الفلسفة الغربية وقراءة النص
كتبه: د. الشيخ مرتضى الفرج
العدد (44) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 11939

أستهدف من هذه الورقة استعراض أهم المدارس الغربية في مجال قراءة النص، وإعطاء القارئ غير المتخصص مدخلاً، أو صورة بانورامية عامة، أو خريطة، تعينه على التعمق في قراءة المناهج والآليات الغربية المقترحة لقراءة النصوص وتفسيرها.

لتحقيق هذا الغرض سأحاول التبسيط قدر الإمكان، وسأحاول تجنب التعقيد، الذي أصبح جزءاً لا يتجزء من كتابات بعض تلك المدارس. وفي مجال نقد تلك المدارس والآليات التي تقترحها، سأكتفي بالحد الأدنى، وذلك من خلال إرسال رسائل قصيرة وسريعة، قد تُعين القارئ على معرفة أبرز نقاط ضعف هذه المدرسة أو تلك. لكن لا أستهدف من هذه الورقة -بالأصالة- نقد تلك المدارس، وإنما استعراض أفكارها بشكل واضح ومبسط. وإن وجد القارئ في هذه الورقة نقداً، فإنما يأتي بشكل عابر وسريع، وربما على لسان مدارس أخرى منافسة للمدارس التي يُراد استعراض آرائها.

مقدمة

في البداية، إن كان بعضنا يرغب في التعرف إلى تلك المدارس وآلياتها في قراءة النص الديني بالتحديد، فهذا يعود -في أغلب الظن- لمحاولة بعض مفكري العرب والمسلمين تطبيق تلك الآليات على القرآن الكريم (والسنة الشريفة) تطبيقاً متعسفاً، وإدراك بعضنا للنتائج الخطرة التي قد تتمخض عنها تلك المحاولات.

والحقيقة أن إخضاع الكتب المقدسة (كالإنجيل والقرآن وغيرهما) لتلك الآليات ليس من أولويات الغرب، لا لأنهم ينظرون إليها على أنها مقدسة، وإنما لأنهم ينظرون إليها على أنها تقف في صف واحد مع كتب الأدب والقصص والشعر والأساطير. وبالتالي الغرب لا يهتم لتطبيق تلك الآليات على النصوص الدينية، إلا بقدر اهتمامهم لتطبيقها على كتب الأدب والأساطير، لذا تجد أنهم غالباً لا يتحدثون عن النص الديني، بل عن النص عموماً، سواء كان نصًّا علميًّا أو أدبيًّا أو شعراً أو نصًّا تاريخيًّا... إلخ.

سأتحدث في هذه الورقة -وباختصار- عن ثلاثة مسارات، تطورت فيها طرق وآليات قراءة النص في الغرب:

المسار الأول مدرسة التحليل اللغوي: التي مهَّد لها فريجه (1872-1970)، وبدأت مع جورج إدوار مور (1873-1958) وطورها برتراند رسل (1872-1970) وواصل تطويرها لودفيج فتجنشتين (1889-1951). بعد ذلك خرجت من رحم هذه المدرسة ما يعرف بالوضعية المنطقية، وكان أبرز أعلامها رودلف كارناب (1891-1975) وألفرد آير (1910-1989).

ثم خرج بعد ذلك من رحم مدرسة التحليل اللغوي ويلارد كواين (1908-1990) الذي اهتم بدراسة العلاقة بين المعنى والصدق.

وخرج منها نظرية الأفعال الكلامية Speech act Theory، ومن أبرز أعلامها أوستن (1911-1960) وجون سيرل (1932- ؟ ) اللذان انصب جل اهتمامهما على العلاقة بين اللغة والمتكلم.

وقد تدس نظرية السياق Contextual Theory عند فيرث (1890-1960) في هذا المسار، حيث ركز على تأثير سياق الموقف context of situation في المعنى إلى جانب تأثير سياق النص فيه.

كما قد تدس أيضاً في هذا المسار النظرية التحويلية في النحو Transformational Theory of Grammar لنعوم تشومسكي (1928- ؟ )، والتي تركز اهتمامها -عندما تبحث عن تركيبات الجمل وبنائها-على كيفية تطور القدرة اللغوية عند الطفل، وتفسير ظاهرة تأليف الطفل تركيبات لغوية جديدة لم يسبق له أن تعلمها (ملكة توليد جمل جديدة غير مكتسبة)[1].

ويمكن القول: إن هذا المسار نشأ في بريطانيا، وبالتحديد مدرستي كيمبردج وأكسفورد، ثم انعكس بعد ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية.

المسار الثاني ما يعرف بعلم الظواهر (= الفينومينولوجيا Phenomenology) الذي تداخل مع ما يعرف بعلم تفسير (أو تأويل) النصوص (= الهرمنيوطيقا Hermeneutics) أو فلسفة التأويل: بدأت الفلسفة الفينومينولوجية مع مؤسسها إدموند هوسرل (1859-1938)، ثم تداخلت الفلسفة الفينومينولوجية مع الهرمنيوطيقا مع مارتن هايدجر (1889-1976).

وكانت الهرمنيوطيقا قد برزت مع فريدريك شلايرماخر (1768-1834)، ثم انتعشت من جديد على يد فيلهام دلتاي (1833-1911)، وروَّج لها وطورها ونقلها نقلة جديدة هانز جورج جادامِر (1900-2002).

وتعرضت نظرية جادامر لنقد بتي وهيرش، ودافع عنها كل من بُلتمان وإيبلينج وفوكس الذين وجدوا فيها ما ينفعهم في مجال تأويل النصوص الدينية.

ثم حصل سجال حار بين جادامِر ويورجين هابرماس (1929- ؟ ) أحد أعلام مدرسة فرانكفورت، وكان نتيجة هذا السجال ما انتهي إليه هابرماس من هرمنيوطيقا نقدية، أفادت من نظرية الأفعال الكلامية (لاحظ تأثير المسار الأول على هذا المسار). وقدم بول ريكور (1913-2005) ما يعرف بهرمنيوطيقا الارتياب[2].

والحقيقة أن الهرمنيوطيقا إن كانت في البدء تستهدف تفسير النصوص الدينية، فقد انطلقت بعد ذلك لتستهدف النصوص عموماً، كالأدب والقصص والشعر... إلخ.

والمسار الثاني إن كان منشؤه ألمانيا، فهو أثر بدوره في المسار الثالث (الآتي ذكره) والذي ظهر في فرنسا، وانعكس أخيراً في الولايات المتحدة الأمريكية.

المسار الثالث البنيوية وما بعدها Structuralism and Post-Structuralism، أو ما يعرف باسم النظرية النقدية Critical Theory: البنيوية هي المدرسة التي تضرب بجذورها إلى النظرية اللغوية لفردينان دي سوسير (1857-1913)، والتي تأثرت -بشكل أو بآخر- بماركس وفرويد، ومن أبرز أعلامها جاك لاكان (1901-1981) وميشيل فوكو (1926-1984) وليفي شتراوس (1908- ؟ ) الذي طبق البنيوية في المجال الأنثروبولوجي، واهتم كثيراً بدراسة الأساطير، وظهر فرع من البنيوية سُمِّي بالماركسية البنيوية، من أبرز أعلامها ألتوسير (1918-1990)، ثم قدم لنا -كأحد التطورات المرتبطة بالماركسية البنيوية- لوسيان جولدمان (1913-1970) ما يعرف بالبنيوية التوليدية. ثم جاء أحد أعلام البنيوية، وهو رولان بارت (1915-1980)، لينقلب عليها، ويتحدث عما بات يعرف بنظرية التلقي Reception Theory، لننتقل إلى مرحلة نتجاوز بها البنيوية، تسمى بالتفكيكية Deconstruction.

ونلحظ هنا تأثيراً واضحاً للمسار الثاني في التفكيكية، التي يعتبر جاك دريدا (1930-2004)، من أبرز أعلامها وأكثرهم تأثيراً، الذي -بدوره- أوصل الفلسفة الغربية -وفقاً لوجهة نظر بعض النقاد- إلى الحضيض. ويمكن إدراج فرانسوا ليوتار (1924-1999) وجان بودريار (1929- 2007) في مرحلة ما بعد البنيوية[3].

هذا المسار نشأ وتطور في فرنسا، ثم انتقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

في هذه الورقة سنستعرض المسارات الثلاثة، مع شيء من التركيز على المسارين الثاني والثالث... لماذا؟ لأن المسار الأول كان يميل إلى توظيف دراساته اللغوية لخدمة العلوم الطبيعية، والوصول إلى لغة علمية صارمة، في حين أن المسارين الثاني والثالث كانا يتحدثان مباشرة عن قراءة وتفسير النصوص الأدبية والدينية والتاريخية والقانونية، وهو ما يهمنا في هذا المقام.

وسوف أترك لملاحق هذه الورقة فرصة تفصيل بعض النقاط المرتبطة بواقعنا الذي يهتم بتفسير النصوص الدينية (وبالتحديد القرآن والسنة)، وانعكاس آليات الغرب في قراءة النصوص على الفكر الإسلامي المعاصر.

المسار الأول: مدرسة التحليل اللغوي

تنطلق مدرسة التحليل اللغوي من قناعة مفادها أنك تستطيع حل مشكلات فلسفية تقليدية معينة عن طريق فحص منطق التعبيرات العادية التي تستعمل في مناقشة هذه المشكلات. فلو كنت معنياً -مثلاً- بالمعرفة ودرجاتها وحالات الشك، فلابد أن تحلل وتدقق في كلمات من قبيل «شك»، «يقين»، «معرفة»... إلخ، ولو كنت معنياً بحل مشكلة الإرادة، فلابد أن تحلل وتدقق في كلمات من قبيل «إرادي»، «لا إرادي»، «يستطيع»... إلخ، وهكذا.

وقد تطور منهج التحليل اللغوي إلى حد بعيد في العالم الأنجلوساكسوني، وبلغ مداه في العقدين الرابع والخامس من القرن العشرين، ولا زال يحتل حتى يومنا هذا مكانة مهمة من فلسفة العالم الناطق بالإنجليزية، وإن صارت بعض تياراته بحكم الميتة فعلاً، كالوضعية المنطقية.

يستخدم «التحليل» من حيث هو مصطلح منطقي وفلسفي ليشير إلى المعنى ذاته الذي تستعمل به كلمة «تحليل» في اللغة العادية، أي تفتيت أو فك المركب إلى أجزائه التي يتكون منها. والتحليل اللغوي لا يُعنى بتحليل المفاهيم والأفكار بغية اكتشاف المبدأ الكامن وراءها، كما لا يعنى بتحليل الفكر والمعرفة إلى عناصرها الأولية، وإنما يعنى بتحليل اللغة دلالةً وتركيباً.

من أهم خصائص مدرسة التحليل اللغوي، على اختلاف تياراتها وتباين مواقفها، ما يلي:

- إيمانها بدور اللغة الفعال في الفلسفة.

- اتجاهها إلى تفتيت المشكلات الفلسفية إلى أجزاء صغيرة لمعالجتها جزءاً جزءاً.

- خاصيتها المعرفية.

- المعالجة البين-شخصية Inter-subjective لعملية التحليل.

مـــــور:

في البدء، نظر مور في المشكلات التي يزخر بها تاريخ الفلسفة -وفي مجال الأخلاق بصفة خاصة- فوجد أنها ترجع أساساً إلى سبب في غاية البساطة، ألا وهو محاولة الإجابة عن أسئلة معينة دون أن نتبين حقيقة السؤال الذي سنجيب عنه.

فلو حاول الفلاسفة اكتشاف المعنى الحقيقي للأسئلة التي يطرحونها قبل أن يشرعوا في الإجابة عنها، فإن المحاولة الجادة قد تكفي لضمان النجاح، وقد تتلاشى معظم المشكلات الخادعة، وتختفي أصعب الخلافات الفلسفية. لذا تجد أن جهد مور الفلسفي انصب على تحليل أقوال الفلاسفة بغية اكتشاف ما فيها من أخطاء ومغالطات وإزالة ما يكتنفها من غموض أو لبس.

ذهب مور إلى أن أي كلمة تدل على تصور أو فكرة هي معناها، ويتضح هذا المعنى إذا حللنا التصورات إلى تصورات أخرى تكافئه وتساويه وترادفه، وذلك بنوع من التقسيم والتمييز. فكلمة «أخ» مثلاً، تنحل إلى تصورين: «ذكر» و «من ينحدر من أصل مشترك»... وهكذا.

رســـــــل:

على حين يتفق رسل مع مور بأن الفلسفة -في جوهرها- تحليلٌ، نجد أن هدف التحليل عند رسل يختلف عنه عند مور. فإذا كان هدف التحليل عند مور ليس اكتشاف حقائق أو معرفة جديدة عن العالم، بل توضيح ما نعرفه بالفعل، فإن من أهم أهداف التحليل عند رسل ازدياد معرفتنا بالعالم الخارجي.

فرسل يعتقد أن اللغات الطبيعية هي بمثابة مرشد يقودنا إلى فهم طبيعة العالم الذي نتحدث عنه. وهو يقول في ذلك بصراحة: «إن هناك -فيما أعتقد- علاقة قابلة للاكتشاف بين بناء الجمل أو العبارات، وبناء الوقائع أو الأحداث التي تشير إليها تلك العبارات... أنا أعتقد أننا إذا اتخذنا من الحيطة القدر الكافي، فقد نستطيع أن نتخذ من خواص اللغة أدوات نستعين بها على فهم بناء العالم».

وقد رفض رسل رد المنطق الأرسطي لأغلب القضايا إلى القضية الحملية، المكونة من موضوع ومحمول، وهو الرد الذي راج في المنطق الأرسطي، لأن هذا الرد يخفي العلاقات بين حدود القضايا. وأسهم بدوره في تقديم مجموعة من النظريات المهمة في التحليل اللغوي كنظرية الأنماط، التي نستطيع من خلالها حل سلسلة من المفارقات المنطقية، ونظرية الأوصاف المحددة، التي نميز بواسطتها الأوصاف المحددة عن أسماء الأعلام[4].

فتجنشتين:

ثم جاء فتجنشتين ليقترب قليلاً من مور، ويبتعد عن رسل إلى حد ما. فإذا كان مور يرى أن مهمة الفلسفة هي توضيح ما نعرفه بالفعل، وليس إضافة معرفة جديدة، فإن الفلسفة عند فتجنشتين فاعلية تنصب على التوضيح المنطقي للأفكار.

من الإسهامات المهمة لفتجنشتين في مجال اللغة، هو إيمانه بأن اللغة نشاط ينحصر في استخدام الكلمات كأدوات Tools. وهنا نجد أنفسنا بإزاء نظرية جديدة في المعنى تقرر أن معنى أي كلمة لا يتمثل في موضوع يفترض أن الكلمة تقوم مقامه، لأننا في الحياة العادية حين نتحدث عن معنى أية كلمة، فإننا نتحدث عن الطريقة التي نستخدم بها تلك الكلمة، وحين نقول عن أي شخص إنه قد تعلم أو فهم معنى أية كلمة، فإننا نعني أن هذا الشخص قد تعلم أو قد أصبح يفهم كيف يستخدم تلك الكلمة. وبالتالي فإننا نقول عنه إنه قد أصبح عضواً في جماعة لغوية معينة. وتبعاً لذلك فإن للغة طابعاً اجتماعيًّا يجعل منها شيئاً أكثر من مجرد وسيلة لتصوير الوقائع.

ورفض فتجنشتين النظرية المنطقية التي تجعل من النشاط اللغوي مجرد عملية لصق بطاقات على بعض الموضوعات. وليس أدل على مرونة اللغة من أنها تقبل التعبير عن العديد من الاستعمالات الجديدة. ويشبه فتجنشتين فهم الإنسان للاستعمالات المختلفة للألفاظ، بفهمه للقواعد التي لابد من مراعاتها في كل لعبة من الألعاب Games.

فاللغة هي أشبه ما تكون باللعبة: من حيث إنه لابد من التزام بعض القواعد. وكما أن الفوضى لابد من أن تشيع بين اللاعبين، لو سمح كل لاعب لنفسه أن يبتدع قواعد جديدة للعبة أثناء استمراره في اللعب، أو لو أساء كل لاعب تطبيق أصول اللعبة، أو لو عمد كل اللاعبين أو بعضهم إلى تصور اللعبة بطريقة سكونية جامدة. فكذلك لابد من أن يحدث ضرب من الفوضى والحيرة لو عمد الناطق باللغة إلى ابتداع قواعد لغوية جديدة، أو خالف أصول بعض القواعد المرعية، أو لو أساء تصور اللغة نفسها. ولا سبيل إلى بلوغ الوضوح المطلوب حول معنى أية كلمة، إلا بالرجوع إلى طرق استعمالها Uses. لقد نتج عن هذا المفهوم المحوري الجديد نظرية جديدة في المعنى، هي نظرية الاستعمال، التي توجزها العبارة القائلة «لا تسأل عن المعنى، بل اسأل عن الاستعمال».

وسوف نرى أن هذه النظرية ستنبه من سيأتي بعد فتجنشتين إلى أن المعنى لا يتضح إلا من خلال وضع الكلمة أو التعبير في سياق، وأن استخدامها محكوم بقواعد معينة. لذا راحوا يبحثون عن قواعد الاستعمال، وسيتجلى هذا في بحث أوستن عن القواعد التي تحكم الجمل الإنشائية (= العبارات الأدائية) Performative Sentences.

والحق أن فتجنشتين التفت إلى أن مهمة اللغة لا تنحصر في عملية تصوير أو وصف الأشياء، بل نحن نستعين باللغة لإصدار أوامر، وللتعبير عن مشاعرنا، وللتحذير، والتنبيه، والاستثارة، ولوضع أسئلة... إلخ[5].

قلنا: إن الفلسفة عند فتجنشتين فاعلية تنصب على التوضيح المنطقي للأفكار. يقول فتجشنتين: «معظم القضايا والأسئلة التي كتبت عن أمور فلسفية، ليست كاذبة، بل هي خالية من المعنى. فلسنا نستطيع إذن أن نجيب عن أسئلة من هذا القبيل، وكل ما بوسعنا هو أن نقول عنها إنها خالية من المعنى. فمعظم الأسئلة والقضايا التي يقولها الفلاسفة إنما تنشأ عن حقيقة كوننا لا نفهم منطق لغتنا... وإذن فلا عجب، إذا عرفنا أن أعمق المشكلات ليست في حقيقتها مشكلات على الإطلاق».

الوضعية المنطقية:

من هذه البيئة الفكرية، خرجت الوضعية المنطقية، أو ما يعرف بحلقة فيينا، التي نظر لها كارناب وآير وغيرهما، الذين اتفقوا فيما بينهم على عدة مبادئ تمثل المحاور الرئيسية التي ترتكز عليها حركتهم الفلسفية، وأهمها:

- الفلسفة تحليلية.

- الفلسفة علمية.

- القضايا تحليلية أو تركيبية.

- الميتافيزيقا لغو[6].

وأكدت الوضعية المنطقية أن كل جملة لا يمكن التأكد من صدق مدلولها أو كذبه بالحس والتجربة فهي كلام فارغ من المعنى، شأنها شأن حروف هجائية مبعثرة، ترددها على غير هدى.

وأما الجملة التي يمكن التأكد من صدق مفادها وكذبه، فهي كلام له معنى، فإن أكد الحس تطابق مدلولها مع الواقع، فهي جملة صادقة، وإن أكد العكس فهي كاذبة. فإن قلت: «المطر ينزل من السماء في الشتاء»، فهي جملة لها معنى وصادقة في مدلولها. وإن قلت: «أن شيئاً لا يمكن أن يرى أو يحس به ينزل في ليلة القدر»، فهذه ليس لها معنى، فضلاً عن أنها صادقة أو كاذبة، إذ لا يمكن التأكد من صدق المدلول وكذبه بالحس والتجربة، فهي تماماً كما نقول: «ديز[7] ينزل في ليلة القدر»، فكما لا معنى لهذه الجملة، كذلك لا معنى لتلك. وعلى هذا الأساس، لو قلت: «الله موجود»، لكان بمثابة أن تقول: «ديز موجود»، فكما لا معنى لهذه الجملة، كذلك تلك، لأن وجود الله تعالى لا يمكن التعرف عليه بالحس والتجربة!

وواجهت هذه النزعة المنطقية تناقضاً، بسبب أن قولها هذا، وما فيه من تعميم، هو نفسه شيء لا يمكن التعرف إليه بالحس والتجربة، فهو كلام فارغ من المعنى، بحكم ما يحمل من قرار. فهذه النزعة المنطقية التي تدعي أن كل جملة لا يتاح للحس والتجربة اختبار مدلولها فهي فارغة من المعنى، تصدر بهذا الادعاء تعميماً، وكل تعميم هو تجاوز نطاق الحس، لأن الحس لا يقع إلا على حالات جزئية محدودة.

وهكذا تنتهي هذه النزعة إلى تناقض مع نفسها، إضافة إلى تناقضاتها مع كل التعميمات العلمية التي يفسر بها العلماء ظواهر الكون تفسيراً شاملاً، لأن التعميم -أي تعميم- لا يمكن الإحساس به مباشرة، وإنما يستنتج ويستدل بدلالة ظواهر حسية محدودة[8].

كـــــوايـن:

ثم جاء كواين لينطلق من فكرة مفادها أن معنى أي كلمة أو تصور يتمثل في الإتيان بتصورات أخرى تُكافئهُ منطقيًّا، ويسمى المعنى الذي نأتي به ترادفاً.

لكن هل يعتمد معنى الكلمة على الإتيان بكلمة مرادفة لها؟ أم تعتمد فكرة الترادف على سبق علم بمعنى الكلمة التي تأتي بمرادف لها؟

حاول كواين الخروج من هذا المأزق باصطناع النظرية السلوكية في المعنى، أو نظرية المنبه والاستجابة في المعنى، التي تقول: إن معنى جملة ما بالنسبة لشخص ما تحدده مجموعة المنبهات التي تؤدي إلى قبول الشخص للجملة. أي أن الجمل المختلفة تعتبر مترادفة إذا حققت استجابة واحدة.

