العالم بين غنى بلا حدود وفقر بلا نهاية
كتبه: آية الله السيد هادي المدرسي
العدد (44) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 3786

انقسام الناس إلى فقراء مدقِعين، وأغنياء متخَمين، يؤدي -حتى على مستوى القرية-إلى الاختلال في التوازن، وظهور المشاكل، وحدوث التوتر في المجتمع وإنفلات الأمور، فكيف إذا حدث ذلك على مستوى العالم، وانقسم الناس في كل الأرض إلى «شمال» تزداد ثروته بأرقام خيالية، و «جنوب» يزداد فقره إلى حد العدم!.

إن نظرة عامة وشاملة إلى هذا العالم تُوقفنا على حقائق مؤسفة إلى حد الكارثة، حيث تنقسم الشعوب على وجه هذه البسيطة إلى: من يملك أكثر مما يريد، ومن لا يملك أبسط ما يحتاج إليه. وليست المشكلة مقتصرة على التفاوت بين الأغنياء والفقراء فقط بل إنها تشمل أيضاً مجالات أخرى مثل الأمراض والديون، ومسألة الديمقراطية والاستبداد.

وفي الحقيقة فإن بعض هذه المشاكل هي نتاج بعضها الآخر، فالفقر يؤدي إلى انتشار المرض، و تراكم الديون.. كما أن الاستبداد يؤدي إلى الفقر، والفقر يؤدي إلى الاستبداد.

فأكثر من مليار ونصف المليار من سكان البلدان النامية يقل دخل الفرد فيها عن دولار واحد يوميًّا، وهناك سببان رئيسان وراء تدنِّي مستوى دخل الفرد وهما: انكماش المعونات القادمة من الدول الغنية، وعدم بذل أي مجهود من قبل حكومات هذه البلدان لمكافحة الفقر.

ولا يقتصر الوضع الطبقي المزري هذا على دول العالم الثالث فقط، بل يشمل البلدان المتقدمة ايضاً.

يؤكد تقرير صادر عن الأمم المتحدة حول التنمية البشرية أن أغنى دول العالم يوجد فيها أكثر من 100 مليون شخص دخلهم تحت خط الفقر، و37 مليوناً على الأقل عاطلين عن العمل، و100 مليون بلا مأوى، وحوالي 200 مليون يقل متوسط العمر المتوقع لهم عن 60 عاماً.

ولو أن البشرية كانت تُترك لكي يختار النشيطون مصيرهم، ويختار الكسالى مصيرهم أيضاً، لم نكن بحاجة إلى الحديث عن مشكلة الفقر والمرض والديون وما شابه ذلك. فلو لم يكن هنالك استبداد في احتكار الثروات، ولم تكن هنالك سرقة لقوت الفقراء، ولم يكن هنالك أقوياء يفرضون منهجهم على الضعفاء، ويصادرون الثروات ويحتكرون الخيرات، لو لم يكن كل ذلك لكانت الأوضاع جيدة، لا بمعنى أن الكل كان يعيش في رفاهية من الحياة، وأن المساواة الخيالية كانت هي السائدة على الأرض، بل بمعنى أن كل الشعوب كانت تجد الفرصة لكي تتقدم، وكل الأمم كانت تملك القدرة لكي تتطور، ومن لم يفعل كان هو المسؤول دون غيره، لكن الأمر ليس كذلك.

ففي بعض الأحيان يُعبّر عن الأوضاع المأساوية للبشرية بتعبير «حياة الغاب» حيث إن الحيوانات القوية تفرض سيطرتها على الحيوانات الضعيفة، لكنّني أجد أن وضع الغاب أفضل بكثير مما عليه الوضع العام للبشرية. فهنالك مجموعة من المفارقات، فالحيوان القوي لا يفترس الحيوان الضعيف، إلاّ دفعاً للجوع أو تأميناً للأمن، فهو يقتل الضعيف لكي يأكله أو لأنه يخاف منه، ولم نجد أن الحيوانات الكاسرة تمشي وتذبح الحيوانات الأضعف، لا لكي تأكلها أو تأمن شرَّها، بل لكي تقضي عليها فحسب. إن الحيوان يأكل بمقدار جوعه، فإذا شبع فلا حاجة له إلى أن ينزو على غيره ويقضي عليه.

