فعليكم بالقرآن
كتبه: السيد جعفر العلوي
العدد (43) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 2121

إشكالية المسلم المعاصر

التخلف كلمة تختزل مرارة الواقع الذي نصطليه، وهي تعبير عن الفقر والجهل والمرض والاستبداد والذل... وربما يجدر أن يكون مرادفها (الجاهلية).

ولا تكمن إشكالية المسلم المعاصر في ندرة آيات الهدى، وإنما هي في الانسان ذاته، فعندما ضل الإنسان طريق الرسالة، احتوشته سبل الجهالة.

وبينما يخيل للإنسان أنه واعٍ بمحيطه إذ هو محدود بسجون نفسه المعرفية والشهوانية. وهكذا يتأكد الحديث عن تحطيم الأصنام الحجرية وتمثلاتها في المجتمع والثقافة.

وهكذا يفشل التّماس مع تجارب الحداثة الأوروبية في خلق التحرر حيث يُستبدل صنم عتيق بآخر حداثي، فما زالت النفوس أسيرة عبادة الأوثان، وهكذا هي تجربة المجتمع الإسرائيلي حين جاوز بهم الكليم (عليه السلام) البحر فكان منتهى طموحهم: ﴿يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، وكذا فإن الأصنام الحجرية في الكعبة كانت قد حُطِّمت على يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلا أن هذه الأصنام نفسها أفرزت آثاراً سلبيةً فيما بعد تمثلت في العصبيات القبلية.

:: التراث والدين؛ إن الاسترسال مع الهوى وما اعتادته الأذهان من مقدسات باطلة ليحول دون التفكير المتحرر الذي يستطيع الانفتاح العقلاني على الحياة، وليمنع التمييز بين الدين وتجارب البشر.

والإسلام كديانة إلهية يختلف عن التجارب التاريخية التي طُبِّق من خلالها في التاريخ، ذلك لأن هذه التجارب ليست مقدسة أو معصومة من الخطأ، فلا تكون مرجعية معرفية أو مقياساً.

:: حميّات الجاهلية؛ كهنوت السياسة بذلوا سعيهم أبداً لاستعباد الكائن البشري حيث يجردونه من شخصيته وفطرته ويسلبونه الوعي.

لقد اختلق مردة النفاق وسائل ينفذون بها لقلوب العامة، فماكنة الإعلام التي تصوغ العقول وتستثير الغرائز والحميّات أصبحت العجل الذي يُذهب بالعقول متكئاً على ماكنة الاقتصاد كأداة يقوم بها ويستعبد بها الفقراء.

:: سدنة التغريب؛ ثمة مجموعة تشبّعوا بالثقافة الغربية، وأرادوا أن يفسروا الإسلام على أساس المدارس الغربية وذلك لأنهم لم يروا أمامهم إلاّ إسلامًا قشريًّا لا يتفاعل مع العصر، ولا يستهدف إقامة العدل وتحقيق الحرية، وبالتالي توالت تيارات فكرية تستهدف تقويض الدين وإن بحسن نية حين فشلت في التمييز بين الدين والتراث وجعلتهما في نسق واحد.

:: تحديات العولمة؛ مفردات (الاتصالات والمعلوماتية، ترابط الاقتصاد العالمي، التعميم الثقافي والتفاعل المعرفي، هيمنة النظام الدولي على الدولة القطرية) قد توضّح ماذا تعني العولمة، وتوضّح مقدار التحدي بالنسبة لشعوب العالم في تحديد ما ينبغي والفاعلية والحضور.. وفي خضم ذلك تستثار أسئلة أساسية تتعلق بالهوية والخصوصية.

ومع أن ذراع العولمة المباشر هو تقنيات الاتصال إلا أن ثنائي (الاقتصاد والثقافة) هو الإشكالية الجدية.

نعم؛ الثقافة هنا ليست ترجمة لأيديولوجية تقليدية، وإنما هي تنميط سلوكي يصنعه السوق ومتطلبات الاقتصاد، والذي بدوره يُحيل الأكثرية البشرية بين عمالة رخيصة أو مستهلكين سلبيين مستعيناً بالتخريب الثقافي للجماعات البشرية وتفتيت بناها الثقافية إلى جزيئات تدور في فلك قوى السوق حتى فيما يأكلون أو يلبسون.