لكن كواين يجد هذه النظرية قاصرة أيضاً لأسباب عدة، ويقول: إن الترادف لا يعني أن نستبدل عبارة بأخرى دون أن يتغير المعنى إذا دخلت العبارتان في قضايا، وإنما نفهم الترادف في إطار ماصدقات الكلمات، أي أن معنى الكلمة أو العبارة هو البحث عن قيمة صدقها: لجملتين المعنى نفسه إذا كانت لهما قيمة صدق واحدة.

بعبارة أخرى: إن لتعبيرين المعنى نفسه إذا كان لهما الماصدقات نفسها، وهذا هو معنى الترادف، كما يفهمه كواين. وكأنه يريد أن يقول لنا: لا تبحث عن معنى الكلمة، وإنما عن ماصدقها أو ما تشير إليه في الواقع، وماصدقها هو معناها.

أوستن:

ثم خرجت من رحم مدرسة التحليل اللغوي، نظرية الأفعال الكلامية، ويأتي على رأس أصحاب هذه النظرية: أوستن.

انطلق أوستن من النقطة التي لاحظها قبله فتجنشتين، والتي أكد فيها على أن مهمة اللغة لا تنحصر في عملية تصوير أو وصف الأشياء، بل نحن نستعين باللغة لإصدار أوامر، وللتعبير عن مشاعرنا، وللتحذير، والتنبيه، والاستثارة، ولوضع أسئلة... إلخ.

ويعتبر الالتفات إلى هذه النقطة لحظة تحول مهمة في مدرسة التحليل اللغوي، لأن بعضهم أصر على أن العبارات التجريبية هي فقط العبارات ذوات المعنى، بالإضافة إلى قضايا المنطق والرياضة، وحذفوا كل ما عداها من عبارات من دائرة المعنى، مثل عبارات الميتافيزيقا والأخلاق والجمال بحجة أننا لا نجد لها من وقائع العالم ما تطابقه.

ولدحض هذا التصور عمد أوستن بداية إلى الكشف عن التعارض بين نوعين من الجمل ذات الصيغة الخبرية Declarative: تقريرية (= وصفية) Constative وإنشائية (= أدائية) Performative. وعلى أساس هذا التقسيم طرح ما يعرف بنظرية المنطوقات الإنشائية (= أو الأدائية) Performative utterance. والنقطة المركزية في هذه النظرية تؤكد على أن القول يكون فعلاً في بعض الأحيان (كالوعد أو المراهنة أو إيقاع الطلاق... إلخ).

والوظيفة الأساسية للمنطوقات الإنشائية ليس التطابق مع الواقع، فلا يمكن الحكم عليها بالصدق أو بالكذب. لكن هذه المنطوقات لا تؤدي وظيفتها بشكل صحيح إلا في إطار قواعد إذا تم كسرها تجلت المخالفات.

لذا سعى أوستن لتحديد تلك القواعد التي إذا التزمنا بها تكون منطوقاتنا الإنشائية مؤدية لوظائفها بشكل صحيح.

لكن أوستن انتهى إلى قصور نظرية المنطوقات الإنشائية، وذلك حينما اكتشف أن لكل منطوق -بما في ذلك المنطوقات الإخبارية (= التقريرية)- بعداً أدائيًّا، فقدم تطويراً لها، نظرية جديدة، عرفت بنظرية الأفعال الكلامية Speech act Theory. وتعد دراسة هذه الأفعال ذات أهمية عظيمة ليس للفلاسفة فحسب، بل وأيضاً للنحاة وعلماء الأصوات اللغوية.

قسم أوستن في نظريته الجديدة الأفعال التي نؤديها من خلال الكلام إلى ثلاثة: فعل القول (= الفعل التعبيري) Locutionary act، وفعل متضمن في القول (= الفعل الغرضي) Illocutionary act، وفعل ناتج عن (أو بواسطة ) القول (= الفعل التأثيري) Perlocutionary act [9].

ثم جاء سيرل بعده، لينتقد تمييز أوستن الثلاثي، ويقدم بدلاً عن ذلك تقسيماً ثنائيًّا للفعل الكلامي يتمثل في: فعل متضمن في القول Illocutionary act وفعل له محتوى قضوي Propositional act.

والحق أن نظرية الأفعال الكلامية، سواء بالصيغة التي قدمها أوستن، أو تلك التي قدمها سيرل، جديرة بالدراسة والتمحيص[10].

الخلاصة أن مدرسة التحليل اللغوي آمنت بدور اللغة في الفلسفة، ودعت إلى تفتيت المشكلات الفلسفية إلى أجزاء صغيرة، وانصب اهتمامها على اكتشاف المنطق الذي يقبع خلف اللغة، وركزت على اللغة العلمية، وعلى قراءة النصوص العلمية، وربما النصوص القانونية أيضاً (لاحظ نظرية الأفعال الكلامية)، أما النصوص الأدبية والتاريخية، فضلاً عن الدينية، فلم تلق من هذه المدرسة اهتماماً ملحوظاً.

لننتقل الآن لدراسة المسار الثاني المتعلق بالفينومينولوجيا والهرمنيوطيقا.

المسار الثاني: علم الظواهر وعلم تفسير النصوص (= الفينومينولوجيا والهرمنيوطيقا)

تشتق كلمة «فينومينولوجيا» من الكلمة اليونانية Phainomenon وتعنى مظهر، وكلمة Logos وتعني علم. فالفينومينولوجيا هو علم الظواهر، وبالتحديد علم الموضوعات القصدية للوعي. وتتخذ الفينومينولوجيا شعاراً لها «إلى الأشياء ذاتها»، بمعنى أننا ينبغي أن نواجه الأشياء بالضبط كما نخبرها في الوعي، وبمعزل عن أي فروض مسبقة نظرية أو ميتافيزيقية.

ترتكز الفينومينولوجيا على فكرة أننا حين نأتي لرؤية الموضوعات بما هي ظواهر في الوعي، يمكننا أن نرى حقائق يقينية وضرورية تتعلق بالملامح الماهوية لهذه الموضوعات. بذلك نفهم الموضوعات كما هي في ذاتها دون آية فروض مسبقة أو أية تفسيرات مقحمة عليها.

تبدأ فينومينولوجية هوسرل من برنتانو، الذي تتلمذ عليه هوسرل، وجعل بعض أفكاره نقطة انطلاق لفلسفته. كان برنتانو يعتقد أنه اكتشف ماهية الذهني، أو ماهية الوعي أو الشعور. فالقاسم المشترك بين كل ما هو ذهني أو وعي أو شعور هو القصدية Intentionality. فخاصية كل شعور هي أن يكون شعوراً بشيء. وكل ما هو وعي وفعل ذهني هو موجه نحو موضوع، أي موضوع قصدي. وجميع حالات الوعي (من تفكير واعتقاد ورغبة وحب وكراهية وتذكر... إلخ) لها دائماً موضوع أو محتوى. الوعي دائماً له موضوع، والوعي دائماً موجه نحو موضوع، بصرف النظر عما إذا كان هذا الموضوع موجوداً بالفعل أم غير موجود. فقد «يعتقد» طفل أو «يتمنى» أن يتحفه بابا نويل بالهدايا، وإن كان بابا نويل كائناً غير موجود.

أخذ هوسرل هذه الفكرة من برنتانو، وانطلق منها لتأسيس علم الظواهر.

هوسرل:

ولتحقيق حد أدني من الوعي بنقاوة الأسس، وخلوها من الفروض المسبقة، يقدم هوسرل منهجاً يطلق عليه «الرد الفينومينولوجي»، أو «الوضع بين أقواس»، أو «الإبوخية» Epoche، وهذه الأخيرة، كلمة يونانية تعني تعليق أو توقف. وتعني هذه الكلمة في هذا المقام تعليق الاعتقاد أوالتوقف عن الحكم. فالرد الفينومينولوجي يمر بمرحلتين:

- تعليق الحكم على وجود أو عدم وجود موضوعات الوعي، ومن خلال هذا التعليق يتسنى لنا التركيز على موضوعات الوعي كظواهر خالصة، أي التركيز عليها كما تتراءى وتتبدى في الوعي.

- أن ننظر إلى هذه الموضوعات (التي تم ردها إلى ظواهر محضة) لا في جزئيتها وعرضيتها، بل في كليتها وماهيتها.

ولكي يتسنى لنا أن نركز على الأشياء كما هي معطاة للوعي فحسب، فإن علينا أن نضع جانباً تلك المسلمات التي نُسلم بها دون سؤال -سواء الخاصة بنظرة الحس المشترك أو بنظرة العلم الطبيعي إلى العالم- لكي نخلص الوجهة إلى محتويات الوعي المحض وندرسها بنزاهة. والإبوخية لا يعني إنكار وجود العالم الخارجي (ولا إثباته)، فنحن لا نحذف الواقع الخارجي أو نقصيه أو نلغيه، وإنما نحن، ببساطة، نحيده ونضعه جانباً...حتى ندع الأشياء تتكشف لدى الوعي.

وإذا أردنا تطبيق فينومينولوجية هوسرل على مجال تفسير النص، نجد أن هذا المنهج يفترض أننا لكي نصل إلى تفسير سديد للموضوع، يلزمنا سياق صحيح أو إطار ذهني، لكن دون الانطلاق من أطر خارجية تاريخية أو ثقافية، لأن النص يعكس إطاره الذهني الخاص. وحينما يرفع هوسرل شعار «إلى الأشياء ذاتها» فهو يريدنا أن نعزل النص منهجياً عن كل ما هو دخيل عليه، بما في ذلك تحيزات الذات، وأن نتيح للنص أن يوصل معناه للذات.

فهدف الفينومينولوجيا هو أن تقبض على حقيقة النص كما هي، دون أي تلوين من الذات أو إسقاط من القارئ. فالتفسير من الوجهة الفينومينولوجية ليس شيئاً يفعله القارئ، بل هو شيء يحدث له.

شلايرماخر:

قبل أن نذهب إلى هيدجر، لنلحظ تداخل الفينومينولوجيا مع الهرمنيوطيقا. ننتقل إلى الهرمنيوطيقا التي برزت مع الفيلسوف اللاهوتي فريدريك شلايرماخر، الذي يعد مؤسس الهرمنيوطيقا العامة وأبا الدراسات الثيولوجية والدينية الحديثة، والذي أعلن أن هدفه الأساس هو تأسيس هرمنيوطيقا عامة بوصفها فن الفهم.

فنقطة بداية شلايرماخر هذا السؤال العام: كيف يتم على وجه الدقة فهم أي عبارة أو أي قول، سواء أكان قولاً منطوقاً أو مكتوباً؟

ويؤكد شلايرماخر على أن فن الفهم هو فن واحد من حيث ماهيته، سواء كان النص -المراد فهمه وتفسيره- نصًّا تشريعيًّا أو دينيًّا أو عملاً أدبيًّا. صحيح أن هناك فروقاً مؤكدة بين هذه المجالات العديدة من النصوص، مما يستدعي أن يطور كل مجال أدواته النظرية الملائمة لمشكلاته الخاصة، غير أنه من وراء هذه الاختلافات تكمن وحدة أصيلة، إذ إن جميع هذه النصوص تَمثُل في جسد لغوي، ومن ثم فلابد من استخدام النحو لكشف معنى العبارة. فالفكرة العامة تتفاعل مع البنية اللغوية لتكون المعنى، أيًّا كان صنف النص. فإذا أمكن صياغة مبادئ كل فهم لغوي، فإن هذه المبادئ تشكل هرمنيوطيقا عامة. وكانت جهود شلايرماخر ترمي إلى تحويل الفهم إلى علم منظم، وذلك بتنظيم الملاحظات المتفرقة في وحدة متماسكة منهجيًّا.

وعملية فهم النص تحدث في إطار مبدأ الدائرة التفسيرية، فالكل يأخذ دلالته ومعناه من الأجزاء، والأجزاء في الوقت نفسه لا يمكن فهمها إلا بالإحالة إلى كل. والمعنى هو ذلك الذي يظفر به الفهم في عملية التفاعل المتبادل بين الكل والأجزاء.

والفهم عند شلايرماخر، بوصفه فهماً، هو عملية إعادة معايشة للعمليات الذهنية لمؤلف النص. فهي عكس التأليف، لأنها تبدأ من تعبير ثابت ومكتمل، وتعود القهقرى إلى الحياة الذهنية التي نبع منها التعبير. إن المتحدث أو المؤلف يبني جملة، وعلى المستمع أو القارئ أن ينفذ إلى داخل بناء الجملة وبناء الفكرة.

وهكذا يتجلى أن هدف التفسير كما يراه شلايرماخر، هو إعادة بناء الخبرة الذهنية لمؤلف النص. التفسير يستهدف إعادة معايشة ما عايشه المؤلف. وهذه المعايشة ليست بالضرورة تحليلاً نفسيًّا للمؤلف، بل هي مجرد تذكير بأن الفهم هو فن إعادة بناء التفكير الخاص بشخص آخر. وبعبارة أخرى إن غايتنا ليست تحديد دوافع المؤلف السيكولوجية أو بواعث شعوره، بل إعادة تشييد الفكر نفسه الخاص بشخص آخر من خلال تفسير حديثه.

واستشفاف فردانية المؤلف هو شيء متقوم باللغة، ومستند إلى الأسلوب الخاص لهذا المؤلف. ولن يتم أي فهم لنفسية كاتب، بمعزل عن لغته وأسلوبه، ففي محاولة فهم النص لابد أن ننفذ إلى نفسية الكاتب من خلال أسلوبه، وسيظل الفهم الوافي لأسلوب المؤلف هو غاية علم التفسير.

دلــتـــاي:

ثم جاء دلتاي ليؤكد على أن الهرمنيوطيقا هي الأساس لكل العلوم الروحية، أي الدراسات الإنسانية والعلوم الاجتماعية. والمقصود بذلك الأفرع البحثية التي تضطلع بتفسير تعبيرات الحياة الداخلية للإنسان، سواء كانت هذه التعبيرات إيماءات أو أفعالاً تاريخية أو قانوناً مدوناً أو أعمالاً فنية أو أدبية. وكان هدف دلتاي هو تأسيس مناهج للوصول إلى تفسيرات صائبة موضوعياً لتعبيرات الحياة الداخلية.

وكان دلتاي على وعي بعجز المنظور الآلي للعلوم الطبيعية عن الإيفاء بهذه المهمة. ومن هنا نظر إلى هذه المهمة على أنها مشكلة إبستمولوجية من جهة، وأنها تتطلب تعميق تصورنا للوعي التاريخي من جهة ثانية، وأنها تعكس حاجة إلى فهم التعبيرات التي تنبع من الحياة ذاتها من جهة ثالثة.

هذه المهمة إبستمولوجية، لأن الحياة الداخلية للإنسان هي مركب من المعرفة والشعور والإرادة، وهذه أمور لا يمكن إخضاعها لمعايير العلية وتصلب التفكير الكمي الآلي. فإذا كانت مهمة العلوم الطبيعية أنها تشرح Explain الطبيعة، فإن مهمة الدراسات الإنسانية هي أن تفهم Understand تعبيرات الحياة.

من ناحية ثانية، مهمة الفهم تتطلب تعميق تصورنا للوعي التاريخي، لأن الفهم يتطلب إعادة تشييد أو إعادة معايشة لعالم الخبرة الداخلية لشخص آخر، غير أن اهتمامنا لا ينصب على الشخص الآخر، بل على العالم نفسه، وهو عالم ننظر إليه كعالم اجتماعي-تاريخي.

ومفهوم التاريخية عند دلتاي يعني أمرين: أولهما أن الإنسان يفهم نفسه، لا من خلال الاستبطان، بل من خلال جعل الحياة موضوعاً. ما هو الإنسان؟ التاريخ وحده هو الذي يمكن أن ينبئه. لا يخبر الإنسان ما هو؟ وماذا يريد؟ إلا في تطور طبيعته عبر القرون. وما دام الفهم يعتمد على التاريخ فهو تاريخي بالأساس وبالضرورة. الأمر الثاني أن طبيعة الإنسان ليس ماهية ثابتة، فالإنسان ليس مجرد راسم لوحات جدارية على حوائط الزمن عساه أن يكتشف طبيعته التي كان عليها دائماً، بل الإنسان على العكس من ذلك، هو كائن لم يتحدد بعد. ما سيكونه الإنسان هو أمر يتوقف عليه وينتظر قراراته التاريخية. فهو ليس رباناً على سفينة تامة ومكتملة، بل هو بالأحرى معماري السفينة ذاتها. فمفهوم التاريخية لا يعني اعتماد الإنسان على التاريخ في فهم ذاته وتفسيرها فحسب، ولا يعني تناهيه الإبداعي في تحديد ماهيته تاريخيًّا فحسب، بل يعني أيضاً استحالة الفكاك من التاريخ، وصميمية الزمانية لكل فهم.

من ناحية ثالثة، الجملة اللغوية تقدم لنا مثالاً واضحاً على التفاعل المتبادل بين الكل والأجزاء، وعلى أهمية الطرفين في عملية الفهم، فنحن من معنى الأجزاء نظفر بفهم لمعنى الكل، الذي يغير بدوره حالة اللاتحديد في الكلمات المفردة إلى نمط ثابت وذي معنى. ويؤكد دلتاي على أن العلاقة نفسها توجد بين الكل والأجزاء في حياة المرء، فمعنى الكل مستمد من معنى الأجزاء، ومن الممكن لحدث أو خبرة أن تغير حياتنا بحيث يصبح ما كان ذا معنى من قبل شيئاً لا معنى له، فالمعنى هو شيء تاريخي، إنه علاقة كل بأجزاء، وبالتالي فالمعنى أمر سياقي، إنه جزء من الموقف.

ولدائرية المعنى (= التفاعل بين الكل والأجزاء) نتيجة أخرى بالغة الأهمية للهرمنيوطيقا، وفيها يفترق الهرمنيوطيقيون عن هوسرل الفينومينولوجي: فدلتاي يؤكد على أنه ليس هناك نقطة بدء حقيقية للفهم، ما دام كل جزء يفترض الأجزاء الأخرى، وهذا يعني استحالة الفهم بلا فروض مسبقة Pre-supposition-less، وكل فعل للفهم يتم في سياق أفق معطى، ففي الدراسات الإنسانية الفهم يتخذ من الخبرة المعاشة سياقاً له. ويرى دلتاي أن الفهم الذي لا يتعلق بالخبرة المعاشة ولا ينتسب إليها ليس فهماً ملائماً للدراسات الإنسانية. وإنه لممَّا يبعث على السخرية أن يدَّعي الموضوعية أي تفسير يغفل تاريخية الخبرة المعاشة، ويطبق مقولات لا زمانية على موضوعات تاريخية. ذلك أن مثل هذا التفسير قد قام بتحريف الظاهرة منذ البداية. وحيث إننا نفهم دائماً داخل أفقنا الخاص الذي هو جزء من الدائرة التفسيرية، فإنه من المتعذر وجود أي فهم غير موقفي لأي شيء من الأشياء.

من ذلك يتبين أن المهمة المنهجية التي يتعين على المفسر أن يضطلع بها هي ألَّا يغمر نفسه كليًّا في موضوعه (وهو أمر مستحيل على كل حال)، بل أن يجد طرقاً ممكنة عمليًّا للتفاعل المتبادل بين أفقه الخاص وأفق النص (لاحظ تأثير هذه النقطة على جادامر فيما بعد).

هايدجر:

بعد أن استعرضنا فينومينولوجية هوسرل، وهرمنيوطيقة شلايرماخر ودلتاي، ننتقل إلى هايدجر، الذي امتزجت في فلسفته الفينومينولوجيا بالهرمنيوطيقا، مؤكداً على أن الأبعاد الأصيلة لأي منهج فينومينولوجي تجعله هرمنيوطيقيًّا بالضرورة.

الموضوع الرئيس الذي تدور حوله كل فلسفة هايدجر هو الوجود، ومهمة الفيلسوف في نظره هي إيضاح معنى الوجود. والمنهج الذي يستخدمه هايدجر في سبيل ذلك هو الإشارة، لأن الوجود لا يقبل البرهان للتدليل عليه، بل الإيضاح والكشف، وذلك بالإشارة إليه.

ذلك أن الوجود اسم مشترك، وهو يشمل السائل نفسه الذي يسأل عن معنى الوجود. ومن المستحيل النظر إلى الوجود من الخارج، او استنباطه من شيء أسبق، لأنه لا شيء أسبق عليه.

أين تتجلى ظاهرة الوجود؟ في الموجودات نفسها. إن الوجود هو وجود الموجودات التي تستمد كلها منه وجودها الخاص بها. فعلينا إذن أن نمضي من الموجود إلى الوجود. لكن الوجود نفسه ليس موجوداً من الموجودات، بل هو ما يعطي الوجود لكل ما هو موجود، لا كعلة خارجية، بل كمبدأ أساس قائم في أعماق الموجودات. ومن هنا يقوم تمييز أساسي بين ميدان الوجود، وميدان الموجود.

وعلينا أن نبدأ من وجود الإنسان، وجودنا نحن هو الذي ينبغي أن نبدأ به البحث، إذ لا توجد نقطة ارتكاز أخرى أقوم من الإنسان. وبالنسبة للإنسان وحده تكون باقي الموجودات مفتوحة منكشفة. ووجود الإنسان يسميه هايدجر الآنية Dasein الدازاين (= الوجود-هناك)، أي الوجود في العالم. والإنسان هو ذلك الكائن الذي ينكشف من خلاله معنى الوجود، فالموجود البشري حقيقة متفتحة على الوجود العام، وهو -بكل عواطفه وميوله ورغباته- موجه نحو العالم الخارجي. ومشروع هايدجر يتلخص في كونه تفسيراً للآنية أو تفسيراً للدازاين، ومن هنا تبدأ هرمنيوطيقية هايدجر.

أول خاصية جوهرية لوجود الإنسان هي أن وجوده لا يشبه وجود الشيء، لأنه لا يبدو أبداً كنسخة من هذا الصنف أو ذاك. والخاصية الثانية لوجود الإنسان أن هذا الـ(أنا) ليس جوهراً، أي موضوعاً ثابتاً تجري عليه التغيرات، ذلك أن وجود الإنسان يتجلى على أنه إمكان وجود، إنه ينبوع للإمكانات، واستعداد لتحقيقها. والخاصية الثالثة لوجود الإنسان هي الحرية، فأنا الذي أقرر طريقة وجودي بنفسي، وذلك باختياري لأحد أوجه الممكن المتاحة أمامي.

