الصحيفة في الشرق الأوسط (روبرت هيسك) أن هذه الذخائر نقلت من المخزونات العسكرية الأمريكية من دون أية قيود، وأوردت على سبيل المثال صاروخ (الغابر)الذي قتل في نيسان 1996م امرأتين وأربعة أطفال في سيارة إسعاف بجنوب لبنان، حيث باعته في الأصل شركة (مارتن ماريتا) في فلوريدا إلى قوات مشاة البحرية الأمريكية، ونقل في وقت لاحق إلى إسرائيل.

وأضاف مراسل (الإيندبيندت) أن الولايات المتحدة تلقّت في مطلع حزيران 1996م من إسرائيل طلباً للحصول على 98 ألف قذيفة مدفع من عيار 155 ملم، يبلغ سعرها الإجمالي 30 مليون دولار، هي كمية تزيد ثلاث مرات على القذائف التي ألقيت في لبنان خلال ثلاثة أسابيع من العملية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم (عناقيد الغضب) وقد وافقت اللجان البرلمانية في واشنطن على هذا الطلب، مع أن إسرائيل لم تقدم أي تفسير للأسباب التي تدعو إلى مثل هذا الطلب الضخم من الذخيرة، بعد ست سنوات من رعاية الولايات المتحدة لمبادرة السلام في الشرق الأوسط.

والغريب في ذلك أن تكاليف القذائف سوف تدفع من قيمة برنامج المساعدات العسكرية الذي تعهدت به واشنطن لإسرائيل، والبالغة رسميًّا مليار وثمانمائة مليون دولار في العام.

وقالت الصحيفة البريطانية: «إن عملية عناقيد الغضب، عند قصفها لجنوب لبنان في عام 1996م والتي أودت بحياة مائتي مدني لبناني وأربعة عشر عنصراً من أفراد المقاومة اللبنانية، استهلكت ما لا يقل عن ألف وسبعمائة قنبلة وصاروخ، نقلت كلها من المستودعات العسكرية الأمريكية إلى إسرائيل، بدون أي رادع أو تحريم لاستخدامها ضد المدنيين».

وأضافت: «أنه في الجلسات الخاصة يُعبِّر المسؤولون الأمريكيون عن قلقهم تجاه إساءة إسرائيل في استخدام الأسلحة الأمريكية، بما فيها صواريخ جو أرض الخاصة بقوات المارينز، والتي قتلت عشرات المدنيين في لبنان في السنوات الماضية».

وقالت: «إن عمليات نقل الأسلحة من الولايات المتحدة إلى إسرائيل أصبحت مسألة طبيعية، لا تحتاج إلى دعاية أو نقاش».

«وشكا بعض الأمريكيين من أن إسرائيل الآن تملك تفويضاً مطلقاً لنهب المستودعات الأمريكية، لإدراكها أن المتعاطفين معها في «كابيتال هول» (الكونجرس)، لن يثيروا أي تساؤلات حول استخدامها التكنولوجيا العسكرية الأمريكية ضد الدول العربية».

وتحدث البعض الذين أشاروا إلى أن معظم القذائف والصواريخ، التي استخدمت في عملية عناقيد الغضب، كانت تعود للجيش الأمريكي، تحدثوا عن آلاف الدبابات والأسلحة والمدفعية التي نزعت من مستودعات الولايات المتحدة في أوروبا خلال العشرين عاماً الماضية تمّ نقلها إلى إسرائيل، رغم الاحتجاج الخجول من قبل وزارة الدفاع الأمريكية.

وقال مسؤول عسكري أمريكي متقاعد، ممن لعب دوراً في نقل الأسلحة إلى الدولة العبرية: «إن وزارة الخارجية الأمريكية تستجيب لكل مطلب، أو رغبة إسرائيلية، وإن كل ما تريده إسرائيل تتم الموافقة عليه بلا مشاكل».

مشيراً إلى أنه لا يصاحب هذه العملية أية أسئلة، وتنفّذ في الحال، في الوقت الذي ينص القانون المتعلق بتصدير الأسلحة من الولايات المتحدة، على أن بيع أو تأجير الأسلحة للدول الصديقة يجب أن يتم بدواعي الأمن الداخلي، أو للدفاع المشروع عن النفس، وليس للعدوان على الآخرين.

وحسب مصادر وزارة الدفاع الأمريكية فإن الحكومة الأمريكية لم تقدم أية شكوى حول الغارات العسكرية على جنوب لبنان حتى الآن. وقالت (الإنديبندنت): إن الولايات المتحدة هي التي صنّعت القذائف التي أُطلقت على مقر الأمم المتحدة في قانا، متسببة في قتل مائة وتسعة لاجئين مدنيين من ضمنهم خمسة وخمسون طفلاً في 18 نيسان 1996م.

