الأزمة المالية العالمية... أزمة حضارة
كتبه: المرجع الديني السيد محمد تقي المدرّسي
العدد (44) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 1686

مدخل

إذا طغى الماء كيف يمكن أن تكبح جماحه؟!، أوليس بالتراب وبالسدود العالية؟. وحينما تطغى النار لا يمكن أن يكبح جماحها إلاّ بالماء، وحينما يطغى الهواء يُكبح جماحه أيضاً بما يسده من تراب وصخور عالية.

السؤال المطروح: حينما تطغى المادة على الروح، وحينما ينتشر الفساد في الأنظمة المادية؛ هل يمكن أن يعالج بشيء غير القيم، غير الأخلاق؟.

العالم اليوم ابتُلي ومنذ قرون بطغيان المادة، ولكن دون أن يكون هنالك ما يمكن أن يكبح جماح المادة من الأخلاق والقيم والقضايا الروحية، إنما يحاول البعض أن يعالج الفساد المادي بما هو أشد فساداً.

الحضارات والأنظمة المادية

في القرون الخالية كانت تتقاسم العالم حضارتان: في الغرب يونانية، وفي الشرق فارسية. وهنالك في الغرب كانت مشاكل مادية؛ طغيان وفساد، فحاول البعض أن يحل مشاكل المال بالاشتراكية وبالنظام الشمولي ففشلوا. وفي الشرق أيضًا كانت الملكية، فقاربوا الاشتراكية من أجل معالجة مشاكل الرأسمالية، فغُلِبَت وعادت الأنظمة الرأسمالية المدعومة بالدكتاتورية الملكية.

وفي القرون الثلاث الماضية حينما بدأت الثورة الصناعية في الغرب كانت الرأسمالية هي السائدة، ولكن حينما طغت ووقعت في أزمات حاول البعض معالجة تلك الأزمات بالاشتراكية، فولدت الاشتراكية من أزمة الرأسمالية. ولكن هل عالجت الاشتراكية الأزمات حينما تحوَّلت إلى دولة في روسيا، في الاتحاد السوفيتي.. هل استطاعت أن تكبح جماح المادة وطغيانها؟.

كلاّ؛ اليوم العالم يسير في الاتجاه، ما الفرق بين الرأسمالية والاشتراكية؟ مادامتا قد ولدتا من رحم واحد، ذلك الرحم هو رحم المادة.

الأزمة التي تعصف اليوم بالاقتصاد الأمريكي والعالمي، ليست أزمة عادية، وإنما هي أزمة حضارة، ينبغي أن نقف عندها ونقرأها بعين البصائر القرآنية، ووفق السنن الإلهية التي لا تتبدّل.

نعم!.. للأزمة بعدها الاقتصادي الذي يكشف عن خطورة الربا على الاقتصاد على المدى الطويل، ويكشف عن خلل في إطلاق الحرية للسوق.. لذا كانت المعالجات الاقتصادية المتداولة من خارج المدرسة الرأسمالية.. لكنه بات واضحاً أن عمق جذور الأزمة يطال الأرضية الثقافية المادية التي تتكئ عليها المدرستان الاشتراكية والرأسمالية.

إننا نقرأ المشهد الأمريكي والعالمي اليوم، فيما يختص بهذه الأزمة، بأن هنالك طبقةً غنية هي التي تُدير البلاد عبر الرأسمال، فهذه الطبقة حكمت الدولة عبر الانتخابات التي تبدو حرة في الظاهر، ولكنها محكومة بالإعلام، وبأنظمة هي من صنع الطبقة الغنية نفسها، ومحكومة أيضاً بالفساد المالي والتضليل الإعلامي. هذا النظام بدأ يظلم الناس ويطغى، سواء في داخل إطار دولها أو خارجه.. فسعي قُوى الرأسمال أن تتحكم بقوة الإعلام وبقوة السلاح وبقوة الاقتصاد.. بقوى كثيرة.. أن تتحكم في ثروات ومصير الشعوب، وتستخدم كل إمكاناتها من أجل إشباع الرغبة الجامحة التي لا تحد، من أجل المال والشهوات والأهواء..،.