ولا يكفي أن نقول: إن الإنسان هو الموجود الذي يفهم الوجود، بل لابد من أن نضيف إلى ذلك أيضاً أن هذا الفهم الإنساني للوجود هو نفسه وجود، بمعنى أنه ليس صفة أو نعت للإنسان، وإنما هو أسلوبه في الكينونة. ولهذا يعزف هايدجر عن مفهوم الوعي أو الشعور (نقطة انطلاق أستاذه هوسرل)، لكي يتخذ من الوجود نفسه دعامة لفهم الوعي أو الشعور، لأن حقيقة الوجود سابقة -في نظره- على الوعي أو الشعور الإنساني.

مرة أخرى، تجاوز هايدجر هوسرل عندما تحدث عن التاريخية. لقد ألمح هوسرل إلى تاريخية الوعي، وقدم وصفاً فينومينولوجيًّا للوعي الداخلي للزمان، إلا أن سعيه لتحويل الفلسفة إلى علم، وتوقه إلى المعرفة الضرورية، قد أدى به أن يترجم «الزمانية» إلى المصطلحات السكونية للعلم، وهذا -وفقاً لهايدجر- إنكار لزمانية الوجود نفسه وإثبات لعالم الأفكار ورفعُهُ فوقَ تيار التغير.

وبالنتيجة، فالفينومينولوجيا -عند هايدجر- يجب ألَّا تؤول بالضرورة على أنها استكشاف للوعي، لأنه من الممكن أن تكون وسيلة لكشف الوجود بكل وقائعيته وتاريخيته. الفينومينولوجيا تعني أن نترك الأشياء تظهر على ما هي عليه دون أن نُقحم عليها مقولاتنا الخاصة. والاتجاه هنا هو عكس الاتجاه الذي اعتدنا عليه: ليس نحن من يشير إلى الأشياء، بل الأشياء هي التي تكشف لنا عن نفسها. هذا المنهج سيكون له أهمية كبيرة للنظرية التفسيرية، حيث إنه يتضمن أن التفسير لا يتأسس على الوعي الإنساني بل على انكشاف الشيء الذي نقابله، الواقع الذي يصادفنا.

والفهم -عند هايدجر- هو قدرة المرء على إدراك ممكنات وجوده ضمن سياق العالم الحياتي الذي وُجِد فيه. فالفهم ليس شيئاً نمتلكه، بل هو شيء نكونه، وبالتالي هو شكل من أشكال الوجود -في- العالم، وهو الأساس لكل تفسير، وهو متأصل ومصاحب لوجود المرء، وقائم في كل فعل من أفعال التفسير. والفهم -من ناحية ثانية- دائماً يتعلق بالمستقبل. فماهية الفهم لا تكمن في مجرد فهم موقف المرء، بل في كشف الإمكانات الملموسة للوجود داخل الأفق الخاص بموقع المرء في العالم.

والمعنى -وفقاً لهايدجر- هو شيء أعمق من النسق المنطقي للغة. إنه قائم على شيء سابق على اللغة ومطمور في العالم - ذلك هو الكل العلائقي. فمهما تكن كثرة الكلمات التي تشكل المعنى أو تصوغه، فإن الكلمات تشير إلى ما يتجاوز نسقها الخاص، إلى معنى كامن أصلاً في الكل العلائقي. المعنى إذن ليس شيئاً يمنحه شخص ما لموضوع ما، بل هو ما يمنحه الموضوع للشخص من خلال إمداده بالإمكان الوجودي للكلمات واللغة.

ويؤكد هايدجر في أعماله المتأخرة على الصلة بين اللغة والوجود، حتى ليصبح الوجود ذاته لغويًّا. هذه العلاقة بين الكلمات واللغة -على حد تعبير هايدجر- ليست لفائف تعبأ بها الأشياء لكي يتبادلها أولئك الذين يكتبون أو يتحدثون، إنما في الكلمات واللغة تدخل الأشياء إلى الوجود للمرة الأولى وتنوجد وتكون. وهذا هو مقصود هايدجر في كلمته المشهورة «اللغة هي بيت الوجود».

من جانب آخر، يؤكد هايدجر على استحالة التفسير من دون فروض مسبقة، لأن محاولة الوصول إلى تفسير مجرد من أي تحيز أو فرض مسبق هي محاولة عابثة، لأنها تمضي ضد الطريقة التي يتم بها الفهم. إن ما يظهر من الشيء أو الموضوع هو ما يسمح له المرء أن يظهر، وهو أمر يتوقف على فروضه المسبقة ومنظومته اللغوية.

والعبارة، وفقاً لهايدجر، ترتكز على عمليات فهم وتفسير قائمة في الفهم المسبق، ودون هذه العمليات فإن العبارات لن يكون لها معنى. فمثلاً في العبارة «المطرقة هي ثقيلة»، ثمة طريقة مرسومة سلفاً تعمل عملها، تلك هي الطريقة المنطقية. فمن قبل أي تأويل أو تحليل ظاهر، فإن الموقف قد تم تشييده في حدود منطقية لكي يلائم بنية عبارة. لقد تم بالفعل تفسير المطرقة على أنها شيء ذو خصائص (الثقل في حالتنا هذه). غير أن عمليات تفسير العالم لا تقوم في تقريرات منطقية وعبارات نظرية. فالكلمات في الأغلب تكون غائبة، كما هو الحال عندما يجرب المرء مطرقة ثم يتركها جانباً دون كلام، فهذا فعل تفسير، ولكنه ليس عبارة. يقول هايدجر: إن المطرقة في الأصل هي أداة في متناول اليد، وعندما تصبح موضوعاً لعبارة، فإن تشييد العبارة نفسه يحمل معه تحولاً في الحالة الأصلية، تحولاً من «بالمطرقة» إلى «عن المطرقة»، تحولاً من الاندماج والاستعمال إلى الإسناد والإشارة. إن إبراز المطرقة كشيء هو في الوقت نفسه إخفاء لها كأداة. فنحن في السياق الوجودي الأصلي نقارب المطرقة لا بوصفها موضوعاً، بل بوصفها أداة، فتختفي المطرقة: الشيء في طي وظيفة المطرقة: الأداة. ذلك هو المعنى الهرمنيوطيقي الوجودي للمطرقة. أما عندما نعزل المطرقة عن وظيفتها، عن السياق العلائقي الكلي المعاش، هنالك نكون قد انتقلنا من موقف الفهم المسبق إلى موقف الإشارة الموضوعية.

الخلاصة أن كل فهم، عند هايدجر، هو فهم زماني، قصدي، تاريخي، وأن الفهم ليس عملية عقلية، بل عملية وجودية، ليس دراسة عمليات شعورية ولا شعورية، بل هو انكشاف الحقيقة للإنسان وانبلاجها وتجليها.

إلى جانب ذلك كله، يضيف هايدجر أن العملية التفسيرية في جوهرها تتمثل، لا في الإيضاح العلمي لما هو مصرح به في النص، بل في التفكير الإبداعي الذي يسلط الضوء على المعنى المضمر لا الصريح، الباطن لا الظاهر. وفي تناوله للشاعر الألماني جورج تراكل، يقول: إن دراسته لهذا الشاعر ليست بيوجرافية ولا اجتماعية ولا سيكولوجية، بل هي نظر في المكان الذي يُشعِر منه تراكل، المكان الذي يكشفه شعره ويسلط عليه الضوء. ذلك أن كل شاعر إنما يتحدث من داخل قصيدة شاملة وحيدة لا تُقال أبداً ولا تتم. ومهمة الحوار الفكري مع الشاعر هي العثور على ذلك المكان من الوجود الذي يمثل أساس القصيدة. وكما يدعو النقد الجديد، فإن القصيدة نفسها هي كل ما يهم وليس الخلفية البيوجرافية، وإن الخلفية الحقيقية للقصيدة ليست حياة المؤلف، بل الموضوع الذي تتناوله القصيدة.

جادامِر:

ننتقل الآن إلى المنظر الأبرز للهرمنيوطيقا المعاصرة، إلا وهو جادامِر. في كتابه الهام «الحقيقة والمنهج» (1960م)، دخلت النظرية التفسيرية مرحلة جديدة وهامة. عنوان الكتاب ينطوي على تهكم؛ فالمنهج عند جادامر ليس هو الطريق إلى الحقيقة! لأن من دأب الحقيقة أن تفوت رجل الحقيقة وتروغ منه. لذا تعد طريقة جادامر أقرب إلى الجدل السقراطي، فالحقيقة عنده لا تُطلب منهجيًّا بل جدليًّا. هذه الطريقة الجدلية هي في الحقيقة نقيض المنهج، وهي وسيلة للتغلب على نزوع المنهج إلى أن يشكل العقل ويصبه في قالبه، ويحدد مسبقاً طريقة الشخص في رؤية الأشياء، فالمنهج لا يفعل أكثر من التصريح بصنف الحقيقة المضمر سلفاً في داخله. في المنهج تمسك الذاتُ الباحثةُ بالزمام وتقومُ بالقياد والتحكم والتلاعب. أما الجدل فيتركُ الموضوعَ الذي يقابله يلقي أسئلتَهُ الخاصة التي تتعين الإجابة عنها.

لذا فإن جادامر لا تعنيه كثيراً المشكلات العلمية لصياغة المبادئ الصحيحة للتفسير، إنه يود بالأحرى أن يسلط الضوء على ظاهرة الفهم نفسه: كيف يكون الفهم ممكناً، ليس في الدراسات الإنسانية فحسب، بل في خبرة الإنسان بالعالم ككل؟ وعند هذه النقطة يربط جادامر تعريفه للهرمنيوطيقا بفكر هايدجر بشكل صريح.

يرى جادامر أن الصبغة الشاملة للفهم تطرح السؤال الخاص بما إذا كان بإمكان المرء -بمجرد قرار أو أمر- أن يحد من نطاق الفهم أو يقصره على جانب دون آخر. ثم يذهب إلى أن خبرة العمل الفني تتخطى أي أفق ذاتي للتفسير، سواء في ذلك أفق المؤلف أو أفق المتلقي، ومن ثم فإن قصد المؤلف ليس مقياساً ممكناً لمعنى العمل. فالأمر الحاسم والفاصل هنا ليس هو نية المؤلف، ولا هو العمل كشيء في ذاته خارج التاريخ، بل هو ما يجيء ويمثُلُ كل مرةٍ في اللقاء التاريخي بالعمل.

وتفسيرية جادامر لا تتأسس في الوعي الذاتي (كما عند هيجل)، بل في الوجود، في الصبغة اللغوية للوجود الإنساني في العالم. والجدل عنده ليس ارتقاءً بأطروحتين متضادتين (كما عند هيجل)، بل إنه جدلٌ بين أفق المرء وبين أفق التراث Tradition.

يرى جادامر أن ما يبدعه الفنان في عمله الفني هو ليس مجرد تعبير شكلي عن مشاعر، وما يقدمه ليس مجرد لذة جمالية. فخبرة الالتقاء بعمل فني تفتح لنا عالماً، وليس مجرد انشداهٍ بلذة حسية إزاء ظاهر الأشكال. وبمجرد أن نكف عن النظر إلى العمل على أنه موضوع وننظر إليه على أنه عالم، عندما نرى عالماً من خلاله، عندئذ سندرك أن الفن ليس إدراكاً حسيًّا بل معرفة. عندما نلتقي الفن تتسع آفاق عالمنا الخاص، وفهمنا لأنفسنا، فنرى العالم في ضوء جديد، كما لو كنا نراه للمرة الأولى. حتى الأشياء المعتادة والشائعة في الحياة تبدو في نور جديد عندما يضيئها الفن.

ونحن في لقائنا بالعمل الفني لا نوغل في عالم غريب، ولا نخطو خطوة خارج الزمن والتاريخ، ولا ننفصل عن أنفسنا أو عن الأشياء غير الاستطيقية، إننا بالأحرى نصبح حاضرين حضوراً أكثر امتلاءً. عندما نفهم عملاً فنيًّا عظيماً، فإن خبرتنا بالعمل تتفاعل مع كياننا كله، ويوضع فهمنا لأنفسنا على المحك. وما يحدث إذاك هو أننا لسنا من يستجوب العمل، وإنما العمل هو من يستجوبنا ويلقي علينا سؤاله. وعندما نشاهد عملاً فنيًّا عظيماً، ونلجُ إلى عالمه، فنحن لا نغادر بيتنا -إن صح التعبير- بل نعود إلى البيت... إننا نقول على الفور: حقًّا إن الأمر كذلك، لقد قال الفنان الحق، لقد قبض على الواقع في صورة، في شكل، لم يستحضر عالماً مسحوراً لا وجود له، بل حوله إلى شكل، إلى وجود. ومن ثم فمشروعية الفن لا تأتي من أنه يقدم لذة جمالية، بل من أنه يكشف النقاب عن الوجود. وحينما يحول الفنان خبرته بالوجود إلى صورة أو شكل، فإنها تتخذ قواماً وتصبح ماثلة باقية، ويصبح الالتقاء بها متاحاً للأجيال التالية، أي تصير قابلة للإعادة والتكرار، وينبغي علينا ألَّا نختزل هذا العالم إلى معايير عالمنا أو إلى معايير المنهج.

من ناحية ثانية، يصرح جادامر أنه يتخذ من تحليل هايدجر للبنية المسبقة للفهم وللتاريخية الصميمة للوجود الإنساني، مرتكزاً وأساساً ونقطة انطلاق لتحليلة الخاص للوعي التاريخي. ويؤكد جادامر على أنه ليس هناك فهماً خالصاً أو رؤية للتاريخ دون الإشارة، أو الإحالة، إلى الحاضر، بل إن فهمَ التاريخ ورؤيتَهُ لا يتمَّان أبداً إلا من خلال وعي يقف في الحاضر. فالماضي ليس كومة من الوقائع يمكن تحويلها إلى موضوع للوعي، وإنما الماضي تيار نتحرك فيه. التراث ليس شيئاً يقف أمامنا، بل هو شيء نقف فيه ونوجد خلاله، وهو في معظمه، وسطٌ بلغ من الشفافية حدًّا يجعله غير مرئي لنا، تماماً مثلما أن الماءَ غير مرئي للسمك.

ونقد الوعي التاريخي عند كل من هايدجر وجادامر موجهاً بالدرجة الأولى إلى المدرسة التاريخية في ألمانيا، والتي تمثل امتداداً للهرمنيوطيقا الرومانسية (شلايرماخر ودلتاي)، والتي تدعو عالم التاريخ ألَّا يدع مشاعره الشخصية تتسرب إلى التاريخ، وإنما تدعوه لأن يدخل بكليته في العالم التاريخي الذي يود أن يصفه. ويترتب على تاريخية الفهم (= رؤية العالم دائماً في حدود الماضي والحاضر والمستقبل) بعض النتائج التفسيرية، أهمها:

مسألة الحكم المسبق:

تعد فكرة التحرر من التحيزات، أي تنقية الفهم والتفسير من التحيزات والأحكام المسبقة، شائعة جدًّا بيننا. لقد درجنا على القول بأن من السخف أن نحكم على إنجازات عصر مضى بمقاييس اليوم، وبأن من المحال أن نصل إلى معرفة تاريخية إلا بالتخلص من سيطرة الأفكار الذاتية والانفتاح الكامل على عالم الأفكار والقيم الخاصة بذلك العصر الماضي... وهذا ما يرفضه جادامر.

فمعنى العمل الماضي إنما يتحدد في ضوء الأسئلة التي توجه إليه من الحاضر، وأحكامنا المسبقة لها أهميتها الخاصة في عملية التفسير. فالأحكام المسبقة للفرد هي أكثر من مجرد أحكام له، إنها الواقع التاريخي لوجوده. وما دام الفهم هو بنية أساسية متراكمة تاريخياً وعاملة تاريخياً فإنه يستبطن حتى التفسير العلمي. والحقيقة أننا لا نحصل على فروضنا المسبقة من التراث فحسب، لأن الفهم هو عملية جدلية من التفاعل المتبادل بين الفهم الذاتي للشخص (أفقه أو عالمه) وبين الشيء الذي يواجهه... ويترتب على ذلك المبدأ التالي: لا يمكن أن يكون هناك تفسير دون فروض مسبقة، فلا النص الإنجيلي ولا النص الأدبي يتم تفسيره دون فروض مسبقة.

وإذا كان من المحال وجود تفسير بلا فروض مسبقة، فإن فكرة وجود تفسير صحيح واحد بوصفه صحيحاً في ذاته، هي -في نظر جادامر- بالغة الحمق وأمرٌ محال. فليس هنا تفسير دائم وثابت، وكل نص ينحدر إلينا -وليكن الإنجيل أو مسرحية شكسبيرية- يتعين أن يفهم في الموقف التفسيري الذي يقفه، أي في علاقته بالحاضر. إذن من الضروري أن ننظر إلى النص داخل أفق تاريخيتنا. طبعاً هذا لا يعني أن المعنى مختلف بالنسبة لنا عما كانه عند قراءه الأوائل، بل يعني أن المعنى هو شيء متعلق بالحاضر ونابع من الموقف التفسيري.

مفهوم المسافة الزمنية:

يذهب جادامر إلى أن التوتر القائم بين الحاضر والماضي هو عمل محوري في الهرمنيوطيقا، ويقول: «موقعٌ بين الغرابة والإلفة يوجد بين ما هو مقصود تاريخيًّا (الموضوعية البعيدة للموروث) وبين انتسابنا لتراث معين. هذا «الما بين» هو الموقع الحقيقي للهرمنيوطيقا». وما يجسده النص وينقله لا تكمن أهميته عند المفسر في كونه شعوراً أو رأياً لمؤلفه، بل هو مهم في ذاته كشيء مقصود. وعمل الزمن أن يقصي ما هو غير جوهري، فيسمح للمعنى الحقيقي المخبوء في الشيء أن يظهر وينجلي.

وهكذا يتبين أن للمسافة الزمنية -إلى جانب سلبياتها- آثاراً إيجابية أيضاً: فالمسافة الزمنية لا تتيح فقط لفروض مسبقة أن تتنحى وتبيد، بل تأتي أيضاً بفروض تؤدي إلى فهم جديد للنص، وتدفع بها إلى الصدارة. فالانفصال الزمني عن النص كالمسافة التي تفصل المشاهد عن المسرح لكي يرى الوحدة المنشودة، دون أن يتشتت انتباهه بمطالعة الطلاء على وجوه الممثلين!

فهم مؤلف النص:

في نظر جادامر، تنحصر مهمة الهرمنيوطيقا بالدرجة الأساس في فهم النص، لا في فهم المؤلف، وهو أمر لابد أن يكون واضحاً من خلال مفهوم المسافة الزمنية، ومن خلال التأكيد على المعنى في الفهم التاريخي. فالمفسر يدع النص يخاطبه في عالمه الحاضر. والفهم ليس عملية ذاتية بقدر ما هو مسألة أن يضع المرء نفسه في تيار التراث، في لحظة امتزاج الماضي بالحاضر... هذه هي النقطة المرجعية، لا ذاتية المؤلف، ولا ذاتية القارئ.

إعادة بناء الماضي:

هنا لابد من إعادة النظر بالمبدأ القائل بأن: إعادة تشييد العالم الخاص بالعمل الفني هو المهمة الأولى لفهم أي نص قديم... وهذا ما كان يؤكد عليه شلايرماخر. جادامر لا يناقش في ضرورة إعادة بناء الماضي، لكنه يؤكد على أن ذلك لا يتم من خلال استعادة الماضي وإعادة خلقه، لأنه أمر محال، بل يتم من خلال دمج الماضي بالحاضر.

أهمية التطبيق:

والمقصود بالتطبيق ربط معنى النص بمجريات الحاضر. فمعنى القوانين وروحها لا تتبلور وتبزغ إلا بكدح القضاة في تطبيقها على الحالات الخاصة، قاضياً تلو الآخر، وحالة تلو الأخرى... وهكذا فإن الهرمنيوطيقا ليست فهماً وتفسيراً فحسب، بل هي أيضاً تطبيق وربط للنص بالزمن الحاضر. وبالتالي الظن القائل بأننا حين نقرأ مسرحية شكسبير نعود بكليتنا إلى عالم شكسبير تاركين وراءنا أفقنا الخاص، هو مجرد وهم، ودليل على أن اللقاء الاستطيقي قد نجح في أن يُغشي على عامل التطبيق في الفهم. لذا تجد جادامر يصرح بأن الفهم دائماً يشتمل على التطبيق، التطبيق على الزمن الحاضر.

وعلى هذا الأساس، وفي مقابل ذلك الصنف من الوعي التاريخي الذي ينتقده، يصف جادامر صنفاً أصيلاً من الوعي يظل فيه التاريخ فاعلاً على الدوام، يطلق عليه بعض الباحثين اسم «الوعي التاريخي العامل» أو «الوعي التاريخي الحق». فأفق المعنى الذي يقف داخله النص أو الفعل التاريخي، تتم مقاربته من داخل الأفق الشخصي للمرء. فالمرء عندما يقوم بالتفسير، لا يترك أفقه الخاص وراءه، بل يوسعه بحيث يدمجه بالأفق الخاص بالنص أو الفعل. وجدل السؤال (من القارئ أو المفسر) والجواب (من النص) يحدث انصهاراً للأفقين أو التحاماً بينهما، يعبر عنه جادامر بـ«التحام الآفاق» Fusion of horizons.

نقد بتي وهيرش:

بعد عامين من صدور كتاب جادامر، وبالتحديد في عام 1962، قام بتي (المهتم بالنصوص القانونية) بنقد هرمنيوطيقة جادامر (المهتم بالنصوص الفنية). ويتمثل اعتراضه الأساس عليه في أن تلك الهرمنيوطيقا لا تقوم مقام المنهج، ولا تخدم أي منهج للدراسات الإنسانية، فضلاً عن أنها تعرض للخطر مشروعية الإشارة إلى الوضع الموضوعي لموضوعات التفسير، ومن ثم تثير الشكوك حول موضوعية التفسير نفسه.

ومثلت انتقادات بتي لجادامر اعتراضاً عنيفاً ضد الذاتية الوجودية وضد تاريخية الفهم، وأكدت أن جادامر قد فشل في تقديم مناهج معيارية لتمييز التفسير الصحيح من التفسير الخطأ، وأنه كوَّم معاً -ومن غير تمييز- حالات متباينة من التفسير. فالمؤرخ مثلاً، وفقاً لبتي، لا تهمه الصلة العملية بالحاضر بقدر ما يهمه أن يغوص في النص الذي يدرسه، في حين يقلب رجل القانون النص وفي ذهنه تطبيق عملي يعتزم اجتراحه في الحاضر. ومن ثم فإن ما زعمه جادامر من أن كل تفسير يتضمن تطبيقاً على الحاضر لا يصدق إلا على التفسير القانوني، دون التفسير التأريخي.

