القرآن الكريم وآليات الفهم
كتبه: إبراهيم علي السفسيف
العدد (44) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 3776

الكتاب: كيف نفهم القرآن؟

المؤلف: السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (قدس سره)

الناشر: دار الفردوس (ط1)

سنة النشر: 1988م

تمهيد: ضخامة الإنتاج وضمور الفهم

يُمثّل القرآن الكريم، باعتباره خطاب الله سبحانه وتعالى المنزل على النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لهداية البشر عبر ملك الوحي جبريل (عليه السلام)، حجر الأساس الذي بُنيت عليه الحضارة الإسلامية، حتى باتت توصّف على أنها «حضارة النص» في إشارة إلى الدور المركزي الذي تبوأه القرآن الكريم في تشييدها.

والنص بحاجة إلى الفهم، والفهم بحاجة إلى التفسير، باعتبار أن الفهم هو العلم بالشيء[1]، والتفسير «بيان معاني الآيات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومداليلها»[2]، فلا فهم من دون تفسير.

مع الإشارة هنا إلى أن الأمة، بما فيهم صحابة الرسول باستثناء أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، لم تتوافر على فهم كامل للقرآن الكريم.

بل إن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ومع كونه المفسر الأول للقرآن الكريم ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (النحل/ 44)، لم يكن تفسيره (صلى الله عليه وآله وسلم) شاملاً للقرآن في جميع أبعاده[3].

ولهذا جاءت بدايات عملية التفسير في فترة مبكرة ومصاحبة لنزول القرآن الكريم، وأخذت تتطوّر وتنضج شيئاً فشيئاً مع تطوّر ونضوج العقلية الحضارية والعلمية للإنسان المسلم حتى وصلت إلى الكيفية التي هي عليها اليوم.

غير أن ما يمكن ملاحظته هنا، هو أن عملية التفسير استحوذت على أغلب الجهود التي بُذلت في التعاطي مع القرآن الكريم، حيث انتقلت عملية التفسير من بيان المجمل، وإيضاح المبهم، وتوضيح معاني الألفاظ، إلى كشف أبعاد الآيات وسبر أغوارها، عبر وضع آليات للتفسير وتحديد مناهجه.

وفي المقابل، ظلت عملية الفهم بعيدة عن الاهتمام؛ اعتماداً على أن التفسير سيؤدي حتماً إلى الفهم الصحيح ومن ثم إلى التطبيق الصحيح. وهذا ما لا يمكن ضمان الحصول عليه. خصوصاً مع تعدّد المدارس التفسيرية وتشعّب مرجعياتها، إضافة إلى اختلاف أفهام الناس.

وقد أفضى هذا الأمر إلى مفارقة عجيبة، وهي: أن الأمة الإسلامية تزخر بإنتاج تفسيري ضخم للقرآن الكريم أمام فهمٍ قاصر ضحل عند أفراد الأمة؛ ذلك أن عملية التفسير أصبحت منغلقة على نفسها، ومحصورة في المجامع العلمية والمتون التفسيرية، ولم تبحث عن آلياتِ تمرير إنجازاتها إلى واقع حياة أفراد الأمة. فتباينت حركة نموها وتوسعها عن عملية فهم الأمة للقرآن الكريم، حيث لا تزال هذه الأخيرة متأخرة بمفازات عن الأولى. وواقع الأمة المتخلف خير دليل على ذلك.

ولا يمكن أن نغفل هنا بعض المحاولات التي عملت على تجسير هذه الهوة، التي تمثّلت في وضع المختصرات التفسيرية، والشروح الميسرة في مجلد واحد. إلا أن هذه المحاولات، وإن أوجدت حالة من التواصل مع القرآن الكريم على مستوى الفهم، إلا أنها تكتفي بإعطاء السهل مما خفّ وزنه وسهل من المعاني للآيات القرآنية دون أن تصل إلى المستوى الأعمق من الآيات تفكّراً وتدبّراً.

من هنا تبرز الحاجة إلى تركيز الجهد على تحديد آلياتٍ صحيحة لفهم القرآن، هذه الآليات التي من شأنها أن تحرِّر قارئ القرآن من التلقي السلبي إلى التفاعل الإيجابي، وتخلِّصه من مشاكل الفهم التي تقف حائلة دون تفعيله في ساحة الحياة، ابتداءً من تحجيم التعامل معه في مجالات معينة كالاستخارة والصيدلة وطلب الرزق، وتلاوته تلاوة سطحية تجعل منه حروفاً بلا معانٍ وكلمات بلا مفهوم، والاهتمام بقشوره وإغفال لبِّه، وانتهاءً بفهمه فهماً تجزيئيًّا، ومصلحيًّا، وميتاً، وبلا عمل[4].

