فهم النص.. بين الحاضر وهيمنة التراث (القسم الثاني)
كتبه: أسرة التحرير
العدد (44) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 3445

كلمة المنتدى

لا يزال الحديث عن (النص) وشؤونه المختلفة، منذ ما يربو على أربعة عقود، حديثًا حيويًّا وضروريًّا، وذلك لما يمثله النص من أهمية في الفكر الإسلامي وعند المسلمين، فهو كتابهم المنزل من الله -عزّ وجلّ- وكلام نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهدى أئمتهم المعصومين (عليهم السلام)، وباختصار هو أهم مصادر الثقافة والفكر والعلوم عند المسلمين.

وتزداد أهمية الحديث عن (النص) اليوم بتزايد اهتمام المسلمين بشؤون نهضتهم وتقدمهم في عالمهم المعاصر، واهتمام الآخرين بالمسلمين كمكوّن أساس وفاعل في المجتمع الدولي.

ويأتي الاهتمام بالقضايا المنهجية المتعلقة بالنص على رأس قائمة الاهتمامات المتداولة اليوم على أيدي المفكرين والعلماء والمثقفين؛ كمسألة فهم النص، ومنهجيات قراءته، وآليات التعاطي معه، وذلك لما تشكله هذه المسائل من دائرة تقاطع تتجاذبها مختلف التيارات والتوجهات، سواء منها المؤمنة بالنص وضوابط فهمه بوصفه مرجعيةً معرفيةً فاعلةً في الإبداع والنهضة الحضارية، أو المعادية للنص والتي تراه حجر العثرة الذي يقف أمام النهضة المرجوة، ناهيك عن المحفزات والضرورات الأخرى التي تؤكد الاهتمام به.

وقد خيّم على تداول المسألة في عالمنا الإسلامي الإرباك؛ فلم تُحرر مناطق النزاع بشكل منهجي، ولم تضبط الحوارات في المسألة بصورة علمية، بل ساد على أغلب الذي تناولوا المسألة (حوار الطرشان) والمنطلقات الانفعالية؛ فهنالك جدار سميك من الكلمات التي لا تُفهم الأطرافَ المتنازعةَ مراداتِ أصحابِها في قضاياهم، وهنالك الانفعال السلبي الذي يقف عائقاً حقيقيًّا وراء تفاهم المتخاصمين.

ومجلة البصائر إذ تدخل هذا الحقل فهي تدرك مدى الصعوبات التي تواجهها في خوض حوار في المسألة بروح منهجية وعلمية، ولكن الضرورة الحضارية، والمسؤولية الرسالية توجبان مواجهة هذه الصعوبات ومحاولة تذليلها.

ومن هذا المنطلق فإن مجلة البصائر تفتح باباً جديداً في المجلة تحت عنوان (منتدى البصائر) ليكون محوره على مدى عدة أعداد موضوع (فهم النص)، وتحاور فيه عدداً من المفكرين والعلماء من أهل الفضيلة والعلم ليدلوا بدلوهم في المسألة بما يخدم إنضاج وتطوير واقعنا الفكري والثقافي.

في هذا العدد نلتقي وإياكم في حوارنا -القسم الثاني- مع أصحاب الفضيلة العلماء، وهم -هجائياً-:

السيد جعفر حسين العلوي:

كاتب، وباحث إسلامي، السعودية، أستاذ الدراسات العليا بحوزة القائم العلمية، ورئيس تحرير مجلة البصائر الدراساتية، شارك في العديد من المؤتمرات الفكرية في السعودية وخارجها، له العديد من المساهمات البحثية المكتوبة، نُشرت في العديد من المجلات الفكرية والثقافية.

الشيخ شفيق عبدالله جرادة:

عالم دين كاتب وباحث إسلامي، لبنان، أستاذ فلسفة في الحوزة العلمية، ورئيس معهد المعارف الحكمية (للدراسات الدينية والفلسفية)، رئيس تحرير مجلة المحجة، شارك في العديد من المؤتمرات الفكرية في لبنان وخارجها، له العديد من المساهمات البحثية المكتوبة، من مؤلفاته:

- مقاربات منهجية في فلسفة الدين: 2004م.

الشيخ مرتضى الفرج:

عالم دين، أكاديمي، كاتب وباحث إسلامي، الكويت، دكتوراه في فلسفة المنطق وعلم المعرفة من جامعة سندرلاند بريطانيا، وأستاذ في مركز العلوم الإسلامية بالكويت، شارك في العديد من المؤتمرات الفكرية في الكويت وخارجها، له العديد من المساهمات البحثية المكتوبة، نُشرت في العديد من المجلات الفكرية والثقافية.

فهم النص.. بين الحاضر وهيمنة التراث

منتدى البصائر: عند كل تحوُّل اجتماعي - حضاري في واقعنا الإسلامي يعود الحديث إلى موضوع فهم التراث والتراث الديني تحديداً والنص الديني بشكل أخص بوصفه أهم مقوم للحضارة الإسلامية، فبعد سقوط الخلافة العثمانية في عشرينات القرن الماضي تداول العلماء والمفكرون مسألة التجديد الديني، ومع إعلان دولة إسرائيل وبداية المواجهة مع المشروع الصهيوني وسلسلة الثورات العربية والإسلامية أيضاً تكرر الحديث مرة أخرى حول المسألة نفسها، وهذه الأيام وبعد سقوط النظام في العراق وبروز تيارات مختلفة على الساحة يتكرر الحديث اليوم مرة أخرى وبشكل ملحّ حول المسألة نفسها، ومن الملاحظ أن في كل محطة من تلك المحطات يميل الحديث حول التجديد الديني إلى قراءة أقرب للتيار الأقوى على الساحة، فمن الميل إلى الماركسية ومروراً بالقومية ووصولاً اليوم إلى الليبرالية. والسؤال: هل تُعدّ هذه الظاهرة أمراً طبيعيًّا أم أنها خلل في الواقع الفكري - الحضاري للمسلمين؟ وكيف يمكن ضبط أمواج هذه القراءات المتعددة للنص الديني؟ وهل يمكن الجمع بين الضبط الحازم لقراءة النص الديني والإبداع الفكري الثقافي؟.