ولم نجد أن الحيوانات القوية احتكرت أجساد الحيوانات الضعيفة، أو كدستها عندها لوقت الحاجة، فلا نجد النهم لدى الحيوانات، ولا الطمع فيما عند الآخرين، ولا الحسد عليهم. أمّا فيما يرتبط بالبشر فإن الأمر يختلف، فالأغنياء يأكلون ما يجدون، ويحتكرون ما لا يأكلون، ويجمعون ما لا يحتاجون، ويصادرون من الآخرين ما هم بأمس الحاجة إليه.

ولو كان وضع الغابة حاكماً على البشرية، لكانت الشعوب تملك على الأقل فرصاً متساوية في المعيشة، وكان باستطاعة الضعيف أن يصبح قويًّا في يوم من الأيام، ولكن حينما يمنع القوي الضعفاء من أن يصبحوا أقوياء، ويمنع الغني الفقراء من أن يصبحوا أغنياء، فإن الوضع يكون أسوأ من وضع الغاب.

قد يقول قائل: إن هذه نظرة تشاؤمية فليس ما يسود الأرض شرًّا مطلقاً، كما أنه ليس خيراً مطلقاً.. لكن الحقيقة أن العالم في الصور والأفلام يختلف عما هو في الواقع الذي تكشف عنه الأرقام، إن الإحصاءات أشد قسوة وأكثر تعبيراً عمّا عليه الواقع في هذا العالم.

يقول تقرير أذاعه البنك الدولي في ربيع عام 1997 تناول قضية الفقر والثراء في العالم من خلال أغنى خمس دول وأفقر خمس بلاد، طبقاً لمؤشر متوسط دخل الفرد، وقد لا يكون هذا المؤشر كافياً للدلالة على حياة البشرية، ولكن إذا قفز الفارق بين الأدنى والأعلى في الدخل ليتجاوز مستوى الخمسمائة ضعف، أي أن كل دولار ينفقه فرد في أفقر البلاد يعادله أكثر من خمسمائة دولار ينفقها زميله في البلد الغني.. إذا حدث ذلك فإن متوسط الدخل يكون مؤشراً على نوعية الحياة. من هنا كان هذا التقرير ذا دلالة خاصة مع الأخذ بعين الاعتبار أن الذي أصدره هو البنك الدولي، الذي هو مسؤول -على مستوى العالم ايضاً- عن تقسيم الناس إلى أغنياء وفقراء، لأنه أداة بيد الأغنياء.

في أعلى السلّم في هذا التقرير -حسب مؤشر نصيب الفرد من الناتج القومي في سنة 1995- يقع كل من لوكسمبورغ وسويسرا واليابان والنرويج والدانمارك، وفي أدنى السلّم يقع موزمبيق وأثيوبيا وزائير وتنزانيا وبوروندي.

الملاحظ هنا أن الأكثر ثراء ينتمون جميعاً إلى أوروبا، ما عدا اليابان كاستثناء وحيد، في الوقت نفسه فإن الأشد فقراً ينتمون جميعا إلى أفريقيا، جنوب الصحراء.

الأعلى دخلاً على الإطلاق يعتبر لوكسمبورغ، حيث يصل متوسط نصيب الفرد من الناتج القومي في العام 1995 إلى 41.2 ألف دولار، وذلك مقابل الأدنى وهو متوسط نصيب الفرد في موزمبيق الذي بلغ دخل الفرد السنوي 80 دولاراً لا غير. وهذا يعني أن الفارق ما بين متوسط دخل الفرد في لوكسمبورغ، ومتوسط دخل الفرد في موزمبيق يزيد على خمسمائة ضعف، وهو الفارق الذي يهبط بعض الشيء عندما نقارن الأفضل حالاً بين أكبر خمسة فقراء من الدول، وهي بوروندي التي بلغ متوسط الدخل فيها 160 دولاراً في السنة، مع خامس الأغنياء وهي الدانمارك التي يصل فيها متوسط الدخل إلى 30 ألف دولار، والفارق أقل من خمسمائة ضعف، ولكنه شاسع بما لا يقاس.