الثقافة الامتياز الإنساني

تنوّع الثقافات يتناسب مع تنوّع أشكال المدنيات؛ فلكل ثقافة أنموذج للشخصية (موافق عليه)، والذي يقوم بإجراء اختيار بين الأهداف والسلوكات الكامنة للإنسان، وهو متماثل الشكل ومترابط مع السمات الأساسية لثقافة ما. والأساليب الجمعية في التفكير والسلوك (المتوافق عليها) وهي (التي يكوِّن مجموعها الثقافة) هي السمات المشتركة التي (تميز) بها جماعة معينة نفسها و(تعتز) بها. فالهوية إذن تتألف من منظومة متماسكة من السمات المشتركة بين أعضاء الجماعة. وأيضاً (فقدانها يسبب صدعاً) بنيويًّا في الجماعة. وتلك السمات تتنوع بين اختيارية وغير ذلك كالعرق والجغرافيا والتاريخ.

:: محورية الثقافة؛ وهكذا فالإشكالية الثقافية بمثابة أم المشاكل التي تتفرع منها الأزمات والعقد الحضارية الأخرى. ذلك أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستطيع تحديد وجهة حياته المتمثلة في الثقافة، فثقافته هي التي تحدِّد كل مفردات حياته.

فلا غرو أن تكون المعرفة وحملتها في مكانة مرموقة؛ وقد قيل للإمام علي (عليه السلام): «مَنْ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ بَعْدَ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى؟. قَالَ (عليه السلام): الْعُلَمَاءُ إِذَا صَلَحُوا. قِيلَ: وَمَنْ شَرُّ خَلْقِ اللهِ بَعْدَ إِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ وَنُمْرُودَ وَبَعْدَ...؟. قَالَ (عليه السلام): الْعُلَمَاءُ إِذَا فَسَدُوا هُمُ الْمُظْهِرُونَ لِلأبَاطِيلِ الْكَاتِمُونَ لِلْحَقَائِقِ...»[1].

:: الثقافة أساس الهوية؛ يمتد العالم الإسلامي قارات ثلاث في مساحات هائلة حاوياً خمس البشر متنوعون من أجناس مختلفة وقوميات متعددة ولغات مختلفة ومذاهب متباينة؛ ومع ذلك فهم أمة واحدة يتأسس اجتماعهم على الدين.

ولا ريب أن الدين أحد المكونات الأساس في واقع الأمة يرتصف معه بصورة غير مرضية في أحايين كثيرة تاريخ الهويات الفرعية واضطراب التفاعل مع الحداثة الغربية.

إن ناظم الوحدة هو البنية الثقافية العميقة المؤسسة على الدين والتي تتمثل في صبغة الدين (مناسكه وشعائره، قيمه المعيارية الأساس، ومعارفه الكلية، والأهداف والغايات الفردية والجماعية التي تتخلق من خلال القيم والمعارف) وتتمظهر في روابط أخلاقية وعواطف متبادلة بين المسلمين على تنوعهم، وهي التي يلتقطها (الآخر) فيميز المسلم عما سواه بوضوح، فلا ريب في أن المنظومة المعرفية لهذا الدين تشكّل نسقاً يصبغ من ينتمي إليه بهوية محددة واضحة المعالم تميزه وترسم له حدوداً ومسارات.

هذه الهوية كما أنها ضمّت تنوّعاً كبيراً من العرقيات واللغات والمذهبيات فإنها خلقت نسقاً سمح بتفاعل عاطفي يتضح في المخاطر التي تتعرض لها الأمة، وسمح بتفاعل ثقافي فلم تستطع عوازل الحدود السياسية أو التنوع تشييد سدود تحول دون تنقل الأفكار والمدارس والتيارات في داخل الأمة.