السيد جعفر العلوي:

هو تعبير طبيعي لحالة الخلل، تماماً كما تتعرض جماعة ما كالأسرة لأزمة وتحديات، فإن انقسامها في التعاطي مع الأزمة يكشف عن ضعف في تماسك الجماعة وتنوُّع مرجعياتها الفكرية. وواضح أن هذا من السمات الواضحة للأمة في الأزمان الحديثة، حيث كانت لحظة اتصالها بالغرب هي حقبة التخلف العميق والشمولي. بل إن هذا الاتصال الإكراهي عبر الاستعمار هو صاعق التنبيه من السدور في غفلات التخلف.

ومن الطبيعي عند حدوث أزمات في أمة ما أن تحدث مراجعات نقدية لاستكشاف الخلل ومكامن الضعف، وتارة تتجه بالنسبة لموضوع السؤال إلى تفصيل المنهج وتطويره، وتارة تتصل بالمباني والأسس المعرفية التي يتكئ عليها المنهج.

والأول لا يعتبر خروجاً عن النسق؛ حيث إن البناء المعرفي وصبغة المنهج العامة محفوظة، ومن هذا التطور الحادث في علم الأصول الذي يرصده المؤرخون لهذا العلم، ومن الأمثلة أن نشأة علم الرجال هو تعبير عن استجابةٍ لأزمة حصلت مع الفاصل الزمني عن زمن المعصوم (عليه السلام)، بيد أن هدم الظهور -الذي مارسه بعض المتصوفة للسماح بتفسير رمزي لا مستند له- هو تعبير عن تجاوزٍ لمرتكز المنهج الأساس وهو الظهور من حيث هو نص لغوي.

وحاضرنا مأزوم بتناقضات الاستجابة للتحديات. وعمق الأزمة ناتج عن أمور منها:

الأول: وجود فجوة شاسعة بين واقع العصر بمعطياته المادية والاجتماعية والمعرفية، والنتاج الفقهي للفقهاء رحمهم الله، حيث كان جهدهم متوجِّه لقضايا عصورهم. خصوصاً أن الشيعة بالخصوص تحولوا من الحياة الهامشية -التي جعلت الفقه يصطبغ بمعالجة مشاكل الفرد- إلى المشاركة في الحياة العامة مما يتطلب معالجات تتصل بفقه المتغيرات. وواضح أن جهود الفقهاء السابقين معظمها باتجاه فقه الثوابت من العبادات والعقوبات، والأحوال الشخصية...،

الثاني: ارتفاع معدلات التغيير وتسارع وتيرته بدرجة لم تعهدها البشرية من قبل، لدرجة تغدو الدول الغربية المتقدمة مرتبكة من حيث الاستجابة المعرفية والقانونية لها.

الثالث: الجهود المبذولة من المؤسسة الدينية العلمية ذات طابع فردي، ولم تنجح (بعدُ ونوعاً ما) في تشكيل تيار عام في المجتمع العلمي يوازي حجم وخطورة المستحدثات العصرية التي تعصف بالمجتمع كله. في حين ظل التيار العام تقليديًّا لا يتعامل مع المستحدثات إلا بمنطق الاضطرار.

وهنا أي في الأمر الثالث؛ فإن إرهاصات التحول أو الاقتراب من التحول لتُشكِّل تياراً عامًّا له مؤشرات ضافية، مع وجود أرضية ملائمة في المجتمع العلمي.

ففي الأرضية العلمية؛ يمكن الإشارة إلى النزعة العقلانية التي هي سمة مدرسة التشيع، والانفتاح العلمي على المناهج الحديثة والمشكلات المعرفية والقانونية وما يتصل بالحوزة، وتنوُّع المواطن الجغرافية لطلاب الحوزات العلمية، مما يفتح آفاقاً مختلفة لمشاكل الأمة داخل المجتمع العلمي، خصوصاً مع قوة الدفع للانفتاح على الواقع، الذي ترسَّخ بفعل الثورة الإسلامية في إيران.

ويمكن رؤية مؤشرين واضحين. الأول؛ التحديث في شكل العملية التعليمية. الثاني؛ تطوير في بنية المادة العلمية، والمتجلي في الانفتاح على معارف العصر وعلومه وتياراته.

ونسجل أخيراً؛ أن التخوُّف من الحَجْر على الإبداع لا معنى له بملاحظة أن الضبط للمنهج لا النتاج، وبملاحظة أن الإبداع متوجه لتفصيل المنهج الذي لا يصيب أسسه المعرفية. وتاريخ الحوزة يكشف عن رحابة صدر في المراجعات النقدية للمناهج، نعم في سيرورة بطيئة. ويمكن أن نفسر قسماً من التباطؤ في طبيعة تطور المناهج. أما الإبداع الذي يُصوِّب سهامه للأسس المعرفية أو الصبغة العامة للمنهج فهو تعبير عن التمرد عليه كليًّا. ومنطقيًّا لا يمكن أن تطالب المؤمنين بمنهج ما أن يُرحِّبوا بنقض إيمانهم، فالكلام في الروحية العلمية في التعاطي مع الآخر المختلف، ونحن نزعم أن تاريخ الحوزة يتعاطى بعلمية موضوعية مع المختلف. وأيضاً الكلام في وضوح الآخر في تحديد أرضيته بما أنه يُقوِّض الأرضية التقليدية للمؤمنين بالمنهج الإلهي.

الشيخ شفيق جرادة:

مما لا شك فيه أن للسياسة والسلطة السياسية تأثيرها الفعال في تبدُّل الميول بل والانتماءات أحياناً.. ذلك أن السلطة السياسية كأي سلطة أخرى لها سطوتها على تجسيدات العقل الجمعي عند الأمم والشعوب، وتبرز التأثيرات غالباً عند المرتكزات التي تعتمدها الأمم والشعوب في خصائص هويتها وقناعاتها، والتي تنطوي هي بالأساس على قابلية أن تكون سلطة قائمة وحاكمة.