كانوا يعبدون المال، يعبدون العجل الذي عبده بنو إسرائيل.. وتُكرَّس الثقافة المادية التي تهدف جمع المال بوصفه غايةً عُليا، كما تُمجِّد القوة والأنانية الفردية.

وهكذا فالمقياس ليس سعادة الناس.

لذا نجد قارة بكاملها كأفريقيا مهددة بالزوال والدمار بالحروب والأمراض بالمجاعات؛ لأن جشع أولئك الأغنياء لا يتوقف عند حد. وعندما قررت الأمم المتحدة محاربة المرض في أفريقيا بثلاثين مليار لم يدفعوا منها إلا شيئاً قليلاً. ولكنهم اضطروا أن يدفعوا اليوم سبعمائة مليار دولار بسبب طغيانهم، والأرقام تتوالى.

واضح من التحليل النظري والتجربة التاريخية أن التعويل على قدرة المصالح الذاتية في تحقيق المصالح العامة للمجتمعات ضمن ميكانيزم السوق التنافسية، وبعيداً عن القيم الإنسانية ومفاعيلها القانونية، هو خطيئة استراتيجية في التفكير المادي، بل إن الحرية المطلقة سمحت بتحويل تسلط الأغنياء إلى حالة قانونية في داخل الدول الغربية، وأسست للاستعمار وللشركات العابرة للقارات لتهيمن على شعوب أخرى.

أزمة حضارة وليست أزمة عابرة

هذا الفساد في المال لا يمكن أن يعالج بتدخل الدولة، لأن هذا التدخل هو التدخل نفسه الذي برَّر الأنظمة الاشتراكية من قبل، فالأنظمة الاشتراكية لم تولد من فراغ، إنما وُلدت بسبب أزمة في الرأسمالية، سببها الفساد الرأسمالي وطغيانه، وهذا الطغيان الذي حدث في الأنظمة الرأسمالية أوحى لبعض الناس باختيار التدخل، وفي البدء كانوا يريدون أن يتدخلوا بصورة محدودة، ولكن الأزمة اتسعت وكبرت مثل كرة الثلج مما دفعهم إلى أن يزدادوا تدخلاً إلى أن أسسوا دولاً ذات نظام شمولي يتدخل حتى في أخص خصوصيات الناس..، وواضح أن إشكالية الاشتراكية أيضاً تتجاوز عجزها في خلق اقتصاد تنافسي ومرن إلى اتِّكائها على الأرضية الثقافية المادية.

والشرق حينما تنازل عن الاشتراكية تلقفها الغرب، ليس لإيمان بها، ولكن بسبب أزماته.

والتدخل الحاصل في أمريكا في أمور الرأسمال، وهو بالنسبة إليهم شيء لا يمكن أن يُقبل في النظام الرأسمالي، اضطروا إليه ظناً منهم أنه السبيل لحل الأزمة الحالية، لكنه لم يتوقف ولن يتوقف، وقد بدأ يتدحرج ككرة الثلج نحو أوروبا وغير أوروبا وهو بداية أزمة كبيرة، تكشف عن أزمة الحضارة.

الذي حدث في الاتحاد السوفياتي السابق كان أزمة حضارة، والذي يحدث في أوروبا اليوم أيضًا هو أزمة حضارة، وهي ليست أزمة حضارة رأسمالية أو اشتراكية، وإنما أزمة حضارةٍ تعبد المال، ولا تعبد الله، تعبد من دون الله عجلاً كعجل بني إسرائيل.

إن هذا الإنسان قد اصطلم تجارب مُرَّة اختلفت أشكالها لكنها في الجوهر ذات محتوى واحد.. ففي يوم ما كان الإقطاع مشكلة الإنسان الذي يحتكر الثروة، وحين تهاوى الإقطاع ظهرت الرأسمالية واقتصاد السوق لتكون الثروة دُولة بين نخبة من الأغنياء، ولما جاءت الاشتراكية كان المستبد بالثروة هي الدولة الشمولية.. وتتعدد الصور ويبقى المال وطبيعة علاقة الإنسان معه هو الجوهر.