:: اضطراب الرؤية وأزمة الهوية؛ جدليات (التراث والدين)، و(التأصيل والمعاصرة)، و(العلاقة مع الحداثة)، و(تفسير الدين)... وما شاكل ذلك يقف وراء الشلل الفكري والنفسي في بلورة معالجات لقضايا التخلف واللحوق بركب المدنية المعاصرة، فيتنازع الأمة تيارات لم تتمخض عن مسيرة تنموية بعد فشل الدولة العلمانية الحديثة في عالمنا المسلم والعربي. وأصبح عامة الناس نهباً للتجاذبات الفكرية وتقلبات المدارس والتيارات والسياسات والإعلام خصوصاً حين افتقد المسلم المرجعية المعرفية الواضحة لفقد القدرة على التواصل مع الدين معرفيًّا. فالمسلم نهب اضطراب الأفكار ورهين الوسائط التعريفية بالدين، وهي وسائط محكومة بتلك الجدليات، فهي تعمّق الأزمة حيث إنها تقدم تفسيراً أوليًّا للدين مختلف فيه وعليه فلا يكون جامعاً كما لا يُورث طمأنينة إلا مع التعامي.

وخطب أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس فقال:

«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللهِ، يَتَوَلَّى فِيهَا رِجَالٌ رِجَالاً، فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ لَمْ يَخْفَ عَلَى ذِي حِجًى، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ لَمْ يَكُنِ اخْتِلافٌ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ، وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ، فَيُمْزَجَانِ فَيَجِيئَانِ مَعاً، فَهُنَالِكَ اسْتَحْوَذَ الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَنَجَا الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى»[2].

سبيل النجاة من الفتن

سجية غالبية البشر حين يستقبلون امراً أنهم يزنونه بمسبقات فكرية غالبها ليس وليد الفطرة والعقل، وإنما هي المعارف الظنية والأهواء والمألوف والمصالح، وبذلك ينشأ الاختلاف في الرؤية بين البشر.

وقد مدح الرب تعالى التعقل في ميزان الأشياء؛ ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُواْ الاَلْبَابِ[3]، ووصف كتابه بالتذكرة لاستثارة العقول فهي إحدى الوسائل الاستراتيجية في خطاب الأنبياء (عليه السلام).

وفي حديث الإمام علي (عليه السلام) مع كميل النخعي: «يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ، النَّاسُ ثَلَاثَةٌ:

- فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ؛

- وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ؛

- وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَؤُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ..

يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ، وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الإِنْفَاقِ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ.

يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ، بِهِ يَكْسِبُ الإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ، وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.

يَا كُمَيْلُ هَلَكَ خُزَّانُ الأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ، هَا إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً (وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ) لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً، بَلَى؛ أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا، وَمُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَبِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ لاَ بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، أَلاَ لاَ ذَا وَلاَ ذَاكَ، أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّةِ، سَلِسَ الْقِيَادِ لِلشَّهْوَةِ، أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْعِ وَالادِّخَارِ، لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، أَقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهاً بِهِمَا الأَنْعَامُ السَّائِمَةُ، كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ...»[4].

إن إحدى إشكاليات النهضة ومحاربة التخلف تتمثل في العجز عن تعميم الوعي في المجتمع وتجاوز حدود النخب المحدودة.

وضرورة العقل وتنمية الوعي والنقد مما لا ريب فيه، وقد أولت الكثير من التيارت المستهدفة التقدم ذلك إلا أن القاعدة التي يستند إليها الوعي هي إشكالية جدية لازمت الإنسان، ويتعاظم خطرها مع صخب الفوضى المعرفية. وجوهر الإيمان بهذا الدين ليسوق بصورة جلية لتكامل العقل بالوحي بتذكيره وتزكيته وتوفير مرجعية معرفية مأمونة موثوقة.

إلا أن مُحرِّفة الكتاب يدأبون في حجب المعرفة وتشويش الأمور؛ وجاء في الحديث عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «أَوْحَى اللهُ إِلَى دَاوُدَ (عليه السلام): لا تَجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَالِماً مَفْتُوناً بِالدُّنْيَا فَيَصُدَّكَ عَنْ طَرِيقِ مَحَبَّتِي، فَإِنَّ أُولَئِكَ قُطَّاعُ طَرِيقِ عِبَادِيَ الْمُرِيدِينَ، إِنَّ أَدْنَى مَا أَنَا صَانِعٌ بِهِمْ أَنْ أَنْزِعَ حَلاوَةَ مُنَاجَاتِي عَنْ قُلُوبِهِمْ»[5].