والدين هو ركيزة ثابتة من ركائز عالمنا العربي والإسلامي، وهو في الوقت نفسه يمثل تحفُّزاً دائماً أما ليكون هو السلطة، الحاكمة، أو السلطة المعارضة، أو على الأقل مشاركاً في السلطة.. إذ لم نعهد في تاريخ المنطقة أن كان الدين مقصىً بالكامل.. لأنه حتى لو أُبعد عن المجال السياسي، فقد بقي العصب الجامع للجماعات والطوائف والمذاهب في المدن والقرى... وبالتالي بقي ذاك المحذور الخطر عند الحكام.. بناءً عليه فمع كل حصول لتبدل جديد في الواقع كان التأثر العفوي والتلقائي ينعكس على مساحة الاهتمام الديني، بل والفكر الديني... رغبة من ممثليه إما بأن يتكيَّفوا مع الواقع المستجد فيسوِّغوا استمرارهم في ظله، عبر القول: إن في الإسلام ما يشابه هذا المنزع أو ذاك الاتجاه.. وأما باعتماد مفاهيم ولغة دينية ثورية تبرر شكل المعارضة لهذا الاتجاه أو ذاك.. إلا أن هذه الانعطافات تؤكد وجود ثابت عند كل الحالات والتبدلات، وهو الدين نفسه.. من هنا فالأصالة هي لهذا الثابت نفسه، أما التحولات بالنظرة فإنها تخضع دوماً للمراجعة والتدقيق خاصة إن كانت نتيجة ردة الفعل.. ونحن إن كنا لا نُحبِّذ أن نتحول إلى ما يشبه (محاكم التفتيش) في القرون الوسطى.. لكن الأمر يستدعي من أهل الأصالة في الاجتهاد الفكري العمل على ترقية الخطاب الديني ورد الدخيل النقيض عنه.

الشيخ مرتضى الفرج:

القارئ لأدبيات مفكري أمتنا لا يستطيع إنكار حقيقة أن عدداً منهم قد انساق بالفعل مع التيارات السائدة في عصرهم، إلى درجة أن تحوَّل الأمر إلى ظاهرة.

فعندما أراد البعض التحرر من هيمنة الخلافة العثمانية، قام برفع شعار (القومية العربية)، ثم راج هذا الشعار مع حركة جمال عبد الناصر، وانشغل بعض مفكريهم بتطويع النص الديني لخدمة القومية العربية، على أساس أن لغة القرآن هي العربية وأن العرب هم الذين حملوا الإسلام إلى العالم. وحينما كانت قوة الاتحاد السوفيتي في صعود، وأراد البعض التصدي لهيمنة الرأسمالية الغربية، رفع شعار (الاشتراكية)، وانشغل بعض مفكريهم بتطويع النص الديني لخدمة الاشتراكية، على أساس أن الإسلام يدعو للعدالة الاجتماعية وأقامة القسط بين الناس وتوزيع الثروة بالسوية. وتداخلت الحركتان (القومية العربية) مع (الاشتراكية) وسارتا جنباً لجنب ردحاً من الزمن. وعندما غزا صدام الكويت، وانهار الاتحاد السوفيتي، وتحدث فوكوياما عن (نهاية التاريخ)، وانفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم، نزع بعض مفكري أمتنا جلباب القومية والاشتراكية، ولبس ثوب (الليبرالية)، وانشغل بعضهم من جديد بتطويع النص الديني لخدمة الليبرالية، على أساس أن الإسلام يحترم الملكيات الخاصة ويدعو لحرية الفكر والاجتهاد وتعدد القراءات...وهكذا صار الإسلام -على حد تعبير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)- كـ(القرآن) حمَّالاً ذا أوجه (أو وجوه)، كلٌّ يقرؤه كما يحلو له!.

جانب من هذا الانسياق مفهوم إلى حدٍّ ما، لأن أي قارئ للنص قد يقع في فخ الذاتية إن لم يكن حذراً بقدر كاف عند تفسير النص. وقد بيَّن الشهيد الصدر في (اقتصادنا) منابع خطر الذاتية في تفسير النص. فتحدَّثَ عن خطر تبرير مُفسِّر النص للواقع، ومحاولته إخضاع النص للواقع، بدلاً عن التفكير في تغيير الواقع على أساس النص. وتحدث عن خطر دمج النص ضمن إطار فكري غير إسلامي، عندما يحاول المفسِّر فهم النص ضمن ذلك الإطار، فإذا وجده لا ينسجم مع إطاره الفكري أهمله، واجتازه إلى نصوص أخرى تواكب إطاره، أو لا تصطدم به على أقل تقدير. وتحدث عن خطر تجريد النص من ظروفه وشروطه دون مبرر موضوعي. وتحدث عن خطر اتخاذ موقف نفسي معين بصورة مسبقة تجاه النص.

لكن هناك جانب آخر من الانسياق غير مفهوم وغير مبرر، لأن منشأه نفسي بحت. فعدد غير قليل من هؤلاء إما عاش عقدة التفوق والرغبة في إثبات أجوف للذات، فحاول البحث عن هوية (وإن كانت مُزيَّفة) لتحدي الآخر، وطوَّع النص الديني لخدمة تلك الهوية المصطنعة. أو عاش عقدة نقص وانهزام أمام الآخر، ووقف أمامه بخواء، وبالنتيجة لم يحترم تراثه وتاريخه ونصوصه الدينية، وانصهر في الآخر وقلَّدَهُ في كل شيء، في الشعار والزي وحتى الثقافة والفكر، فأصبح مصداقاً لكلمة ابن خلدون في المقدمة: «المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه وسائر أحواله وعوائده». وعاش فريق ثالث عقدة التفوق أيضاً، لكن استجابته للتحدي كانت مختلفة، حيث تمسك بالنص الديني في حرفيته، وتحجَّر عند الماضي، وحرك الجمهور باتجاه التحجر في فهم النص الديني، وفرض قراءته الخاصة، ورفضَ أي قراءة أخرى، ومارس عملية الإلغاء والإقصاء، وربما حتى التكفير.

1 منتدى البصائر: في مقابل ما يمكن وصفه بالقلق والاضطراب الحاصل لدى بعض الاتجاهات في قراءتها للنص الديني؛ ينتظر المؤمنون بالمؤسسة الدينية المعاصرة أن تساهم في بلورة رؤى وآليات جديدة في قراءة النص الديني، تحافظ فيه على الأصالة وتساهم في المقابل في عملية التطوير المعاصر.

والسؤال: ما هو الإسهام الذي قدَّمه علماء ومفكرو المؤسسات الدينية العلمية على مستوى الرؤى والآليات في قراءة النص الديني؟.

السيد جعفر العلوي:

يمكن الحديث في أكثر من اتجاه؛ لكن المهم هو التوقف بدءاً عند توضيح مفاده متشعب في جهتين؛ أولاهما أن الكثير من آليات التأويل والقراءة المعاصرة تتكئ على أسس معرفية تتناقض مع الأسس المعرفية التي تبتني عليها القراءة التقليدية، فمثلاً ارتباط المعرفة بالواقع الاجتماعي تخلق نسبية تطيح بواضحات الدين وضروراته، وهي غير مقبولة لأمرين، لبطلانها (حال إطلاقها) في حد نفسها، ولأن هذا الدين إلهي المصدر وليس ثقافة بشرية. ومن ثم الآليات المنبثقة من أسس معرفية مغايرة لا يمكن قبولها إلا مع تبدل الأرضية المعرفية، وهذا لا يعني السلبية المطلقة إزاء المستجد، وإنما ندعو للانفتاح بروح نقدية ترتكز على أساس الثقة بهذا الدين.