إن الحضارة البشرية أشبه ما تكون بجسم عملاق ذي رأس صغير!، فالتطور العلمي أتاح للبشر آفاقاً واسعة لكن الإنسان بقي هو -من حيث العقل والأخلاق- لم يتقدم بصورة موازية للتقدم العلمي.

ومن البديهي أن تراجُع البشرية لا يكمن في التطور العلمي والاستفادة من طاقات الأرض والكون، وإنما في التفكير المادي المحدِّد لأنماط السلوك مع الإمكانات النهضوية. فالسجلات لتزدحم بتسجيل براءات الاختراع والاكتشاف دون أن يسهم ذلك في توفير السعادة للبشرية، بل إن التفاوت الكبير بين التطور العلمي ودرجات كبح هذا التطور يسهم في جعل الأمور أكثر سوءاً. إن البشرية اليوم تتسابق مع الزمن لكنها تفتقر للغاية العقلانية والأخلاقية التي تُعطي سعيها معنىً إنسانيًّا. نعم؛ فقد تقدَّم الإنسان في هذا العصر في عالم الماديات وتضاءل في المعنويات.

إن القيمة الواقعية للثروة والقوة تتحدد بنوعية الهدف الذي يحققانه. وتكمن مشكلة البشرية عبر التاريخ في تحول الثروة والقوة والسلطة إلى هدف يُبرِّر تجاوز القيم الأخلاقية.. وهذه الأمثولة كما نجدها في الأفراد فهي تتمثل في الأمم والمدنيات، ولقد حوى التأريخ أمثلة كثيرة جدًّا بالنسبة للأفراد أو الحضارات التي درستها الثروة وأصبحت وبالاً عليها.

ولقد عدَّ مؤرخون كـ(تويمبي) وغيره أكثر من عشرين حضارة عبر التأريخ،ودرسوا عوامل تفوقها وأفولها. وقبلهم كانت آيات القرآن الحكيم قد بيَّنت جميع السنن الإلهية في نهاية الحضارات وسقوطها.. وكانت كلها قد أجمعت الرأي على أن الحضارات القائمة على أساس الطغيان والاستعلاء وعبادة المال والقوة، محكومة بالفشل مسبقاً؛ إلاّ أن الأمر الذي أطال عمر بعضها دون بعض هو مستوى الظلم الذي تمارسه.

وجدير بنا أن نتأمل الآيات القرآنية من سورة القصص وهي تحكي قصة قارون، حيث خسف الله به وبماله الأرض حين استكبر وخرج على الناس بزينته، ليستقطب الضُّعفاء من الناس بعيداً عن منهاج السماء وقيادة الأنبياء؛ لكي نستوحي منها دروساً وعبراً فيما يرتبط بأوضاع بلادنا.

الرؤية المادية للحياة

إن قصة قارون تحكي أثر الثروة و ميكانيكيتها في المجتمع. وهذه العبرة التي تكشفها الآيات تتجلى فائدتها في تمثلها في أنفسنا أفراداً وجماعاتٍ بشريةً.

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى مستبصراً، وحينما أنعم اللَّـه عليه نسي نفسه، معتمداً التآمرَ حتى ضد الرسالة الإلهية، وطغى به المال ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ، المفاتيح فقط كانت كثيرة فكيف بالكنوز!.

أما الثلة المؤمنة من قومه، الذين كانوا ما يزالون على النهج القويم، فقد نصحوه ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ، والفرح بمعنى الغرور، نتيجة الشعور بحالة الإشباع، فيختل التوازن ويحدث انقلاب في غايات النعم، فيتحول المال إلى غاية، ويصبح إلهاً يُعبد من دون الله، ﴿إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ. فالفرح والاستعلاء والاستهتار ينتهي إلى الفساد في الأرض، واللَّـه لا يحب المفسدين. فاعتبار الثروة غايةً ذات قيمة ذاتية، كما أنه يشوّش الرؤية لحقيقة حكمة الخلق؛ فإن مجرد اتخاذ الثروة هدفاً ذاتيًّا يؤدي إلى الطغيان.. والله يغضب على الذي يعتمد على المال والقوة والإعلام دون أن يتوكّل على ربه، ويجعل ذلك بديلاً عن القيم.