والكتاب الذي بين أيدينا يعدّ محاولة مبكرة ومتقدمة لوضع آليات الفهم الصحيح للقرآن الكريم بين يدي الأمة، وتمرير إبداعات المفسرين إلى أفهام الأفراد العاديين. فما هذه الآليات؟

آليات الفهم الثلاث

يؤكد المؤلف منذ البداية أن القرآن الذي قام بدور تغييري قبل أربعة عشر قرناً هو ذاته الكتاب الإلهي القادر على البناء الحضاري وإنقاذ البشرية في الوقت الراهن. وما حالة التخلف التي تعيشها الأمة اليوم إلا نتاج طريقة تعاملها مع القرآن، وكيفية تلقيها لمفاهيمه ورؤاه. حيث كان المسلمون الأولون يفهمون القرآن كتاب حياة ومنهج تطبيق، أما المسلمون اليوم فهم يتعاملون معه بشكل معاكس تماماً.

وعليهم اليوم نفض الغبار عن أنفسهم ويبدؤوا التعامل بفهم جديد مع القرآن، عبر هذه الآليات الثلاث:

الآلية الأولى: منهج التدبُّر[5]:

منهج التدبّر يعتمد طرح مختلف التساؤلات حول الظواهر القرآنية، وعلى الفرد الذي يحاول التدبر في القرآن أن يثير عقله فيها.

وهذه التساؤلات تتناول التدبر في الآتي[6]:

- معنى الكلمة.

- تخيّر الكلمة وما تعطيه من أبعاد وظلال.

- موقع الكلمة والمغزى الذي تشير إليه.

- الشكل الخارجي للكلمة من حيث التقديم والتأخير والمعلوم والمجهول و..

- التسلسل المعنوي، والتناسب في الانتقال من غرض لآخر.

- التصنيف وفق الأبعاد الزمنية أو المواقف الاجتماعية أو النفسية.

- إضافة إلى الحكمة والتصوير والمفارقات.

ومنهج التدبر ينطلق من معطيات عديدة، هي:

التدبر في القرآن هو الطريق الوحيد للاستفادة من آياته والتأثر بها، خلافاً للقراءة الميتة التي لا تعني أكثر من ترديد الكلمات على اللسان.

التدبر في القرآن هو الطريق الوحيد لفهم قيم القرآن وأفكاره ومبادئه كما أنزلها الله.

القراءة الواعية للقرآن الكريم والتدبر في آياته يقومان بدور مزدوج في قبال ما يعترض الفرد من مشاكل وأزمات فردية أو اجتماعية في هذه الحياة، فمن جانب يقومان بتطهير النفس مما علق بها من سلبيات، ومن جانب آخر يقومان بوضع سبل حل هذه المشاكل.

وأخيراً، فإن التدبر في القرآن هو الطريق للعمل بما جاء فيه، ذلك أن العمل بالقرآن يتوقف على فهمه، وفهمه لا يكون إلا بالتدبر في آياته.

ولكي يكون التدبر في القرآن مثمراً ومفيداً ومتكاملاً وسليماً، لابد من توافر مجموعة من الشروط في من يتدبر، وهي:

- الملاحظة العلمية الدقيقة.

- التروّي والأناة.

- عدم التسرّع في تقبّل الأفكار.

- التتلمذ على يد القرآن.

- الرجوع إلى المصادر كالمعاجم والتفاسير والروايات.

- الثقة بالنفس والإبداع.

الآلية الثانية: الفهم الشمولي للقرآن[7]:

يعدّ الفهم النصفي / النظرة الجزئية للقرآن من أخطر القضايا في التعامل معه؛ ذلك أنها تحوّله إلى أشلاء مبعثرة ومقاطع متفرقة، لا يرتبط أحدها بالآخر، بل ويتناقض بعضها مع بعض أحياناً.

ويتجلّى هذا الفهم في مظهرين، هما:

فصل الجملة القرآنية عن السياق، وقد ترتّب على ذلك مضاعفات خطيرة في مجال العمل والتحرك، ومجال العقيدة والإيمان، ومجال فهم الكلمة القرآنية.

التجزئة الموضوعية في فهم آيات القرآن، بالعمل على فهم كل آية بعيداً عن الآيات الأخرى كأنها وجود قائم بذاته. وقد أنتج هذا، فهماً خاطئاً لبعض الآيات القرآنية، وفهماً ناقصاً للموضوعات القرآنية.

وللتخلص من هذا الفهم يتوجب الانتقال منه إلى الفهم الشمولي للقرآن، والذي يسير في مراحل أربع:

الأولى: جمع الآيات القرآنية المرتبطة بالموضوع من مختلف السور القرآنية.