والثاني؛ أن القصور في الاستجابة لمشكلات العصر ليست في المنهج في خطوطه الأساسية، فضلاً عن الأسس المعرفية، وإنما في الانفتاح الفعلي والجدي على العصر ضمن مشكلات الجماعة لا الفرد، وإرادة التقدم لا القناعة بالتخلف، وهنا يتأتى توظيف المنهج بصورة طيبة، وهنا نستكشف القصورات الجزئية في المنهج فتعالج في المجتمع العلمي. هذا أولاً.

ثانياً: في النتاج العلمي يمكن رؤية جملة من العطاءات. بعضها يتعلق بالصياغة بلغة معاصرة حيث إن جملةً من ارتباك الحوار هو التباين في لغة الاصطلاحات والتعابير غير المفهومة، فيمكن توصيفه بـ«التجديد الأسلوبي»، وهذا التجديد الأسلوبي بدأ يمتد لمنهج الدراسة، حيث بدأت بوادر الفصل بين الفقه العملي والاستدلالي، وتقدمت حركت تهذيب المناهج من التضخم ترشيداً لصالح أغراض العلم الفعلية.

والبعض هو نتاج الانفتاح على مشكلات العصر علماً أن ذلك يُشكِّل اجتهاداً فرديًّا، مثل الرؤى الجديدة عن فقه المرأة، ومثل تحجيم «الاحتياط» الفتوائي في السلوك الفردي اعتماداً على الورع الشخصي لأن الحياة العامة تتطلب اليُسر، وهذا التحجيم قد ينال المنهج في «الاحتياط العلمي» بحصره في قاعدة الاشتغال، ومثله تحجيم «خبر الواحد» في دائرة موافقة القرآن الكريم.

لكن الأكثر أهمية في هذا مجال المنهج، الذي يُشكِّل قفزةً، الأيام القادمة كفيلة بإيضاح أبعادها، هو تكريس الاعتبار للقرآن الكريم في عملية الاستنباط. ويكون من مفاعيله توسعة تقويم خبر الواحد بالعرض عليه، والبحث عن قواعد جديدة أو غايات الشريعة لُتشكِّل موجِّهات في فهم النصوص الروائية أو في تطبيقها.

لكن كل هذا في المجتمع العلمي؛ أما في دائرة التعريف بهذا الحراك العلمي لعامة المجتمع فهو نقطة ضعف ملحوظة إزاء الكم الهائل من كتابات الحداثيين.

الشيخ شفيق جرادة:

أود في البداية أن أشير إلى تحفظي باستخدامكم كلمة المؤسسة الدينية.. لأن هذا المصطلح إنما كان بفعل النظام الإكليركي الذي غلب على الكنيسة وانقسم شعبها إلى ديني بمعنى لاهوتي، وإلى علماني بمعنى مدني،.. وهو الأمر الذي لا نجده في الإسلام.. فالحواضر العلمية من حوزات ومعاهد وجامعات ومرجعيات لم تتحول إلى تكتل له تفسيره الرسمي؛ بل بقي الاجتهاد وإبداء الرأي؛ وإن بحدود؛ هو سيد الموقف...

وهنا بودي الإشارة إلى أن هذه المجاميع العلمية هي التي حفظت الأصول والأسس، وهي التي كانت ولا تزال تسعى لتطوير نفسها حتى تواكب المستجدات.. وقد قام هذا السعي بمستويين..

المستوى الأول: وهو المبادرة الفردية من قبل بعض المرجعيات الدينية وأهل الفكر للتصدي الجدي لتقديم الرؤية الاسلامية باعتبارها أطروحة رسالية تتحدى الأفكار والأيديولوجيات.

المستوى الثاني: وهو ما نتج بعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران وقيام الدولة الإسلامية.. والذي أشعل الأفكار والإرادات للعمل ضمن مؤسسات تخصصية على دراسة الإسلام وتقديمه بما هو أطروحة حياة حيَّة متفاعلة وفاعلة. وهذا ما فرض التوفر على معرفة آليات ومنهجيات بحثية جديدة أعادت قراءة منطق الفكر، وتأويلات النص، بل وقواعد تفسيره.. على أرضية من الاحتياجات الجديدة.

الشيخ مرتضى الفرج:

للمؤسسة الدينية إسهامات حقيقية في مجال قراءة النص الديني، سبقت الغرب بفترة طويلة، لكن انطلقت من دوافع مختلفة. وما زالت تلك الإسهامات تنتظر من يعيد ترجمتها إلى لغة معاصرة مفهومة، لأن فهمها صار مقتصراً على المتخصصين.

وأعني هنا إسهامات المؤسسة الدينية في علم أصول الفقه، وبالتحديد، في مباحث الألفاظ من هذا العلم. فمباحث الألفاظ من علم أصول الفقه لم تنشأ إلا لتفسير النص الديني وتحديد آليات فهمه وضوابط انعقاد ظهوره.

هذه المباحث بدأت في وقت مبكر، ثم تطورت بوتيرة سريعة بدءاً من الوحيد البهبهاني[1] (1206هـ/1894م)، مروراً بالشيخ مرتضى الأنصاري (1281هـ/ 1864م) الذي نقل هذا العلم نقلة نوعية. إلا أن النقلة الحقيقية في مباحث الألفاظ بدأت مع الشيخ كاظم الخراساني[2] (1329هـ/ 1911م)، وتعمقت هذه المباحث مع الأعلام الثلاثة من تلامذته، وهم الشيخ محمد حسين النائيني[3] (1355هـ/ 1936م)، والشيخ ضياء الدين العراقي[4] (1361هـ/ 1942م)، والشيخ محمد حسين الأصفهاني[5] (1361هـ/ 1942م). وواصل الفقهاء المعاصرون من تلامذة الأعلام الثلاثة المسيرة، وتألق في هذا المضمار الشهيد السيد محمد باقر الصدر[6] (1400هـ/ 1980م).