وفي عام 1967، أصدر هيرش رسالة مستفيضة عن الهرمنيوطيقا، أكد فيها أن قصد المؤلف يجب أن يكون المعيار الذي تقاس به صحة أي تفسير. هذا القصد هو كيانٌ محددٌ يمكن أن تُحشد له بنية موضوعية، وبالإمكان حين تتوافر هذه البنية تحديد المعنى، وسوف يكون هذا المعنى مقبولاً على نحو عمومي شامل، وسوف يدركه الجميع على أنه معنى صحيح.

ويميز هيرش تمييزاً واضحاً بين أمرين خلط بينهما جادامر، هما المعنى والدلالة، ويؤكد أن غرض الهرمنيوطيقا ليس العثور على دلالة الفقرة بالنسبة لنا اليوم، بل تبيان معناها اللفظي نفسه. فالهرمنيوطيقا هي ذلك الفرع الفيلولوجي المختص بوضع القواعد التي يمكن بها استخلاص المعنى اللفظي للفقرة على نحو موضوعي محدد. وإلا، إذا كان معنى الفقرة (اللفظي) متغيراً، لما عاد هناك معيار ثابت نعرف به ما إذا كان تفسير الفقرة يمضي على نحو صحيح. وجادامر، وفقاً لهيرش، لا يقدم مبدءاً معياريًّا راسخاً يمكن أن نحدد به المعنى الصحيح للفقرة تحديداً صائباً.

بُلتمان يدافع عن جادامر:

وجد بُلتمان في هايدجر وجادامر بعض العناصر الإيجابية التي تساعد الباحثين على التصالح مع النصوص المقدسة. ويعد بُلتمان واحداً من اللاهوتيين البروتستانت في القرن العشرين، اقترن اسمه بمشروع نزع الطابع الأسطوري من الكتاب المقدس Demythologizing، والذي كان وما يزال محل خلاف.

ونزع الأسطورة لا يفترض حذف العناصر الأسطورية من الأناجيل أو تجاوزها وغض الطرف عنها، بل يؤكد فيها المعنى الأصلي والمكنون. إن نزع الطابع الأسطوري لا يعني بحال تطويع الأناجيل لكي تلائم طرائق الرؤية الحديثة، إنما هو موجه ضد نزعة الفهم الحرفية السطحية، ضد ميل عامة الناس إلى اعتبار اللغة مجرد معلومات، بدلاً من النظر إليها كوسيط من خلاله يواجه اللهُ الإنسانَ بإمكانية فهم ذاتي جديد تماماً. نزع الأسطورية لا يرمي إلى الإطاحة بالرمز الأسطوري وتحطيمه، بل يعتبر الرمز الأسطوري نافذة لنا على المقدس. فأن نؤول الرمز، يعني أن نتذكر معناه الأصلي الحقيقي، وإن توارى الآن واحتجب.

ويؤكد بلتمان أن الإنجيل يخضع لشروط الفهم نفسها، وللمبادئ الفيلولوجية والتاريخية نفسها، التي تطبق على أي كتاب آخر. ومن ثم فإن مشكلة الهرمنيوطيقا ليست وقفاً على اللاهوت، بل هي قائمة في كل تفسير، سواء كان تفسير وثائق قانونية أو تفسير أعمال تاريخية أو أدبية أو تفسير الكتاب المقدس... في كل ذلك، يبقى لب المشكلة هو تحديد مكونات الفهم التاريخي بالنسبة لنص من النصوص. وما من تفسير إلا وهو مسترشد بالفهم المسبق للمفسر. فإذا طبقنا ذلك على التاريخ، فهو يعني أن المؤرخ يتخير دائماً زاوية معينة للرؤية، ومهما تذرع المؤرخ بالموضوعية في استقصاء موضوعه، فما هو بقادر على أن يهرب من فهمه الخاص.

هابرماس:

شيد هابرماس فلسفته على الأسس الفكرية نفسها التي تقوم عليها مدرسة فرانكفورت، الذي يعتبر هو أحد أعلام مرحلتها الثانية. وأهم الأسس التي تقوم عليها تلك المدرسة: أن المعرفة هي نتاج المجتمع. وهذا النتاج عُرضة في كثير من الأحيان للتزييف والتعمية والتشيؤ. والتأمل النقدي كفيل بكشف هذا الزيف والتغلب على التشيؤ.

ولم يُقدَّر لهابرماس أن ينشغل بالهرمنيوطيقا بشكل جاد، إلا بعد اشتباكه مع جادامر في سجال عنيف، استمر عدة عقود من الزمن. في هذا الجدل أخذ هابرماس على جادامر ميلَهُ إلى إخضاع الفهم والتفسير لسلطة التراث. فالتراث، في نظر هابرماس، هو وعاءٌ يحوي تحريفات أيديولوجية هائلة ويختزن في قلبه الزيف والتعمية والتشيؤ. زد على ذلك، أن التراث ليس شيئاً متصلاً موصولاً ثابتاً، فهو عرضة للتمزق الذي يحدثه التعقل والتفكير العقلاني.

وسخر هابرماس من إحجام جادامر عن التنظير في المنهج التفسيري، واكتفائه بمجرد عرض مصطلحات موغلة في التجريد، مثل «الآفاق» و «التحام الآفاق»، الأمر الذي جعل الهرمنيوطيقا هدفاً لوابل من التهكم والازدراء من جانب الوضعيين.

ويرى هابرماس أن المشكلة الجذرية في تفسيرية جادامر، هي أنه يظن أن كل حوار بين ذات وموضوع، أو بين ذات وأخرى، هو حوار صادقٌ وأصيل، ويظن أن كل التحاق بين أفقين هو التحام حقيقي. ولم يضع في حسبانه احتمال وجود حوار زائف. ولم يدُر بخلده أن لعبة الفهم والتفسير يمكن أن تفسدها القوى الأيديولوجية المسيطرة، والتي قد تشف وتدِق بحيث لا يراها ولا يحسها اللاعبون أنفسُهم.

كبديل لما طرحه جادامر، ذهب هابرماس إلى أن نظرية الأفعال الكلامية (لأوستن) تشق طريقاً لنظريته عن البراجماطيقا العامة، من حيث إنها تتناول بعض القواعد العامة للكفاءة التواصلية التي تهدف إلى تبيان الشروط اللازمة للاستعمال الموفق، أي الاستعمال المفهوم والملزم للجمل، في منطوقات أو عبارات كلامية. ذلك أن البراجماطيقا العامة معنية بتحليل اللغة المستخدمة كفعل اجتماعي، وفعل تواصلي. ومن بين الأصناف الثلاثة من أفعال الكلام التي طرحها أوستن فإن الفعل «الأدائي/ الإنجازي/ الإنشائي» هو الذي يهم هابرماس بالدرجة الأولى.

لكن هابرماس لاحظ، رغم ذلك، أن نظرية الأفعال الكلامية لأوستن تعاني من قصور أساسي. فأوستن -كما يرى هابرماس- لم يدرك أن أفعال الكلام يمكن أن ترتبط بتحليل للصواب validity أعقد بكثير من مجرد تحليل صدق القضية Propositional truth، فهناك أبعادٌ أخرى للصواب غير البعد الذي يقدمه صدق القضية، وإن كانت مساوية له في الأهمية والمشروعية.

ويرى هابرماس أن الأفعال الكلامية الإنجازية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة: تقريرية (= وصفية) constative، ومعيار الصدق فيها المطابقة مع العالم الخارجي (وهو ما نعبر عنه في تراثنا بالصدق الخبري)، وإشهارية avowal، ومعيار الصدق فيها الإخلاص والأمانة وصدق النية (وهو ما نعبر عنه في تراثنا بالصدق المخبري)، وتنظيمية regulative، ومعيار الصدق فيها الملاءمة أو السداد «أي فيما إذا كانت طريقتها في تأسيس علاقات بين-شخصية هي طريقة ملائمة وقويمة أم لا»[11].

ننتقل الآن إلى المسار الثالث الذي يتناول البنيوية ومن بعدها التفكيكية، وسوف نلمس بوضوح تأثير المسار الثاني على الثالث.

المسار الثالث: البنيوية وما بعدها

البنيوية:

جاء البنيويون ليحلوا محل الوجوديين، الذين سيطروا على الحياة الفكرية في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

وفقاً للبنيوية، تحت سطح كل أنظمة العلامات توجد بُنية عميقة، شيء أشبه بالبرنامج الوراثي، تملي الطريقة التي تعمل بها مثل هذه الأنظمة. فمثلاً إن كان ماركس قد حدد لاوعياً مستتراً في الانتاج الاقتصادي، وإن كان فرويد قد نقَّب عن هذا اللاوعي في الدوافع النفسية، فبالنسبة للبنيوية، يوجد هذا اللاوعي في اللغة ذاتها. فكل أنظمة العلامات مناظرة للغة، وتتكون من نحو قواعد يمكن فك شفرته. قواعد تسري على عناصر نظام علامات معين من خلال الأعراف. ويهدف التحليل البنيوي إلى الكشف عن الطريقة التي نفهم بها بعضنا بعضاً، من خلال مثل هذه القواعد العرفية. وحالنا مع اللغة حالنا مع لعبة الشطرنج، حيث يتعين علينا أن نلعب وفقاً لقواعد متفق عليها، ولا يمكن لهذه القواعد أن تتغير إلا من خلال الإجماع على تغييرها.

عن طريق تحليل البُنى الصغيرة داخل نص ما، تستهدف البنيوية الوصول إلى بُنى تحكُم علاقات النص، ثم بنى كلية يُمكن تطبيقها على نصوص أخرى.

تقوم اللغويات البنيوية عند تعاملها مع النص اللغوي بالبدء من نقطة صغرى، فتبدأ بتحديد العناصر التي ربما لا يكون لها معنى مثل الفونيمات، وهي أصغر عناصر تكوين اللغة.

ثم ينتقل التحليل البنيوي لرصد تجميع هذه العناصر في وحدات ذات معنى، وهي الكلمات.

ثم تجمع هذه الوحدات الدلالية الصغرى في نظام أوسع أو نسق أكبر، وهو اللغة.

إلى هنا، بدأنا بعناصر، ثم تحولنا إلى وحدات صغرى -أصغر الوحدات اللغوية ذات الدلالة- وهي الكلمات. لكن الكلمة بمفردها، بنحو معزول خارج نسق، لا يمكن أن تدل أو تشير إلى وحدة أخرى معزولة. ولهذا نتحول إلى النسق الأصغر، وهو الجملة. داخل النسق الأصغر تصبح الوحدة الصغرى جزءاً من نسق دال وتكتسب دلالتها الأوسع من علاقتها مع الوحدات الأخرى داخل النسق.

المرحلة التالية أكثر تعقيداً، وهي ربط هذه الجمل/ الأنساق الصغرى وتجميعها داخل نسق أكبر، هو النص.

في النسقين السابقين تتحدد دلالة الوحدة (الكلمة في الجملة، والجملة في النص) عن طريق علاقاتها مع الوحدات الأخرى، في ظل مبدأ اتفق حوله البنيويون جميعاً، وهو التضادات الثانية.

وهناك نسق ثالث، هو النسق العام، أو النظام الذي حكم الإنتاج الفردي للنوع. وهو نسق نتحرك في اتجاهه انطلاقاً من النصوص الفردية، أو منطلقين منه في اتجاه النص الفردي في تحليل تطبيقي، تؤكد اتفاق النص المفرد أو النسق الأصغر أو اختلافه مع النسق أو النظام العام.

ما يريد البنيويون تحقيقه هو التقنين للإبداع. والناقد البنيوي يرى أنه ليس أدنى من العالم التجريبي. وهنا تكمن خطورة المشروع البنيوي من أساسه. ومهما بلغ نجاح النقد والنقاد في التقنين للإبداع، انطلاقاً من ملاحظة النصوص الفردية المبدعة ثم استنباط القواعد منها، والانتقال بعد ذلك إلى التقنينات العامة، فسوف يظل ذلك التقنين معرضاً للانهيار الكامل حينما يجيء إلى الوجود نص إبداعي جديد يخرج على تلك القوانين، ويفرض قوانينه هو. وعندها سوف يضطر النقد من جديد لمحاولة التقنين، وهكذا إلى ما لا نهاية. وهذا يؤكد عبث الجهد الذي يبذله البنيويون في محاولاتهم الأخيرة.

لا يمكن تجاهل التأثير الذي مارسته الماركسية لما يقرب من نصف قرن على المشروع البنيوي. إن كلا المذهبين يرى أن الأفراد لا يمكن فهمهم بمعزل عن وجودهم الاجتماعي، فالماركسيون يعتقدون أن الأفراد حمالون للمكانات في النظام الاجتماعي وليسوا أحراراً، أما البنيويون فيعتقدون أن التصرفات والكلام الفردي ليس لهما معنى بمعزل عن أنساق الدلالة التي تولدها.

نقطة الاختلاف الجوهرية بين البنيويين الماركسيين، والبنيويين اللاماركسيين، هي تأكيد القيمة التاريخية Diachronic للدوال، وهي قيمة تعطي هذه الدوال دلالات تراكمية تتدخل في تحديدها الظروف التاريخية، الاجتماعية، والاقتصادية، لمستخدمي تلك اللغة. باعتبار أن وعي الفرد هو الذي يشكل لغته، وليست اللغة هي التي تحدد وعيه. وهذا الوعي ينفتح على مؤشرات مختلفة، أبرزها الظروف الاجتماعية والاقتصادية. أما فكرة الآنية Synchronic التي يقول بها معظم البنيويون، ترى أن الدلالة تحددها العلاقات بين الدوال وبين الأنساق داخل النص، وهذا هو المفهوم الشائع للنصية عند البنيويون، ويرفضها البنيويون الماركسيون باعتبارها عودة إلى قطب مفرد من الثنائية، وهو الداخل[12].

فالبنيوية الماركسية تحاول تحقيق حل وسط، تستطيع البنية اللغوية للنص الأدبي على أساسه أن تكون مستقلة (الداخل) من ناحية، وأن تؤكد علاقتها بالبنى والأنظمة الأخرى -كالنظام الاقتصادي والصراع الطبقي والواقع الثقافي العام (الخارج)- من ناحية أخرى. أما البنيوية الأدبية في مفهومها العام، فهي ترفض ذلك الربط بين النظام اللغوي الداخلي للنص وأي أنظمة أخرى خارجية.

والماركسية السابقة للشكلية الروسية[13] والمعاصرة لها فيما بعد تستند في رفضها للشكلية الجمالية إلى مبدأين: الأول هو آنية اللغة عند الشكليين، والثاني هو ما ينادون به من استقلال الفن كنظام عن الأنظمة الأخرى، ويقصد بها حقائق التاريخ والاجتماع والاقتصاد. وكان رفض الماركسيين الأول، ومن بعدهم البنيويين الماركسيين، لبعض مبادئ فرديناند سوسير اللغوية بسبب تأكيده للقيمة الآنية في دراسة النظام اللغوي.

وفي مقابل التركيز على البناء الداخلي للنص، الذي دعا له الشكليون الجماليون الروس، يرى أتباع الجناح الآخر، مثل ياكبسون، أنه رغم استقلالية البناء اللغوي للنص، فإننا لا نستطيع أن نفصله فصلاً كاملاً عن البنى التحتية التي تشكل الثقافة ووعي الكاتب، أي أننا لا نستطيع أن ندرس أو نحلل العمل الأدبي بمعزل عن القوى الاقتصادي والاجتماعية والصراع الطبقي.

هذا الجناح من الشكليين الروس هم الذين سيصمدون لفترة طويلة، بعد أن يضطر الشكليون الجماليون للانسحاب من الساحة النقدية، حينما بدأت الثورة بعد تولي ستالين السلطة في فرض أيديولوجيتها على الثقافة. وهم أيضاً الذين سينجحون في إحداث تأثير قوي في المشروع البنيوي فيما بعد. فأحد جوانب التناقض أو حتى الجدل داخل المشروع البنيوي ذاته، يرجع إلى هذا التوتر الدائم بين دعاة الداخل والخارج، وأن استقبال الثقافات المختلفة للبنيوية كانت تحدده درجة اقتراب النسخة البنيوية من أحد طرفي الثنائية، فالفرنسيون يرحبون بالبنيوية في التزامها الماركسي، والأمريكيون يستقبلونها في فتور مفضلين عليها ذاتية الوجودية.

النموذج اللغوي للبنيوية:

البنيوية الأدبية ارتبطت في نشأتها بالبنيوية اللغوية التي أسسها فردينان دي سوسير في السنوات الأولى من القرن الحالي[14].

وفقاً لسوسير، للغة، أي لغة، نسق أو نظام كلي. وهو بذلك يفترض أننا في تعاملنا مع سياق لغوي فردي سوف نبحث عن خصائص النسق الأصغر أو الأنساق الصغرى، في علاقتها بعضها ببعض وفي علاقتها بالنسق أو النظام الكلي، وهو ما ينتقل إليه عالم اللغة في بقية التعريف. ونحن في دراستنا للأنساق الصغرى (بناء النص اللغوي) نهتم في التحليل الأخير، وعن طريق دراسة الأنساق الصغرى، بالكشف عن النسق أو النظام الكلي الذي يفترض وجوده وانتماء النص اللغوي إليه. تلك هي البنيوية اللغوية في أبسط تعريفاتها وأكثرها دقة في الوقت نفسه. هذا المفهوم للبنيوية اللغوية هو المفهوم الذي تبناه أقطاب البنيوية الأدبية جميعاً، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية والأمزجة الثقافية التي ينتمون إليها.

لقد أدرك البنيويون الأوائل، ياكبسون وجولدمان[15] على سبيل المثال، خطورة المنزلق الذي يقودهم إليه التبني الكامل للبنيوية اللغوية، وهو المنزلق الذي يتمثل فيما وصل إليه مفهوم البنيوية عند بارت حينما دعا القارئ للتمتع بالمشهد اللغوي الذي ينتجه النص، بدلاً من النظر إلى العالم من خلال اللغة! فالدالات مغلقة مستقلة عن ذلك الواقع. وزاد من إحساس هؤلاء بخطورة ذلك المنزلق انتماؤهم السياسي الماركسي، الذي يرفض ذلك الترف الجمالي الذي عاشوه عن كثب مع الشكليين الروس.

المأزق الآخر الأشد خطورة، يتمثل في أن البنيويين الماركسيين وجدوا أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه. لقد تبنوا النموذج اللغوي الذي يقوم على تأكيد استقلالية بنية النص، وفي الوقت نفسه فإن التزامهم الماركسي يفرض عليهم تأكيد العلاقة بين النص كنسق والأنساق الأخرى غير الأدبية التي تؤثر في تشكيل الثقافة. وكان عليهم البحث طوال الوقت عن مخرج يتمثل في جسر بين طرفي هذه الثنائية المربكة. كانت تلك أبعاد أزمة ياكبسون وجولدمان والبنيويين العرب.

من ناحية ثانية، نجد أن الذات التي ترفضها البنيوية هي الذات الفردية بمعنى الكيان الواعي الشخصي الحافز والذي يعرف نفسه، كيان على اتصال بحقيقة يمكن الكشف عنها واكتشافها من خلال عملية ذهنية. أما الموضوع بالنسبة للبنيويين فهو النسق أو النظام. فالبنيويون، ومن بينهم بارت[16] ولاكان[17] وفوكو[18]، يتفقون على كبت الذات أو تفتيتها. وأعدى أعداء الذات يتمثل في جوهر البنيوية نفسه الذي لا يرى فقط أن النسق اللغوي أو الأدبي هو أساس التحليل البنيوي، بل إن النسق يسبق اللغة. فاللغة تسبق الذات وتشكلها. وكأن نسق اللغة ينتظر مترقباً مولد كل طفل جديد، حتى قبل أن يولد ليمسك به ويحدد له مكانه ودوره، وبالتالي هدفه النهائي الثابت.

الكُتّاب، إذن، لا يكتبون، كما يقول بارت، للتعبير عن ذواتهم، إنهم فقط يملكون القدرة على خلط أو تركيب كتابات موجودة بالفعل. إن ما يقوم به الكاتب هو تجميع هذه الكتابات وإعادة نشرها redploy، وهو في ذلك يستفيد من القاموس الضخم للغة والثقافة، الذي يكون مكتوباً بالفعل قبل مجيئه. اللغة، مرة أخرى، تسبق الذات المبدعة.

نقد البنيوية:

المشروع البنيوي، مثله في ذلك مثل أي مشروع نقدي آخر، بدأ بطموحات غير محدودة، تتماشى مع روح القرن العشرين، الساعية دائماً إلى تأسيس شرعية علمية لأنساق الثقافة، في الوقت الذي تلتزم فيه بالوظيفة الأساسية للنقد، وهي التوسط بين العمل الأدبي والمتلقي، بغية إنارته وتقريبه إلى القارئ. فماذا حدث لهذا الطموح المبدئي للمشروع؟

حدث الغموض والإبهام والمراوغة، فكتابات البنيويين لم تصبح عصية على الفهم بالنسبة للقارئ العادي، بل عصية على الفهم حتى على القارئ المثقف العارف.

إن فشل البنيوية الحقيقي، والذي تلتقي عنده ألوان القصور المختلفة في التحليل البنيوي، هو عجز المنهج عن تحقيق المعنى، برغم أن محوري النقد الحداثي كله هما اللغة والمعنى. وإذا سلمنا بكفاءة المنهج البنيوي في تقديم تحليل منهجي علمي للغة، فمن الصعب التسليم بكفاءته في تحليل النصوص الأدبية وإنارتها وتحقيق المعنى.