التفكير في إسعاد البشرية

إن غاية النعم الإلهية الشكر الذي يعني تقدير النعم والاعتراف بحقيقتها ومنعمها، وتجلياته أن تستثمر في أهدافها الواقعية التي ترسمها حكمة الخلق.. وهكذا هي تذكرة المؤمنين ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، الدنيا جزء من حياتك، والجزء الأكبر هو الآخرة، ونصيب الآخرة هو في النفع العام والإحسان بعمارة البلاد وخدمة العباد، ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، ولكن مادمت تملك الفائض من المال، فهذا الفائض استخدمه في سبيل الله.

وهكذا؛ لو كانت الدول المتقدمة بما تملك من إمكانات تُفكِّر في إسعاد البشرية -في أفريقيا وآسيا وفي مناطق أخرى- تفكيراً شموليًّا إنسانيًّا من أجل البشرية لوفَّرت على شعوبها أزمات التفكير المادي وشقائه.

إن النعم الإلهية ذات بعدين؛ فحين تُؤطَّر بالشكر وتستثمر في الإحسان ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ باعتبار أن النعم جزء من الإحسان الإلهي إليك، مما يدعوك إلى استخدام نفس الأسلوب مع الآخرين.. فإن ذلك يُديمها ويعمم نفعها على البشرية.

والبعد الآخر حين يُجانب الإنسان الشكر؛ فالمآل الفساد في الأرض، لذا كانت نصيحة المؤمنين الذين أوتوا العلم لقارون ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، فالمال حينما يطغى بالإنسان يدفعه نحو الفساد. فالإنسان كلما ازداد مالاً ازداد جشعاً، وفي سبيل زيادة المال يستخدمه كقوة يبتز بها الآخرين أشياءهم، و﴿إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ المفسد لا يحبه الله، وحينها لا تحبه الطبيعة.. وهكذا تنزاح عنه بركات الأرض والسماء.

ضرورة العلم بالتاريخ والسنن

منطق الأغنياء والدول الكبيرى الاعتماد على سطوة الإمكانات.. وهكذا نجد بعض رؤساء الدول يفتخر بما يملك كأنه إله في الأرض!.

إن تجاهل حقيقة أن المالكية لله، وتجاهل حكمته في الخلق، بداية باب الشر الذي يفتح أبواب الشرور؛ ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي. أي أنه نفى حقيقة أن الرزق والإمكانات بيد اللَّـه يؤتيهما من يشاء ويمنعهما عمن يشاء لحكمة وإرادة خاصتين به دون سواه. فقارون لم يكلف نفسه مجرد التفكير في محدوديته، وأن علمه ومجهوده في سبيل جمع الثروة هو نعمة من اللَّـه أيضاً، وأنه من دون هذه النعمة الربانية يبقى بلا حول ولا قوة.

إن هذا العلم الظاهري الذي هيَّأ الأسباب لتوافر النعم لهو علم ناقص لم يُرشد هؤلاء إلى سبيل توظيف النعم فيما ينفعهم ويديم النعم عليهم، ولم يحول دون أن تتحول تلك النعم إلى وبالٍ يُهلكهم. وهو علم يتجاهل التاريخ وسنن الله..

إن الغفلة عن المصير والعاقبة، وتناسي صفحات التاريخ البشري ليخدع المغرورين فيحسبون أن ثرواتهم تجعلهم مخلَّدين، وفي مأمن من المشيئة الإلهية النافذة فيتمادون في الطغيان، ويكثرون من الفساد.. وقد وصف القرآن الكريم ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الُْمجْرِمُونَ.

إن الذاكرة القصيرة -بسبب الغرور بزخرف الدنيا لقارون ونظرائه من المترفين وللأمم المستكبرة- تحول دون قراءة واعية معتبرة لأمثولات التاريخ.