ويمكن إجراء دراسات مقارنة بين ما قدَّمه هؤلاء الأفذاذ وما قدمه المفكرون الغربيون في مجال تفسير النص، وتشخيص العناصر المشتركة في فهم النص. فمثلاً يمكن إجراء دراسات مقارنة بين المدارس الأصولية التي قدمت نظريات متعددة في مبحث الوضع والمعاني الحرفية وهيئات الجمل والمائز بين الجملة الخبرية والإنشائية، والأمر وأدوات الطلب، والإطلاق وأدوات العموم، ومفاهيم الشرط والوصف والغاية والاستثناء والحصر وغيرها من المباحث، مع ما قدمه الغرب في مدارسه المختلفة، كمدرسة التحليل اللغوي ونظرية الأفعال الكلامية ونظرية السياق والنظرية التحويلية في النحو وعلم الظواهر (=الفينومينولوجيا) وعلم تفسير النصوص (= الهرمنيوطيقا) واتجاه البنيوية وما بعدها.

والجدل الفكري المثير الذي دار في إيران -والساحة العربية مع الأسف غائبة عنه- يأتي في هذا السياق. فما جرى من سجال فكري بين محمد مجتهد شبستري ومحمد خاتمي وصادق لاريجاني وأحمد بهيشتي وأحمد واعظي ومصباح يزدي (وجميع هؤلاء ينتسبون للمؤسسة الدينية) يمكن النظر إليه بوصفه إرهاصات لتقديم نظريات مهمة في مجال تفسير النص الديني بلغة مفهومة عالميًّا. لكن هذا السجال بحاجة إلى تعميق وتطوير، دون خلط الفكري بالسياسي، وهو ما لم يستطع هؤلاء تجنبه على ما يبدو.

1 منتدى البصائر: مقولة الفصل بين الدين والمعرفة الدينية- التي يتكثف حضورها من خلال توالد آليات القراءات الحداثية ومن خلال الاختلاف الكائن بين الفقهاء وبين المذاهب- تطرح تساؤلات عدة؛ منها ما يتعلق بتحديد الدين ذاته، ومنها ما يتعلق بإلزامية أو شرعية المعرفة الدينية.

والسؤال: هل يمكن تجاوز إشكالية الفصل لمعرفة الدين بصورة واقعية، وكيف يمكن موائمة الاختلاف والشرعية، والاختلاف والصفة الإلزامية؟.

السيد جعفر العلوي:

من المناسب التذكير بدءاً بأن مناهج استنباط الحكم الشرعي من الكتاب والسنة في ممارسة الفقهاء المعروفة تواضعاً بـ«الاجتهاد» - هي جزء لا يتجزأ من المنظومة المعرفية والتي تتصل بالكلام والفلسفة.

ولنلاحظ سعة الحجية لأقوال الصحابي أو لأهل البيت (عليهم السلام)، وتأسيس حجية الظهور وجملة من الأمارات على بناء العقلاء ومناهجهم العرفية/ العقلائية، والتصويب والتخطئة، وتمامية الدين واشتراط السماع عن المعصوم،... ومثلها كثير - سنجدها أبحاثاً كلامية. وبعضها غير منحصر بالجماعة العلمية فهو مسرح التجاذب عند عامة المسلمين بسب أهميته مثل حجية الصحابة وحجية أهل البيت (عليهم السلام).

ومن جهة أخرى إن ملاحظة المفردات المتقابلة: شمولية الدين وتماميته وحاكميته/ الحصر في النطاق الشخصي والإرشادي، أصالة العقل/ نفوذ الحتميات الثقافية الاجتماعية، التسليم والتعبد لله/ أصالة الإنسان بمعنى تأليهه،.. وهكذا مفردات سنجدها كذلك مباحث تدخل دائرة الكلام والفلسفة.

فالمناهج تتأسس على أرضية فلسفية، وإنما تتحيد المناهج عن الفلسفات حين تنطلق من العقل العرفي (المشتركات العقلائية البشرية).

ومن خلال هذه المقدمة ننقل الحديث للآتي:

أولا: مفارقة الاجتهاد عن القراءات المتعددة:

الاجتهاد مأخوذ من الجُهد فالاجتهاد بمعنى بذل الوسع لتحصيل الحجة (دليل معتبر شرعاً) بالحكم الشرعي. وبعبارة هو مؤسَّس على انتهاج سبل واعتماد معايير معرفية مشروعة ومعتمدة من الدين، كما هو ينطلق من التسليم للشرع المتمثل في قبول أحكامه كما يفصّلها هو وبصورة دائمة وشاملة، وإنما تتعين حدود الشرائع وشرائطها من الدين نفسه. في حين أن «القراءات المتعددة» مع الغض عن النزعة لكسر احتكار رجال الدين المؤسَّس على تداعيات الإصلاح البرتستانتي الذي كسر الوسائط المصطنعة بين الرب والعباد، ودعا إلى الانفتاح على الكتاب المقدس من خلال توفير ترجمات باللغات المحلية، والمؤسَّس على تهميش الكنيسة في الحداثة الأوربية.. فإن الإشكالية الجدية كامنة في مناهج ومعايير المعرفة المستحدثة. ويمكن ملاحظة مسألتين في هذا الشأن؛ الأولى: إعادة موضعة دور الدين حيث يتم تحجيمه في إطار الإرشاد الأخلاقي الثقافي، وأيضاً ضمن معايرة هذا الإرشاد فيما هو متوقع منه من خلال الخبرة المعرفية البشرية، فعلى ذلك يتحجم في دائرة المجهولات التي لم تنلها المعرفة العلمية إذ مع وفرة المعرفة يسقط من الدين ما هو متنافٍ مع العلم البشري.

والثانية: معايرة المعارف الدينية ضمن منطق التاريخانية ضمن مقولات (الثابت والمتحول، الذاتي والعرضي)، حيث يكون للشروط الاجتماعية الثقافية تأثير أساسي في تفصيل وتطبيق غايات الشرائع الدينية كما تحدده الخبرة البشرية لا النص، حيث يكون مدلول النص من الشكليات العرضية الزمنية التي تستهدف غايات يتوقعها القارئ من النص.

ثانياً: إمكانية المعرفة الموضوعية، أصالة العقل والرسالية:

التفكيك بين الدين والمعرفة الدينية صحيح من بعض الجهات، أما إطلاقية التفكيك فهو مؤسَّس على النسبية الكانتية وعلى النسخ الكانتية الجديدة، وهي نسبية تعرَّضت للنقد من الإسلاميين وغيرهم فهي محل اعتراض ومن يود الإحاطة فليراجعها في البحوث الفلسفية، لذا من نافلة القول: إن ضروريات الدين الواضحة غير مشمولة بهذا التفكيك، ولا نتوقع هذا حتى من النازعين لهذه المشارب من المسلمين المتدينين.