إن البنيوية الأدبية، شأنها في ذلك شأن البنيوية اللغوية، تتبع منهجاً معكوساً عند مقاربتها للنص الأدبي. فالمنهج لا يبدأ بالجزئيات وتحليلها، بغية الوصول إلى كليات أو أنظمة. ولكنه يبدأ بالنظام الذي يحكم الإبداع في النوع، لينتقل إلى الدرجة الأدنى على سلم التحليل وهو نسق النص، ثم الوحدات تليها العناصر، وهي أصغر مكونات النص. وقد يسترجع الناقد البنيوي بعد ذلك خطواته متحركاً من أصغر العناصر تجاه النسق أو النظام العام ليقارن بين الخاص (النص) والعام (النظام).

تقوم شرعية هذا المنهج على تركيز البنيوية المبدئي على الأنساق العامة أو الأنظمة، وهم يقولون: إن التحرك من العام إلى الخاص يمثل حركة في العمق من السطح إلى البنى التحتية المكونة لنسق النص. فالمقاربة البنيوية هنا تعوض بالعمق ما تفقده بالمساحة.

والتحليل البنيوي على هذا الأساس، كما يقول بعض الرافضين للمنهج البنيوي، يشبه تسليط الأشعة السينية (أشعة إكس) على الجسم لتصل إلى العظام متخطية، بل متجاهلة، لطبقات كثيرة، قبل أن تصل إلى العظام. من هنا فإن ما يحدث هو اختزال للجسم البشري، وهو من وجهة نظر المشككين في المنهج البنيوي، ما يحققه التحليل البنيوي للنص؛ فالناقد البنيوي في تركيزه على تحديد العناصر والوحدات الصغرى المكونة للنص يقوم بعملية اختزال مخلة له... وبرغم كل هذا فإن تحقيق المعنى لا يتم أو يتحقق!

وفي الواقع هناك شبه إجماع بين الرافضين للمنهج البنيوي، بل بعض البنيويين أنفسهم، على أن تطبيق المنهج اللغوي على النص الأدبي لا يحقق المعنى. فما يفعله الناقد البنيوي في كثير من الأحيان، إعادة كتابة النص، بل خلق نص جديد يعجز القارئ العادي عن التعامل معه... والأخطر من ذلك أن مثل هذه التحليلات البنيوية لا تقدم لنا أكثر من نحو النص.

من ناحية ثانية، نلاحظ أن خطورة النموذج البنيوي تكمن في افتراض أن النص مغلق ونهائي، فالقول بوجود نسق أو نظام عام للنوع تدرس في ضوئه الأنساق/ النصوص الفردية، يعني بالدرجة الأولى وجود نسق عام مغلق ونهائي، إذ كيف نحلل نصًّا فرديًّا في ضوء نسق غير مكتمل؟ وما يفعله الناقد البنيوي، مسلحاً بتلك الصيغة الآلية المسبقة، هو تحليل النص في ضوء أحكامها وقوانينها. هذا التحليل يفترض أيضاً اكتمال النص ونهائيته. وحيث إن المؤلف في المنظور البنيوي قد مات، وأنه لا مكان في النص لقصدية مؤلف لا وجود له، وأن النص مغلق ذاتي الدلالة، فإن وظيفة الناقد البنيوي هو إنطاق النص، حتى لو كان ذلك يعني إنطاقه بأشياء ليست موجود فيه!

وفي مقابل موضوعية النقد الجديد الذي نادى بفصل تحليل النص عن ذات المؤلف والناقد معاً، اتجه البنيويون منذ البداية إلى استبدال المؤلف بالناقد (أو القارئ). فالفراغ الذي ولَّده موت المؤلف في المشروع البنيوي شغله الناقد البنيوي الذي لبس مسوح الإبداع، ورفع شعارات اللغة الشارحة أوالميتالغة والنقد الشارح أو الميتانقد، واتجهت اللغة النقدية الجديدة إلى لفت النظر إلى نفسها باعتبار أنها لا تقل إبداعاً عن لغة النص!

لقد رفع أتباع البنيوية الأدبية منذ البداية شعار «علمية النقد»، أي تطبيق مبادئ المنهج العلمي، واستخدام أدوات التجريب والقياس، وإعمال قوانين المنطق لتحقيق درجة مقاربة موضوعية للنص الأدبي تماثل موضوعية التعامل مع النص في الفيزياء أو الكيمياء.

وقد ظل هذا الهدف يراود الجميع إلى أن وجد البنيويون الأدبيون ضالتهم أخيراً في دراسات شتراوس في الأنثروبوجيا البنيوية. وكان إنجاز شتراوس الأول، من وجهة نظر البنيويين، هو نقل نموذج التحليل البنيوي للغة -الذي أسسه سوسير- إلى أنظمة وأنساق غير لغوية، مما جعل عملية نقله إلى نظام الأدبي ممكناً أخيراً. وسرعان ما تحوَّلت العملية إلى عبء ثقيل، أقعد البنيويين عن تحقيق هدفهم في مقاربة النص. لقد جاء تحقيق العملية على حساب المعنى. إن أخطر التهم التي تُوجَّه للمشروع البنيوي ترى أن العملية أدت إلى اختزال أو تصغير النص بصورة أفقدت التحليل العلمي القدرة على تحقيق المعنى.

ومن بين أبرز أوجه القصور في البنيوية عدم صلاحية المشروع البنيوي للتطبيق على كل الأنواع الأدبية. فالنموذج السوسيري -مثلاً- قد يلائم طبيعة بعض الأنواع الأدبية، مثل الأشكال السردية، دون أشكال أخرى، كالشعر.

التفكيكية:

المزاج الثقافي الفرنسي أفرز بعد البنيوية: التفكيكة. ثم لفظها، حتى اضطر أصحابها إلى الهجرة إلى تربة أخرى (أمريكا)، حين اكتشف أن التفكيك في حقيقته ينسف التوحد ويلغي التجانس، لأنه ينادي بالتعدد اللانهائي لتفسير النص!

بدأ التفكيك في فرنسا على يد رولان بارت، الذي يرتبط بالمشروع التفكيكي أكثر من ارتباطه بالمشروع البنيوي. وهاجر التفكيكيون الجدد، وعلى رأسهم جاك دريدا[19]، إلى مناخ ثقافي مختلف يقوم على التعددية الثقافية ويحتفي بها. ونقصد به المناخ الثقافي الأمريكي، الذي احتفى بالمهاجرين الجدد ورحبت جامعاتها بالتفكيك. ووجد الأمريكيون ضالتهم في مبادئ التفكيك عن الصراعات غير المنتهية، والمراوغة الدائمة، والدلالات اللانهائية، وهوة دريدا التي لا قرار لها.

جوهر التفكيك هو غياب المركز الثابت للنص[20]، إذ لا توجد نقطة ارتكاز ثابتة يمكن الانطلاق منها لتقديم تفسير معتمد، أو قراءة موثوق بها، أو حتى عدد من التفسيرات والقراءات للنص. بل إن ما هو مركزي أو جوهري في قراءة ما، يصبح هامشيًّا في قراءة أو قراءات أخرى. وبالتالي فإن ما هو هامشي في قراءة ما يصبح مركزيًّا أو مركزاً في قراءة أو قراءات أخرى. ويستتبع ذلك بالطبع ما أسماه التفكيكيون «اللعب الحر» Free play للغة. وحيث لا يوجد مركز ثابت، ولا قراءة معتمدة أو موثوق بها، أو قراءة مفضلة، وإن الوحدات اللغوية المكونة للنص في حالة لعب حر، إذن لا توجد قراءة نقدية واحدة، بل إن كل قراءة نقدية هي في حقيقة الأمر فشل الناقد (او القارئ) في قراءة النص. وحتى تفسح المجال لمحاولة قراءة أخرى تفشل هي الأخرى وتفسح المجال من جديد، بصورة لا نهائية. وهكذا يستبدل بالمفهوم التقليدي لتعدد قراءة النص الواحد -حسب قدرته على الإيحاء عن طريق الرمز- مفهوم لا نهائية القراءات.

ويصف ميللر علاقة المراوغة بين القارئ والنص بالرقص على الجانبين، حيث يقول: «إن على القارئ أن يقوم بالرقص التفسيري على الجانبين ليشرح مقطوعة ما، دون أن يصل أبداً إلى مقطوعة يمكن اعتبارها المقطوعة الرئيسية أو الأصلية أو المنشئة لمبدأ مستقل عام للتفسير». أي أن كلا من القارئ والنص يقومان بعملية دائمة ومستمرة من الرقص على الجانبين، وهكذا يصعب أو يستحيل، من وجهة نظر التفكيك، التقاؤهما في نقطة مركزية ساكنة، إنها عملية المراوغة المستمرة واللانهائية التي يستند إليها التفكيكيون في قولهم بالتفسيرات اللانهائية للنص الواحد.

ويبرز جون إليس حالة الفوضى التي تترتب على الأخذ بالمقولات التفكيكية، وخاصة تلك القائلة بغياب النص الثابت، واختفاء المركز أو الجوهر، واللعب الحر، ولا نهائية القراءات. فهو يرى أن غياب القراءة الموثوقة أو المفضلة تعني أن كل القراءات، أو كل إساءات القراءة متساوية، لا فرق بين إساءة قراءة وإساءة قراءة أخرى. وهذا استنتاج منطقي تماماً في غيبة النص الثابت الذي يمكن أن نرجع إليه. ثم إن ذلك يعني أيضاً أننا في تقديم قراءة جديدة، أو إساءة قراءة جديدة للنص، لسنا مطالبين بتقديم أي قرائن أو أدلة من داخل النص -فالنص لا وجود له- لتعضيد ما يقول.

ويمكن إعادة موقف التفكيك إلى أصوله الفلسفية عند هايدجر في كتابه عن «الكينونة والزمان» والذي دعا فيه إلى تدمير تاريخ المعرفة، وإلى ما يسميه «وليامز» حرق المكتبة، باعتباره المخرج الرائع من أزمة إنسان العصر. وهايدجر لا يدعو إلى التدمير بمعناه الحرفي الضيق، فهو يستخدم لفظة أخرى يتحول إليها في حديثه عن التدمير، نعنى إعادة التركيب de-construction. والتدمير الذي يقصده هايدجر هو عملية الكشف عما حجبته التقاليد وأخفته، تلك القوة التي تسد الطريق أمام الوصول إلى كل ما هو أصيل وأولي وحقيقي داخل التقاليد نفسها. فالتقاليد يجب أن تدمر حتى يمكن إعادة الحيوية لها، وتلك هي المفارقة التي تحكم موقفه من التقاليد.

وثنائية التقاليد المتمثلة في استحالة الهروب منها من ناحية، وضرورة تدميرها للكشف عن المنابع الأولى للكينونة والتجربة الإنسانية من ناحية أخرى، تنقلنا إلى صلب التفسير والدلالة. فكل نص جديد بالنسبة لهايدجر في حقيقته تناص[21]، وأن النصية (= الدلالة التي تحددها العلاقات بين الدوال وبين الأنساق داخل النص الواحد) هي أيضاً بينصية، بمعنى النص الجديد ينشأ عن نصوص سابقة، ويحمل في داخله بقايا التراث الثقافي. وكأن المؤلف، من منظور هرمنيوطيقي، يمسك بيده معولاً يدمر به التقاليد وتراثها المتراكم من النصوص، ليعيد تركيب ما يستحق الاحتفاظ به مما يكشف عنه خدمة للنص الحاضر.

بين البنيوية والتفكيك:

رغم الاختلاف بين البنيوية والتفكيك في الوسائل والغايات، فإن المدرستين تلتقيان حول موت المؤلف واختفاء النص. المدرسة الأولى تدعو لإنشاء نقد جديد يصبح أكثر جذباً من النص المبدع ذاته، والثانية تلغي النص وتقتل المؤلف وتواريه التراب. والمسافة بين المدرستين في هذا ليست واسعة.

وينطلق البنيويون والتفكيكيون أيضاً من مبدأ قديم - جديد، وهو إنكار القصدية. ويقصد بها أن النص يجب دراسته بمعزل عن قصد المؤلف. إلا أن القول بانتفاء القصدية -وهو يقع في صميم مشروع التفكيك- ليس جيداً وليس تفكيكيًّا، بل إنه في الواقع يمثل ذروة فكر النقاد الجدد (إليوت ومدرسته). إن نفي القصدية يتسق مع فكر النقد الجديد والنظرية الموضوعية المنادية بتحليل النص بعيداً عن كل من المؤلف والمتلقي، أي بعيداً عن قصدية المؤلف وعن أهواء وميول وقيم المتلقي المسبقة. كان النقد الجديد في ذلك يهدف إلى تحقيق درجة من الموضوعية العلمية القائمة على التجرد من الذات، ذات المبدع وذات المتلقي، والاحتكام فقط إلى النص في حد ذاته. لكن نقاد الحداثة، والتفكيكيون على وجه الخصوص، طوَّروا مبدأ انتفاء القصدية إلى درجة من فوضى التفسير. فقصد المؤلف غير موجود في النص، والنص نفسه لا وجود له، وفي وجود ذلك الفراغ الجديد الذي جاء مع موت المؤلف وغياب النص، تصبح قراءة القارئ هي الحضور الوحيد. لا يوجد نص مغلق ونهائي، لا توجد قراءة نهائية وموثوق بها، بل توجد نصوص بعدد قراءة النص الواحد، ومن ثم تصبح كل قراءة نصًّا جديداً مبدعاً[22].

تلخيص وخاتمة

في دراستنا هذه قسمنا مسارات قراءة النص في الغرب إلى ثلاثة مسارات:

المسار الأول تمثل في مدرسة التحليل للغوي. في البدء، كانت هذه المدرسة تطمح للوصول إلى لغة علمية صارمة، ثم تواضع هذا الطموح بعد ذلك، لكن جهود هذه المدرسة أثمرت لنا سلسلة من النظريات المهمة، التي كان لها أثر كبير في الفلسفة الغربية المعاصرة وطريقتها في قراءة بعض أنواع النصوص، من أبرز تلك النظريات نظرية الأفعال الكلامية لأوستن، (والنظرية التحويلية في النحو لتشومسكي، ونظرية السياق لفيرث التي لم نعرض لهما)، ويمكن أن نعبر عن هذا المسار بالمسار الإنجليزي - الأمريكي.

المسار الثاني تمثل بتداخل علمي الظواهر (= الفينومينولوجيا) بتفسير النصوص (= الهرمنيوطيقا)، الذي تراوح بين محاولات لتقديم قواعد لتفسير النصوص وإعلان استحالة الوصول إلى قواعد من هذا القبيل، ويمكن أن نعبر عن هذا المسار بالمسار الألماني، الذي أثَّر بدوره في المشهد الفكري الفرنسي والأمريكي.

والمسار الثالث تمثل بظهور تيارين فلسفيين هامين. فبعد أن خبا وهج تيار الفلسفة الوجودية -الذي سيطر على المشهد الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية- ظهر التيار البنيوي، الذي تأثر بعض أتباعه بالماركسية. التيار البنيوي كان يطمح أساساً إلى الوصول إلى قواعد تحدد طريقة اكتشاف البنية العميقة الكامنة داخل النص. لكن سرعان ما تلاشى هذا الطموح مع ظهور التفكيكية، التي قامت بقلب الطاولة على البنيوية، عندما نادت الأخيرة بلا نهائية القراءات، وعدم وجود قراءة موثوق بها للنص، وأوصلت الحال في الغرب إلى فوضى فكرية عارمة (ربما ظهرت جليًّا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001). ويمكن أن نعبر عن هذا المسار بالمسار الفرنسي، الذي أثَّر بشدة في المشهد الفكري الأمريكي.

إن كان ثمةَ تفاعل بين المسارات الثلاثة، فهناك نحوٌ من الاستقلال النسبي بينها.

وفي الختام، إذا نظرنا إلى هذه المسارات، وحاولنا الإفادة منها في مجال قراءة القرآن، فلابد من الالتفات إلى النقاط التالية:

- أن القرآن الكريم هو كلام صادر من الله تبارك وتعالى. وهذا أصل موضوعي، ينطلق منه المسلمون في قراءتهم لقرآنهم، ولا يمكنهم التخلي عنه مطلقاً. وهو المائز الأساس بين قراءتهم للقرآن الكريم، وقراءة الغربيين للكتب المقدسة.

- أن الله تعالى صاغ خطابه -على الأغلب- وفق الطريقة العقلائية المتعارفة، وبالتالي دراسة أصول الخطاب العقلائي، ستكون مفيدة في فهم القرآن الكريم.

- ما تحدثت عنه بعض المدارس الغربية من موت المؤلف، والميل نحو تجاهل قصد المؤلف، لصالح المتلقي أو القارئ أو الناقد، أمر لا يمكن القبول به في مجال القرآن، لأن هدف مفسر القرآن والمتدبر فيه هو الكشف عن مراد الله تعالى. نعم، قد يصح تطبيق هذا المنهج في مجال الشعر أو الأدب، وربما الفن أيضاً، لكن لا يصح تطبيقه على القرآن.

- بالنسبة للفروض والأحكام المسبقة، لابد من التمييز بين مستويين: مستوى ما هو كائن، ومستوى ما ينبغي أن يكون. في مجال القرآن الكريم، على مستوى ما ينبغي أن يكون، يتعين على المفسر أن يحاول ويبذل قصارى جهده لتحرير نفسه من التحيزات والأحكام المسبقة، حتى يكون عقله وقلبه بمثابة مرآة نقية تعكس مراد الله تعالى في خطابه. لكن -على مستوى ما هو كائن- إذا تساءلنا: هل سيحقق المفسر نجاحاً كاملاً في محاولاته أو لا؟ هذا قابل للمناقشة. والأرجح عدم إمكانية تحرر الإنسان الاعتيادي من التحيزات والأحكام المسبقة. لكن عدم قدرته التكوينية شيء، وضرورة بذل أقصى الطاقة للتحرر شيء آخر... ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

- إن كان مقصود البعض من ضرورة الإفادة من الفروض المسبقة، بعض الخرائط الذهنية التي تساعد المفسر على فرز ما يتلقاه من النص، لينتظم في النهاية في منظور معرفي محدد، فلا بأس في ذلك، شريطة أن تكون هذه الخرائط مرنة، وقابل للتعديل، وأن يلتفت المفسر إلى أنها مجرد أداة معرفية تساعده على تنظيم المعطيات التي ترده من النص القرآني. القرآن -بالنسبة للمفسر المسلم- هو المقدس، أما الخرائط المعرفية التي تساهم البيئة الثقافية في رسمها في ذهن المفسر هي ليست شيئاً مقدساً، وإنما هي أداة معرفية تعينه على تنظيم معارفه بنحو متسق.

ما انتهت إليه بعض المدارس الغربية من لانهائية القراءات، أمر لا يمكن القبول به في مجال القرآن. نعم، تعدد القراءات -وفق ضوابط معينة- يمكن القبول به. لكن لانهائية القراءات، وعدم تفضيل قراءة على أخرى، واعتبار كل قراءة إساءة قراءة، الأمر الذي يؤدي لا محالة إلى فوضى التفسير، لا يمكن القبول به أبداً في مجال القرآن الكريم.

ملاحق

(1)

في هذا الملحق نذكر تنبيهاً هامًّا أشار إليه السيد محمد باقر الصدر، في «المرسل، الرسول، الرسالة» أو «موجز في أصول الدين» المنشور كمقدمة لكتابه «الفتاوى الواضحة»، يؤكد فيه أن تفسير الرسالة على أساس الغيب لا ينافي تفسيرها على أساس العوامل والظروف المحسوسة.

تنبيه:

«لا يعني تفسير الرسالة على أساس الوحي والإمداد من السماء، بدلاً عن العوامل والظروف المحسوسة، إلغاء هذه العوامل والظروف عن التأثير نهائيًّا، بل إنها مؤثرة وفقاً للسنن الكونية والاجتماعية العامة، ولكن تأثيرها إنما هو في سير الأحداث، ومدى ما ينجم عنها من مؤثرات لصالح نجاح الرسالة، أو لإعاقتها عن النجاح. فالرسالة -كمحتوى-حقيقة ربانية، فوق الشروط والظروف المادية، ولكنها بعد أن تحولت إلى حركة، إلى عمل متواصل في سبيل التغيير، يصبح بالإمكان ربطها بظروفها وما تكشفها من ملابسات وأحاسيس.

فإذا قيل مثلاً: إن شعور الإنسان العربي بالتمزق والضياع، وهو يجد نفسه يجسد آلهته ومثله الأعلى في حجر يحطمه في لحظة غضب، أو حلوى يلتهمها في لحظة جوع، جعله يتطلع إلى الرسالة الجديدة.

أو قيل مثلاً: إن شعور البائس والكادح، في المجتمع العربي، بالظلم والتعسف من قبل المرابين والمستغلين، دفعه إلى تأييد حركة جديدة، ترفع راية العدالة، وتقضي على رأس المال الربوي.

أو قيل: إن الشعور القبلي، لعب دوراً مهمًّا في حياة الرسالة، سواء ما كان منها على مستوى محلي، كمشاعر الصراع والتنافس بين قبائل قريش، وما أسبغه النبي على عشيرته من حصانة وهيبة، حمته من الأعداء، أو ما كان منها على المستوى القومي، كمشاعر عرب جنوب الجزيرة تجاه شمالها.

أو قيل: إن ظروف العالم المتداعي، والأحوال المحرجة التي مرت بها الدولتان العظيمتان الرومانية والفارسية على المسرح الدولي وقتئذ، أشغلت هاتين القوتين الكبيرتين بنفسيهما، وحالت دون تدخلهما في إجهاض الحركة الجديدة في الجزيرة العربية.

إذا قيل شيء من هذا القبيل، فهو أمر معقول، وقد يكون مقبولاً، غير أن هذا إنما يفسر الأحداث، ولا يفسر الرسالة نفسها»[23].

(2)

في هذا الملحق نتحدث عن معالم القراءة الدينية التقليدية للنصوص، كما بينها الشيخ أحمد واعظي في مقالة منشورة له في مجلة «المحجة»، العدد 6، 2003/ 1423هج، ص54 - 58.

القراءة التقليدية للدين:

المفسر يستهدف الكشف عن معنى النص: ومعنى النص هو ذلك الذي يقصده المتكلم أو المؤلف، والذي يستخدم الألفاظ والجمل للتعبير عنه. إذن لكل نص معنى محدد ونهائي، هو الغرض الحاسم لصاحب النص، وهذا المراد الحاسم والمعنى النهائي للنص أمر موضوعي واقعي، يحاول المفسر إدراكه والوصول إليه والكشف عنه. والمقصود بالموضوعي والواقعي هو أن المفسر قد يخطئ فلا يقبض على المعنى الصحيح للنص، وأحياناً قد يصيب فيتطابق فهمه مع معنى النص، ويبقى المعنى في الحالتين شيئاً ثابتاً لا يقبل التغيير، ولا تؤدي ذهنية المفسر دوراً في صناعته. بحسب هذا التصور، تتضمن النصوص الدينية رسائل إلهية للبشر، وغاية مفسرها إدراك هذه الرسائل التي تمثل الأهداف الحقيقية لصاحب النص.