وحين تنزل النازلة لا تنفعهم أموالهم، لأن المحكمة الإلهية قاطعة، فالرب تعالى هو الشاهد وهو الحاكم نافذة المشيئة..

ولنتأمل قليلاً سنجد أنه حين يأتي عذاب ربك على أحدهم أو على إحدى الأمم فإن الأسباب الظاهرة -التي كانت متصلة قبل الانهيار بين المفسدين والمترفين- تتقطع غالباً، بل لو أراد أحد المعونة فلا يجد شيئاً يُعين به، إن لم يغرق مع الغارقين.

هذا الدرس المهم، لو أن العالَم قرأ سورة القصص واعتبر من التاريخ -كيف أن حضارات كبيرة بادت؟ ولماذا أغرق الله فرعون بالماء الذي كان يفتخر به؟ ولماذا الحجارة التي احتمى بها قوم عاد هي التي ذبحتهم عبر الرياح العاتية؟ ولماذا ثمود وأصحاب الأيكة، كلٌّ هلك بما يملك وبما اغتر به؟- لربما انتفعوا وسلكوا سبيل الرشاد.

إن انهيار النظام العالمي المالي إنما هو تعبير عن غضب الله عليهم؛ إذ ظلموا وطغوا واعتدوا.. وبدل أن يتعظوا يحاولون أن يعالجوا الخطأ بما هو أسوأ.. فالنظام الاشتراكي أيضاً لا ينفعهم، وكذا التدخل الدولي لا ينفعهم. إنما ينبغي أن تقف البشرية وتعيد النظر في كل هذا النظام الدولي، وأن تدرك أن النظام القائم على المادة وعلى المال وعلى القوة ينهار، لأن ما يحكم العالم سنن الله، وسنن الله تتصل بالغيب وبالأخلاق والقيم.

إن سنن الله تتصل بالعدل وإسعاد البشر، حيث إن الله خلقهم ليرحمهم.. إن هذا النظام العالمي أنتج المجاعة والمجازر في أفريقيا.. والإنسان في أفريقيا بشر كما أن الأمريكي والأوروبي والروسي والياباني كذلك.. ومن يريد أن يظلم خلق الله فإنه تعالى قد يُمهله ولكن في نهاية المطاف يأخذه أخذ عزيز مقتدر.

سطوة الثروة والوعي

قارون كسائر المترفين يسعى لتوسعة نفوذه على الناس من خلال ثروته، مما كان يدفعه للتباهي والظهور بمظهر العظمة، حيث إن كثيراً من الناس يفكرون بأعينهم ويقصرون تفكيرهم على اللحظة التي يعيشونها، وفي غمرة وهج الانفعال بالحاضر يغفلون عن حقائق الأشياء وعواقبها.

﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ هكذا أفسد قارون بالثروة المجتمع الإسرائيلي، حيث ضلَّلهم عن قيم الرسالة إلى القيم المادية.

أما المؤمنون الذين ينظرون للحياة من خلال بصيرة الإيمان، فقد تحملوا مسؤوليتهم تجاه هذا الانحراف، فبادروا إلى النهي عن المنكر.

﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ -علم السنن الإلهية ووعي الحكمة الإلهية في الخليقة، الذي به عبروا الظواهر إلى ألبابها، والدنيا إلى الآخرة، بل وعرفوا عاقبة هذا الموقف، وكذا ينبغي للمؤمن أن يتحمل مسؤوليته حينما يتأثر الناس بمظاهر الثروة الباذخة- ﴿وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّـهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً؛ وهي حقيقة يعرفه المجتمع الإسرائيلي، لكن في صدمة الزينة يُصاب الوعي بالشلل.

إن المؤمنين الذين تمسكوا بالعلم ولم يتأثروا بزينة الحياة لأن هدفهم هو الآخرة التي لا تُقاس بالدنيا، إنما استطاعوا الحفاظ على الوعي بقوة الصبر. فالصبر ينمي في الإنسان النظرة المستقبلية النافذة للعواقب، وإنما يستطيع ذلك بالتحرر من ضغط اللحظة الراهنة ﴿وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ؛ لأن من مشاكل النفس البشرية مشكلة العجلة، والميل لما هو حاضر. وحتى يتجاوز الإنسان هذه العقبة فإنه بحاجة إلى الصبر.