أما جهة الصحة -خصوصاً على مقولة التخطئة «لله حكم ثابت قد يُخطئه الفقيه» التي تتبناها المدرسة الإمامية- فهي في دائرة الأحكام الظنية التي هي مسرح الاجتهاد الفقهي.

إن نظرية المعرفة الدينية تعتمد أصالة العقل القادر على المعرفة الموضوعية من خلال قدرته الموهوبة على تجاوز الأطر الثقافية وأهواء النفس وضمن المناهج العقلائية. ولا يخفى أن نفي القدرة على المعرفة الموضوعية يتنافى مع «رسالية» هذا الدين التي اقتضت الحكمة الإلهية بعث الأنبياء سعياً لتحقيقها.

ثالثاً: العلمية وصفة الإلزام:

تأسيس الإلزام مترتب على الإيمان، وظنية (الظن العلمي) حكم الفقيه لا تفقده الصفة الإلزامية (المنجزية والمعذرية) النابعة من التدين. وذلك لأن شأن البشر حين يفقدون العلم الجازم يعتمدون الظنون/ النظريات العلمية المستوفية لشروط المناهج المعتمدة، وهذا الدين جرى على نهج العقلاء، وإنما أرشد للمناهج المعتمدة الصالحة المتناسبة لاستنباط أحكامه.

والاستناد إلى استنباط الفقيه بما هو رجوع للعالم هو شأن العقلاء. فالعقل يدرك أن العمل فيما يتصل بأحكام الدين دون استناد إلى الحجة مستحق للمؤاخذة فلا مناص لدى العقل من تحصيل ما هو المؤمّن من العقاب، والمتحقق أما بأن يكون فقيهاً عالماً، وأما أن يستند إلى الفقيه، وذلك في غير الواضحات التي يعرفها كل قارئ للقرآن.

وهذا الاستناد المعروف فقهيًّا بـ(التقليد) يتأسس على وعي (اجتهاد) الإنسان العادي المعتمد على الارتكاز الفطري العقلائي «رجوع الجاهل إلى العالم عند العقلاء» لذا مسألة التقليد ليست محلًّا للتقليد.

وتعددية اجتهاد الفقهاء لا يفقدها الإلزامية في المطلق، وإنما الشأن هو أن يتخير بينها ضمن شروط يُفصِّلها الفقهاء أو يعمل بما هو موافق للاحتياط، وبعبارة ليس من شأن العقلاء أن يُعرضوا عن آراء المختصين في مجال ما كالطب حين الاختلاف واللجوء إلى اقتراحات غير علمية. طبعاً هذا في الشأن الفردي أما ما يتصل بالعام فمرجعه لشورى أهل الخبرة والفقهاء والأمة.

الشيخ مرتضى الفرج:

لاحظ أن علماء أصول الفقه الشيعة ميَّزوا بين الأحكام الواقعية والأحكام الظاهرية، واعترفوا بأن مطابقة الحكم الظاهري للحكم الواقعي الأولي ليست مطابقة دائمة، لكنها مطابقة أغلبية. وبالتالي عندما نتحدث عن تفسيرٍ معقول لنصٍ الديني، فنحن لا نتحدث عن تفسير مطابق على الدوام لمراد صاحب النص على نحو القطع واليقين، وإنما نتحدث عن تفسير ينسجم مع ظاهر النص، ويحظى بالحجية لأنه مستوفٍ لضمانات وضوابط معينة. فنحن إذن بحاجة لضمانات إذا ما توافرت في تفسيرٍ ما، فإنه يصبح جديراً بالدخول ضمن دائرة التفاسير التي يمكن التعويل عليها وتحظى بالحجية....وإلا إن رفضنا الاتفاق على ضوابط وضمانات، فسنقع في محظور فوضى القراءات، لا تعددها.

نعم، يمكن للتفسير الذي لم يستوفِ هذه الضوابط أن يُطرح للتداول بوصفه تفسيراً مقترحاً، ويمكن أن يساهم التفسير المقترح في تحريك أذهان المتخصصين وفتح آفاق جديدة أمامهم ولفت انتباههم إلى أن النص يحمل إمكانات تفسيرية آخرى. لكن هذا التفسير -طالما لم تتوافر فيه تلك الضمانات- فلن يُعوَّل عليه ولن يحظَ بالحجية.

وانطلاقاً من الإيمان بأن القرآن بسوره المتعددة يمثل نصوصاً دينية قطعية الصدور، حدَّد الشهيد الصدر كما جاء في (علوم القرآن) للسيد الحكيم، الشروط التي يجب توافرها في مفسر القرآن في أمور أربعة: أولها أن يدرس المفسر القرآنَ بذهنية إسلامية، فيقيم تفسيره على أساس أنه كتاب إلهي لا يخضع للعوامل والمؤثرات ذاتها التي يخضع لها النتاج البشري. وثانيها أن يتوافر في المفسر مستوى رفيع من الاطِّلاع على اللغة ونظامها. وثالثها أن يحاول المفسر بكل طاقته أن يتجرَّد من مسبقاته ويندمج في القرآن. ورابعها أن يكون للمفسر منهج في التفسير يعتمد عليه في تفسير النص القرآني.

الشيخ مصباح يزدي في مقاله (منطق الفهم القرآني) قدَّم بدوره خمسة أصول لتفسير النص القرآني: منها اعتبار القرآن صادر من الله تعالى. ومنها الإيمان بأن الوحي يُطلعنا على ما لا سبيل للعقل إليه. ومنها معرفة أن هذا الكتاب الإلهي استخدم لغة عقلائية، وفق أصول الخطاب العقلائي، فالقرآن وإن استخدم أساليب الاستعارة والمجاز لكنه يكشف عن حقائق، ومنها أن الله تعالى طلب تفسير خطابه وفهمه وفقاً للغة العقلاء المتداولة، وبالتالي التفسير وفهم القرآن ليس مقصوراً على المعصوم، بل بإمكان المتخصص -إن راعى الضوابط- أن يُقدِّم تفسيراً يحظى بالحجية. ثم قدَّم الشيخ يزدي قواعد لتفسير النص القرآني: منها إتقان اللغة، ومنها معرفة المشترك اللفظي والمعنوي والحقيقة والمجاز والقرائن المتصلة، ومنها معرفة القرائن المنفصلة، ومنها الاستفادة من الشواهد التاريخية (= سياق الموقف).