الثانية: فرز الآيات وتصنيفها، ووضع كل منها مع ما تماثله من الآيات.

الثالثة: ترتيب هذه المجموعات على حسب ما يقتضيه الحال.

الرابعة: استنباط الرؤية المتكاملة من خلال ذلك.

أما عن صور الجمع بين الآيات، فهي:

الجمع التفسيري: بكشف المدلول الحقيقي للآية القرآنية من خلال آية أخرى تتعرّض لذات الموضوع.

الجمع الترتيبي: بترتيب الآيات ترتيباً زمنيًّا أو منطقيًّا.

الجمع الاستنباطي: بالجمع بين آيتين من القرآن الكريم أو أكثر لاستنباط حكم تشريعي معيّن، أو فكرة معينة. وهذا الجمع مختص بفئة المختصين فقهيًّا.

الجمع الموضوعي: بفرز الآيات القرآنية التي تتحدث حول موضوع محدد، وتصنيفها إلى مجموعات، ومن ثمّ استخراج الرؤية القرآنية المتكاملة حول الموضوع.

ويعتبر هذا الجمع الأخير من أهم أنواع الجمع نتيجة لمزاياه ونتائجه.

الآلية الثالثة: الفهم الحيوي للقرآن[8]:

إن الفهم غير الحيوي للقرآن الكريم بسبب اتباع الهوى والشهوات والفهم الخاطئ للدين والنظرة القاصرة للقرآن على أنه كتاب متعالٍ عن الإدراك، قاد إلى تصوّر القرآن على أنه «كتاب موت» يشتمل على مجموعة من القضايا الميتافيزيقية والقصص التاريخية والطقوس العبادية، فلا يستطيع الدفع والتحريك في واقع الأمة. وبالتالي انفصل عن الأجيال الصاعدة؛ ذلك أنها تبحث عن القضايا المتحركة والمرتبطة بالوضع القائم، مما كرّس المفاهيم الخاطئة عن القرآن في نفسية الأمة.

وقد تجلّى الفهم غير الحيوي / الواقعي في مظاهر ثلاث، هي:

- الفهم التجريدي للقرآن الكريم بربط مفاهيمه بعالم الغيب، وفصلها عن الواقع القائم.

- الفهم التاريخي للقرآن بتلقي قصصه كقصص تاريخية هدفها ذاتي لا ينفذ إلى العبر الكامنة وراءها، وربطها بذوات خاصة من دون اعتبارها نماذج متكررة في كل زمان ومكان.

- عدم فهم الأبعاد الحقيقية للآيات القرآنية، والذي ينشأ عن عدم استيعاب المتغيرات الزمانية الجديدة «عدم الوعي بالعصر»، عدم صبّ هذه الآيات في قوالب جديدة عند التدبّر فيها.

والفهم الحيوي للقرآن الكريم عبر فهمه فهماً واقعيًّا، ونافذاً إلى بصائر القصص فيه، ومجلياً للأبعاد الحقيقية في آياته، كفيل بجعله كتاب حياة وبرنامج تحرّك وخارطة سلوك، فقد وعت الأمة بفضل القرآن، وتحرّكت بفضل القرآن، وأنجزت كل شيء بفضل القرآن.

وختاماً، وكما ذكرنا سابقاً، فإن الكتاب يعدّ محاولة مبكِّرة ومتقدِّمة لوضع آليات الفهم الصحيح للقرآن الكريم بين يدي الأمة، وتمرير إبداعات المفسرين إلى أفهام الأفراد العاديين، حيث صدر في نهاية العقد الثامن من القرن الماضي، إلا أنه لم يلقَ الاهتمام المطلوب من قبل المتخصصين في علوم القرآن وتفسيره، من حيث التقويم والبناء عليه.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] جاء في لسان العرب، مادة (فهِم): فهِمه يفهَمهُ فَهْمًا: علمهُ وعرفهُ بقلبه.

[2] محمد حسين الطباطبائي، تفسير الميزان، قم: مطبوعات إسماعيليان، ج15/ ص346.

[3] محمد علي الصغير، دراسات قرآنية، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، ص17 - 18.

[4] محمد رضا الشيرازي، كيف نفهم القرآن؟، بيروت: دار الفردوس، ص10 - 16.

[5] المصدر نفسه، ص17 - 106.

[6] يعزز المؤلف كلامه في هذه الآلية وما سيأتي بأمثلة دقيقة وعميقة، أعرضنا عن التمثيل ببعضها هنا رجاء الاختصار.

[7] المصدر نفسه، ص109 - 164.

[8] المصدر نفسه، ص165 - 200.


ارسل لصديق