استكشاف معنى النص ميسور عن طريق انتهاج الأسلوب العقلائي المشهور لفهم النص. وفيه أن الظهور اللفظي للنص جسر للوصول إلى الغرض الحقيقي والمعنى المقصود. فالمتكلم أو صاحب النص عبَّر عن مراده بواسطة الألفاظ وتراكيبها. ودلالة الألفاظ على المعاني تتبع الوضع اللغوي والأصول العقلائية للتحاور والتفاهم والتفهيم، وهي قواعد عرفية وعقلائية تؤخذ بنظر الاعتبار من قبل المتكلم والمخاطب في جميع اللغات. وعدم مراعاة هذه الضوابط والقواعد تخل طبعاً بعملية فهم النص.

الوضع النموذجي للمفسر، هو أن يصل إلى فهم يقيني موثوق لمراد المتكلم الجدي. لكن هذا اليقين لا يتأتى في كل الأحوال، بل في حالة وضوح دلالة النص على المراد فقط، وهي حالة تسمى اصطلاحاً بـ«النص». ففي النص الديني يتوافر المفسر على فهم موضوعي مطابق للواقع. أما في غير «النص»، الذي يصطلح عليه بـ«الظاهر»، فرغم أن المفسر لا يتيقن من أن ما توصل إليه من معنى هو المعنى النهائي الحاسم للنص، لا يمكن -تحت مبرر عدم اليقين- تجريد التفسير عن الموضوعية والقيمة. فعدم الاطمئنان، وصعوبة الفهم للواقع أو لمراد المتكلم، لا يعني عدم وجود معيار لفحص صحة التفسير من سقمه. ففي تفسير النص، لا سيما النص الديني، نطمح إلى بلوغ درجة التعويل والحجية. وإنما يصح التعويل على التفسير واعتباره حجة وذا قيمة إذا جاء وفق منهج تُراعى فيه القواعد والأصول العقلائية للتحاور.

الفاصل الزماني بين عصر المفسر وزمن صدور النص لا يمنع المفسر من القبض على المعنى المقصود، والمراد الجدي للنصوص الدينية. فالفهم الموضوعي للنص ممكن رغم الفاصل الزماني والمكاني بين المؤلف والمفسر، ذلك أن تغيرات اللغة على مر العصور ليست بالنحو الذي يخلق لفهم النص عراقيل حادة، ويجعل الظهور اللفظي للكلام -الذي يتبدى للمفسر- على تضاد مع المعنى الذي رمى إليه المؤلف.

ينبغي أن يتركز هم المفسر على وعي رسالة النص وإدراكها. ففهم النص عملية مدارها النص والمؤلف (أصالة النص والمؤلف)، والمفسر يسعى لمعرفة مراد المؤلف عن طريق دلالة النص. من هنا، فإن أي إشراك لذهنية المفسر في تحديد محتوى الرسالة مرفوض تماماً. فقبليات المفسر وأحكامه المسبقة تُشوِّش عملية الفهم وتلوثها، وتجعلها «تفسيراً بالرأي». وهكذا فأي تنظير لعملية التفسير، والذي يقضي إلى «أصالة المفسر»، ويشير إلى إسهام ذهنيته وقبلياته في عملية الفهم، يتعارض بشدة مع الأسلوب المقبول الدارج للتفسير. فالمفسر، بناء على الأسلوب التلقيدي، منفعل حيال النص، ولا دور له إلا تلقي الرسالة من دون أي تصرف أو مساهمة في تشكيلها وصياغتها. وإذا أراد أن يتعامل بشكل فاعل في تحديد مضامين الرسالة يكون قد انحرف عن المنهج الدارج المقبول للفهم، وسلك سبيلاً غير مبرر، وفسر النصوص برأيه.

تعارض القراءة التقليدية للنص «النسبية التفسيرية» أشد المعارضة. والمراد بالنسبية التفسيرية الافتقار إلى معيار لتمييز الفهم الصائب من الخاطئ، فلا يمكن تحديد الفهم السليم من السقيم، فيغدو كل فهم للنص، أو الفهوم المتنوعة المتفاوتة على الأقل، مسوَّغة ومقبولة، وما من فهم يتسم بالموضوعية دون غيره. إن المنهج المتعارف عليه في فهم النص، يرفض وضع تفاسير كيفما اتفق، كما أن النص ذاته لا يتقبل أي تفسير مهما كان. وللمثال ينبغي الالتفات في باب النصوص الدينية إلى أن «النص» لا يفيد إلا تفسيراً وفهماً واحداً، أما «الظاهر» فهو إلى جانب تقبله لاحتمالات تفسيرية متعددة، إلا أن هذه الاحتمالات لا تخرج عن دائرة محدودة جدًّا. فالظاهر هو أيضاً لا يتقبل التفاسير المنغلقة غير المعقولة. وقد تبرز إلى السطح تباينات معينة في فهم بعض الظواهر. ولهذه التباينات مساحتها الصغيرة التي يحددها النص، لا ذهنية المفسر. بعبارة أخرى: حينما يطرأ الاختلاف في تفسير النص، تبقى الأصالة للنص والمؤلف في التفسير، ولا يتاح المجال لأصالة المفسر بأي حال من الأحوال.

(3)

في هذا الملحق نتحدث عن أهم التحديات التي تثيرها الهرمنيوطيقا حيال الأسلوب الديني التقليدي الدارج في قراءة النصوص، كما بيَّنها الشيخ أحمد واعظي في مقالة منشورة له في مجلة «المحجة»، العدد 6، 2003/ 1423هج، ص59 - 60.

أهم التحديات التي تثيرها الهرمنيوطيقا حيال الأسلوب التفسيري الدارج:

فهم النص حصيلة أفق المعاني لدى المفسر مع أفق المعاني في النص، ولذلك إشراك ذهنية المفسر في عملية الفهم ليس بالمذموم، بل هو شرط وجودي لحصول الفهم، وينبغي التسليم له كواقع لا مندوحة منه.

الفهم الموضوعي للنص، بمعنى الفهم المطابق للواقع، غير ممكن، لأن العنصر الباطني أو ذهنية المفسر وقبلياته شرط لحصول الفهم، فخلفيات المفسر ذات دور حتمي في كافة فهومه وتفاسيره كافة.

عملية فهم النص عملية غير منتهية، فإمكانية القراءات المختلفة للنص لا تعرف حدوداً تقف عندها، إذ إن الفهم تركيب وامتزاج بين أفق معاني المفسر وأفق معاني النص، ومع كل تحول في المفسر والفقيه تتاح إمكانية جديدة للتركيب والامتزاج وولادة فهم جديد. إذن لا نهاية لاحتمالات التراكيب ولإمكان القراءات والتفاسير المختلفة للنص.

ليس ثمة فهم ثابت غير متحرك، ولا يصح تحديد فهم، بوصفه الفهم النهائي الذي لا يتغير، لنص من النصوص.

ليست الغاية من تفسير النص القبض على، واستكشاف، «مراد المؤلف». فنحن نواجه النص وليس المؤلف. وما المؤلف إلا أحد قراء النص، ولا يتميز عن باقي المفسرين، فينتج عن ذلك فهم النص. وهكذا، فالمفسر لا يعبأ بالمقاصد والغايات التي أراد المؤلف التعبير عنها.

لا يوجد مناط أو معيار لفحص التفسير القيِّم من غير القيِّم، إذ لا يوجد أساساً شيء اسمه «تفسير قيِّم»، والرؤية التي تتحدث عن شيء اسمه «تفسير قيِّم أو صحيح» تقرر إدراك مرامي المؤلف كغاية للتفسير، بينما الهرمنيوطيقا الفلسفية ترى «أصالة المفسر» ولا تتوخى معرفة قصد المؤلف إطلاقاً. ولأن مفسري النص كثر، ولهم على مر الزمان آفاق متعددة مختلفة، ستظهر فهوم للنص جدُّ متباينة، لا يصح اعتبار أي منها أفضل من الآخر.

الهرمنيوطيقا الفلسفية ملائمة تماماً لـ«النسبية التفسيرية»، وتفتح مجالاً رحباً لتفاسير متطرفة[24].

(4)

في هذا الملحق ندرس مصطلح «التفسير» ومصطلح «التأويل»، عند مفسري القرآن الكريم من المسلمين، ونستعين هنا بما كتبه السيد محمد باقر الصدر، المنشور ضمن كتاب «علوم القرآن» للسيد محمد باقر الحكيم.

التفسير:

التفسير يعني -لغويًّا- البيان والكشف.

والتفسير تارة يكون للفظ على صعيد المفاهيم، وتارة أخرى يكون للمعنى على صعيد المصاديق. تفسير اللفظ عبارة عن بيان معناه لغة، وأما تفسير المعنى فهو تحديد مصداقه الخارجي الذي ينطبق عليه ذلك المعنى.

فحين نسمع شخصاً يقول: «إن دول الاستكبار تملك أسلحة ضخمة»، تارة نتساءل: ما هو معنى «أسلحة»؟ ونجيب على هذا السؤال: إن الأسلحة هي الأشياء التي يستعين بها صاحبها في قهر عدوه. وأخرى نتساءل: ما هي نوعية السلاح الذي تملكه تلك الدول؟ ونجيب: إن سلاحها القنابل الذرية أو الصواريخ بعيدة المدى أو أقمار التجسس الفضائية أو الغواصات الذرية... إلخ.

ففي المرة الأولى فسرنا اللفظ إذا ذكرنا معناه لغة، وفي المرة الثانية فسرنا المعنى إذ حددنا المصداق الذي ينطبق عليه معنى الجملة ويشير إليه. فتسمى المرحلة الأولى بمرحلة تفسير اللفظ أو التفسير اللغوي، وهي مرحلة تحديد المفاهيم. وتسمى المرحلة الثانية مرحلة تفسير المعنى، وهي مرحلة تجسيد تلك المفاهيم في صور معينة محددة.

وأمثلة ذلك من القرآن الكريم كثيرة، فنحن نلاحظ في القرآن أن الله سبحانه يوصف بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، ونواجه بالنسبة إلى هذه الكلمات بحثين:

أحدهما: البحث عن مفاهيم هذه الكلمات من الناحية اللغوية.

والآخر: البحث عن تعيين مصداق تلك المفاهيم بالنسبة إلى الله تعالى.

فكيف يسمع سبحانه؟ وهل يسمع بجارحة؟ وكيف يعلم؟ وهل يعلم بصورة زائدة على ذاته؟

ضرورة التمييز بين تفسير اللفظ وتفسير المعنى:

والتمييز بين تفسير اللفظ وتفسير المعنى يعتبر نقطة مهمة في تفسير القرآن الكريم، وأداة لحل التناقض الظاهري الذي قد يبدو بين حقيقتين قرآنيتين:

الأولى: أن القرآن كتاب هداية للبشرية، أنزله الله تعالى لإخراجها من الظلمات إلى النور. وهذه الحقيقة تفرض أن يجيء القرآن ميسَّر الفهم، وأن يتاح للإنسان استخراج معانيه منه، إذ لا ينتظر من القرآن أن يحقق آهدافه ويؤدي رسالته لو لم يكن مفهوماً من قبل الناس.

الثانية: أن كثيراً من الموضوعات التي يستعرضها القرآن أو يشير إليها، لا يمكن فهمها بسهولة، بل قد تستعصي على الذهن البشري، لدقتها وابتعادها عن مجالات الحس والحياة الاعتيادية التي يعيشها الإنسان، نظير ما يتعلق باللوح، والقلم، والعرش، والملك، والشيطان... إلخ.

إذن حقيقة أهداف القرآن الكريم ورسالته تفرض أن يكون ميسَّر الفهم، لكن واقع بعض موضوعاته يستعصي على الفهم ويتيه فيها الذهن البشري.

وحل التناقض الظاهري بين هاتين الحقيقتين، إنما يكون بالتمييز بين تفسير اللفظ وتفسير المعنى، لأن الحقيقة الأولى أهداف القرآن إنما تفرض أن يكون القرآن ميسر الفهم، بوصفه كلاماً دالاً على معنى، أي بحسب تفسير اللفظ، وهو بهذا الوصف ميسر الفهم، سهل على الناس استخراج معانيه، وإنما الصعوبة في تحديد الصور الواقعية لمعانيه ومفاهيمه.

فكل الآيات التي استعرضت تلك الموضوعات -التي أشرنا إليها في الحقيقة الثانية-تعتبر مفهومة من ناحية لغوية، ولا صعوبة في التفسير اللفظي لها، وإنما الصعوبة تكمن في تفسير معنى اللفظ، لا في تفسير اللفظ نفسه، لأن تلك الموضوعات ترتبط بعوالم أرقى من عالم الحس الذي يعيشه الإنسان، فيكون من الطبيعي أن يواجه الإنسان صعوبات كبيرة إذا حاول تحديد المعنى في مصداق معين، وتجسيد المفهوم في الذهن ضمن واقع خاص[25].

التفسير بوصفه علماً:

وأما التفسير بوصفه علماً، فهو علم يبحث فيه عن القرآن الكريم بوصفه كلاماً لله تعالى.

وتوضيح ذلك أن القرآن الكريم له عدة اعتبارات: فهو تارة يلحظ بوصفه حروفاً كتابية ترسم على الورق، وأخرى يلحظ بوصفه أصواتاً نقرؤها ونرددها بلساننا، وثالثة يلحظ باعتباره كلاماً لله تعالى.

والقرآن الملحوظ بأي واحد من هذه الاعتبارات يقع موضوعاً لعلم يتكون من بحوث خاصة به.

فالقرآن من حيث إنه حروف تكتب، موضوعٌ لعلم الرسم القرآني الذي يشرح قواعد كتابة النص القرآني.

والقرآن من حيث إنه يقرأ، موضوع لعلم القراءة وعلم التجويد.

والقرآن من حيث إنه كلام الله، يقع موضوعاً لعلم التفسير.

فعلم التفسير يشتمل على جميع البحوث المتعلقة بالقرآن بوصفه كلام الله، ولا يدخل في نطاقه البحث في طريقة كتابة الحرف، أو طريقة النطق بصوته، لأن الكتابة والنطق ليسا من صفات نص القرآن بوصفه كلاماً لله، إذ ليس لكونه كلاماً لله دخل في كيفية كتابته أو قراءته.

وإنما يدخل في علم التفسير -في ضوء ما ذكرناه له من تعريف- البحوث الآتية:

أولاً: البحث عن مدلول كل لفظ أو جملة في القرآن الكريم، لأن كون هذا المعنى أو ذاك مدلولاً للفظ القرآني، من صفات القرآن بوصفه كلاماً لله، وليس من صفات الحروف أو أصواتها بما هي حروف أوأصوات.

ثانياً: البحث عن إعجاز القرآن، والكشف عن مناحي الإعجاز المختلفة فيه، فإن الإعجاز من أوصاف القرآن باعتباره كلاماً دالاً على المراد.

ثالثاً: البحث عن أسباب النزول، لأن الآية حين ندرس سبب نزولها نلاحظها بما هي كلام، أي بما هي لفظ مفيد دال على معنى، لأن ما لا يكون كلاماً ولا يدل على معنى، لا يرتبط بحادثة معينة لتكون سبباً لنزول الآية.

رابعاً: البحث عن الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، فإن كل ذلك يتناول النص القرآني بوصفه كلاماً دالاً على معنى.

خامساً: البحث عن أثر القرآن في التأريخ، ودوره العظيم في بناء الإنسانية وهدايتها، فإن أثر القرآن ودوره مردهما إلى فعالية القرآن بوصفه كلاماً لله تعالى، لا بوصفه مجرد حروف تكتب أو أصوات تُقرأ.

ومن خلال تعريف علم التفسير، نحدد موضوعه أيضاً، وهو القرآن من حيث كونه كلاماً لله تعالى[26].

التأويل:

«التأويل» كلمة أخرى ظهرت إلى جانب كلمة «التفسير» في بحوث القرآن عند المفسرين، واعتبروها مرادفة تقريباً لكلمة «التفسير» في المعنى، فالكلمتان معاً تدلان على بيان معنى اللفظ والكشف عنه، قال صاحب القاموس: «أوَّل الكلام تأويلاً: دبَّره وقدَّره وفسَّره».

والمفسرون الذين كادوا أن يتفقوا على التوافق بين الكلمتين بشكل عام، اختلفوا في تحديد مدى التطابق بين الكلمتين، ونحن هنا نذكر بعض الاتجاهات والمذاهب في ذلك:

الاتجاه العام لدى قدماء المفسرين: الذي كان يميل إلى القول بالترادف بينهما، فكل تفسير تأويل، والعكس صحيح أيضاً. وعلى هذا فالنسبة بينهما هي التساوي.

الاتجاه العام لدى من تأخر عنهم من المفسرين: الذي يميل إلى القول بأن التفسير يخالف التأويل في بعض الحدود، إما في طبيعة المجال المفسَّر والمؤوَّل، أو في نوع الحكم الذي يصدره المفسِّر والمؤوِّل، أو في طبيعة الدليل الذي يعتمد عليه التفسير والتأويل. فهنا مذاهب نذكر منها ثلاثة:

التمييز بين التفسير والتأويل في طبيعة المجال المفسَّر: ويقوم هذا المذهب على أساس القول بأن التفسير يخالف التأويل بالعموم والخصوص؛ فالتأويل يصدق بالنسبة إلى كل كلام له معنى ظاهر، فيحمل على غير ذلك المعنى، فيكون هذا الحمل تأويلاً، والتفسير أعم منه، لأنه بيان مدلول اللفظ مطلقاً، أعم من أن يكون هذا المدلول على خلاف المعنى الظاهر أو لا.

التمييز بين التفسير والتأويل في نوع الحكم: ويقوم هذا المذهب على أساس القول بأن التفسير والتأويل متباينان، لأن التفسير هو القطع بأن مراد الله كذا، والتأويل ترجيح أحد المحتملات دون قطع، وهذا يعني أن المفسِّر أحكامه قطعية، والمؤوِّل أحكامه ترجيحيه.

التمييز بين التفسير والتأويل في طبيعة الدليل: ويقوم هذا المذهب على أساس القول بأن التفسير هو بيان مدلول اللفظ اعتماداً على دليل شرعي، والتأويل هو بيان اللفظ اعتماداً على دليل عقلي.

الموقف من هذه الاتجاهات:

يرى السيد محمد باقر الصدر أن البحث في تعيين مدلول كلمة «التأويل»، والمقارنة بينها وبين كلمة «التفسير» يتسع -في الحقيقة- بقبول كل هذه الوجوه حين يكون بحثاً اصطلاحيًّا يستهدف تحديد معنى مصطلح معين لكلمة «التأويل» في علم التفسير، لأن كل تلك المعاني داخلة في نطاق حاجة المفسر، فيمكنه أن يصطلح على التعبير عن أي واحد منها بكلمة «التأويل»، لكي يشير إلى مجال خاص أو درجة معينة من الدليل، ولا حرج عليه في ذلك، ولكن الأمر يختلف عندما يكون البحث عن معنى كلمة «التأويل» عندما ترد في الكتاب والسنة، فإن الخطر يكمن في اتخاذ المعنى المصطلح معنى وحيداً للفظ، وفهم كلمة «التأويل» على أساسه إذا جاءت في النص الشرعي (القرآن أو السنة).

ونحن إذا لاحظنا كلمة «التأويل» وموارد استعمالاتها في القرآن نجد لها معنى آخر، لا يتفق مع ذلك المعنى الاصطلاحي الذي يجعلها بمعنى التفسير، ولا يميزها عنه إلا في الحدود والتفصيلات. فلكي نفهم كلمة «التأويل» يجب أن نتناول -إضافة إلى معناها الاصطلاحي- معناها الذي جاءت به في القرآن الكريم. وقد جاءت كلمة «التأويل» في سبع سور من القرآن الكريم:

الأولى: سورة آل عمران، ففيها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ... (آل عمران، 7).

الثانية: سورة النساء، ففيها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء، 59).

الثالثة: سورة الأعراف، ففيها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ... (الأعراف، 52).

الرابعة: سورة يونس، ففيها قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ... (يونس، 39).

الخامسة: سورة يوسف، جاء فيها قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ... (يوسف، 6).

والسادسة والسابعة: سورتا الإسراء (35)، والكهف (78)، إذ جاءت فيهما كلمة «التأويل» على هذا المنوال أيضاً.

وبدراسة هذه الآيات نعرف أن كلمة «التأويل» لم ترد فيها بمعنى التفسير وبيان مدلول اللفظ، بل يبدو عدم إمكانية ورودها بهذا المعنى إلا في الآية الأولى فقط، لأن التأويل في الآية الأولى أضيف إلى الآيات المتشابهة، ولهذا ذهب كثير من مفسري الآية إلى القول بأن تأويل الآية المتشابهة هو تفسيرها وبيان مدلولها، وتدل الآية عندئذ على عدم جواز تفسير الآية المتشابهة، ومن ثم على أن قسماً من القرآن يستعصي على الفهم، ولا يعلمه إلا الله، أو الله والراسخون في العلم (على الاحتمالين في الوقف والوصل)، وأما ما يتاح للإنسان الاعتيادي فهمه وتفسيره ومعرفة معناه من القرآن فهو الأيات المحكمة منه فقط.

وهذا الموقف الذي وقفه أولئك المفسرون من هذه الآية الكريمة، وحملهم لكلمة «التأويل» على ضرب من التفسير، يأتي نتيجة لانسياقهم مع المعنى الاصطلاحي لكلمة «التأويل». ونحن بإزاء موقف من هذا القبيل، يجب أن نعرف قبل كل شيء أن المعنى الاصطلاحي هل كان موجوداً في عصر القرآن؟ وهل جاءت كلمة «التأويل» بهذا المعنى وقتئذ؟ ولا يكفي مجرد انسياق المعنى الاصطلاحي مع سياق الآية لنحمل كلمة «التأويل» فيها عليه.

