الإشكالية الثقافية والمرجعية القرآنية*
كتبه: الشيخ عبد اللطيف الشبيب
العدد (47) السنة 22 - 1432هـ/ 2011م
التعليقات: 0
القراءات: 1956

(1)

في رواية يرويها المحدّث المجلسي (رضي الله عنه) في بحاره في إسناده إلى جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ فِي زَمَانِ هُدْنَةٍ وَأَنْتُمْ عَلَى ظَهْرِ السَّفَرِ وَالسَّيْرُ بِكُمْ سَرِيعٌ؛ فَقَدْ رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ، وَيُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ، وَيَأْتِيَانِ بِكُلِّ مَوْعُودٍ، فَأَعِدُّوا الْجَهَازَ لِبُعْدِ الْمَفَازِ.

فَقَامَ الْمِقْدَادُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! مَا دَارُ الْهُدْنَةِ؟.

قَالَ (صلى الله عليه وآله وسلم): دَارُ بَلَاءٍ وَانْقِطَاعٍ فَإِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ. مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ، وَهُوَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى خَيْرِ سَبِيلٍ، وَهُوَ كِتَابُ تَفْصِيلٍ وَبَيَانٍ وَتَحْصِيلٍ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، وَلَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، فَظَاهِرُهُ حِكْمَةٌ، وَبَاطِنُهُ عِلْمٌ، ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لَهُ نُجُومٌ، وَعَلَى نُجُومِهِ نُجُومٌ، لَا تُحْصَى عَجَائِبُهُ، وَلَا تُبْلَى غَرَائِبُهُ، فِيهِ مَصَابِيحُ الْهُدَى، وَمَنَازِلُ الْحِكْمَةِ، وَدَلِيلٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ لِمَنْ عَرَفَه»[1].

لكي نتعرف على حقيقة المشكل الثقافي لابد من وضع فواصل وميزات تميز لنا نوع المشكل الثقافي الذي نعيشه، ولعلنا نُصنفه إلى أصناف أو أنواع ثلاثة من جملة التصانيف:

النوع الأول: المشكل الثقافي الذي نبع من صميم الواقع الاجتماعي الذي نعيشه وننتمي إليه، سواءً كان واقعًا إقليميًّا أو مذهبيًّا أو أمميًّا تعيشه الأمة ككل، إلا أن الجامع الذي يجمع كل هذه المشاكل أنها تنبع من صميم واقعنا وليست مفروضة علينا.

النوع الثاني: مأزق ثقافي تعيشه فئة أو نخبة أو طليعة من الناس، هذا المأزق ليس بسبب أنه مأزق الأمة أو المجتمع بقدر ما هو مشكل تعرفت إليه هذه الفئة أو النخبة من خلال احتكاكها بالواقع الثقافي العالمي أو بواقع الكتاب أو الإعلام، فقد يصور لنا البعض قضايا ومآزقَ ثقافية ويفرضها على المجتمع بصورة عامة ويطالبنا بإيجاد حلول لها ويجعل القرآن مرجعًا لها، بينما ليست المشكلة أساسًا نابعة من صميم واقعنا الاجتماعي بقدر ما هي خليقة تفكير هذا المثقف أو المحيط الذي يعيشه هذا المثقف.

النوع الثالث: الثقافة التي تصدّرها إلينا وسائل الإعلام وتفرضها علينا، إذ لم تعد الطريقة التي يريد الآخر أن يُصدّر ثقافته وفكره ومآزقه محصورة بقناة في الأعلام، أو كما في العقود السابقة أن يربّي الآخر مجموعة من المثقفين على مبانيه الثقافية وعلى أساليبه وقناعاته ثم يصدّرهم إلى مجتمعاتنا ليبثّوا مواقفَ أو أفكارًا وثقافات لا تمتّ لواقعنا بصلة لكنها تمتّ لواقع الآخر، ولكنه اليوم استغنى عن هذه الطريقة بطريقة الثقافة للجماهير، فاليوم في بيت كل واحد منّا مصدر تثقيف شئنا أم أبينا، وصرنا نتعاطى مع المشاكل التي تُطرح وتُناقش في وسائل الإعلام كأنها مشاكل وقضايا نابعة من صميم مجتمعنا، بينما لو فتشت في الساحة الاجتماعية العامة لا تجد لهذه المشكلات أو القضايا أي أثر أو أي خبر.