ويسود الاعتقاد أيضاً أن الصواريخ الأمريكية مسؤولة عن مقتل تسعة أفراد من عائلة واحدة، عندما أُطلق، في اليوم ذاته، صاروخ إسرائيلي على المبنى الذي يقيمون فيه في النبطية، وكان عمر أصغر ضحية في العائلة يومين فقط، وقال (هيسك) مراسل (الإنديبندنت): «إنه بعد أن نشرت (الإنديبندنت) صورة الصاروخ الذي قذف على سيارة إسعاف، لاحظ خبير أسلحة أمريكي أن الرمز المكتوب على الصاروخ يؤكد أنه صناعة (مارتن) في (فلوريدا)».

والتقى (هيسك) مع خبير أمريكي آخر في دولة أوروبية، حيث حمل معه دراسة أكدت أن الصواريخ التي أُلقيت في جنوب لبنان كانت مباعة للجيش الأمريكي، وليس لإسرائيل.

وقال محلل أمريكي لشؤون الدفاع: «إن كميات كبيرة من القذائف تنقل إلى إسرائيل ولا أحد يعلم عنها شيئاً».

وأضاف: «إن الأجهزة العسكرية هنا تريد التخلص من بعض الأسلحة القديمة، لكن هناك كمية كبيرة من القطع الجيدة تنقل من مستودعاتنا إلى إسرائيل، عبر (قنوات شرعية) حسب تعبيره، لكن من دون أن يسجلها أحد، ولا أحد أيضاً يثير تساؤلات حولها، ولا أحد يسأل عن كيفية استخدامها أو ضد من تستخدم؟ وإذا ما قتلت مدنيين أبرياء فإن الإدارة الأمريكية ستقول: إن انتقادها لإسرائيل سيدمر عملية السلام، مشيراً إلى أن كل التطمينات التي أعطيت لإسرائيل تقول: إنها لا تُمس، وتحتاج الأسلحة التي تنقل إلى إسرائيل إلى تقديم طلب مسبق إلى الكونجرس بحوالي ثلاثين يوماً، بالنسبة إلى معدلات التسلح الكبيرة التي تصل قيمتها إلى حوالي 14 مليون دولار، ولكن المعدات التي تقل قيمتها عن 14 مليون دولار فإنها لا تحتاج إلى ذلك. ولكيلا يتم إبلاغ الكونجرس فإن كثيراً من طلبات الأسلحة يتم تقسيمها إلى دفعات صغيرة، قيمة كل واحدة أقل من 14 مليون دولار، وتمر الصفقات من دون مراجعة الكونجرس».

وقال مسؤول عسكري سابق: «إن كل شخص في (الكونجرس الأمريكي) يعرف أن تحدي إسرائيل لا يخدم مستقبله السياسي الانتخابي». وأضاف: «إن اللّوبي الإسرائيلي يتمتع بنفوذ قوي، ويضمن عدم توجيه أي نقد للدولة العبرية».

وقال (هيسك): «إن كلمة (مصنفة) كثيراً ما تستخدم في الوثائق العسكرية الأمريكية في موضوع الأسلحة المنقولة إلى إسرائيل، وأن أرشيف الأمن القومي يتضمن تعبيرات كثيرة من هذا النوع والتي تعني: «أُقر نقلها شرعيًّا إلى إسرائيل لكنها غير مسموحة للعامة»، مشيراً إلى أنه لا أحد في واشنطن يستطيع تفسير أسباب طلب إسرائيل ثمانية وتسعين ألف قذيفة ويتساءل: هل تكون لضرب مدن الضفة الغربية؟ مع ظهور بوادر انتفاضة جديدة، أم أنها لضرب لبنان في المستقبل؟ فالقضية ليست مهمة ما دام الذين سيقتلون بها هم من المسلمين والعرب».

وأفاد (هيسك) أنه بالرغم من تحقيقات وزارة الخارجية حول قوانين بيع الصواريخ الأمريكية، التي استمرت أربعة أسابيع وشملت ثلاثين مكالمة هاتفية أعطت رمز الصاروخ الذي قتل ضحايا سيارة الإسعاف في 31 نيسان وتأكد أنه صناعة أمريكية، إلا أن أية منها ما وجدت نفسها قادرة على الإجابة عن أسئلة صحيفة (الإنديبندنت). وأضاف: «إن وزارة الدفاع زعمت أن وزارة الخارجية هي المعنية بالرد على الأسئلة، فيما قالت الخارجية إن الأسئلة يجب أن ترد عليها وزارة الدفاع. وهكذا ضاعت أرواح شهداء لبنان ما بين وزارة الخارجية الأمريكية وما بين وزارة الدفاع، أما إسرائيل فبقيت في منأى من أيّ تساؤل؟».