وملاحظة ما عدا الآية الأولى من الآيات التي جاءت فيها كلمة «التأويل» تدل على أنها كانت تستعمل في القرآن الكريم بمعنى آخر غير التفسير، ولا نملك دليلاً على أنها استعملت بمعنى التفسير في مورد ما من القرآن.

والمعنى الذي يناسب تلك الآيات هو أن يكون المراد بتأويل الشيء هو ما يؤول وينتهي إليه في الخارج والحقيقة، كما تدل عليه مادة الكلمة نفسها، ولهذا أضيف التأويل إلى الرد إلى الله والرسول تارة، وإلى الكتاب أخرى، وإلى الرؤيا، وإلى الوزن بالقسطاس المستقيم.

وهذا نفسه هو المراد -كما عرفنا- من كلمة «التأويل» في الآية الأولى التي أضيف فيها التأويل إلى الآيات المتشابهة في قوله تعالى: ﴿... فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ... (آل عمران، 7)، فتأويل الآيات المتشابهة ليس بمعنى بيان مدلولها وتفسير معانيها اللغوية، بل هو ما تؤول إليه تلك المعاني، لأن كل معنى عام حين يريد العقل أن يحدده ويجسده ويصوره في صورة معينة، فهذه الصورة المعينة هي تأويل ذلك المعنى العام.

وعلى هذا الأساس يكون معنى التأويل في هذه الآية هو ما أطلقنا عليه اسم «تفسير المعنى»، لأن الذين في قلوبهم زيغ كانوا يحاولون أن يحددوا صورة معينة لمفاهيم الآيات المتشابهة إثارة للفتنة، لأن كثيراً من الآيات المتشابهة تتعلق معانيها بعوالم الغيب، فتكون محاولة تحديد تلك المعاني وتجسيدها في صورة ذهينة خاصة -مادية أو منسجمة مع هوى ورأي المؤول- عرضة للخطر وللفتنة.

ونستخلص من ذلك أمرين:

أحدهما: التأويل جاء في القرآن بمعنى ما يؤول إليه الشيء، لا بمعنى التفسير. وقد استخدم بهذا المعنى للدلالة على تفسير المعنى، لا تفسير اللفظ، أي على تجسيد المعنى العام في صورة ذهنية معينة.

والآخر: أن اختصاص الله سبحانه والراسخين في العلم بالعلم بتأويل الآيات المتشابهة، لا يعني أن الآيات المتشابهة ليس لها معنى مفهوم، وأن الله وحده الذي يعلم بمدلول اللفظ وتفسيره، بل يعني أن الله وحده الذي يعلم الواقع الذي تشير إليه تلك المعاني، ويستوعب حدوده وكنهه. وأما معنى اللفظ في الآية المتشابهة فهو مفهوم، بدليل أن القرآن يتحدث عن اتباع مرضى القلوب للآية المتشابهة، فلو لم يكن لها معنى مفهوم لما صدق لفظ «الاتِّباع» هنا. فما دامت الآية المتشابهة يمكن أن تُتَّبع، فمن الطبيعي أن يكون لها معنى مفهوم، وكيف لا يكون لها معنى مفهوم وهي جزء من القرآن الذي أُنزل لهداية الناس وتبيان كل شيء؟!

والواقع أن عدم التمييز بين تفسير اللفظ وتفسير معنى اللفظ، هو الذي أدى إلى الاعتقاد بأن التأويل المخصوص علمه بالله هو تفسير اللفظ، ومن ثم إلى القول بأن قسماً من الآيات ليس لها معنى مفهوم، لأن تأويلها مخصوص بالله. ونحن إذا ميزنا بين تفسير اللفظ وتفسير المعنى، نستطيع أن نعرف أن المخصوص بالله هو تأويل الآيات المتشابهة، بمعنى تفسير معانيها لا تفسير ألفاظها.

وهكذا يمكننا -في هذا الضوء- أن نضيف إلى المعاني الاصطلاحية التي مرت بكلمة «التأويل» معنى آخر يمكن استنباطه من القرآن الكريم، هو تفسير معنى اللفظ، والبحث عن استيعاب ما يؤول إليه المفهوم العام، ويتجسد به من صورة ومصداق.

(5)

في هذا الملحق ندرس الشروط التي يجب توافرها في مفسر القرآن، وفقاً لرؤية السيد محمد باقر الصدر، الواردة في كتاب «علوم القرآن» للسيد محمد باقر الحكيم.

الشروط التي يجب توافرها في المفسر:

التفسير بوصفه علماً تتوقف ممارسته على شروط كثيرة، لا يمكن بدونها أن ينجح البحث في القرآن، ويوفق المفسر في مهمته، ويمكن أن نلخص تلك الشروط في الأمور الأربعة التالية:

يجب على المفسر أن يدرس القرآن ويفسره بذهنية إسلامية، أي ضمن الإطار الإسلامي للتفكير، فيقيم بحوثه دائماً على أساس أن القرآن كتاب إلهي، أُنزل للهداية وبناء الإنسانية بأفضل طريقة ممكنة، ولا يخضع للعوامل والظروف والمؤثرات التي يخضع لها النتاج البشري في مختلف حقول المعرفة الإنسانية، فإن هذا الأساس هو الأساس الوحيد لإمكان فهم القرآن وتفسير ظواهره بطريقة صحيحة.

وأما حين يستعمل المفسر، في دراسة القرآن، نفس المقاييس التي يدرس في ضوئها أي كتاب دعوي آخر، أو أي نتاج بشري، فهو يقع نتيجة لذلك في أخطاء كبيرة واستنتاجات خاطئة، كما يتفق ذلك لبحوث المستشرقين الذين يدرسون القرآن في ضوء نفس المقاييس التي يدرسون بها أي ظاهرة من ظواهر المجتمع التي تنشأ فيه، وترتبط بمؤثراته وعوامله وتتكيف بموجبها.

وهذا الشرط تفرضه طبيعة الموقف العلمي، لأن المفهوم الذي يكوِّنه المفسر عن القرآن ككل يشكل القاعدة الأساسية لفهم تفصيلاته، ودرس مختلف جوانبه. فلابد أن يُبنى التفسير على قاعدة سليمة ومفهوم صحيح عن القرآن، يتفق مع الإطار الإسلامي للتفكير، لكي يتجه اتجاهاً صحيحاً في الشرح والتحليل. وأما إذا أقيم التفسير على أساس تقييم خاطئ للقرآن، ومفهوم غير صحيح عنه، فسوف ينعكس انحراف القاعدة على التفصيلات، ويفرض على اتجاه البحث انحرافاً في التحليل والاستنتاج.

وفيما يلي بعض الأمثلة التي يتجلى فيها مدى الفرق في الاتجاه بين دراسة القرآن بوصفه كتاباً إلهيًّا للهداية، ودراسته بوصفة ظاهرة في مجتمع تتأثر به وتتفاعل مع عوامله ومؤثراته، وكيف تنعكس القاعدة التي يقام على أساسها التفسير في التفصيلات وطريقة التحليل والاستنتاج؟

ففي إقرار القرآن لعدد من الأعراف وألوان من السلوك التي كانت سائدة بين العرب قبل بزوغ نور الرسالة الجديدة، قد يخيل لمن ينطلق من قاعدة خاطئة، ويحاول أن يفسر القرآن بمقاييس غيره من منتجات الأرض أن ذلك الإقرار يعبر عن تأثر القرآن بالمجتمع الذي وُجد فيه. ولكن هذا التفسير لا معنى له حين ننطلق من القاعدة الصحيحة، ونفهم القرآن الكريم بوصفه كتاباً إلهيًّا للهداية وبناء الإنسانية، بالصورة التي تعيد إليها فطرتها النقية، وتوجهها نحو أهدافها الحقيقية الكبرى.

بل نستطيع على أساس هذه القاعدة الصحيحة أن نفهم ذلك الإقرار من القرآن فهماً صحيحاً، إذ ليس من الضروري لكتاب هداية من هذا القبيل أن يشجب كل الوضع الذي كانت الإنسانية عليه قبله، لأن الإنسانية مهما تفسد وتنحرف عن طريق الفطرة والأهداف الحقيقية الكبرى فهي لا تفسد كلها، بل تبقى في العادة جوانب صالحة في حياة الإنسانية، تمثل فطرة الإنسان أو تجاربه الخيرة. فمن الطبيعي للقرآن أن يقر بعض الجوانب، ويشجب أكثر الجوانب في عملية التغيير العظيم التي مارسها، وحتى هذا الذي أقره وضعه في إطاره الخاص وربطه بأصوله وقطع صلته بالجاهلية وجذورها.

وفي تدرج القرآن الكريم في التشريع، قد يخيل لمن ينطلق من القاعدة الخاطئة التي تقول ببشرية القرآن أن القرآن قد داهن المجتمع وجامله، وأنه كان ينتظر الفرص السانحة ليزيد من الضوابط والقيود. ولكن هذا التفسير لا معنى له حين ننطلق من القاعدة الصحيحة، ونفهم القرآن بوصفه كتاباً إلهيًّا للهداية. فالتدرج في عملية الإصلاح ترتبط بطبيعة عملية البناء التي يمارسها القرآن، لأن القرآن لم ينزل ليكون كتاباً علميًّا يدرسه العلماء، وإنما نزل لتغيير الإنسانية وبنائها من جديد على أفضل الأسس، وعملية التغيير تتطلب التدرج.

وفي القرآن الكريم نجد كثيراً من التشريعات والمفاهيم الحضارية التي كانت متبناة من قبل الشرائع السماوية الآخرى، كاليهودية والنصرانية. وقد يخيل لمن يدرس القرآن على أساس هذه القاعدة الخاطئة بأن القرآن قد تأثر وانفعل في ذلك بهذه الأديان، فانعكس هذا الانفعال من ثم على القرآن نفسه.

ولكن الواقع -وعلى أساس المفهوم الصحيح- إن القرآن يمثل الإسلام الذي هو امتداد لرسالات السماء وخاتمها، ومن الطبيعي أن تشتمل الرسالة الخاتمة على الكثير مما احتوته الرسالات السماوية السابقة، وتنسج الجوانب التي لا تتلاءم مع التطورات النفسية والفكرية والاجتماعية للمرحلة التي وصل إليها الإنسان بشكل عام، لأن مصدر الرسالات هذه كلها واحد، وهو الله سبحانه. خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار إيمان الإسلام بهذه الوحدة في مصدر الرسالات وتأكيده إياها.

وبعد سلامة القاعدة الأساسية في فهم القرآن وتقييمه، يجب أن يتوفر في المفسر، مستوى رفيع من الاطلاع على اللغة العربية ونظامها، لأن القرآن جاء وفق هذا النظام، فإذا لم تكن لدينا صورة عن النظام العام للغة العربية، لا نستطيع أن نستوعب معاني القرآن، فيحتاج المفسر إلى الاطلاع على علم النحو والصرف والمعاني والبيان، وغيرها من العلوم العربية. والقدر اللازم توفره من هذا الشرط يختلف باختلاف الجوانب التي يريد المفسر معالجتها من القرآن الكريم، فحين يدرس فقه القرآن مثلاً، لا يحتاج التعمق في أسرار اللغة العربية بالدرجة التي يحتاجها المفسر إذا أراد أن يدرس الفن القصصي في القرآن أو المجاز في القرآن مثلاً.

ولابد للمفسر أن يحاول إلى أكبر درجة ممكنة الاندماج كليًّا في القرآن عند تفسيره، ونقصد بالاندماج أن يُدرس النص القرآني ويُستوحى معناه دون تقييد مسبق باتِّجاه معين غير مستوحى من القرآن نفسه، كما يصنع كثير من أصحاب المذاهب الذين يحاولون في تفسيرهم إخضاع النص القرآني لعقائدهم، فلا يدرسون النص ليكتشفوا اتجاهه، بل يفرضون عليه اتجاههم المذهبي، ويحاولون فهمه دائماً ضمن إطارهم العقائدي الخاص. وهذا ليس تفسيراً، وإنما هو محاولة توجيه للمذهب، وتوفيق بينه وبين النص القرآني. ولهذا كان من أهم الشروط في المفسر أن يكون على درجة من التحرر الفكري تتيح له الاندماج بالقرآن، وجعله قاعدة لتكوين أي إطار مذهبي، بدلاً من جعل الاتجاه المذهبي المحدد قاعدة لفهم القرآن.

وأخيراً لابد للمفسر من منهج عام للتفسير، يحدد فيه عن اجتهاد علمي طريقته في التفسير، ووسائل الإثبات التي يستعملها، ومدى اعتماده على ظهور اللفظ وعلى نصوص السنة، وعلى أخبار الآحاد، وعلى القرائن العقلية في تفسير النص القرآني، لأن في كل واحد من هذه الأمور خلافاً علميًّا، ووجهات نظر عديدة. فلا يمكن ممارسة التفسير دون أن تدرس تلك الخلافات درساً دقيقاً، والخروج من هذه الدراسة بوجهات نظر معينة، تؤلف المنهج العام للمفسر، الذي يسير عليه تفسيره. ولما كانت تلك الخلافات تتصل بجوانب من الأصول والكلام والرجال وغيرها، كان لزاماً على المفسر لدى وضعه للمنهج، ودراسته لتلك الخلافات، أن يكون ملماً إلماماً كافياً بتلك العلوم[27].

(6)

في هذا الملحق ندرس أصول التفسير القرآني عند الشيخ مصباح يزدي، كما أوردها في مقالته «منطق الفهم القرآني: قراءة في أساسيات تفسير النص الديني»، المنشورة في مجلة نصوص معاصرة، السنة الأولى، خريف 2005/ 1426هج.

أصول التفسير القرآني عند الشيخ مصباح يزدي:

الأصل الأول: اعتبار القرآن الصادر من الله تعالى أحد الأصول التفسيرية المسلَّم بها، لا البديهية. فلابد في البدء أن ننظر إلى القرآن بوصفه كلام الله كأصل موضوعي.

الأصل الثاني: الله سبحانه هو الهادي لنا عن طريق الوحي، ومن خلال الوحي نستطيع أن ندرك ما لا سبيل للعقل إليه في القضايا الضرورية ذات المدخلية الكبيرة في رسم طريق سعادة الإنسان.

الأصل الثالث: أن للكتاب الذي نزل من عند الله تعالى لهدايتنا لغة عقلائية، أي أنه جاء وفقاً لأصول الخطاب العقلائي. ولهذه المسألة أهمية بالغة: فهل الخطاب الديني خطاباً واقعيًّا أم رمزيًّا أسطوريًّا؟ بعض الأوروبيين نظروا إلى التوراة والإنجيل على أنه ليس بالضرورة كاشف عن الوقع، تماماً كلغة القصص والأساطير والشعر. لكن هنا نؤكد على واقعية اللغة القرآنية. نعم، لا ينفي ذلك وجود أساليب الاستعارة والمجاز بين طيات نصوصه، كما أن خطابات العقلاء أيضاً لا تخلو هي نفسها من تلك الأساليب، مع بقاء غرضها الأصلي في درك الحقائق.

الأصل الرابع: الله تعالى استخدم في إيصال معاني الآيات الأسلوب عينه الذي اتخذه العقلاء في تخاطبهم وتحاورهم. وبعبارة أخرى: لم يتصف الخطاب الإلهي بأسلوب مغاير لأساليب العقلاء، وإن اشتمل أحياناً على بعض الدقائق والأساليب الفنية التي يصعب على عامة الناس فهمها.

الأصل الخامس: أن الله تعالى ألقى خطابه على الناس بالأسلوب عينه المستخدم في هذا الغرض، وطلب منهم تفسير خطابه وفهمه، ولو في الجانب المتأتي لدى من هم على علم بأصول الخطاب على أقل تقدير. ويقابل هذا المبدأ نظرية بعض أتباع المذهب الشافعي، وهي نظرية ذات جذور لدى بعض الشيعة أيضاً، حيث تصوروا أن إدراك المحتوى القرآني وتفسيره مختص بالمعصوم، ولا يحق لغيره الاجتهاد في فهم النص القرآني، أو أن فهم غير المعصوم ليس بحجة على أقل تقدير.

(7)

في هذا الملحق ندرس قواعد التفسير القرآني عند الشيخ مصباح يزدي، كما أوردها في مقالته «منطق الفهم القرآني: قراءة في أساسيات تفسير النص الديني»، المنشورة في مجلة نصوص معاصرة، السنة الأولى، خريف 2005/ 1426هج.

قواعد التفسير القرآني عند الشيخ مصباح يزدي:

الشرط الأول لفهم النص القرآني فهماً سليماً، إتقان اللغة العربية، وهو شرط عقلائي.

الشرط الثاني: أن لكل لغة استخداماتها الخاصة بمفرداتها، مما يولد تارة اشتراكاً لفظيًّا وأخرى معنويًّا، بحيث يصعب علينا تحديد الحقيقة من المجاز. ومن هنا يتعين علينا اللجوء إلى القرائن المتصلة والشواهد، وأولادها ما يتعلق بالنص الحالي من بدايته وحتى نهايته، من آية سابقة أو لاحقة، مما يصدق عليه جملة السياق المحيط بالنص.

الشرط الثالث: ضرورة الاستعانة القرائن اللفظية المنفصلة، إذ من الممكن أن نستعين في فهم آية بآية أخرى ذات صلة للتأكد من صحة فهمنا الحاصل من الآية الأولى. وهذا أسلوب عقلائي أيضاً، لا تعبدي.

الشرط الرابع: الاستفادة من الشواهد التاريخية (= سياق الموقف). وتنبع أهمية هذا الشرط من كونه أمراً عقلائيًّا، لا تعبديًّا. فالكلام بين المتكلم والمخاطب يعتمد على حيثيات متفق عليها من قبل كل منهما، كأن يفرضا معنىً معيناً لأحد الألفاظ حصراً لدلالة ذلك اللفظ على المعنى المقصود، وهكذا بالنسبة لعبارة أو جملة من الجمل، من قبيل قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، في معرض بيان بعض مميزات بلقيس وسلطانها، فلو أخذنا الآية على إطلاقها للزم أن يحتوي ملك بلقيس على كل ما هو شيء، ماديًّا كان أو غير مادي! إذن التركيز على الظروف المحيطة بالخطاب، وسبب صدروه، وما إلى ذلك من عوامل تاريخية، من ثوابت الفهم الصحيح له.

الشرط الخامس: اعتبار كلام المعصوم حجة في تفصيل المجمل القرآني، وكل ما يحتاج إلى تفسير.

شبهة وجوابها:

الشبهة: نشاهد -وعلى مر العصور- اختلافاً بين المفسرين في بعض الآيات، مما قد يصل إلى حد التناقص التام أحياناً، بحيث يقول أحدهم بحكم، فيما ينفيه الآخر. فإذا كان بإمكاننا الرجوع للقرآن وتفاسيره، فأين هو الصواب من بين هذه الآراء المختلفة؟

الجواب: إن استنتاجاتنا من القرآن إذا كانت وفق القواعد المذكورة، وما قد يضاف إليها، بحيث توافق رأي العقلاء، فهي حجة قطعاً. أما في الجوانب الظنية المحتملة للخلاف، فحالها في ذلك حال المسائل الظنية في سائر العلوم. فالعلوم الإنسانية جميعها تحتوي قسماً يقينيًّا قطعيًّا، كما تحوي آخر غير قطعي. والقاعدة أن يعمل الجميع بالموارد القطعية، أما غيرها فلذوي الخبرة والمقدرة على البحث فيها إبداء رأيهم، وإن لزم أن يقوم بهذه المهمة غيرهم، فعليه أيضاً الالتزام بالأصول العقلائية والرجوع إلى الأعلم في ذلك ليطلع على رأيه فيه»[28].

(8)

في هذا الملحق ندرس خطر الذاتية في تفسير النص. وقد بيَّن السيد محمد باقر الصدر هذا الخطر بشكل مفصل في كتابه «اقتصادنا»، عندما كان يعمل على اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام. وينطوي هذا الملحق على أفكار لا تخفى أهميتها على القارئ الفطن.

خطر الذاتية في تفسير النص:

فهم النص، واكتشاف المضمون المحدد من مجموع النصوص التي تعالج ذلك المضمون، عملية معقدة، لا فهماً بسيطاً. والخطر الذي يحف بعملية الاكتشاف، القائمة على أساس الاجتهاد من فهم الأحكام والمفاهيم في النصوص، هو خطر العنصر الذاتي، وتسرب الذاتية في عملية الاجتهاد، لأن عملية الاكتشاف كلما توفرت فيها الموضوعية أكثر، وابتعدت عن مظان العطاء الذاتي، كانت أدق وأنجح في تحقيق الهدف. وأما إذا أضاف الممارس خلال عملية الاكتشاف وفهم النصوص، شيئاً من ذاته، فإن البحث يفقد بذلك أمانته الموضوعية، وطابعه الاكتشافي الحقيقي.

ويشتد الخطر ويتفاقم، عندما تفصل بين الشخص الممارس والنصوص التي يمارسها فواصل تاريخية وواقعية كبيرة، وحين تكون تلك النصوص بصدد علاج قضايا يعيش الممارس واقعاً مخالفاً كل المخالفة لطريقة النصوص في علاج تلك القضايا، كالنصوص التشريعية والمفهومية المرتبطة بالجوانب الاجتماعية من حياة الإنسان.

ولأجل تعاظم خطر الذاتية على العملية التي يمارسها، كان لزاماً علينا كشف هذه النقطة بوضوح، وتحديد منابع هذا الخطر، وبهذا الصدد يمكننا أن نذكر الأسباب الأربعة التالية بوصفها أهم المنابع لخطر الذاتية:

تبرير الواقع:

إن عملية تبرير الواقع هي المحاولة التي يندفع فيها الممارس -بقصد أو بدون قصد- إلى تطوير النصوص، وفهمها فهماً خاصاً يبرر الواقع الفاسد الذي يعيشه الممارس، ويعتبره ضرورة واقعة لا مناص عنها، نظير ما قام به بعض المفكرين المسلمين، ممن استسلم للواقع الاجتماعي الذي يعيشه، وحاول أن يخضع النص للواقع، بدلاً عن التفكير في تغيير الواقع على أساس النص.