وهكذا نجد الفرق بين الصابر الذي يُتاح له الانتفاع بعقله وعلمه والمأسور بوهج الدنيا المرتهن وعيه بزخرف اللحظة التي يعيش. فالصابر يقرأ المستقبل، في حين أن الآخر ينتظر أن تصفعه تقلُّبات الحياة وربما يعتبر!..

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّـهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ وحينها يُدرك غالب الناس الحقيقة الواقعية.. فالمالك الحق هو الله، وأن العاقبة هي بوار الظالمين.

الدرس الحضاري من الأزمة

إن الدرس الذي نستفيده مما يحصل في العالم؛ أن نظاماً يعبد العجل ينهار، وأنه لا يكبح جماح طغيانه إلا الأخلاق والالتزام بالقيم.. لكن العبرة الحقيقية، والتي تخصنا نحن، تتجاوز هذه المعرفة إلى الانتفاع بعظات القرآن الحكيم في أنفسنا أفراداً وأمةً مسلمةً.

إن مما ينبغي أن نتعظ به من الناحية النفسية ألَّا تخدعنا الثروة، وتُبعدنا عن هدفنا الأكبر وهو الآخرة.. ولذلك تجلٍّ في الاجتماع بالتحرر من سلطان الثروة والمترفين، حيث يُؤسَّس النظام الاجتماعي على التقوى والقيم..

الوحدة واحترام الآخر

إن التفكير في العواقب يقي الإنسان المهالك؛ فالذين أقدموا على تهديم قبة الإمامين العسكريين E، كان في ظنهم أن ذلك يطمس الحق، وكانت العاقبة أن انهدم الأمن في العراق، وقد قلت حين حدوث الجريمة: إن هذه القبة كان الله يحمي العراق بها. وعندما بدأ الترميم والبناء بدأ الأمن بالرجوع[1].

كذلك ما حدث في البقيع الغرقد حينما هُدِّمت القباب الشريفة وقع الاختلاف الذي جرَّ البلاد الإسلامية إلى الويلات.

إن شعار الوحدة الذي يُطرح ويُتداول في الإعلام والمنتديات إنما يكون على أساس الاحترام المتبادل. فأرضية الوحدة أما أن تكون مبادئ واحدة، نُؤمن جميعاً بها ونتحرك في إطارها، وإما أن تكون احتراماً متبادلاً.

نعم؛ الوحدة مقدمة لطرح المشروع الحضاري الإسلامي!.. لكن سبيل التوحد هو أن نعود إلى قيمنا.. وحينئذ نكسب رضا الله، وأيضاً يتأتَّى لنا أن نطرح مشروعنا الحضاري إلى العالم، فنُسهم في إنقاذ العالم من شقاء التفكير المادي.

لقد كانت الأمة الإسلامية رحمة على العالم بفضل الرحمة المهداة وقيم الخير التي تتمثلها.. وها هي الحضارة الغربية خلال قرنين ونصف أشعلت حروباً وأورثت البشرية عناءً لا يُطاق.. وهي تعيش الآن أزمتها الكبيرة. لذلك هي مناسبة لأن تستعيد الأمة رسالتها وتتمثل قيمه الخيرة لتكون بحق رحمة للعالمين و﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: 83].

كلمة أخيرة

أيها المسلمون في كل مكان احملوا مشروعكم الحضاري إلى العالم، فالعالم بحاجة -من أجل دنياهم قبل أخراهم- إلى المشروع الحضاري الإسلامي، وأنتم لن تحملوا هذا المشروع إلا إذا وحَّدتم صفوفكم، ولن تستطيعوا أن توحِّدوا صفوفكم إلا بالاحترام المتبادل.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] إشارة إلى قول الإمام العسكري (عليه السلام): «إن قبري بسر من رأى أمان لأهل الجانبين».

المرجع الديني السيد محمد تقي المدرّسي


ارسل لصديق