وبقراءة المزيد من الأرقام والتفاصيل حول البلاد العشر الأغنى والأفقر، نلاحظ أن البلدان الفقيرة كثيفة في السكان، وشاسعة في المساحة وعلى العكس من ذلك يأتي الأغنياء -ما عدا اليابان- ليتمتعوا بتعداد سكاني محدود، ومساحة من الأرض قليلة.. فأثيوبيا مثلاً -حيث أن دخل الفرد لا يتجاوز مائة دولار- نجد أن نفوسهم اثنان وخمسون مليون نسمة، وسكان زائير -حيث لا يتجاوز دخل الفرد مائة وعشرين دولاراً في السنة- واحد وأربعون مليوناً ومائتا ألف نسمة، وفي المساحة تزيد مساحة أثيوبيا على مليون كيلومتر مربع، كما تزيد مساحة زائير على 2.3 مليون كلم، وعلى الجانب الآخر يهبط عدد السكان إلى تحت المليون في حالة لوكسمبورغ، التي يبلغ سكانها 396 ألف نسمة، طبقاً لإحصائية 1993 ومساحتها ثلاثمائة كيلومتر فقط.. ثم يرتفع الرقم في حالة النرويج والدانمارك حيث يبلغ سكان النرويج 4.3 مليون نسمة، ويبلغ سكان الدانمارك 5.2 مليون، ويأتي الاستثناء بين أغنى خمس دول «اليابان»، حيث بلغ تعداد سكانها عام 1993، 124.5 مليون نسمة، ومساحتها لا تتجاوز 378000 كلم مربع.

وحسب هذا التقرير فإن المشكلة لا تكمن في امتلاك موارد، وأراضٍ، وبشر عاملين، بأي شكل من الأشكال، فالموارد الطبيعية موجودة، والأيدي العاملة متوافرة ومع ذلك فإن الفقر هو السائد، في حين نجد العكس -باستثناء اليابان- في الدول الأغنى في العالم حيث لا وجود للموارد الطبيعية بشكل كبير ولا الأيدي العاملة، وهذا يعني أن هنالك عاملاً آخر هو الذي يؤدي إلى فقر الدول الأفقر، وإلى غنى الدول الأغنى.

قد يقول قائل: إن السبب هو موضوع التخلف والتقدم، أو مسألة إدارة الموارد وما شابه ذلك، لكن القضية أعمق من ذلك، وهي أن الأغنياء هم مسؤولون عن فقر الفقراء بسبب السيطرة والهيمنة والاحتكار، وبسبب تشجيع الاستبداد والتعامل مع الأقليات وما شابه ذلك.

في الأمثال الفارسية نجد مثالاً ينطبق على حالة البشر على وجه الأرض اليوم.. يقول المثل: «اتفق مع الراعي، واسرق أغنام مالكها» فبدل أن يدخل السارق في صراع مع صاحب الغنم فإن الأفضل له أن يتفق مع الراعي، ويسرق الأغنام ويبقى هو في منأى عن الاتهام. هكذا يحدث في البلاد الأكثر فقراً ومواردها كثيرة تُسيل لعاب الدول، فالأغنياء يتفقون مع مستبد هنا، ودكتاتور هناك، ومع أقلية هنا وأقلية هناك، ثم يسرقون كل الموارد ويبقون في منأى عن أي اتهام!