إن الطبقة الاجتماعية العامة لا تعتني بشيء من هذه المشاكل، إلا أنهم يرونها في القنوات الفضائية وفي المجلات والدوريات والإعلاميات وبالتالي يظنون أنها مشكلة يعيشونها، وهي أشبه شيء بالترف الفكري.

حين نقسّم المشاكل إلى هذه الأقسام الثلاثة، لا لكي نعالج قسماً ونترك القسم الآخر، بل نحن بحاجة إلى فرزها لسببين مهمين:

السبب الأول: أن نتعرف على المشكل الأهم الذي يضغط علينا بإلحاح ونحتاج إلى معالجته، وهو المشكل الذي ينبع من صميم مجتمعنا ويمتّ إلى واقع أرضنا، فإذا فرغنا من معالجته وصار لدينا الوقت الكافي والفرصة لمعالجة بقية الأزمات فيها، أما أن ننشغل بمعالجة مشاكل وإشكاليات ثقافية تمتّ للواقع الآخر ولا تمتّ إلينا بصلة فهو نوع من الترف، بل نوع من الانشغال الذي يُريد الآخر أن يشغلنا به.

السبب الثاني: لأن طريق العلاج من مشكل لآخر يختلف، فلا يمكنك أن تعالج كل الإشكاليات الثقافية باختلاف منابعها وباختلاف أرضها بأسلوب واحد. أسلوب المعالجة للمشكل الثقافي الداخلي يختلف عن أسلوب المعالجة للمشكل الثقافي الذي تعيشه طائفة ما أو مذهب ما، والأسلوب الذي تعالج به المأزق الثقافي الذي تعيشه طائفة يختلف عن الأسلوب الذي تعالج فيه مشكلاً تعيش فيه الأمة.

ينبغي علينا أن نتذكر دائمًا أن الأمم حين تنتصر سياسيًّا تنتصر ثقافتها بالتبع وتسود ثقافتها الأمم، وحين تنهزم الأمة سياسيًّا تنقل هذه الهزيمة أيضًا إلى واقعها الثقافي، وستعود ثقافتها منهزمة بالتبع، منهزمة عند كل فرد من أفراد الأمة قبل أن تكون منهزمة عند الآخر. لاحظوا حين تنهزم دولة ما أو أمة ما أو حركة ما أو دعوة ما أول فعل يتصدى له القائمون على هذه الدعوة أو الحركة أو الدولة.. هو مراجعة بُنيتهم الثقافية علَّهم يجدون من خلال ثقافتهم ما يبررون به هزيمتهم، وآخر ما يلجأ إليه هو معالجة السلوك لدى القائمين لأن أفضل الطرق هو التعليق على شماعة الغير، هل نحن في زمن نعد أمة أو طائفة أو مجتمع متقدماً سياسيًّا وبالتالي ثقافتنا تسود الأمم لا تسودنا فقط؟.

الواقع يعكس غير ذلك، وبالتالي يحتاج حين نراجع ثقافتنا بين المراجعة التي تمليها علينا هزيمتنا السياسية وبين المراجعة التي تمليها علينا المشاكل الواقعية، قد يتراجع إنسان عن فكرة أو ثقافة أو عقيدة تبنّاها لسنوات، لا لأن الفكرة تشكو من خلل، ولا لأن الثقافة تشكو من عقدة، لكنها هزيمة صوّرت له أن العقدة في ثقافته فراح يحاول التخلص منها علّه يستطيع أن يصل بثقافة أخرى مطورة إلى النصر السياسي.