الشيخ محسن الأراكي في (المعرفة الإسلامية: منهجاً وتصوراً) قدَّم أيضاً ثلاثة ضوابط وضمانات، وهي: الإحاطة الكاملة بمصادر الفكر الإسلامي (= قرآن وسنة)، واستيعاب المنهج الصحيح للتفكير (= المنطق وأصول الفقه)، وأخيراً الممارسة العملية الكافية لخلق ملكة علمية لاستخراج الفكرة الإسلامية.

أقول: لابد من تمحيص الضوابط التي قدمها هذا المفكر أو ذاك، والانتهاء إلى ضوابط نهائية (أو شبه نهائية) متَّفق عليها، نُقيِّم على ضوئها لا التفسير المختار، بل التفسير الذي يحظى بالحجية. فقد تتوافر لدينا قراءات متعددة لنصٍّ ديني، كلها تحظى بالحجية، لكن لا يطابق واقع مراد صاحب النص إلا واحد منها.

وإلا إن استمر البعض في رفض تحديد ضوابط وضمانات لتفسير النص الديني، فسنقع فيما وقعت فيه المدرسة التفكيكية الغربية، التي ادعت غياب المركز الثابت للنص، وبالنتيجة سنستبدل المفهوم التقليدي لتعدد قراءة النص الواحد، إلى مفهوم لا نهائية القراءات. وهذا يعني الوقوع في فوضى فكرية لا حدود لها.

1 منتدى البصائر: لكل أمة وحضارة سمات مختلفة عن الأخرى، لكننا يمكن أن نتلمس قاسماً مشتركاً بين جميع الحضارات وهو الاعتماد على النص المؤسِّس في مراحل الانتقال الحضاري وفي مراحل التأزم وتشابك وعي الأمة التاريخي بالمعاصر، لكن الأمة الأكثر تأثراً بالنص والأكثر عناية به هي أمتنا الإسلامية لكون النص يفرض هيمنة تامة في كل مفاصل وجودنا، في رأيكم ما هي ملامح المنهج الصحيح الذي من خلاله يمكننا أن نجعل النص الديني يُسهم بشكل فاعل في توجيه مسار الأمة لتواكب الأمم المتحضرة، بل لتكون رائدة التحضر في عالمنا المعاصر والذي تنتظر الأمم منا مساهمة حقيقية تخرجها من أزماتها المتكاثرة؟.

السيد جعفر العلوي:

ربما من المناسب الخروج بدءاً إلى تساؤل عن المعني بالسؤال!.. ويُقال هو شأن كل مسلم ابتناءً على طبيعة الدين الرسالية التي تصبغ المنتسبين إليه بصبغتها وشرائعه المتضمنة لمفردات الأمر بالمعروف والجهاد..، لكن الذي يتبادر غالباً أن المعني بالأولوية هو المجتمع العلمي الديني، وهو صحيح. وهكذا نرى تاريخ إرهاصات النهوض مرتبطة باسم جمال الدين الأفغاني (رحمه الله).. لكن السؤال متعلق بالأمة بمجموعها مما يتطلب تفاعلاً وتعاوناً متآزراً، لذا من الأهمية دخول الشريحة المثقفة المتدينة كشريك فاعل مع رجال الدين في هذه المهمة لتحقيق تكاملية التأصيل والانفتاح الحيوي، وإنما قيمة القيم تتجلى حال تمثلها في الخارج.

والسؤال ناظر إلى فعل إيجابي يتجلَّى في الانفتاح النقدي، وفي تشكيل تيار معرفي مصطبغ بالتدين الحضاري يخرج من أروقة مجتمع (الحوزة) إلى رحابة المجتمع العام. وهذا الانفتاح يتطلب من المجتمع العلمي تجاوز الترف الفكري إلى تعاطي القضايا المعاصرة. وفي إطار الإجابة التي تتسع للكثير أود التأكيد على بعض الأمور التي تناولها الباحثون الإسلاميون لأهميتها بنظري:

الأول: من الأولويات المعرفية هو تفعيل مفهوم الثقة بالدين وحسن الظن بالله في إبراز مفاعيله المعرفية. وهذا التفعيل يخرج عن تلقينية التعليم إلى القناعة وهي تنفتح على الحياة. وبعبارة أكثر تحديداً خلق تواصل بين المجتمع والتحديات المعرفية بقدر مدروس ضمن ضخ المعارف الإلهية، وهذا التواصل الثقافي يتم بواسطة المفكرين الذين يخوضون غمار التحدي المعرفي في ساحة العمل، ومن خلال إشراك المجتمع في الحراك والتدافع المعرفي والحضاري. ولا ينبغي التخوف من الانفتاح والتدافع والنقد لثقتنا العميقة بهذا الدين، وقد دلت التجارب المعاصرة على تزايد الثقة بهذا الدين في ظل التحديات المعرفية والحضارية.

الثاني: تحرير الوعي من الخرافة والعاطفية والعصبيات الجاهلية والتقليد الأعمى، وتكريس العقلانية والتفكير العلمي النقدي والانفتاح الإيجابي، فأساس الدين العقل. وفي هذا الإطار ينبغي تجاوز ركام التحريف الذي شاب عقول الناس واصطنعته جهالتهم ديناً، ومن جهة أخرى استبدال هذا الركام بأصول المعرفة الدينية الصحيحة والمعيارية، وذلك بإعادة الثقافة القرآنية إلى المجتمع، فمن الخطأ أن نجعل تراث المسلمين وتفاعلهم الثقافي في العصور الماضية مع التيارات السائدة حينئذ هو المرجعية المعرفية. والاعتقاد أن هذا التقديم الخاطئ للتفاعل الثقافي في الماضي في الحاضر على أنه الثقافة الدينية يأخذ مساحة واسعة من خلق اهتزاز الثقة بهذا الدين.

لقد كان المسلمون الأوائل، بل والمشركون قادرون على الفهم العرفي لهذا القرآن، وإنما يعاني المسلم اليوم إشكالية الحاجز اللغوي، فينبغي السعي لتجاوزه. وحينها سيُشكِّل القرآن عقلاً وسيطاً معياريًّا للمسلم وهو يخوض الحياة.