جاء في تقرير البنك الدولي أن في مجموعة الدول الأكثر فقراً، يبرز النشاط الزراعي بنسبة عالية في الهيكل الاقتصادي للدولة.. حيث إنه في أثيوبيا يمثل 60% من موارد الدولة، وفي بوروندي 52%، وفي تنزانيا 56%، وعلى العكس يأتي النشاط الصناعي متأخراً ومتواضعاً فلا يتجاوز مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي في موزمبيق 12% وفي أثيوبيا 10% وفي بوروندي 21% و4% في تنزانيا، وهذا يعني أن الصناعة مسؤولة أيضاً عن الفقر، فلأن الثورة الصناعية بدأت في أوروبا فإن الأوربيين احتكروا الصناعة ومنعوا انتقال الصناعة إلى بقية الدول، ليس بقرار معلن، وإنما بحكم العادة والاحتكار والطمع والجشع.

في قضية الزراعة يختلف الأمر عند الأغنياء عما هو عند الفقراء، وقد يتعجب أحدنا حينما يعرف أن نصيب الزراعة في الناتج المحلي باليابان لا يتجاوز 2% ولا يزيد في النرويج والدانمارك على 4.3%، وبينما يبرز نشاط الخدمات في الدول الغنية، حتى يصل إلى 69% من الناتج المحلي في الدانمارك، فإنه يهبط إلى 27% في بوروندي و29% في أثيوبيا.

وحتى نعرف ارتباط المشكلة بالأغنياء، لا بأس أن نتذكر أن ما يميز أفريقيا جنوب الصحراء هو الغابات فهي مورد طبيعي للأغنياء لصناعتهم ولمختلف حاجاتهم، فهم يستخدمون الدول الفقيرة فقط لكي يزيلوا لهم غاباتهم -وهي ثروتهم الطبيعية- ويقدموها للدول الأغنى، ويبيعوا ثرواتهم الطبيعية بثمن رخيص، ويشتروا حاجاتهم من الدول الصناعية بثمن غالٍ.

ثم إنه بمقدار ما يكون الفاصل ما بين الدول الأغنى والأفقر أكبر، بمقدار ما يكون نمط الحياة مختلفاً فيهما، ومقدار استهلاك الفرد متفاوتاً، ومتوسط العمر، نتيجة ذلك أيضاً، مختلفاً، ومن هنا فإن الغلاء يطحن الفقراء أكثر مما هو عند الأغنياء، حتى أن التضخم يصل أحياناً إلى 42% سنويًّا في حالة موزمبيق، في حين أن حال الأثرياء شيء مختلف، ونسبة التضخم في اليابان لم تزد في سنة 1995 على 1.5%.. والأمية تصل إلى 67% في موزمبيق و50% في بورندي، وهي أقل من 5% في كل البلدان الخمسة الأكثر ثراء.

أما استخدام الطاقة -التي هي مؤشر رئيس لمستوى المعيشة والحضارة- فهو أيضاً مختلف بشكل كبير ما بين هذه الدول، فما يستهلكه الفرد في أثيوبيا هو 23 كيلو غرام من الطاقة، في مقابل خمسة آلاف وستة وتسعين كيلو غراماً في الدانمارك، وثلاثة آلاف وستمائة وأثنين وأربعين كيلو غراماً في اليابان، وثلاثة آلاف وأربعمائة وواحد وتسعين كيلو غراماً في سويسرا. إذن هنالك فرق في نمط الحياة ونمط المعيشة، حيث إن الإنسان في أفريقيا يستخدم الحد الأدنى من الآلات ووسائل النقل والمعدات الحديثة المنزلية ومن الإنارة أيضاً. وعلى النقيض من ذلك يأتي الاستهلاك الضخم للطاقة في الدول الأكثر ثراء، والأكثر استخداماً للآلات والمركبات والأجهزة المنزلية وأجهزة تكييف الهواء.