نحن بحاجة إلى استجلاء أثر الصراع مع الغرب في مشكلنا الثقافي في الوقت نفسه الذي ننفي فيه نظرية المؤامرة، حيث كثيرًا ما يُتّهم الإسلاميون بأنهم يرفعون هذا الشعار دائمًا، نحن لا نريد أن نُرجع كل خطأ وكل إشكال إلى مؤامرة الغرب علينا، أيضًا حين ننفي نظرية المؤامرة لا نريد أن ننفيها بشكل قاطع ومطلق بحيث نعتقد أن الغرب في صراعه السياسي مع هذه الأمة لا شأن له بثقافتها ولا شأن له بفكرها ولا شأن له بعقيدتها.

إنه خطأ محض أن نتصور أن الغرب الذي يشنّ علينا الحرب بكل سبيل ينسى الطريق الثقافي وينسي المشكلة الثقافية. وحين نحاول أن نراجع ثقافتنا ونعرضها على القرآن الكريم علينا أن نستجلي ونستوضح أين أثر الصراع مع الغرب في مشكلنا الثقافي؟، وبعبارة أوضح: أين المواضع التي يريد الآخر أن يجعل عليها علامة استفهام في ثقافتنا وفكرنا لأنها قضايا تمس واقعه أو لأنها قضايا تشكل المحور الأساسي في ثقافتنا التي تتصارع مع الآخر؟.

(2)

أما حين نريد الحديث عن مرجعية القرآن الكريم في عرض مشكلنا الثقافي عليه فإن هذا الحديث يعتمد على بلورة مجموعة من النقاط:

أولاً: ما أسميته بأرضية التعاطي مع القرآن الكريم، هل هي أرضية تنبع من أن هذا القرآن نص سماوي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ أم أنه نتاج -وهذا تعبير بعض المثقفين العرب-، ثقافة أرضية صاغها فكر بشري. وبالتالي هذه النظرية تحدد لنا نمط العلاقة مع القرآن الكريم، حين نتعاطى مع القرآن على أنه نص سماوي لا يقبل الرد ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ[2]، منهج يعتمد على القبول المطلق لكل ما يستنبط من هذا القرآن، أم إنك تتعاطى مع هذا القرآن على أساس أنه ثقافة أرضية قابلة للتقويم وبالتالي قابلة لأن يأخذ منها شيء ويُترك منها شيء.

ثانيًا: هل ننظر إلى القرآن -وهو مأزق يثيره البعض أيضًا- على أساس نظرية الخاتمية والهيمنة؟، أم أننا ننظر إليه على أساس أنه نص نابع من ثقافة أرضية؟، أو من ثقافة سماوية لكنه مؤطر بزمان معينُ وهو الزمان الذي بُعث فيه خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)؟.

الذي نقوله هنا ليس ترفًا بل مجموع من النظريات طُرحت في بعض الكتابات، بينما لو راجعنا مراجعة بسيطة نجد هذا التعبير، كما في الحديث عن الرضا (عليه السلام): «هُوَ حَبْلُ الله المَتِينُ، وَعُرْوَتُهُ الْوُثْقَى، وَطَرِيقَتُهُ المُثْلَى، الْمُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ، وَالمُنْجِي مِنَ النَّارِ، لَا يَخْلُقُ مِنَ الْأَزْمِنَةِ، وَلَا يَغِثُّ عَلَى الْأَلْسِنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ لِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، بَلْ جُعِلَ دَلِيلَ الْبُرْهَانِ وَحُجَّةً عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ»[3].

وفي نص آخر عن الصادق (عليه السلام) وقد سُئل: «مَا بَالُ الْقُرْآنِ لَا يَزْدَادُ عَلَى النَّشْرِ وَالدَّرْسِ إِلَّا غَضَاضَةً؟.

فَقَالَ (عليه السلام): لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَجْعَلْهُ لِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَلَا لِنَاسٍ دُونَ نَاسٍ، فَهُوَ فِي كُلِّ زَمَانٍ جَدِيدٌ وَعِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ غَضٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[4].

هذه النصوص ومثلها كثيرًا تؤكد أن القرآن الكريم يجب أن يُقبل كنص سماوي مهيمن.