الثالث: إعادة الاعتبار للأخلاق الحضارية: أخلاق الفاعلية والسعي والمشاركة والإيجابية، والتي تتلخص في قيمة المسؤولية الإنسانية والتكريم الإلهي. وبعبارة: إعادة الاعتبار للتقوى بمضمونها الرسالي.

فقد عبثت تيارات التحريف بحقيقة صلاح الإنسان المسلم وحقيقة التقوى فأولدت مسلماً معتزلاً الحياة العامة. إن التدين التقليدي حيث يؤكد على التربية الروحية بعيداً عن أخلاقيات الفاعلية والمشاركة، فهو يكرس العزلة (الرهبانية)، بيد أن الدين يستهدف صناعة الإنسان المطيع المسؤول. فالتدين يؤسَّس على معارف الدين التي تدفع بقوة نحو استثمار الحياة الدنيوية لا اعتزالها، وليس من الدين أن تكون التقوى بالعزلة، وإنما هي روحية الخوف من الله والتحذر من غضبه أثناء خوض الحياة.

إن التوازن والشمولية والإيجابية التي هي سمات النظرة الدينية تتجلى في أمور منها ارتباط الصلاح الفردي بصلاح الجماعة، والعكس صحيح. وهذه التفاعلية تؤسس للمسؤولية الاجتماعية، كما أن التقوى تُعِدُّ الإنسان لتحمل المشاق في سبيل استصلاح المجتمع، وتوفر ضمانات الاستقامة.

الشيخ مرتضى الفرج:

في تصوري المدخل للمنهج الصحيح في تفسير النص، يتلخص في إدراك أن الظهور المعتمَد للنص لا ينعقد إلا إذا تعمَّق المتلقي في فهم شبكة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي صدر في سياقها النص. لابد أن يسعى المفسِّر لتعميق معرفته بتلك الشبكة وفهمها ومعرفة صراع القوى والتيارات الدينية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي صدر في سياقها النص، لأنها ستكون بمثابة القرائن المنفصلة والحالية التي لا غنى عنها لفهمه.

صحيح أن النص الكامل له استقلاله، ويمكن أن يفهم على ضوء التركيب الكامل له، فيدخل في إطار ذلك القرائن المتصلة، وبالتالي ينعقد للنص ظهور أولي على ضوء سياقه. لكن ظهور النص على ضوء القرائن المتصلة قد يتغير تماماً إذا ما انفتح على القرائن المنفصلة والقرائن الحالية، وما يعبر عنه في الأدبيات المعاصرة بـ(سياق الموقف) في مقابل (سياق النص).

هذه الحقيقة تحدَّث عنها باقتضاب المرجع السيد السيستاني في تقرير بحثه في (قاعدة لا ضرر ولا ضرار)، ص: 137 - 138، عندما أشار إلى منهجه في قراءة النصوص، وعبر عنه بـ(منهج التفسير النفسي)، حيث قال هناك: «تفسير الكلام -في حد نفسه- عملية معقدة، لا تكفي فيها معرفة الجهات اللفظية من المفردات اللغوية والهيئات العامة فحسب...». بل يمكن القول: إن العوامل اللفظية بالنسبة إلى سائر الجهات المؤثرة في معنى الكلام، مثل ما يظهر من الجبل الثابت في البحر بالنسبة إلى ما كان منه كامناً تحت الماء، لأن هذه العوامل لا تؤلِّف إلا جزءاً يسيراً من مجموع ما يؤثر في محتوى الكلام، وإن كانت ظاهرة أكثر من غيرها.

وسر ذلك: أن الكلام بما أنه ظاهرة حية من الظواهر النفسية أو الاجتماعية، فإنه يتفاعل بحسب محتواه مع جميع الملابسات التي تحيط به من محيط وشائعات وأعراف وغير ذلك. فإذا ما أريد تفسير كلام ما، فلابد من ملاحظة جميع الخصوصيات التي تقترن به من الإطار الذي أُلقي فيه، ومن طبيعة الموضوع الذي يتحدث عنه، ومن الصفات النفسية للمتكلم والمخاطب... فربما تختلف الكلمة الواحدة من زمان إلى زمان، أو من موضوع إلى موضوع، أو من متكلم إلى متكلم، أو من مخاطب إلى مخاطب.

فإذا لاحظنا الجهات المختلفة التي تحتضن الكلام، وقدرنا نوع التفاعل المناسب معها، أمكننا تفسير الكلام في ظل مجموع تلك الجهات. وقد عبرنا عن هذا المنهج في تفسير الكلام بـ(منهج التفسير النفسي)، نظراً إلى أن تأثير هذه الجهات في الكلام، إنما هو بلحاظ تأثيرها في الحالة النفسية للمتكلم أو المخاطب أو معها».

هذا المنهج -الذي أشارت بعض نسخ البنيوية إلى ما يقرب منه- يفتح آفاقاً جديدة في فهم النص، فيدعونا بادئ ذي بدء إلى التساؤل: هل للنص -الذي صدر في زمن معين- من السعة والشمول ما يسمح لنا بنقله لسياقات أخرى كالسياق الذي نعيشه اليوم؟ أم أنه محدد بظروف وملابسات خاصة؟.

وإن افترضنا أن للنص من السعة والشمول ما يسمح بنقله لسياقات أخرى، فهل يمكن تطبيق هذا النص بعنوانه على الواقع؟ أم أننا عندما نطبقه على الواقع تنشأ لدينا عناوين ثانوية جديدة يتغير على ضوئها الموضوع؟.

وأيضاً يدعونا هذا المنهج للتساؤل: عندما صدر النص (ولنفترض أنه نصٌّ من معصوم) فهل صدر بوصفه إعمالاً لمنصب الولاية والحكومة روعي فيه المصالح والمفاسد الزمانية والمكانية المكتنفة بالنص؟ أم صدر بوصفه أمراً تشريعيًّا ثابتاً ووحياً يستقر مضمونه في ذمة المتلقي في أي زمان ومكان؟.

هذا المنهج، كما يبدو لي، يعطي مرونة كبيرة للمفسِّر في مجال فهم النص. فهو يسمح له بادِّعاء أن النص خاص بسياقه، ولا يمكن نقله لسياقات أخرى، إن استطاع المفسِّر تقديم مبررات موضوعية لمثل هذا الادعاء... وبالتالي هذا المنهج يحرر المفسِّر من التشبث بحرفية النص. ومن ناحية ثانية يُبقي هذا المنهج على سلطة النص إن عجز المفسِّر عن تقديم ما يدل على أن النص خاص بسياقه الذي صدر فيه.


ارسل لصديق