البعض يعتقد أن استخدام الطاقة هو مؤشر التقدم والتخلف ليس العكس.. لكن السؤال: لماذا تقلصت الطاقة في البلاد الأكثر فقراً؟ ولماذا زادت في البلاد الأكثر غنى؟ هل المسؤول هو الماكينة، أو المسؤول هو من يملك تلك الماكينة؟

ثم فيما يرتبط بمتوسط العمر أي متوسط الوفاة، نجد في الدول الأكثر فقراً أن متوسط العمر لا يتجاوز اثنين وخمسين سنة وفي بعضها ستة وأربعين عاماً.

أما في الدول الأكثر غنى فإن متوسط العمر عند المولد، يتراوح بين ستة وثمانين على الأكثر وثمانية وخمسين على الأقل، أي أن الناس في الدول الأكثر غنى يعيشون مرة ونصف المرة أكثر من الذين يعيشون في الدول الأكثر فقراً.

وفي الحقيقة فإن هذا هو المتوسط، وإلا فإن المعمرين في اليابان يمثلون 20% من الشعب الياباني وفيهم الكثير ممن يتجاوز التسعين عاماً، لكننا قلّ أن نجد من يعيش حتى ستين عاماً في الدول الفقيرة عموماً، وهكذا فإن من يعيش في الدول الأكثر غنى قد يعيش ضعف من يعيش في الدول الأكثر فقراً، ثم إنه ما بين الأغنى والأفقر هنالك الدول التي هي غنية جدًّا ولكن باعتبار عدد نفوسها لم تُصنَّف دولةً أغنى في العالم. مثل الولايات المتحدة الأمريكية وهي أغنى وأقوى دولة في العالم، ولكن باعتبار أن دخل الفرد هو الذي يُؤخذ مقياساً للغني فإنها لا تصنف أغنى دولة؛ فإن ثلاثمائة مليون نسمة في أمريكا يختلف وضعهم عن عدد نفوس لولكسمبوج حيث لا يتجاوزون أربعمائة ألف، وأيضاً في الدول الأكثر فقراً هنالك عشرات الدول التي فيها مليارات من البشر، ولكنها لم تصنف على أنها أكثر فقراً، وإن كان الجميع فيها يعانون من العوز.

إن مسؤولية الفقراء تقع ولا شك على عاتق الأغنياء، وهذه معادلة نفهمها على المستوى الفردي، فحينما نجد إنساناً في الشارع يعاني من العوز والفقر ولا يجد ما يأكله، وأنت تجد، ليس ما تأكله وتدخره فحسب، بل تجد الكثير لأولادك وأحفادك أيضاً، فإن عليك ولا شك أن تعطيه بمقدار ما يسد رمقه على الأقل.

ثم إن هنالك مسألة أكبر وهي أن الفقر ليس حالة طبيعية في الدول الفقيرة وإنما هو حالة مفروضة عليها، ولذلك فإن كل ساعة تمر على البشرية يزداد فيها الأغنياء غنى والفقراء فقراً، ويزيد في المجتمعات الغربية الحرص على مزيد من النهب والتبذير، في حين تزداد في القطب الآخر مجمعات الفقر والمجاعة.

فمنتجات الغرب تزداد أسعارها كل عام، وكل منتجات الجنوب الفقير تنزل قيمتها عاماً بعد عام، فمثلاً في سنة 1954 كان يكفي ثمن أربعة عشر كيساً من القهوة في البرازيل لكي يشتروا بها سيارة (جيب)، أي أن أربعة عشر كيسا من القهوة كان يساوي قيمة سيارة (جيب) من الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن سيارة «الجيب» زادت قيمتها في سنة 1962، في حين نزلت قيمة أكياس القهوة، فكان الأفريقي يحتاج من أجل شراء سيارة (جيب) من الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن يبيع تسعة وثلاثين كيساً من القهوة. وفي جامايكا كان في سنة 1964 يشتري المواطن جرَّاراً زراعيًّا بستمائة وثمانين طن من السكر، وقفزت قيمة الجرَّار في سنة 1968 إلى ثلاثة آلاف وخمسمائة طن، وهذا التفاوت ما يزال مستمراً ويزداد يوماً بعد يوم.