ثالثًا: هل نطالب النص القرآن بعلاج المشكل الثقافي بأقسامه المتعددة؟، أم أن هناك مشكلات أنتجتها ظروف لا تتصل بهيمنة القرآن وسيادته؟، ومن ثم لا يصح بمطالبة القرآن بمعالجتها الجزئية، بل المطلوب معالجة الظروف وإرجاع الهيمنة للتعاليم القرآنية، ثم يُحل المشكل تلقائيًّا، فلا يخفي أن كثيرًا من المجتمعات لا تسودها ثقافة القرآن ولا يهيمن على سلوك أبنائها القرآن، خلقت في أوساطها مجموعة من الإشكاليات الثقافية، ليس مطلوبًا من القرآن أن يعالج كل جزئية من هذه الجزئيات لأنها لم تُفرز نتيجة هيمنة القرآن، بل أفرزت نتيجة هيمنة ثقافة أخرى، والمطلوب هو معالجة الظرف ككل.

رابعًا: إن عملية الرجوع إلى القرآن الكريم لكي تتم في مسارها الصحيح ينبغي أن تكون ضمن المقاييس التالية:

1- النص القرآني كلٌّ لا يتجزأ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ[5]، فيجب النظر إلى القرآن على أساس أنه وحدة متكاملة ومنظومة متكاملة تعالج قضايا متكاملة.

2- توأمية الكتاب والسنّة، أما تكرار المقولات التاريخية التي تقول: «حسبنا كتاب الله» والتي تتكرر اليوم على ألسنة بعض المثقفين حين يطالبوننا بالرجوع إلى القرآن كنص ظاهر بعيدًا عن كل تفسير للقرآن من ألسنة مطلقًا سواءً كانت سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو السنّة التي خلّفها في الأمة -أعني أهل البيت (عليهم السلام)-، فإن الرجوع إلى القرآن تحت شعار «حسبنا كتاب الله» لا يصحّ إلَّا مع جعل السنّة بشطريها.

3- معرفة أدوات الاستنباط أيضًا ضرورة في عملية الرجوع، اللغة وآدابها، علوم القرآن، علوم الحديث، أدوات استنباط ينبغي لمن يريد الرجوع للقرآن الكريم أن تكون حاضرة عنده.

4- أن يتمتع المراجع للقرآن بروح إيمانية تسليمية لأن القرآن فيه شفاء وفيه هدى ولكن للمتقين، أما الظالمين فلا يزيدهم إلا خسارا، فالروح التي تراجع القرآن روح استيعابية، روح مُسلِّمة للقرآن.

--------------------------------------------------------------------------------

* ورقة مقدمة لمؤتمر القرآن وتحديات العصر، نظمه منتدى القرآن الكريم ما بين 20 - 21 يناير 1998م.

[1] بحار الأنوار: ج89، ص17.

[2] سورة القصص، آية: 68.

[3] بحار الأنوار: ج17، ص210.

[4] بحار الأنوار: ج17، ص213.

[5] سورة الحجر، آية: 91.

الشيخ عبد اللطيف الشبيب

عالم دين، مختص بالشأن القرآني، أستاذ الدراسات العليا في حوزة القائم العلمية - السعودية.ولد عام 1384هـ، التحق بحوزة القائم العلمية في طهران، وأخذ علومه ومعارفه على يد جملة من فضلاء الحوزة العلمية في طهران، وسوريا، نذكر منهم: الفقيه العارف آية الله السيد محمد كاظم المدرسي، المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي (خارج الفقه والأصول)، آية الله الشيخ محمد علي الفاضل (خارج الأصول)، آية الله الفقيه السيد عباس المدرسي.

توفي العلامة الشبيب، في العام 1422هـ، مخلفًا تراثًا علميًّا وفكريًّا، صدر له العديد من المؤلفات نذكر منها: (قبساتٌ من حياة الزهراء، الموت بصائر وأحكام، الصوم آدابه وأحكامه، المثقف وأمانة الكلمة)، كما صدر له (بصائر من التشريع الإسلامي) في أربعة مؤلفات بالاشتراك مع الشيخ محمد العليوات.



ارسل لصديق