دمج النص في إطار خاص:

عملية دمج النص ضمن إطار معين هي دراسة النص في إطار فكري غير إسلامي، وهذا الإطار قد يكون منبثقاً عن الواقع المعاش، وقد لا يكون. فيحاول الممارس أن يفهم النص ضمن ذلك الإطار المعين، فإذا وجده لا ينسجم مع إطاره الفكري أهمله، واجتازه إلى نصوص أخرى تواكب إطاره، أو لا تصطدم به على أقل تقدير.

ومن الإطارات الفكرية التي تعلب دوراً فعالاً في عملية فهم النص: الإطار اللغوي. كما إذا كانت الكلمة الأساسية في النص لفظاً مشحوناً بالتاريخ، أي ممتداً ومتطوراً عبر الزمن... فمن الطبيعي أن يبادر الممارس بصورة عفوية إلى فهم الكلمة، كما تدل عليه في واقعها، لا في تاريخها البعيد. وقد يكون هذا المدلول حديثاً في عمر الكلمة، ونتاجاً لغويًّا لمذهب جديد، أو حضارة ناشئة. ولأجل ذلك يجب عند تحديد معنى النص الانتباه الشديد إلى عدم الإندماج في إطار لغوي حادث، لم يعش مع النص منذ ولادته.

تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه:

تجريد الدليل من ظروفه وشروطه هو عملية تمديد للدليل دون مبرر موضوعي. وهذه العملية كثيراً ما ترتكب في نوع خاص من الأدلة الشرعية، وهو ما يطلق عليه فقهيًّا اسم «التقرير». ولنبرز الخطر الذي يتهدد هذا الدليل نتيجة لتجريده عن ظروفه وشروطه، لنشرح أولاً معنى «التقرير».

التقرير مظهر من مظاهر السنة الشريفة، ونعني به سكوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الإمام عن عمل معين يقع على مرأى منه ومسمع، سكوتاً يكشف عن سماحه به، وجوازه في الإسلام.

والتقرير على قسمين، لأنه تارة يكون تقريراً لعمل معين، يقوم به فرد خاص، وأخرى يكون تقريراً لعمل عام، يتكرر صدوره من الناس في حياتهم الاعتيادية. وهذا ما يطلق عليه في البحث الفقهي اسم «العرف العام» أو «السيرة العقلائية». ومرده في الحقيقة إلى اكتشاف موافقة الشريعة على سلوك عام معاصر لعهد التشريع، عن طريق عدم ورود النهي عنه في الشريعة. إذ لو لم تكن الشريعة موافقة على ذلك السلوك الذي عاصرته، لنهت عنه، فعدم النهي دليل الموافقة.

ويتوقف هذا الاستدلال من الناحية الفقهية على عدة أمور:

فأولاً: يجب التأكد من وجود ذلك السلوك تاريخيًّا في عصر التشريع، إذ لو كان السلوك متأخراً زمنيًّا عن عصر التشريع، لم يكن سكوت الشريعة عنه دليلاً على رضاها به، وإنما يستكشف الرضا من السكوت إذا عاش السلوك عصر التشريع.

وثانياً: يجب التأكد من عدم صدور النهي من الشريعة عن ذلك السلوك، ولا كيف عدم العلم بصدوره، فما لم يجزم الباحث بعدم صدور النهي ليس من حقه أن يستكشف سماح الإسلام بذلك السلوك، ما دام من المحتمل أن تكون الشريعة قد نهت عنه.

وثالثاً: يجب أخذ جميع الصفات والشروط الموضوعية المتوفرة في ذلك السلوك بعين الاعتبار، لأن من الممكن أن يكون لبعض تلك الصفات والشروط أثر في السماح بذلك السلوك وعدم تحريمه. فإذا ضبطنا جميع الصفات والشروط، التي كانت تكتنف ذلك السلوك الذي عاصر التشريع، أمكننا أن نستكشف من سكوت الشريعة عنه، سماحها بذلك السلوك، متى ما وجد ضمن تلك الصفات والشروط التي ضبطناها.

نستطيع الآن في ضوء هذا الشرح أن نفهم كيف يتسرب العنصر الذاتي إلى هذا الدليل، متمثلاً في تجريد السلوك من ظروفه وشروطه.

وعملية التجريد هذه تتخذ شكلين: ففي بعض الأحيان يجد الممارس نفسه يعيش واقعاً عامراً بسلوك معين، ويحس بوضوح هذا السلوك وأصالته وعمقه، إلى درجة يتناسى العوامل التي ساعدت على إيجاده، والظروف المؤقتة التي مهدت له، فيخيل له أن هذا السلوك أصيل، وممتد في التاريخ إلى عصر التشريع، بينما هو وليد عوامل وظروف معينة حادثة، أو من الممكن أن يكون كذلك على أقل تقدير.

وأما الشكل الآخر من عملية التجريد في دليل التقرير، فهو ما يتفق عندما ندرس سلوكاً معاصراً لعهد التشريع حقًّا، ونستكشف سماح الإسلام به من سكوت الشريعة عنه، فإن الممارس في هذه الحالة قد يقع في خطأ التجريد، عندما يجرد ذلك السلوك المعاصر لعهد التشريع عن خصائصه، ويعزله عن العوامل التي قد تكون دخيلة في السماح به، ويعمم القول: بأن هذا السلوك جائز وصحيح إسلاميًّا في كل حال. مع أن من الضرروري لكي كون الاستدلال بدليل التقرير موضوعيًّا، أن ندخل في حسابنا كل حالة من المحتمل تأثيرها في موقف الإسلام من ذلك السلوك، فحين تتغير بعض تلك الحالات والظروف يصبح الاستدلال بدليل التقرير عقيماً.

اتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص:

ونقصد باتخاذ موقف معين تجاه النص: الاتجاه النفسي للباحث، فإن للاتجاه أثره الكبير على عملية فهم النصوص. ولكي تتضح فكرة الموقف، نفترض شخصين يمارسان دراسة النصوص، يتجه أحدهما نفسيًّا إلى اكتشاف الجانب الاجتماعي من أحكام الإسلام، بينما ينجذب الآخر لاتجاه نفسي نحو الأحكام التي تتصل بالسلوك الخاص للأفراد. فإن هذين الشخصين بالرغم من أنهما يباشران نصوصاً واحدة، سوف يختلفان في النتائج التي يخرجان بها من دراستهما لتلك النصوص، فيحصل كل منهما على مكاسب أكبر فيما يتصل باتجاهه النفسي وموقفه الخاص، وقد تنطمس أمام عينيه معالم الجانب الإسلامي الذي لم يتجه إليه نفسيًّا.

وهذا الموقف النفسي الذي تفرضه ذاتية الممارس، لا موضوعية البحث، لا يقتصر تأثيره على إخفاء بعض معالم التشريع، بل قد يؤدي أحياناً إلى التضليل في فهم النص التشريعي، والخطأ في استنباط الحكم الشرعي منه، وذلك حينما يريد الممارس أن يفرض على النص موقفه الذاتي الذي اتخذه بصورة مسبقة، فلا يوفق حينئذ إلى تفسيره بشكل موضوعي صحيح[29].

(9)

في هذا الملحق نستعرض عبارات للسيد السيستاني، يشرح فيها منهجه في «التفسير النفسي» في مجال قراءة النصوص، ولا يخفى على القارئ الفطن التشابه الواضح بين هذا المنهج وبعض نسخ البنيوية.

يقول دام ظله: «تفسير الكلام -في حد نفسه- عملية معقدة، لا تكفي فيها معرفة الجهات اللفظية من المفردات اللغوية والهيئات العامة فحسب... بل يمكن القول بأن العوامل اللفظية بالنسبة إلى سائر الجهات المؤثرة في معنى الكلام، مثل ما يظهر من الجبل الثابت في البحر بالنسبة إلى ما كان منه كامناً تحت الماء، لأن هذه العوامل لا تؤلف إلا جزءًا يسيراً من مجموع ما يؤثر في محتوى الكلام، وإن كانت ظاهرة أكثر من غيرها.

وسر ذلك: أن الكلام بما أنه ظاهرة حية من الظواهر النفسية أو الاجتماعية، فإنه يتفاعل بحسب محتواه مع جميع الملابسات التي تحيط به من محيط وشائعات وأعراف وغير ذلك. فإذا ما أريد تفسير كلام ما، فلابد من ملاحظة جميع الخصوصيات التي تقترن به من الإطار الذي ألقي فيه، ومن طبيعة الموضوع الذي يتحدث عنه، ومن الصفات النفسية للمتكلم والمخاطب... فربما تختلف الكلمة الواحدة من زمان إلى زمان، أو من موضوع إلى موضوع، أو من متكلم إلى متكلم، أو من مخاطب إلى مخاطب.

فإذا لاحظنا الجهات المختلفة التي تحتضن الكلام، وقدرنا نوع التفاعل المناسب معها، أمكننا تفسير الكلام في ظل مجموع تلك الجهات. وقد عبَّرنا عن هذا المنهج في تفسير الكلام بـ«منهج التفسير النفسي»، نظراً إلى أن تأثير هذه الجهات في الكلام، إنما هو بلحاظ تأثيرها في الحالة النفسية للمتكلم أو المخاطب أو معها»[30].

--------------------------------------------------------------------------------

[1] في هذه الدراسة لن نستعرض نظرية فيرث وتشومسكي، ونكتفي هنا بالإشارة إلى هاتين النظريتين.

[2] في هذه الدراسة لن نستعرض نظرية ريكور، ونكتفي بالإشارة إليها.

[3] في هذه الدراسة لن نستعرض نظرية ليوتار وبودريار، ونكتفي هنا بالإشارة إليهما. وتجدر الإشارة إلى أننا إن كنا سنستعرض أبرز إسهامات رموز المسار الأول والثاني، فسنكتفي في المسار الثالث باستعراض الأفكار العامة للتيار البنيوي والتيار التفكيكي،

دون استعراض إسهامات أبرز الرموز، وسنكتفي بالإشارة إلى إسهامات أبرز الرموز في هوامش البحث.

[4] وعلى أساس هذا التمييز: لو كان اسم العلم «ابن سينا» يشير إلى شخص له وجود خارجي، فإن الوصف المحدد «مؤلف كتاب الشفاء» لا يتطلب وجود شخص خارجي، ولا يكون له معنى إلا عندما يكون ضمن جملة، وبالتالي الوصف المحدد وحده لا

يعني شيئاً.

[5] بعبارة أخرى ليس من الصحيح أن يحصر فيلسوف اللغة همه في القضايا المنطقية (= الجمل الخبرية)، لأن اللغة تؤدي دور أيضاً في المجال الإنشائي، كالأمر والنهي والاستفهام والنداء والتمني والتعجب والعقد والإيقاع...إلخ، وسوف تنطلق نظرية الأفعال

الكلامية، من هذه النقطة بالتحديد.

[6] صلاح إسماعيل عبد الحق، التحليل اللغوي عند مدرسة أكسفورد، ص5-12.

[7] «ديز» كلمة مهملة لا معنى لها، تقال عادة كمثال للكلمة الفارغة من المعنى.

[8] محمد باقر الصدر، المرسل الرسول الرسالة، ص15-17.

[9] والحقيقة أن تمييز أوستن بين الفعل المتضمن في القول والفعل الناتج عن القول، يقترب إلى حد بعيد من تمييز السيد السيستاني بين الاعتبار الأدبي والاعتبار القانوني. فالنص الذي يعبر عن اعتبار أدبي يقوم بإعطاء حد شيء لشيء آخر بهدف التأثير في إحساس المجتمع ومشاعره، كإعطاء حد البحر للعالِم غزير العلم، أو إعطاء حد الأسد للرجل الشجاع بهدف زرع الهيبة والإكبار في نفوس الآخرين. أما النص الذي يعبر عن اعتبار قانوني، فإنه يقوم بصنع القرار المناسب للمصلحة الفردية أو الاجتماعية،

وهذا الاعتبار متأصل، لأنه يمثل ظاهرة اجتماعية. انظر: السيستاني، الرافد في علم الأصول، ص47-48.

[10] راجع الدراسة القيمة التي قدمها: طالب سيد هاشم الطباطبائي، والتي تحمل عنوان «نظرية الأفعال الكلامية بين فلاسفة اللغة

المعاصرين والبلاغيين العرب»، مطبوعات جامعة الكويت، 1994.

[11] راجع: مدخل إلى الهرمنيوطيقا، عادل مصطفي، دار النهضة العربية، لبنان، 2003.

[12] ويفسر ذلك تلك الحيرة التي تعكسها كتابات البنيويين العرب دون استثناء، فهم يتأرجحون بين نصية هي جوهر البنيوية، وبين

تاريخية تمليها عليهم انتماءاتهم الواضحة إلى يسار الوسط بدرجات متفاوتة.

[13] الشكلية الروسية سادت الساحة الأدبية في روسيا الثورة لبضع سنوات في العشرينات من القرن العشرين، ويرى البعض فيها

بنيوية مبكرة.

[14] كان سوسير يهدف إلى كشف البنية الكلية للغة باعتبارها نظام قواعد مركباً، وتتمثل فكرته الأساسية في العلاقة بين الدال والمدلول، فالارتباط بين الدال اللغوي «قطة» والمفهوم المدلول «قطة» ارتباط اعتباطي تماماً. ولدى سوسير مبدأ آخر يتمثل في أن المعنى ناتج عن اختلافات وحدات زائدة عبر سلسلة من الدوال (لاحظ التشابة والاختلاف بين هذه الكلمات: قطة، قمة،

قمل، نمل ... إلخ).

[15] تفترض البنيوية التوليدية لجولدمان وجود تماثلات -أو تناظرات حسب مصطلح جولدمان- بين الأعمال الأدبية وبعض الجماعات الاجتماعية الموجودة في وقت إنتاج هذه الأعمال. فالنصوص الأدبية تعبر عن وعي الجماعة بطريقة أفضل من قدرة هذا الوعي على التعبير عن ذاته في توترات الحياة اليومية، وتتمثل مهمة البنيوي التوليدي في أن يحدد طبيعة العلاقات بين مثل

هذه النصوص والجماعات.

[16] يرى بارت أن البنيوية ليست مقصورة على الأدب والفن، بل يمكن تطبيقها بالمثل على «عالم علامات» الموضة والإعلان ووسائل الإعلام، أو حتى على المصارعة وكرة القدم وقوائم الطعام بالمطاعم. وكما يوضح بارت، صارت البنيوية في خمسينات وستينات القرن الماضي نظرية قابلة للتطبيق على أي وكل ظاهرة ثقافية، فهناك «بنية عميقة» لا واعية للظواهر الثقافية تحدد شكلها الإجمالي. وفي مقالة مشهورة كتبها بارت عام 1968، نادى بموت المؤلف، وكان يعني بذلك موت «المؤلف» التقليدي البطل الذي ينقل حكمته إلى الجمهور الممتن السلبي في الأساس، أي أن القصص تتخذ حياة خاصة بها بعد أن تترك المؤلف وتنتقل إلى التداول العام، وبالتالي لا يمكن للمؤلف أن يتحكم في استقبال عمل بعد أن يصل هذا العمل إلى نقطة معينة. ومن ثم عارض بارت تقديس المؤلف، واعتبره مجرد قناة «تتحدث» من خلالها اللغة، والقراء لا يقلِّون إبداعاً للقصص عن المؤلفين، ويجب أن يكون ميلاد القارئ على حساب موت المؤلف! والتفسير ليس شيئاً يمكن تشريع قوانين ضده بنجاح كبير، خاصة على المستوى الفردي. وما زالت أعمال شكسبير تلهم تأويلات مختلفة اختلافاً بيِّناً، وفي العادة متناقضة تناقضاً حادًّا، فكل من المؤسسة

والمتمردين على المؤسسة يؤول أعمال شكسبير لصالحه، ويستمر هذا الوضع على الدوام.

[17] عرض لاكان -الذي ينتمي لمرحلة ما بعد الفرويدية- الفكرة القائلة بأن اللاوعي يتشكل «مثل اللغة»، وكان يقصد أن اللاوعي لا يظهر لنا إلا في شكل «نظام نحو»، ولكنه يظل مجهولاً لنا في حد ذاته. فاللغة توجد قبل أن يوجد أي منا، ونحن بوصفنا «أفراداً» نتشكل بما يسبقنا دوماً باعتباره «معنى موجوداً بالفعل». هذه الفكرة تقوض الزعم الشائع عن «الذات»، ذلك الزعم

الذي يؤيده معظمنا في حياتنا اليومية.

[18] يصف فوكو بحوثه التاريخية بأنها «حفريات» أو «سلالات أنساب» تهدف إلى تسليط الضوء على الخطابات المقموعة في المجتمع الغربي، فالثقافات تقوم على سلطة تعطي «الشرعية» ولا تقوم على أفكار الحقيقة أو العدل، كما يفضلون أن يزعموا بوجه

عام. وما يدرسه من المعرفة والسلطة والنظام هو «خطاب» معين ينبني في أساسه على علاقات القوة.

[19] تشكل أعمال دريدا هجوماً متواصلاً على مؤسسي البنيوية -خاصة سوسير وليفي شتراوس- ويرى أن البنيوية سلطوية بطبعها وتقوم على فرضيات فلسفية مشكوك فيها. فالبنيوية تتطلب أن يكون الماضي حاضراً في المنتجات، ومنتظراً أن يتم الكشف عنه من خلال فعل التحليل، لكن نظرية المعنى عند دريدا ظاهرة أكثر زوالاًً وأقل استقراراً من ذلك. ويقول دريدا بأن التصور المعياري في الغرب يعتمد على افتراض «ميتافيزيقا الحضور»، أي أن المعنى الكامل لكلمة ما يفترض أنه «حاضر» في ذهن المتحدث أو الكاتب عند استخدامها. لكن دريدا يرى أن الكلمات تحتوي دائماً على آثار لمعان أخرى غير معناها الأساس المفترض، لذا كان من الأفضل أن نتحدث عن حقل معنى، بدلاً من أن نتحدث عن تناظر أحادي بين الكلمة والمعنى. في التفكيكية ننتقل من بناء النظام إلى حل النظام. ويتمثل اهتمام دريدا الأساس في لفت انتباهنا إلى الفجوات العديدة في أنظمة الخطاب لدينا، تلك الأنظمة التي مهما حاولنا، لن نستطيع أن نخفيها تماماً. إذن التفكيكية فلسفة تهدف بطريقة واعية بذاتها

تماماً إلى أن تفضح الإدعاءات الفلسفية الخاصة بقدرتنا على تنظيم العالم.

[20] ترى التفكيكية أن البنيوية شطحت عندما تصورت نفسها شكلاً شاملاً من أشكال التحليل قادراً ظاهريًّا على تفسير أي شيء وكل شيء عن الأمور البشرية والعالم من حولنا. لقد صار كل شيء -في نظرها- نظام علامات، ولم يكن شيء بإمكانه أن

يهرب من كونه جزءاً من نظام علامات ما.

[21] مفهوم التناص أحد المفاهيم الأساسية لجوليا كرستيفا (ولدت سنة 1941)، ويعني ببساطة أن القصص يتم نسجها من أصداء

وآثار نصوص أخرى، أي شبكة أو «فسيفساء اقتباسات».

[22] راجع الثلاثية الرائعة للدكتور عبد العزيز حمودة، والتي نشرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت ضمن سلسلة

عالم المعرفة، تحت عنوان «المرايا المحدبة»، «المرايا المقعرة»، «الخروج من التيه»، على التوالي.

[23] محمد باقر الصدر، المرسل الرسول الرسالة، الدار العالمية، بيروت، 1986، ص99 - 100.

[24] أحمد واعظي، ماهية المهرمنوطيقا، مجلة المحجة، العدد السادس، 2003، ص54 - 60.

[25] من فوائد التمييز بين تفسير اللفظ وتفسير المعنى، معرفة الفرق بين المحكم والمتشابه، فالمحكم من الآيات ما يدل على مفهوم معين، لا نجد صعوبة أو تردداً في تجسيد صورته أو تشخصيه في مصداق معين، والمتشابه ما يدل على مفهوم معين تختلط علينا صورته الواقعية ومصداقة الخارجي. فالتشابه في الآيات لا ينشأ من ناحية الاختلاط والتردد في معاني اللفظ ومفهومه اللغوي، وإنما ينشأ من ناحية الاختلاط والتردد في تجسيد الصورة الواقعية لهذا المفهوم اللغوي المعين، وتحديد مصداقه في الذهن من ناحية خارجية. ففي قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، نجد أن للفظ الاستواء مفهوماً لغويًّا معيناً اختص به، وهو الاستقامة والاعتدال مثلاً، وليس هناك أي تشابه بينه وبين معنى آخر في علاقته باللفظ، فهو كلام قرآني قابل للإتباع، ولكنه متشابه، لما يوجد فيه من التردد في تحديد صورة هذا الاستواء من ناحية واقعية وتجسيد مصداقه الخارجي

بالشكل الذي يتناسب مع الرحمن الخالق الذي ليس كمثلة شيء. راجع: محمد باقر الحكيم، علوم القرآن، ص171.

[26] وفي هذا الضوء نعرف أن إطلاق اسم علم الناسخ والمنسوخ، أو علم أسباب النزول، أو علم إعجاز القرآن، على البحوث المتعلقة بهذه الموضوعات، لا يعني عدم إمكان اندراجها جميعاً في نطاق علم واحد باسم علم التفسير، فهي في الحقيقة جوانب من هذا العلم، لوحظ في كل جانب منها تحقيق هدف خاص يتعلق بالبحث في ناحية خاصة من كلام الله. ففي علم إعجاز القرآن يدرس كلام الله في القرآن مقارناً بالنتاج البشري أو بالإمكانات البشرية، ليدلل على أنه فوق تلك الإمكانات، وهو معنى

الإعجاز.

[27] بحوث قرآنية للسيد محمد باقر الصدر، منشورة ضمن كتاب علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم، مجمع الفكر الإسلامي،

قم، الطبعة الثالثة، 1417هج، ص216 - 246.

[28] محمد تقي مصباح اليزدي، منطق الفهم القرآني، قراءة في أساسيات تفسير النص الديني، مجلة نصوص معاصرة، العدد 4،

2005، ص143 - 155.

[29] محمد باقر الصدر، اقتصادنا، دار التعارف للمطبوعات، ص402 - 415.

[30] السيد السيستاني، قاعدة لا ضرر ولا ضرار، نشر مكتب السيد السيستاني، ط1، 1414هج، ص137-138.


ارسل لصديق