وفي العالم النامي كما يسمونه، وهو العالم الفقير المتخلف بالطبع، لم يتغير شيء غير النزر اليسير منذ عشرات السنين، فمجموع إجمالي الناتج القومي لقارة أفريقيا بأسرها -الواقع جنوب الصحراء الكبرى- هو إلى الآن أقل من الناتج القومي لهولندا وحدها.

ترى لماذا لا يستطيع الشمال أن يعيش إلا إذا مات الجنوب؟! ولا أن يبقى الأغنياء أثرياء إلا إذا بقي أهل الجنوب فقراء؟.

ثم إن المشكلة ليست في وجود فقراء وأغنياء بل المشكلة في استمرار فقر الفقير وزيادة غنى الغني، فهذا هو الأمر الذي لا تفسير له إلا أن الغني يمنع الفقير من أن يصبح غنيًّا، وليس مستعداً على أقل التقادير أن يساعده للتخلص من الفقر.

يقول تقرير الأمم المتحدة الذي صدر في 1997: إنه في الوقت الذي يحصل فيه مليار وثلاثمائة مليون شخص في مختلف أنحاء العالم على قوتهم بالكاد، ويحصلون على أقل من دولار في اليوم؛ فإنه يمكن القضاء على الفقر المدقع بحلول سنة 2020 إذا حسنت نية الأغنياء وأحسنوا التصرف.. فثلث سكان العالم النامي لا يجدون قوتهم بسهولة، أما ثمانمائة مليون منهم فلا يستطيعون سد رمقهم، والأكثر من ذلك، يشير التقرير، إلى أنه في حين أن بعض الدول نجحت في تحسين معدل الفقر، مثل الصين والهند وماليزيا خلال العقدين الماضيين، إلا أن خمسمائة وعشرة ملايين شخص في جنوب أسيا، ومائتين وعشرين مليون في أفريقيا لازالوا يعيشون تحت خط الفقر، كما يؤثر الفقر في أمريكا اللاتينية على مائة وعشرة ملايين شخص، واعتبر التقرير أن ارتفاع معدل الفقر في الدول الشرقية لا سابق له في التاريخ فقد تزايد 600% بين عام 1988 و 1994.

فلا يتجاوز الدخل اليومي لثلثي سكان المعمورة (حوالي ستة مليارات نسمة) الدولارين، و32% من سكان الدول النامية يعيشون دون مستوى الفقر حيث لا يتجاوز دخلهم اليومي الدولار الواحد، ويشمل هذا المعدل 39% من سكان أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء، و45% من دول جنوب آسيا، و24% في منطقة أمريكا اللاتينية وحوض الكاريبي.

كما يعاني 800 مليون شخص في العالم من الجوع، في الوقت الذي يعاني فيه 30% من أطفال الدول النامية دون الخامسة من العمر من سوء التغذية.

ونتيجة الفقر أيضاً هنالك نمو للأمية والجهل الثقافي، حيث يقول التقرير: إن أكثر من مليار نسمة من البشر هم أمّيون، وأن مائة وعشرة ملايين طفل هم بلا مدارس، هذا في الوقت الذي يتقاسم 20% من المعوزين في العالم 1.1% من الدخل العالمي في مقابل 2.3% كانوا يتقاسمونه في سنة 1960م وأن هذه النسبة مستمرة في التقلص، في حين بلغ حجم الاقتصاد العالمي في العام نفسه خمسة وعشرين ألف مليار دولار، ومع ذلك فإن معدل الأكثر غنى إلى الأشد فقراً في العالم اتسمت من واحد في مقابل ثلاثين في سنة 1960.. إلى واحد في مقابل ثمانية وسبعين في سنة 1994.

أمّا فيما يرتبط بالمرض فإن الإحصاءات أيضاً مخيفة، حيث يقول تقرير للأمم المتحدة صدر في عام 1997: إنه في الوقت الذي لا وجود تقريباً للسّل في الدول الغنية، إلا أن هنالك ثمانية ملايين إصابة جديدة بالسّل تقع في كل عام في العالم الثالث.