لماذا القرآن

تجلّى أثر النص القرآني بوضوح في إعادة تشكيل العقل في العرب الأوائل، وإرساء أُسس منهجية قويمة للتفكير الصحيح، مما جعل البداة الحفاة صنّاع حضارة. والمؤمن بالله يثق بكتابه أنه سبيل الخلاص ومرقاة النهوض. والقرآن كتاب لا يختص بزمان دون زمان، ولا يُعنى بمشكلات قوم دون سواهم، لأن: «... اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَجْعَلْهُ لِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَلِنَاسٍ دُونَ نَاسٍ، فَهُوَ فِي كُلِّ زَمَانٍ جَدِيدٌ، وَعِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ غَضٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[6]، ولنوجز القول في مسألتين فقط:

أولاً:البصيرة القرآنية:

لقد بيَّن القرآن كثيراً من السنن والقوانين الإلهية في الكون، وفهم السنن يتيح فهم الحياة بعمق. ومع أن المناهج العلمية البشرية قادرة على الكشف عن مقدارٍ معتدٍّ به من السنن، إلا أن للقرآن امتيازاً منهجيًّا يمكن التعرف على بعض ملامحه:

1- السعة المعرفية والإحاطة التي تتيح تقديم المعرفة الحقة والدقيقة والعميقة. إن المناهج الأخرى مهما بلغت دقتها وشمولية أبعادها وموضوعية أصحابها إلاّ أنها تخضع لمحدودية الإنسان.

2- إن القرآن يقدم السنن في إطار الحكمة الإلهية العامة، وفي إطار الحكمة الخاصة. ولنلاحظ الآيات الآتية:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ (4) مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ[7].

وواضح إن حكمة الخلق التي جعلت العبودية غايتها في دار الدنيا، ينشأ عنها الابتلاء (الفتنة)، ومن ثم يتضح تفصيل السعي في الفتنة (الجهاد، الهروب والنفاق، الكفر).

3- السنن في وثوابت الثقافة الدينية:

للثقافة جانب ثابت، والآخر متغير. والثابت هو: قواعد التفكير في ثقافة ما. والمتغير هو: الاستجابة التفصيلية مع المتغيرات والمستجدات وخصوصية الظروف الاجتماعية في أبعادها الثقافية والسياسية والاقتصادية.

وآلية الاستفادة من كلا الأمرين هو العقل.

وفي مقاربة توضيحية لنتأمل ثلاث محددات:

الأول: قاعدة التوحيد وتواليه المعرفية.

الثاني: الخطاب الذي يتداوله الإسلاميون في حقبتين بينهما تباين وإن كانتا متصلتين ولنفرضهما حقبتي السبعينات والتسعينات من القرن المنصرم فنلاحظ (مفردة الرسالية والثورة في الأولى، والحرية والتعددية في الثانية).

الثالث: المواقف التي تنصنع بين الفينة والأخرى.

فقاعدة التوحيد وتواليه ثابت، والثالث من المتغيرات السريعة، وقد تكون أشبه باليوميات السياسية، والثاني هو متغير ثقافي تفرضه ظروف حقبة ما.

والذي نعتقده أن السنن في أطر الحكمة وقيم الشريعة هي البصائر الثابتة التي تشكّل ثوابت التفكير.

من هنا أصول الثقافة الدينية هي معارف متولدة من المعارف العقائدية، فهي شبيهة بها في الرسوخ من حيث الاعتقاد ومن حيث الواقعية.

والعقل الذي يختزن عناصر المعرفة ثم يحوّل كل مجموعة منها إلى قاعدة أو أرضية تفكير، ثم يقوم العقل بتوجيه السلوك اعتماداً على هذه القواعد والأرضية.