والسؤال الأساسي هنا الآن: إلى أين من هنا؟

* * *

هذا هو الواقع الموجود: فإسرائيل قوة بحجم المنطقة، والولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص، والغرب بشكل عام معها، وهي ظالمة. والعرب مشتتون، والأمة الإسلامية غير متفقة على عمل، فهل معنى ذلك أن الوضع سيستمر؟

لا شك في أن هذا الوضع القائم سيستمر مادامت الأمور كما هي عليه. لكن المسلمين ومن ضمنهم العرب، يملكون إمكانات تغيير الواقع عندما يتغير شيء ما في نفوسهم، فيقومون بتغيير الواقع بجدية عملية، وليس بهزلية شعاراتية.

إن الله عز وجل خلق هذه الحياة دار صراع وتنافس، وأعطى الجميع القدرة على ذلك. ومن كان ضعيفاً اليوم قد يصبح قويًّا غداً..

إن هنالك حقيقتين:

الأولى: أن الغلبة للقوة.

الثانية: أن كل الأطراف يمكن أن يصبحوا أقوياء. فإذا كانت إسرائيل قوية اليوم، فلا يعني أن المسلمين سيبقون ضعفاء إلى الأبد.

ثم إن كل عنجهية إسرائيل لم تستطع أن تسلب من الأمة إرادتها في التحرر، بل إن إسرائيل فشلت حتى الآن في التطبيع مع أولئك الذين يعيشون تحت احتلالها منذ عام 1947م. والأمة تملك إمكانات هائلة، فمن جهة يزداد المسلمون عدداً في القرن المقبل، فإذا كانوا اليوم يشكلون خمس البشرية جمعاء فإنّه سوف يتجاوز عددهم المليارين في القرن القادم.

ومن جهة أخرى فإن سرعة انتشار الدين الإسلامي هي الأولى، بالقياس إلى المسيحية وبقية الديانات، إذ إن الإسلام ينمو بمعدل 15%.

كما أن المسلمين أصبحوا قوة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

ومن الناحية الحضارية فإن الحضارة آخذة بالانتقال من الغرب إلى جنوب شرق آسيا حيث ليس لليهود نفوذ فيها، مما يجعل يد اليهود ضعيفة في المستقبل.

ثم إن مجانبة القيم، ومن ضمنها قيمة العدالة والحق، تجعل إسرائيل ضعيفة، بينما كون الحق إلى جانب المسلمين يجعلهم أقوياء، وهذا أمر لا شك فيه.

ونستطيع أن نقول: إنه مع اقتراب المسألة إلى درجة اليأس المطلق، فإن الحل الوحيد للخروج من النفق المظلم سيجده المسلمون في العودة إلى الأصالة، والرجوع إلى الذات، والاضطلاع بمشروعهم الحضاري بعيداً عن الاتكال على الآخرين في مثل ذلك.

إن اليأس عما في أيدي الناس -حسب تعبير الأحاديث والروايات- الذين لا يردون حقًّا ستكون عاقبة وضع المسلمين، وسيقول هؤلاء: إنا إذا تغافلنا وبقينا ننتظر من العدو أن يرحم، ومن الخصم أن يعدل، ومن الظالم أن يترك ظلمه، ومن الطاغوت أن يُنهي حكمه؛ فإن انتظارنا سيطول، وسوف يبدأ هؤلاء بترتيب أوضاعهم بالاعتماد على أنفسهم، وتغيير ما بأنفسهم وحينئذٍ يتغير ميزان القوة بينهم وبين إسرائيل.

ولابد هنا من أن نضيف أن حماقات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وتطرفهم ستؤدي إلى ضعف الدولة العبرية في نهاية المطاف.

إن الحديث الشريف يقول: «الحمد لله الذي جعل أعداءنا من الحمقى». وهذا ينطبق بالتأكيد على التطرف الإسرائيلي، فبعد أن وصل الحكام العرب إلى حافة القبول بإسرائيل كدولة صديقة في المنطقة أدى التطرف الإسرائيلي إلى أن يهربوا منها ويؤيدوا المقاومة لها. لقد قبل بعض العرب أن يؤدوا دور الموتى لكن العدو رفض أن يسمح لهم بأداء هذا الدور، ولم يبقَ أمامهم في الدفاع عن حقهم، واسترداد أرضهم، إلا أن يعودوا إلى الحياة ويؤدوا دور الأحياء.

لقد صدق الإمام علي (عليه السلام) الذي قال:

«خفْ من الضعيف إذا كان تحت راية الإنصاف، أكثر من خوفك من القوي وهو تحت راية الجور، فإن النصر يأتيه من حيث لا يشعر، وجرحه لا يندمل».


ارسل لصديق