كما يصاب كل عام ثلاثمائة مليون شخص بالملاريا ويموت بسببه مليونان وسبعمائة ألف. ويلقى 12 مليون طفل سنويًّا حتفهم جراء الإصابة بأمراض يمكن تفاديها، حسبما جاء في التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية.

إنك عادة تسمع الكثير عن مرض الإيدز، وبالرغم من أنه مرض قاتل ولابد من الحذر منه ومقاومته، إلاّ أنّ سبب الاهتمام الغربي به، ليس لكونه فتَّاكاً بالإنسان بشكل عام، وإنما لأنه مرض انتشر في الدول الغنية، وأن الأغنياء أصيبوا به، فكل من ماتوا في الولايات المتحدة الأمريكية بالإيدز في عام 1996 كانوا اثنين وثلاثين ألف وستمائة شخص فقط، وهو عدد ليس بالكثير.. ولكن الضجة الكبيرة حوله إنما هي بسبب أن الذي يموت هو الإنسان الغني الذي يعيش في دولة غربية. أما الفقراء فيموتون ولا أحد يلتفت إليهم، ولا نجد مؤتمرات دولية تعقد على مستوى رؤساء الدول بالنسبة إلى مرض السّل الذي يقضي على ملايين الفقراء كل عام، أو الملاريا التي تفتك بمليونين وسبعمائة ألف شخص كل سنة، ولكنّهم بالنسبة للإيدز يعقدون مؤتمر قمة للدول الصناعية الكبرى، ومؤتمرات جانبية يومية، وتستثمر كافة إمكانات الأمم المتحدة لمحاربته ليس لأنه أشد الأمراض فتكاً، وإنما لأنه مرض أصاب الأغنياء أيضاً وليس الفقراء وحدهم.

والغريب أن المرض نفسه يفتك بشعوب بأكملها في أفريقيا، وفي جنوب شرق آسيا، ولكنك قلّ أن تسمع الاهتمام بهؤلاء.

وتتبارى شركات صناعة الأدوية لصناعة دواء مضاد، أو مصل يقي من هذا المرض، ولكنهم مسبقا يقولون ستكون التكاليف عالية، ومن ثم فإن الفقراء لن يستطيعوا التداوي به، أي أنهم مسبقاً يتحدثون بأنهم لن يعطوا هذا الدواء للفقراء من المصابين بالمرض نفسه.

وهكذا فإنه حتى في المرض تُمارس الدول الغنية (طبقية) بغيضة، فالمرض إذا كان مرض الأغنياء فإن هنالك من يهتم به حتماً، أما إذا كان مرض الفقراء فالله في عونهم.

* * *

وبالإضافة إلى المرض هنالك أيضاً مشكلة الجريمة، ذلك لوجود سبب أساس للجريمة وهو الفقر. يقول تقرير لبنك التنمية الأمريكي صدر في عام 1996: إن نسبة جرائم القتل في أمريكا اللاتينية تتراوح بين خمسة وخمسين، وسبعة وسبعين لكل مائة ألف من السكان، الحد الأدنى في (بارغواي) والحد الأقصى في (كولومبيا) والتي تقترب فيها نسبة الجرائم إلى 8% من عدد السكان، في حين تهبط إلى 2% في المكسيك و 2.4% في البرازيل، وكلها أرقام هي الأعلى في العالم، حتى أن أحد الخبراء قدَّر تكلفة الجريمة في (كولومبيا) بـ 15% من الناتج المحلي، وهو رقم قياسي دون شك.

إن بين ضلع الفقر، وضلع العنف والجريمة، علاقة وثيقة من غير شك، ففي البلدان الفقيرة ذات الكثافة السكانية تبرز سيكولوجية الفرصة المحدودة، فكل الأمور فرصها قليلة، وذلك بسبب كثرة الناس وقلة الموارد، وفي ظ


ارسل لصديق