ثانياً: شهادة الأمة وتأسيس المرجعية المهيمنة:

إن إمكانية التحريف من العلماء أسوة بعلماء بني إسرائيل ومن خلال عبث السلطان في الدين ليرشد لضرورة وجود مرجعية معرفية مهيمنة على الجميع (السلطان، العلماء، العامة) متاحة للجميع تكون حكماً ومرجعية يستطيع من خلالها الإنسان المسلم العادي تمييز الغي من الرشد، وبذلك تصح مساءلته عن خطيئة اتِّباعه الأعمى للتحريف. ومن هنا لا يصح التقليد في ضرورات الدين الواضحة كما أصول العقائد الأساسية. وواضح أن معرفة الضرورات الواضحة إنما من القرآن الكريم، ومن هنا تعارف المسلمون الأوائل أنه من سمع آية تحريم أو آية فريضة لا يصح له الاعتذار بالجهل.

الثقافة القرآنية والتيار الديني:

خروجاً عن الاستحمار كما وصفته الآية الكريمة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً[8]، لا بد من فهم القرآن فهماً يجعله مهيمناً. والجدل حول إمكانية أو مشروعية التفسير لا تطال الفهم العرفي (الظهور المتاح لعامة الناس)، وهو الذي يؤسس لضروريات الدين وجملةٍ من المعارف العقدية والأخلاقية في مستواها الأولي، حيث إن القرآن خاطب مشركي الجزيرة العربية الأميين. نعم؛ ثمة امتياز للعرب الأوائل يتمثل في اللغة، وهي عائق ينبغي تجاوزه.

إن تكريس مرجعية القرآن العامة وإتاحة التواصل المعرفي بين كتاب الله والإنسان العادي هو عنوان الإيمان بالله وحسن الظن به من قبل المسلم. كما أن الحضّ على ذلك من المؤسسة والتيارات الدينية والعلماء هو عنوان حسن النوايا والتركيز على القيم والغايات الكبرى المتجاوزة للذاتيات.

إن الاهتمام المتنامي والمشكور بالقرآن الكريم حفظًا وتجويدًا والذي هو تطوير للسلوك الاجتماعي التقليدي تجاه القرآن الكريم - لا يمس جوهر القضية ولبابها، كما أن تكاثر الدوريات والمنتديات والأبحاث القرآنية مع أهميته البالغة إلا أنه يمكن ملاحظة الآتي:

- أن تأثيرها محصور في أروقة محدودة في معزل عن بحر المجتمع العام.

- مع أهمية تطور التفسير في العصر الحديث ودخول الجدليات الكلامية المعاصرة في الأبحاث القرآنية إلا أن الجانب التربوي - النهضوي هو عنصر لم يأخذ مساحة كافية.

إن مراجعاً لمضامين القرآن الكريم القيمية ومقايسة السلوك الاجتماعي من خلالها ليكشف عن هوة عميقة تفصل واقع مجتمعاتنا عن الثقافة القرآنية.

ولا ينبغي أن نُرجع حالة الطلاق إلى تنامي تيارات الاغتراب الفكري والثقافي، والانهزامية تجاه التشكيك الاستشراقي الحداثي، وإنما مرده إلى تراجع الحركة التجديدية الإصلاحية الدينية حيث هي التي اضطلعت بشرف تكريس الثقافة القرآنية. وبعبارة أخرى: إن غياب المشروع الإصلاحي - النهضوي في التيارات الدينية أو تعثره متلازم مع غياب الثقافة القرآنية أو تهميش حضورها.

ومن هنا ينبغي إيلاء قضية تفعيل حضور الثقافة القرآنية وتجسير العلاقة وتطبيعها بين القرآن الكريم والمسلم العادي اهتماماً بالغاً يعكس اهتمام النخب الدينية بالإصلاح والرسالية.

نعم؛ إن المسلم المتدين مسؤول بصفة فردية عن سلوكه وعن مدى اقترابه من القرآن الكريم، وبالتالي هو من الناحية الدينية مطالب بأن يُعالج حالة الطلاق على الصعيد الشخصي على أقل تقدير.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] بحار الأنوار، ج2، ص88.

[2] نهج البلاغة، 50، من كلام له وفيه بيان لما يخرب العالم به من الفتن وبيان هذه الفتن.

[3] سورة الزمر: آية: 17 - 18.

[4] نهج البلاغة، 147- من كلام له لكميل بن زياد.

[5] الكافي: ج1، ص46.

[6] بحار الأنوار: ج2، ص280.

[7] سورة العنكبوت.

[8] سورة الجمعة: آية 5.


ارسل لصديق